نشأة الأنواع: خلق أم تطور

قضايا

20  أغسطس  2017

مثلما كان جاليليو ونيوتن ولافوازييه، يعد شارلز داروين (1809 – 1882) أحد أبرز علماء عصره. ومن المهم إدراك أن تطور الكيمياء الكلاسيكية والكهرباء والمغناطيسية والديناميكا الحرارية قد حدث بالتوازى مع البيولوجيا الكلاسيكية. فقد أسلمت العلوم الفيزيائية نفسها بسهولة أكثر للنقاشات الكونية، بينما نحت جانبا الأسئلة الدينية الصعبة عن معنى الحياة والموت. فالدين فى نهاية المطاف يتعامل مع الموت وكذلك تفعل البيولوجيا. وفى القلب من بحث داروين يقع سؤال لماذا تموت الأشياء الحية؟

لاحظ داروين بعد قراءة مالتوس انعكاس كلامه على الصراع من أجل البقاء والموت، فالصراع من أجل الوجود يتتابع حتما من المعدل المرتفع الذى تميل عنده كل الاشياء العضوية للتزايد. فكل كائن لابد وأن يعانى من التدمير خلال فترة ما من حياته. من جهة أخرى، ووفقا لمبدأ الزيادة الهندسية، فان اعداد الكائنات الحية سريعا ما ستصبح كبيرة بشكل غير اعتيادى بحيث لايمكن للأرض أن تستوعبها. ومن ثم، كلما أنتج المزيد من الأفراد زاد من إمكانية بقائها، سيتوجب فى كل حالة أن يكون هناك صراعا من أجل الوجود. لكن هذا الصراع من أجل الوجود، الذى يكون فيه الموت محصلة حتمية، ينبغى ان يكون هناك أيضا بقاء للأنواع.وكتاب “عن أصل الانواع”الصادر عام 1859يتناول بشكل أساسى نشأة الأنواع الحية بأكثر من حديثه عن مستقبل تلك الأنواع – ولهذا فإن نظرية داروين محل نزاع دينى كبير.

لقد فشل داروين فى الحصول على شهادة الطب من جامعة إدنبره وبالتالى فلن يسير على خطى والده أو أخيه ليصبح طبيبا. وفى عام 1827 انقطع لدراسة بكالوريوس الفنون والآداب لإعداده لمنصب كاهن بكنيسة انجلترا حيث كان طالبا عاديا. وقد تذكر داروين أن أحد أفضل الكتب التى قرأها فى تلك الفترة كان كتاب بالى “اللاهوت الطبيعى”. الذى ترك فى نفسه أثرا قويا. فقد ذكر بالى أنه لايمكن أن يكون هناك تصميما من غير مصمم، اختراع من غير مخترع، نظاما من غير اختيار، ترتيبا من غير من هو قادر على الترتيب، وكل هذا يقتضى ضمنيا وجود الذكاء والعقل.

فى ذلك الوقت لم يقبل داروين وحسب سيطرة الخالق، حيث كان يعتقد حينئذ بعدم قابلية الأنواع للتغير. كما اطلع فى كامبردج على نظريات لاماركعن التطور والذى قارنه بجده، إرسمس داروين. ولدى عودته من نزهة جيولوجية إلى ويلز الشمالية فى عام 1831، وجد داروين خطابا ينتظره بخصوص إبحاره على السفينة “بيجل” كعالم طبيعة متطوع. كانت البعثة مخصصة لمسح وملاحظة ساحل امريكا الجنوبية، وقد أبحرت بيجل فى الفترة من عام 1831 الى عام 1836. كانت واجبات داورين الرصد وتدوين الملاحظات وجمع العينات والبيانات عن علم طبقات الأرض وعلم الإحاثةوعلم النبات وعلم الحيوان.

أحضر داروين معه مجلدا عن مبادئ الجيولوجيا، وزار عددا من اليابسة التى ظهرت لهم والتى شملت جزر فوكلاند وباتاجونيا وشيلى قبل التوجه غربا عبر المحيط الهادى والعودة إلى انجلترا. وأصبح مهتما بدراسة نباتات إقليم وعصر محددين وحيوانات منطقة أو حقبة ما أكثر من اهتمامه بالجيولوجيا وعلم الاحاثة.

ربما كانت وقفته الأشهر على جزر جالاباجوس بالقرب من خط الاستواء عند شاطئ الاكوادور غير مثيرة فى عقل داروين. فقد أمضت البيجل خمسة اسابيع فى جلاباجوس، قضى منهم دارون ثلاثة اسابيع على الشاطئ. وهناك دليل مشوش عما إذا كان استكشاف الجلاباجوس له ذلك التأثير المتوقع. وفى الواقع، علماء الطبيعة والعلماء التاليين قد علقوا بأنه على الرغم من أنه بذل مجهودا فى عمليه الجمع، إلا أنها قد تمت بشكل اعتباطى وغير متقن. ويبدو أنه كان مأخوذا جدا بجمع السلاحف العملاقة والاجوانا البحرية التى رآها فى جلاباجوس، كما جمع مناقير الطيور التى تسمى الآن بإسمه. لكن مجموعته من تلك المناقير لم تكن شاملة أو حتى منظمة. ولم يصبح مهتما بدلالة ما وجده إلا بعد استشارة زملائه فيما يخص عمليات تكيف مناقير داروين.ويعد إسهام داروين الأكبر فى الجيولوجيا عن تركيب وترتيب الشعاب المرجانية فى عام 1842، وقد أصدر 25 كتابا ومطبوعة كان أجدرها بالملاحظة: تركيب وتوزيع الشعاب المرجانية عام 1842، رحلة البيجل “فى عدة أجزاء” من عام 1839 الى عام 1845، عن نشأة الأنواع بواسطة الانتخاب الطبيعى عام 1859، وكتاب تحدر الإنسان والانتخاب فى علاقته بالجنس عام 1871.

لقد تردد داروين فى بداية الأمر فى إصدار سفره العظيم والذى تضمن نظرياته عن اصل الانواع، وظل سبب هذا لغزا بالنسبة للدارسين. ويبدو أن سبب تردد داروين فى إصدار نظرياته هو إدراكه للتطبيقات المادية لنظرياته. فقد خشى داروين من أن انجلترا الفيكتورية لم تكن لترحب بكتابه عندما أصبح واعيا بمضمونه الإلحادى. لقد تكلم التطوريون الآخرون عن القوى الحيوية، التاريخ الموجه، النضال العضوى، وعدم قابلية اختزال العقل بشكل أساسى – كغطاء من المفاهيم التى يمكن أن تقبل المسيحية التقليدية التوافق معها، لأنهم سمحوا أن يعمل الإله المسيحى بالتطور بدلا من الخلق. فقط داروين هو من تكلم عن التنوع العشوائى والانتخاب الطبيعى، لم تكن مشكلة داروين تختلف جوهريا عن مشكلة نيوتن. فكلاهما قد أدركحقيقة أن علمهما يتناقض مع المسيحية الأرثوذوكسية.

النقطة الأولى التى تحتاج توضيحا هى أن داروين لم ينشئ التطور. فلم تكن نظرية التطور إسهام داروين الرئيسى فى التاريخ الطبيعى أو علم الأحياء، تلك النقطة غالبا ما تكون مشوشةعندما يفكر المرء فى داروين. فما قام به داروين كان طرح آلية الانتخاب الطبيعى حيث يمكن للتطور أن يحدث بشكل منطقى. وقد تأسست آلية داروين للانتخاب الطبيعى على ثلاثة مبادئ (تزايد التعداد بشكل طردى، التنوع يحدث ضمن الأنواع، الصفات يمكن أن تورث) وبفرض تطبيق تلك المبادئ الثلاثة، على عدد هائل من الأجيال فسيكون هناك انتخاب طبيعى لتلك الأنواع التى لديها أفضل خصائص البقاء. وببطء خلال تلك العملية تتطور الأنواع لتكون متناسبة بشكل أفضل مع بيئتها، لتصبح فى نهاية المطاف أنواعا اخرى.

كان هناك أسلافا عديدن لداروين بالنسبة للنظرية التطورية: بوفون، الذى إفترض كتابه “التاريخ الطبيعى” وجود التغيير والتطور فى الحياة العضوية – من الوحل البدائى إلى الكائن البشرى،وجده ايرزمس داروين الذى يفترض كتابه “زوونوميا”أيضا نظرية للتطور العضوى، وجين بابتيست لامارك الذى درس داروين كتابه “فلسفة علم الحيوان”فى كامبريدج.

كان لامارك من أوائل الذين استخدموا مصطلح “بيولوجى”فى عام 1802،وقد نصت نظريته عن التطور على أن البيئة تتسبب فى حدوث تغييرات فى الحيوانات وأن الحياة مركبة بطريقة مرتبة. كما كان يعتقد أن الوراثة الناعمة والتى تعنى أن القوة الخيميائية المركبة تقود الحيوانات لتصبح أكثر تعقيدا وأكثر اتقانا وأكثر تكيفا مع بيئتها. ووفقا للامارك فإننا نمرر تلك الخصائص  التكيفية إلى نسلنا. فعلى سبيل المثال، لأن الزرافات قد أطالت اعناقها لتصل إلى الأوراق العالية على الأشجار، فإن التطور اللاماركى يقول أن نسلها يجب أن يولد بأعناق أطول،وتلك العملية مثل الانتخاب الطبيعى لداروين يمكنها أن تغير الانواع عبر الزمن. لقد رأى لامارك همزات الوصل بين الحيوانات المعاصرة وسجل الحفريات. ودافع عن نظرية تطورية تقوم على الصفات المكتسبة والصفات الوراثية، وكان أول من افترض نظرية للتطور تقوم على تأثيرات البيئة، وتأثيرات استخدام وعدم استخدام الأعضاء، وعلى توريث الصفات المكتسبة. كان التطور اللاماركى مايزال يجادل به حتى القرن العشرين.

استبق روبرت شامبرز داروين بافتراض نظرية تطورية للتاريخ الطبيعى. لكنه اختلف عن داروين فى محاولة البرهنة على غائية التاريخ الطبيعى، ومن ثم فقد حاول تقديم نظرية تطور للتوفيق بين التاريخ الطبيعى ونظرية الخلق حسب الكتاب المقدس. وبالنسبة لشامبرز، كان التطور يعنى أن الله قد رتب التطور الطبيعى والتقدم، فقد خلق الله العالم بامكانية كامنة للنمو والتغير من خلال قوانين طبيعية أو قوانين للتطورالعضوى.كان لنظرية شامبرز عن التطور نظرة مألوفة: التصميم الشامل–الكمال، التعاون الرائع–الاستمرارية والتدرج، والهدف المركزى–تصميم الله الطبيعى والقوانين غير القابلة للتغيير، وهو يشبه جدا فى هذا الشأن اللاهوت الطبيعى لوليام بالى. وبينما سبق شامبرز داروين، فمن الظاهر أنه لم يكن لديه تأثيرا مباشرا على داروين أو على نظرياته.

لم يستخدم داروين أبدا مصطلح تطور، سواء فى كتابه “عن أصل الانواع” أو ضمن إصدراته الأخرى، بل استخدم دائما مصطلح “تحدر مع التعديل”. وكان دائم الحرص على عدم استخدام مصطلحات “أعلى” او “أدنى” فى وصف كيفية تكيف الكائنات مع بيئتها، فالبزاقة العريانة قد تكيفت تماما مع بيئتها كما فعلنا نحن، وكان داروين يتسائل عمن مخول له أن يقول ماهو الأعلى أو الأدنى فى مسيرة التطور البيولوجى؟

أصر نقاد داروين بشكل متكرر على أنه قد دافع عن التطور التدريجى. وتسائل بعضهم “هل وصل الإنسان إلى هنا بالخلق أم بالتطور: فالتطور بمصطلحات بسيطة جدا، يعنى أن الحياة تدرجت من كائنات وحيدة الخلية إلى حالتها الأعلى، الوجود البشرى، بواسطة سلسلة من التغيرات البيولوجية التى حدثت عبر ملايين السنين … مجرد التغير ضمن نوع بسيط من الشئ الحى لاينظر له كتطور”. لكن انتقادات داروين قد اخفقت عموما بأربعة طرق: فقد كان بوفون هو الذى ضمن التطور التدريجى من الوحل البدائى للإنسان، وكان شامبرزهو الذى قدم النظرية الغائية للتطور، كما كان لاماركهو من جادل بأن الكائنات هى التى شائت مصيرها التطورى الخاص بها، ولم يكن ما أطلق عليه داروين “التحدر مع التعديل”يحدث تدريجيا (غائيا) من أشكال حياة أدنى لأشكال أعلى كما تم تضمينه من قبل أنصار الخلق.

لقد تطورت نظرية داروين الخاصة بالتحدر مع التعديل دون معرفة علم الجينات أو قوانين الوراثة. إذ اصدر القس جريجور ماندل النتائج الخاصة بدراساته الجينية فى عام 1866، لكنها ظلت غير مشهورة تقريبا حتى العام 1900. وهكذا فأول نصف قرن من الجدل بشأن الانتخاب الطبيعى والتطور جرى دون أى فهم لعلم الجينات. وفى الواقع بحلول القرن التاسع عشر، لم يثمر السجل الحفرى عن أى بقايا إنسانية معروفة. وقد ساعد غياب البشر من سجل الحفريات على تصديق الاعتقاد بالخلق الخاص للإنسان كما جاء بكتب اللاهوت، كانت الأدوات الحجرية قد وجدت فى فرنسا، لكن كان هناك قدرا كبيرا من الجدل والتشكيك حول نشأتها وأصلها.

فى عام 1848 وجدت جمجمة فى جيبرلتار بانجلترا، وفى عام 1856، كان العمال فى وادى نياندر يقتلعون قوالب الحجر الجيرى على جانب تل شديد الانحدار بالقرب من دوسلدروف وقد انجرفوا فجأة الى كهف فوق نهر نياندر فى مقاطعة الراين. وهنا اكتشفوا بعض العظام القديمة، تشمل جمجمة شبه بشرية كاملة. تم جلب ما وجدوه صدفة إلى المجتمع العلمى لتحليله وقد لوحظ: انخفاض قوس الحاجب، وبروز الفك السفلى، والبروز الكبير لمقدمة الرأس، والوضع الثقيل الذى أعيد بناءه من الهيكل العظمى. تسبب انسان نيتندرتال فى إثارة المجتمع العلمى (كان يجب أن يمر أكثر من 50 عاما قبل ان يتمكن علماء الإحاثة من الموافقة على أن انسان نياندرتال كان شبيه الإنسان وقد عاش بين 20.000 و 100.000 سنة قبل الميلاد).بعد سنوات قليلة وفى عام 1868، فتح فريق من العمال يشقون طريقا للسكك الحديدية فى فرنسا كهفا آخر يحتوى على خمسة هياكل عظمية لما سمى الكروماجنون.

حدثت تلك الاكتشافات المصادفة عندما بدأ الأوربيون يتجادلون حول أصل الإنسان بين تاريخية الكتاب المقدس وكتاب داروين عن أصل الأنواع. كان كروماجنون ونياندرتال متعاصرين (حوالى 20.000 سنة قبل الميلاد). وكان كروماجنون سلفا للهوموسابينس الحديث بينما كان نياندرتال ينقرض بعد أن وصل الى طريق مسدود. وقد طرح اكتشاف عظام الأنواع المنقرضة شبيهة الإنسان أسئلة أساسية حول وحدة الأنواع البشرية، وبالتالى صلاحية كتاب داروين عن أصل الأنواع (1859) وكتابه عن تحدر الإنسان (1871).لذلك، بلغت الداروينية سن الرشد فى وقت عندما كانت هناك اكتشافات درامية فى علم الإحاثة البشرية، ونظريات التطور الاجتماعى (التقدم) وحيث كانت الأفكار المادية تكتسب زخما فى الثقافة الغربية.

كان العلماء متفوقين فى الجدالات العنيفة عن داروين والتى كان عليهم خوضها. وغالبا، فان الجدل العام لم يكن حول نظرية علمية، أكثر من كونه صداما رمزيا بين العلم والدين. فى الحقيقة، ساد اعتقاد بأن العلم غير ذى صلة تماما، وإبان تلك الفترة صدر قانون تينسى فى الولايات المتحدة الأمريكية يحظر تدريس التطور فى المدارس العامة، كما قرر أحد القضاة أن شهادة العلماء لم تكن وثيقة الصلة بالمسائل الاجتماعية والدينية والسياسية أمام محكمة تينسى.

كان لويس أجاسيز (1806 – 1873) يمثل نظرية الخلق العلمية وأحد أهم علماء البيولوجيا البارزين فى القرن التاسع عشر. وكان ذائع الصيت لدرجة أن داروين قد أرسل له مسودة “عن أصل الأنواع” قبل طباعته.تدرب أجاسيز فى أفضل جامعات أوروبا، وذهب إلى فرنسا للدراسة مع جورج كوفير أعظم عالم إحاثة اعتقد فى الكارثية فيما يخص التطور الجيولجى. عارض كوفير التطور اللاماركى، كما رفض أجاسيز مذهب التطور، لكنه مثل كوفير كان مأخوذا بفلسفة ويليام بالى الطبيعية. كان أجاسيز يرى يد الله الهادفة والرائعة فى كل الخلق، ولم تكن رؤيته غير شائعةأو غير معتادة فى القرن التاسع عشر فقد كان عالما مدققا، وقد توافقت نظريات العصور الجليلدية الدورية تماما مع نظرته الكارثية للتغير الجيولوجى.

كان يمكن التنبوء بتفاعل أجاسيز مع مخطوط داروين. فقد كان أجاسيز يؤمن بأن الخلق المتتابع للكائنات كان مفصولا بكوارث. واعتقد أن السجل الحفرى يمكن شرحه بشكل أفضل بأفعال الخلق المتتالية للرب. ومع أن آراء أجاسيز لم تكن مستقاة من الكتاب المقدس، إلا أنها جاءت متوافقة مع قصة الخلق كما وردت بالكتاب المقدس. فحسب أجاسيز، فان الخالق، شبه خالق نيوتن جدا، قد صمم مقدما الخطة والشكل الأساسيين، لكنه لم يعالج التفاصيل. لذلك فإن أجاسيز كان بمقدوره إفساح المجال لقدر معين من التغير والتطور.على هامش كتاب “عن أصل الانواع” كتب أجاسيز: “ماهو الخلاف الأكبر بين افتراض أن الله قد صنع أنواع مختلفة، أو أنه قد صنع القوانين التى تختلف وفقها تلك الأنواع؟”

من المهم ملاحظة أن أجاسيز كان مهتما بتطوير نظاما علميا، وليس لاهوتيا. ومن دراسته للطبيعة، اعتقد أنه يوجد هناك إقليما حيوانيا واضح المعالم ويمكن تحديده فى الطبيعة بحيواناته وحياته النباتية المميزة. كانت استراليا مثالا نموذجيا للإقليم الحيوانى – ومدى تميزه – وكانت الطبيعة كلها كانت تشبه استراليا. وفى تفسيره، فإن الغنى والتنوع الكبير فى الأنواع الموجودة فى عالم الإقليم الحيوانى المتميز تضمنت مخلوقات خاصة والتى بدورها تتضمن خلقا متميزا.

رأى أجاسيز تناظرا بين تعدد الخلق ووحدانية الخالق. ودافع عن أن كل البشر قد تمتعوا بوحدة روحية وأخلاقية، ولكن بنظرة علم الحيوان، “فإن الأجناس العديدة للإنسان كانت واضحة جدا ومميزة”. وقام بتعريف ثمانية أجناس بشرية للتوافق مع الثمانية مناطق حيوانية الكبرى: “القوقازى، القطبشمالى، المونجولى، الهنود الامريكيون، الزنوج، الهوتنتوت، شعب الملايو، والاستراليين” ومما يدعو للسخرية اننا نستخدم اليوم نسخة معدلة من أجناس أجاسيز الثمانية لأغراض الدعاوى القضائية لاثبات النسب.

ومن كلام أجاسيز عن الكتاب المقدس – ” الكتاب المقدس لم يكن مرجعا للتاريخ الطبيعى ولم يكن من المقدور معاملته كذلك من قبل عقل يبحث فقط عن اكتشاف الحقيقة، فالعلم له الحق فى فحص تلك الأسئلة دون مرجعية من السياسة أو الدين”. ومن ثم خلص إلى أنه فى الحقيقة لم يكن من المهم جدا إذا ما كانت مجموعات البشر قد سميت أجناس، تنويعات، أو أنواع – فما كان مهما هو إدراك الاختلافات الجوهرية بين الأجناس. وبالإضافة إلى الاختلافات الفيزيائية الواضحة مثلا، اعتقد أجاسيز بأن السود كانوا بطبيعتهم خانعين ومتذللين وميالين للتقليد – وأن حجة وحدة الجنس البشرى ستضلل العلم إذا تضمنت أن السود كانوا مساويين للبيض.داروين نفسه، كان على صلة وثيقة بهذا الجدل بين تعددية ووحدة الأجناس البشرية. ويذكر أن داروين كان ذو علاقات واسعة مع السود والأجناس الأخرى أكثر بكثير مما فعل أجاسيز. وبالمقارنة بأجاسيز، كان داروين متحمسا جدا ومتحدثا بصراحة للدفاع عن مناهضة العبودية ومؤمنا بوحدة الأجناس البشرية.

بنهاية هذا المقال الثالث عن التطور نكون قد قدمنا استعراضا تاريخيا عاما لنشأة وتطور الافكار الخاصة ببداية الحياة ووجود الإنسان على الأرض. وقد أشرنا فى سياق حديثنا لذلك الصراع المحتدم – ومازال – بين الميتافيزيقا ممثلة فى اللاهوت والأفكار المثالية من جهة، وبين العلم ممثلا فى الأفكار والفلسفات المادية والنظريات العلمية المستندة لحقائق الطبيعة التى يمكن رصدها وقياسها والتيقن منها. لم يكن همنا فى تلك المقالات استعراض تفاصيل المدارس العلمية المختلفة الخاصة بنشأة وتطور الحياة، لما قد يمثله ذلك من ثقل على القارئ غير المتخصص. ونود هنا الإشارة إلى أنه وبعد مضى أكثر من قرن ونصف،على صدور سفر داروين العظيم عن أصل الأنواع، قد جرت فى نهر العلم مياه كثيرة، كطوفان اكتسح أمامه كل المزاعم الميتافيزيقة عن نشاة وتطور الحياة على كوكب الأرض. فمع تطور علوم الوراثة والجينات والتشريح المقارن ومع التقدم الملحوظ فى تقنية الكشف عن الحفريات وتصنيفها، والاكتشافات البيولوجية الحديثة وعلوم الذرة اصبح لزاما على اللاهوت أن يترجل عن صهوة العقل البشرى ويخلى مكانه نهائيا للعلم على الأقل فيما يخص نشأة الحياة وتطورها. ليتمكن العلم من استكمال استكشاف كل مايخص الحياة– وقد يتسنى لنا قريبا استعراض آخر منجزات العلم فى هذا المضمار –تاركا للاهوت تفرده بالنقاش فى قضايا الموت ومابعد الحياة.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

التجريد ضرورة ثورية موضوع المقال هو المنهج الجدلي عند ماركس، وبوجه أخص، "التجريد" كنمط من التفكير يكمن في صميم المنهج الجدلي.

عمر الشافعي

العلم … والثورة

أيمن أحمد عياد

تطور فكرة التطور تعتبر البيولوجيا نتاجا للقرن التاسع عشر. لكن اول محاولة كبرى لعمل ترتيب ونظام للبيانات البيولوجية الهائلة التى جمعت منذ عصر كولومبوس قد بدأت بواسطة عالم الطبيعة وخبير علم التصنيف السويدى العظيم كارلوس لينايوس(1707 – 1778) جامع الطيور والنباتات.

أيمن أحمد عياد