الانتفاضة الريفية بالمغرب: نضال مستمر ضد القمع والتقشف

قضايا

19  أغسطس  2017

بقلم:  مهدي رفيق

تمكنت الانتفاضة الشعبية المندلعة في منطقة أقصى شمال المغرب المعروفة بالريف،(1) من إعادة الجماهير مرة أخرى إلى التأثير في مسرح الأحداث السياسية بعد التراجع الذي عرفته حركة العشرين من فبراير التي عبرت من خلالها الجماهير الشعبية، مطلع عام 2011 عن توقها للحرية والعدالة الاجتماعية وطرحت مطالب سياسية، سرعان ما التف عليها النظام بتقديم تنازلات سياسية (تعديل الدستور، حل البرلمان وإجراء انتخابات نيابية سابقة لأوانها، دسترة الأمازيغية كلغة رسمية للدولة…)، وأخرى اجتماعية تم توجيهها بالأساس بغاية تحييد الطبقة العاملة من الصراع السياسي وقتئذ عبر الزيادة في أجور العاملين في القطاعين العام والخاص، وتسوية مطالب العديد من فئات الأجراء، كما تم تشغيل الآلاف من المعطلين، وتم التغاضي عن حركة البناء بدون رخص قانونية. لكن سرعان ما تم التراجع عن هذه المكاسب المحققة بتصعيد حملة قمعية شرسة تحت يافطة استرجاع هيبة الدولة، وذلك بالتضييق على الأحزاب والجمعيات المعارضة وسجن الصحفيين وقمع نضالات الحركات الاجتماعية والشبابية واعتقال نشطائها.

 وطبعا كان الغرض الأساسي من هذا التصعيد القمعي هو استعادة مساحات الاحتجاج السياسي التي انتزعها الشعب في البدايات الأولى لانطلاق السيرورات الثورية في منطقتنا العربية والمغاربية، واستغلال ظروف التراجع هذه للتمادي في تطبيق السياسيات النيوليبرالية، حيث شهدت الأربع سنوات التي تلت تراجع حركة 20 فبراير، هجوما غير مسبوق على القدرة الشرائية للسواد الأعظم من المواطنين (تم تقليص ميزانية دعم المواد الأساسية من 57 مليار درهم في سنة 2012 إلى 12 مليار برسم السنة الحالية)، وتم تطبيق إصلاحات مضادة في مجال التقاعد (تقليص المعاشات بالثلث، ورفع سن العمل ب 3 سنوات..)، وتم إقرار العمل بالعقدة في مجال الوظائف العامة، وتسريح ما يزيد عن 25 ألف عامل في قطاع الصناعة لوحده كل سنة، كما ساهم الجفاف الذي عرفه المغرب في السنوات الأخيرة في فقدان هائل لمناصب الشغل في القطاع الفلاحي، منها 175 ألف منصب شغل في سنة 2016 لوحدها.

بصفة عامة يمكن القول أن النظام يتخبط في أزمة مستديمة تقوم على انعدام أية إمكانية حقيقية لنمو اقتصادي فعال قد يسمح بتحقيق السلم الاجتماعي المأمول من قبل الطبقة الحاكمة. فمديونية البلد بلغت في سنة 2016 أكثر من 828 مليار درهم أي ما يعادل تقريبا 82 % من الناتج الداخلي الخام مقابل 59% في سنة 2010. و انعكست سياسة اتفاقات التبادل الحر سلبا على الاقتصاد المغربي وزادت من عجز الميزان التجاري الذي بلغ 40.23 مليار درهم (حوالي 4.14 مليار دولار) في الأشهر الأربعة الأولى من 2017  حسب ما أعلن عنه مكتب الصرف.

أمام هذه الحالة المأزومة للاقتصاد المغربي، تتقلص هوامش المناورة للنظام في الاستجابة للإصلاحات الاجتماعية التي تطالب بها النقابات والحركات الاجتماعية ما يجعل الوضع الاجتماعي على صفيح ساخن وقابل للانفجار في أية لحظة، لكن هذا لا ينبغي أن نفهم منه أن أزمة النظام الاقتصادية المزمنة كافية وحدها لحدوث انفجارات سياسية كبرى، لا سيما أن هناك مخاوف حقيقية خلقتها الأوضاع الناتجة عن الثورات المضادة، تدفع قطاعات جماهيرية واسعة من الطبقة الوسطى، وحتى في صفوف العمال والكادحين، إلى تفضيل واقع “الاستقرار الأمني” ولو على حساب مصلحتها في تحسن وضعها المعيشي، خاصة في ظل غياب معارضة سياسية شعبية قادرة على إقناع الناس ببدائل سياسية واجتماعية واضحة وقابلة للتطبيق على الأرض.

في ظل التناقضات التي تختزنها هذه اللوحة الاقتصادية والاجتماعية، اندلعت في منطقة أقصى الشمال نضالات اجتماعية كبرى منذ أكتوبر الماضي، على خلفية مقتل الشاب “محسن فكري” وطحنه في حاوية أزبال بعد مصادرة أسماكه. وقد ساهم في انتشار النضالات وتجذرها في الريف، واقع التهميش الاقتصادي الذي تعاني منه هذه المنطقة حيث تتركز ثلثي الاستثمارات المنتجة في وسط المغرب (محور القنيطرة-الجديدة)، وتردي الخدمات الاجتماعية وتفاقم بطالة الشباب، لاسيما في صفوف خريجي الجامعات والمعاهد العليا والتقنية (60% مقابل 23 % كمعدل وطني) من جهة، ومن جهة أخرى مكن استناد الحركة الجماهيرية على أشكال للتنظيم الذاتي بتشكيل لجان شعبية في معظم مدن الريف وبلداته، والمشاركة المكثفة للشباب والنساء وانتشار حركة تضامن من قبل العمال المهاجرين في عدة بلدان أوربية، في صمود الحركة بوجه القمع الشرس الذي يشنه النظام بعد فشله في إخماد غضب الجماهير وزرع بذور التفرقة فيما بينها بهجومه على نشطاء الحراك واتهامهم بالسعي للانفصال وبخدمة أجندات خارجية تسعى لزعزعة استقرار النظام الملكي وغيرها من الاتهامات الباطلة، التي ردت عليها الجماهير بتمسكها بفتح مفاوضات جادة حول مطالبها الاجتماعية والاقتصادية والديمقراطية (رفع العسكرة عن الريف، إطلاق سراح المعتقلين السياسيين ووقف المتابعات الأمنية والقضائية، تحسين الخدمات الصحية والتعليمية وبناء البنيات التحتية الضرورية وتوزيع عادل للثروات البحرية والغابوية، وتطهير الإدارات المحلية من رموز الفساد..).

وأمام عجز سياسة القمع (اعتقال أزيد من 250 ناشط، واغتيال الشهيد “عماد العتابي”، ترهيب الساكنة عبر اقتحام البيوت…) على اجتثاث الحركة المنتفضة، اضطر الملك في خطاب رسمي في 29 يوليو المنصرم، إلى الاعتراف بحجم الكارثة الاجتماعية، محملا مسؤولية ذلك إلى الأحزاب والنخب المحلية والوطنية المنتخبة، مدافعا في نفس الوقت عن عقيدة القمع والتقشف، بتنويهه بدور “الأجهزة الأمنية” في ضمان الأمن والاستقرار في رد مباشر على متهمي الدولة باعتماد المقاربة الأمنية في التعاطي مع مطالب الحراك الشعبي في الريف. كما أشاد بالقطاع الخاص وبدوره في التنمية، مهاجما في نفس الوقت أداء أجراء القطاع العام وتحميلهم مسؤولية فشل السياسات المتبعة، وما يعنيه ذلك من تصعيد للقمع ضد المحتجين، ومن فسح المجال لتطبيق المزيد من سياسة التقشف والخوصصة وتفكيك الخدمات العمومية والتراجع عن مكاسب الأجراء، خاصة في القطاع العام.

وقد تمكن الحراك الشعبي في الريف، من تحقيق عدة مكاسب منذ انطلاقه إلى اليوم، حيث فرض تسريع وتيرة إنجاز المشاريع المتعثرة، وضخ ميزانيات استثنائية لمواصلتها، وتنقلت وفود وزارية للحسيمة لمباشرة مفاوضات مع النشطاء، وتشكلت لجان تحقيق مركزية، وصدر اعتذار حكومي عن توصيف الحركة بالانفصالية من قبل زعماء الأغلبية الحكومية، وتم تشغيل 900 عاطل في ميدان التعليم بموجب عقود عمل، وفرض إطلاق سراح بعض المعتقلين. غير أن نقطة الضعف المركزية التي يعاني منها الحراك الشعبي اليوم في الريف وغيره من مناطق البلد، هي غياب معارضة سياسية لها جذور جماهيرية عميقة قادرة على نشر الحركة وتعميمها وتنظيمها في باقي المناطق، وخاصة العمالية منها، وعلى مد الاستعداد النضالي الهائل للجماهير بأسباب تطوره وتجذره على طريق التحرر النهائي من ثالوث الاستبداد والاستغلال والتبعية. وما يزيد من صعوبة الوضع هو بقاء العمال خارج دائرة النضالات الجارية حاليا، ما يحول دون مد النضالات الشعبية بالفعالية الاقتصادية (شل مؤسسات الانتاج) الكفيلة بدفع الطبقة الحاكمة إلى الرضوخ لمطالب المنتفضين. فكما قال جون مولينو “تظل  التعبئة الجماهيرية في الشوارع خطوة ضرورية تماما في أي عملية ثورية، لكننا سنحتاج أيضا الإضرابات العامة واحتلال أماكن العمل، لأن نقطة الإنتاج هي التي يكون رأس المال عندها في أضعف أوضاعه وتتركز فيها قوة الطبقة. بالإضافة لهذا، نحن نحتاج القيادة الاشتراكية الثورية، لأنه بدون السياسة الثورية يمكن إساءة قيادة وتوجيه أي حركة جماهيرية وخيانتها”(2).

وبدون  السعي إلى ربط الحركة العمالية بمختلف أشكال المقاومة الاجتماعية ضد هجوم الطبقات السائدة، عبر إعادة بناء يسار مناهض للرأسمالية، اجتماعي وسياسي، جريء يهدف إلى التأثير في النضالات والتعبئات وتوجيهها، فإنه يتعذر التقدم في بناء ميزان قوى نضالي لصالح معسكر النضال لأجل التغيير الجذري الشامل، وهذا في حد ذاته يحتاج لجهود سياسية وعملية حثيثة لانتزاع الطبقة العاملة من قبضة الاتجاهات البرجوازية والانتهازية وهيمنتها السياسية والإيديولوجية، والتي أدت إلى أزمة غير مسبوقة في الوعي الطبقي وفي تفكك تنظيمات الطبقة العاملة وعجزها عن الرد على تعديات البرجوازية. كما يقتضي التقدم على طريق تحسين ميزان القوى لصالح عالم الشغل والشباب والانخراط في إعادة بناء منظمات النضال الطلابي والنقابي والنسوي على أسس ديمقراطية وكفاحية لتخصيب نضال الحركات الاجتماعية والشعبية المتنوعة وضمان تصديها للهجوم النيوليبرالي.

وبقدر تمكن اليسار الثوري من فهم هذه الحركات الجذرية الجديدة في أشكال النضال والتنظيم حول مطالب آنية وجزئية وفئوية ومناطقية، والتأثير فيها وتوجيهها سياسيا وبرنامجيا، مع حرصه على احترام استقلاليتها ضمن منظور التحرر الذاتي، في سياق مطبوع بتغير المناخ الاجتماعي (تزايد دور المقاومات الاجتماعية مقابل تراجع الدور النضالي للطبقة العاملة) والإيديولوجي (ضعف التنظيمات الإصلاحية وعجز الحركة الإسلامية والقومية على تقديم بديل متماسك عن أزمة النموذج النيوليبرالي ونتائجه الكارثية)، بقدر ما سيتمكن من تشجيع تبلور وانبثاق تيارات معادية للرأسمالية على الصعيدين الاجتماعي والنقابي كما السياسي على السواء. وفي مثل هذه الحالة المتسمة بتجذر نضال الجماهير ما “على اليسار(…) إلاّ أن يرمي بقواه الضعيفة نسبيا في النضال من أجل انشاء قطب ثوري يجذب الجماهير المنغمسة في انفجارات مجتمع كامل في أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية” (3).

خلاصة القول، أن ما يجري في المغرب يكشف أننا دخلنا دورة جديدة من النضالات والمطالب، من مكاسبها الأولية تزايد النشاط الواعي والمنظم «للذين في أسفل»، هذا النشاط الذي زاد من تراكم الإحساس بقدرة الجماهير على تغيير أوضاعها من جهة، ومن جهة أخرى كشف بشكل جلي عجز النموذج النيوليبرالي عن تلبية الحاجات الاجتماعية الأولية للجماهير المستغلة والمضطهدة. وقد بات هذا، “يدفع إلى معارك اجتماعية ضارية، حتى دون ضمان بديل، ومنظور وتنظيم صلب. لقد تم دخول دورة نضالات جديدة أشد ضراوة و أكثر اتساعا، لكنها أيضا أصعب، لكنها تستثير بشكل شبه عفوي الحاجة إلى حلول إجمالية، وتعيد طرح «المسألة السياسية»، أي الدور السياسي للحكومة والأحزاب. سيكون لهذه الخبرة الطويلة مع السياسة النيوليبرالية، ومع ما فرضت من قوى سياسية واجتماعية، دور أساسي في التوضيح السياسي على نطاق جماهيري وفي انبعاث حركة عمالية واجتماعية جديدة من حيث التنظيم والنشاط على كافة الأصعدة (العدد، الالتزام السياسي، النشاط، التنظيم الذاتي، المطالب والبرنامج المعادي للرأسمالية)” (4).

هوامش

 (1)-  الريف يحيل إلى منطقة أقصى شمال المغرب التي تضم مدن الحسيمة والناظور والعروي وبلدات وقرى أخرى. وهي مناطق يتكلم سكانها، بالأساس، الأمازيغية. وهي معروفة، أيضا، بنضالها الوطني المسلح ضد الاستعمار الإسباني بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي قاد حرب عصابات ضد الجيوش الاسبانية، وهزمها في معركة أنوال الشهيرة في يوليو1921، معلنا عن قيام جمهورية الريف في 18 سبتمبر من نفس السنة. وقد تعرضت المنطقة لقمع رهيب في سنة 1958 جراء انتفاضتها ضد قرار الاستقلال الشكلي والمفاوضات الخيانية التي قادتها الحركة الوطنية البرجوازية مع المستعمر الإسباني والتي ترتب عنها حصول المغرب على استقلال منقوص السيادة، ورفض جيش التحرير التنازل عن السلاح لصالح نظام الحسن الثاني. وبعد هذه الاحداث عرفت المنطقة هجرة كثيرة لأبنائها في بداية الستينيات إلى بلدان أوربا (فرنسا، ألمانيا، بلجيكا، هولندا…) كما ووجهت انتفاضة أخرى خاضتها جماهير الريف في سنة 1984 بقمع رهيب. ويعد الريف من المناطق الأكثر تهميشا للأسباب التاريخية المذكورة أعلاه.

(2)- جون مولينو، “هل تفشل الثورات دائما”، 6 أغسطس 2014، ترجمة وائل جمال -مركز الدراسات الاشتراكية.

(3)- كريس هارمان، “الأرجنتين: الثورة على حافة الأزمة العالمية”، ترجمة رقية حجازي- مركز الدراسات الاشتراكية-2004.

(4)- “وضع عالمي جديد”، مقرر صادر عن المؤتمر العالمي الخامس عشر للأممية الرابعة- فبراير 2003.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الاقتصاد العالمي: عودة الأزمة ربما تصبح الولايات المتحدة آخر دولة في الانزلاق إلى هوة الكساد، على عكس ما جرى خلال القرن الماضي، ذلك لأنها خرجت من أزمة 2007 - 2009 أقوى من منافسيها التقليديين. من المؤكد أن متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي، الذي يُقدَّر بـ2% سنويًا في الولايات المتحدة.

جويل جاير  ,  لي سوستار

قالوا له

أحمد جمال زيادة

واحد مننا

فاطمة فرج