“نار وغضب” تراِمب لن يكون الأول لكوريا الشمالية

قضايا

16  أغسطس  2017

نشر المقال في موقع كاونتر بنش

اتركوا الأمر لدونالد ترامب فيهدّد بإمطار شعب كوريا الشمالية “بالنار والغضب” في الأسبوع ذاته الذي يتذكّر فيه العالم الذكرى الثانية والسبعين للقصف النووي الانتقامي الذي شنّته الحكومة الأمريكية على المدنيّين اليابانيين. وفي حال غاب عن أحدهم الرسالة، حذّر وزير الدفاع جيمس “ماد دوغ” ماتيس من أن أعمال نظام كيم جونغ – أون تخاطر “بتدمير شعبه”. ولم يكن ماتيس يتحدث عن شيوعية كيم القاسية.

نحن نعرف ما يقصده ترامب وماتيس، حتى ولو كان العديد من المحافظين يبدّلون أنفسهم مثل المعجنات  ويجملون الحديث لتحويل الوحشية التي يهددان بها إلى شيء أقل خبثًا وبشاعة. لقد كان ترامب وماتيس يشيران إلى الترسانة النووية الأمريكية.

وعد ترامب “بالنار والغضب مثلما لم ير العام من قبل”. ولا يتوقع أحد منه أن يعرف ذلك، لكن الشعب الكوري الشمالي رأى نصيبه من النار والغضب على أيدي الجيش الأميركي. حدث ذلك قبل ما يقرب من 70 عامًا، عندما قام هاري ترومان، وهو رئيس آخر فقد عقله حماسا للجنرالات، بإطلاق الانتقام الأمريكي الوحشي خلال الحرب الكورية. يطلقون عليها “الحرب المنسية”، ولكن حتى إن لم تسقط طيّ النسيان، فإن قلة من الأميركيين أدركوا كيف تعاملت الولايات المتحدة بوحشية مع شعب لا يشكّل أيّ تهديد للأميركيين.

كم عدد من يعرفون أن، نقلًا عن المؤرّخ بروس كومينغز،:

 “كمية النابالم التي اسقطت على كوريا أكثر ممّا أسقط على فيتنام وتسبّبت في دمار أكبر بكثير، حيث إن جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية لديها من المدن المكتظّة بالسكّان والمنشآت الصناعية الحضرية أكثر بكثير من فيتنام الشمالية…. بحلول أواخر أغسطس [1950] كانت تشكيلات B-29 تقصف بحوالي 800 طن يوميًّا في الشمال. وكان الكثير من ذلك هو نابالم نقيّ. وفي الفترة من يونيو إلى أواخر أكتوبر 1950، أفرغت طائرات الـ B-29866،914 غالون من النابالم”. وكان يعرف أيضًا باسم “البنزين الهلامي”. وفيما يتعلّق بتأثيره في جسم الإنسان، يقتبس كومينغز من أحد الناجين من هجوم “نيران صديقة” على الأمريكيين: “لقد احترق الرجال من حولي. أصبحوا يتدحرجون على الثلج. بعض الرجال الذين عرفتهم وسرتُ وقاتلتُ معهم توسّلوا لي أن أطلق النار عليهم. كان الأمر فظيعًا. حيث كان النابالم قد أحرق الجلد الذي كان ينسلخ عن الوجه والذراعين والساقين… مثل رقائق البطاطا المقلية”.

يضيف كامينغز:

وجد جورج باريت من صحيفة نيويورك تايمز “احتفاءً مروّعًا بشمولية الحرب الحديثة” في قرية بالقرب من أنيانغ في كوريا الجنوبية: “حيث أخذ السكّان في جميع أنحاء القرية وفي الحقول على حين غرة وقتلوا في حين احتفظت أجسادهم بالأوضاع نفسها التي كانت عليها وقت أن ضُربت بالنابالم.. رجل على وشك أن يركب دراجته.. 50 فتًى وفتاة يلعبون في دار للأيتام.. ربّة منزل فقدت ملامحها بشكل غريب تمسك في يدها بصفحة ممزقة من كتالوج سيرز- روباك عليها علامة حول طلب تحويل بريدي رقم 3،811،294 بقيمة $ 2.98 ‘سترة السرير الساحرة – لون المرجان’.

وقد طلب وزير الخارجية الأميركي دين أشيسون لفت انتباه سلطات الرقابة بشأن هذا النوع من “التقارير المثيرة”، بحيث يمكن وقفها.

وهكذا، فإن الحرب التي تعرف أيضًا باسم “حرب الإجراءات الشرطية المحدودة” لم تكن كذلك. كتب كومينغز أنه  “بداية من نوفمبر 1950، أمر الجنرال دوغلاس ماك آرثر أن يتمّ خلق منطقة بوار فاصلة بين جبهة القتال والحدود الصينية، وتدمير كل “منشأة ومصنع ومدينة وقرية”، من الجوّ، على مدى آلاف الأميال المربعة من أراضي كوريا الشمالية”.

قدّم الجنرال ماك آرثر انطباعاته الخاصة عن النتائج الأولى في جلسة استماع في الكونغرس في مايو 1951 بعد أن فصله ترومان:

كادت الحرب في كوريا أن تدمر تقريبًا تلك الأمة حيث يعيش 20,000,000 شخص. أعتقد أنني لم أرَ قطّ مثل هذا الدمار، ولا هذا الكمّ من الدماء والكوارث، وشعرت بمعدتي تنقبض في آخر مرة كنت فيها هناك. بعد أن نظرت إلى الحطام وهؤلاء الآلاف من النساء والأطفال وكل شيء، تقيّأت. وإذا تماديت في ذلك دون نهاية، فإنك ترتكب مذبحة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية. [اقتباس في نابالم: سيرة أميركية، كتبها روبرت م. نير، 2013].

قال كورتيس ليماي، رئيس أركان القوات الجوية، في تاريخ شفوي نقله كومينغز:

“على مدى ثلاث سنوات أو نحو ذلك… أحرقنا كلّ مدينة في كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية أيضًا” (اقتباس في مقدّمة كومينغز لطبعة 1988 من كتاب إ.ف. ستون التاريخ المخفيّ للحرب الكورية: 1950-1951).

يقول كومينغز:

 “أن تتخيّل أنّ القوات الجوية الأميركية كان بإمكانها إسقاط بحور من النابالم وغيره من الأسلحة على المدن والبلدات في كوريا الشمالية، ممّا ترك إرثًا واضحًا من المرارة العميقة بعد أربعة عقود، وأن ذلك تمّ باسم صراع يسمّى الآن “الحرب المنسية” – لحظة تتواجه الذاكرة مع النسيان، يجعلك تتساءل، من هم العقلاء في هذا العالم”؟

الأميركيون لا يعلمون شيئًا عن هذا، ولكن يمكنك الرهان على أن شعب كوريا الشمالية يعلم. قد يَحكمهم، بأقسى طريقة لا إنسانية، كيم جونغ أون، ولكن لا يزال لديهم إنسانيتهم.

وقد كان هذا الدمار كلّه نتيجة استخدام ما يسمّى بالأسلحة التقليدية. ولم تستخدم أيّ أسلحة نووية، مثلما حدث قبلها ببضعة سنوات فقط في اليابان المجاورة. ولكن هذا لا يعني أن فكرة استخدامها لم تكن واردة.

ويكتب كومينغز أنّ مجلس حرب ترومان بحث استخدام القنابل الذرية بعد أسبوعين فقط من بدء الحرب. “ولكن في تلك اللحظة، رفضت هيئة الأركان المشتركة استخدام القنبلة نظرًا لغياب أهداف كبيرة بما فيه الكفاية تستدعي الأسلحة الذرية، وبسبب المخاوف بشأن الرأي العام العالمي بعد خمس سنوات من هيروشيما؛ ولأن مجلس الأمن المشترك توقّع أن يتبدّل مسار المعركة بالوسائل العسكرية التقليدية. ولكن هذا التقدير تغيّر عندما انضمّت أعداد كبيرة من القوات الصينية إلى الحرب في أكتوبر ونوفمبر 1950 “.

ثم هدّد ترومان علنًا باستخدام جميع الأسلحة المتوفّرة تحت تصرّف أميركا. يكتب كومينغز:

“لم يكن التهديد مفتقدًا نيةَ التنفيذ كما اعتقد الكثيرون، بل كان يستند إلى خطة بديلة باستخدام القنبلة. وفي ذلك اليوم نفسه، أرسل الجنرال جورج ستراتيمير – قائد السلاح الجوي – أمرًا إلى الجنرال هويت فاندنبرغ بأنه يجب تحذير القيادة الجوية الاستراتيجية، “لكي تكون مستعدّة لإرسال مجموعات من القنابل المتوسطة دون تأخير إلى الشرق الأقصى… [وهذا التصعيد] قد يشمل الإمكانيات النووية”.

يقول كامينجز:

كانت الولايات المتحدة أقرب ما يكون إلى استخدام الأسلحة النووية في أبريل 1951، حين قام ترومان بإزاحة ماك آرثر. وعلى الرغم من أنّ الكثير عن تلك المرحلة لا يزال محاطًا بالسرية، إلا أنه من الواضح الآن أن ترومان لم يزح ماك آرثر ببساطة بسبب عصيانه المتكرّر، ولكن لأنه أراد قائدا موثوقا به على الساحة في حال قرّرت واشنطن استخدام الأسلحة النووية.

وبطبيعة الحال، فإنّ ما يسمّى “الأسلحة الجديدة” لم يستخدم في كوريا. ومع ذلك، يكتب “كومينغز”:

 “حتى من دون استخدام هذه الأسلحة الجديدة – على الرغم من أن النابالم كان جديدًا جدًّا – إلا أن الحرب الجوية ساوت كوريا الشمالية بالأرض وقتلت ملايين المدنيّين. يروي لك الكوريون الشماليون أنهم على مدى ثلاث سنوات كانوا يواجهون تهديدًا يوميًّا بالاحتراق بالنيابالم. “ما كان يمكنك أن تهرب منه”، قال لي أحدهم في عام 1981. بحلول عام 1952، تم تدمير كلّ شيء تقريبًا في كوريا الشمالية والوسطى. ومن تبقّوا من السكّان نجوا في الكهوف”.

دعونا لا ننسى أن الحرب لم تنتهِ رسميًّا قط، وأن مطالب حكومة كوريا الشمالية المتكررة باتفاقية سلام والامتناع عن العدوان قد سقطت إلى حدّ كبير على آذان أمريكية صمّاء.

نحن لا نعلم ما إذا كان الضحايا سوف يكونون قادرين على تحديد ما إذا كانوا قصفوا بالنووي أو النابالم. ما نعرفه هو أن ترامب يبدو مستعدًّا لارتكاب الجريمة الأكثر وحشية بأسمائنا. دعونا نأمل أنه تهديد فارغ.

*شلدون ريتشمان، مؤلّف الثورة المضادة في أميركا: عودة إلى الدستور، يكتب مدوّنة التواصل الحرّ، وزميل ورئيس مجلس أمناء مركز المجتمع دون دولة، ومحرّر مساهم في Antiwar.com، كما أنه المدير التنفيذي للمعهد التحرري.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

دور قطر: هل تتخلى عنه الولايات المتحدة؟ ثمة أسئلة تطرح نفسها الآن: هل ستتدخل الولايات المتحدة لفض الاشتباك الحالي؟ وإذا تدخلت، كم سيكون حجم صفقة الأسلحة هذه المرة؟ إن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي يمكنها حل الأزمة بمكالمة تليفونية، إلا إذا كانت لم تعد ترى نفعا من دور قطر ولم يعد لديها مانع من تركها فريسة بين فكي السعودية.

صبري زكي

عن ترهيب وإرهاب النظام للـ”الإنسان العادي” بعد أحداث 11 سبتمبر تم التركيز على الإرهاب ذي الأيديولوجية الإسلامية، وتسليط الضوء على وصف كثير من الهجمات التي تفشل المخابرات في منعها بالذئاب المنفردة.

أحمد شهاب الدين

من التحرير إليكم: انتزاع الديمقراطية فيما يتجاوز ترامب ربما يكون التشابه الأكثر إثارة للقلق بين ما يتعرض له المصريون الآن تحت النظام العسكري الفاشي وبين لحظة ترامب في الولايات المتحدة هو عدم استعداد أصحاب الخبرة التنظيمية والمواطنين العاديين للمواجهة.

عاطف سعيد

الاقتصاد العالمي: عودة الأزمة ربما تصبح الولايات المتحدة آخر دولة في الانزلاق إلى هوة الكساد، على عكس ما جرى خلال القرن الماضي، ذلك لأنها خرجت من أزمة 2007 - 2009 أقوى من منافسيها التقليديين. من المؤكد أن متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي، الذي يُقدَّر بـ2% سنويًا في الولايات المتحدة.

جويل جاير  ,  لي سوستار