تأملات من وحي إضراب عمال غزل المحلة

قضايا

14  أغسطس  2017

بدأ عمال غزل المحلة إضرابا عن العمل صباح يوم الأحد الموافق 6 أغسطس 2017، وذلك للمطالبة بالعلاوة الاجتماعية وقدرها 10%، وعلاوة غلاء المعيشة وقدرها 10%، كل منهما بحد أدني 65 جنيه وحد أقصي 120 جنيه. كما طالب العمال بصرف أجر 12 شهر أرباح أسوة بما تم صرفه للعاملين بالشركة القابضة للغزل والنسيج، وزيادة بدل الوجبة لـ 300 جنيه بدلاً من 210 جنيه شهرياً، وذلك كونه مرتبطا بسعر كيلو اللبن يومياً لكل عامل.

وبالتفكير في الموضوع، سألت نفسي هل يستطيع العمال الصمود في وجه الآلة الأمنية والإعلامية التي تستخدم ضدهم كما تم استخدامها بشراسة من قبل في فض الكثير من الاعتصامات والاضرابات خلال الثلاث سنوات الماضية؟ كيف أضرب العمال في غزل المحلة بعد أن تم حبس زملائهم في الترسانة البحرية، والنقل العام، واسمنت طره، وافكو بالسويس ….بتهمة الإضراب عن العمل، وأعقبها الفصل من العمل؟

لمحاولة الإجابة على هذه التساؤلات، بدأت أنظر لمواقف الجهات المختلفة من إضراب العمال، ما هو موقف الوزراء والمسئولين؟ ما هو موقف الأمن؟ كيف غطت الصحف والمواقع والقنوات التلفزيونية؟ ما هو موقف النقابة العامة للغزل والنسيج؟ ما هي مواقف أعضاء مجلس النواب؟ وكيف يتفاعل العمال مع كل ذلك؟

وفيما يلي ما وصلت إليه من تأملات من وحي إضراب عمال غزل المحلة:

أولا: العمال تغير استراتيجيتها في الإضراب

في الاضرابات السابقة كان العمال يذهبون للشركة ولكنهم لا يقومون بتشغيل ماكيناتهم، ولا يتواجدون في المصانع إلا عدد قليل لحراسة الماكينات، بل يتجمعون معاً في الفناء الخارجي (ميدان طلعت حرب أمام مقر الإدارة)، وفي بعض الإضرابات كانت تخرج مظاهرات لخارج أسوار الشركة يطوفون شوارع المحلة. في الإضراب الأخير قرر العمال الإضراب بأن يجلس كل عامل أمام ماكينته المتوقفة في مصنعه، حتى لا يعطون فرصه لإدارة الشركة أن يعتبرونهم متغيبين عن العمل. كما لم يظهر عدد من العمال كقيادات للإضراب، يتحدثون باسم العمال – لا مع الإدارة ولا حتى في الإعلام – كما كان يحدث من قبل، وذلك خوفاً من الفصل والذي طال القيادات السابقة.

بعد ستة أيام من الإضراب نزل رؤساء القطاعات ومديرو الإدارات والمهندسين للمصانع وقاموا بإدارة الماكينات لإجبار العمال على فك الإضراب، وكانوا ينتوون إغلاق المصانع عليهم (كما ذكر أحد العمال)، ولكن العمال تركوهم وخرجوا وتجمعوا في ميدان طلعت حرب حتى نهاية اليوم، مما جعل التابعين للإدارة يتركون المصانع ويخرجون، ويطالبون العمال في نهاية اليوم بإخلاء الميدان.

ثانياً: الدولة تثبت مراراً وتكراراً انتهاء عهد اعتبارها دولة قانون

هللت كل وسائل الإعلام لأكثر من شهر عن مراعاة الرئيس السيسي لمحدودي الدخل، وذلك عبر إصدار عددا من القوانين الاجتماعية، ضمنها منح العاملين بالحكومة (المخاطبين بقانون الخدمة المدنية وغير المخاطبين به) وأصحاب المعاشات العلاوات الدورية وعلاوة غلاء المعيشة، وذلك في محاولة لتخفيف ضغط ارتفاع الأسعار عن المواطنين. ضمن هذه القوانين، قانون 16 لسنة 2017 ” بمنح علاوة خاصة للعاملين بالدولة من غير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية” المنشور في الجريدة الرسمية العدد 19 مكرر يوم 14 مايو 2017، والتي نصت م1 منه على “يمنح جميع العاملين بالدولة من غير المخاطبين بأحكام قانون الخدمة المدنية علاوة خاصة شهرية بنسبة 10% من الأجر الأساسي….”، وأتت م3 لتؤكد على أحقية العاملين بالقطاع العام وقطاع الأعمال العام في هذه العلاوة.

ثم خرجت الشركة القابضة للغزل والنسيج- كذلك معظم الشركات القابضة التابعة لها شركات قطاع الأعمال- تقول بأن العمال ليس لهم حق في هذه العلاوة. وبعد إضراب العمال تدخل د. أحمد مصطفي رئيس الشركة القابضة للغزل والنسيج تلفونياً مع  أسامة كمال، على قناة DMC، يوم 8 أغسطس، وقال، كذباً، أن العلاوة الاجتماعية لا تنطبق على عمال غزل المحلة، بحجة أن هذه العلاوة قد أقرتها الحكومة لمن لا يتقاضون أرباحا من العاملين بالدولة، واتهم من يقولون بأن العمال ينطبق عليهم قانون العلاوة 16 لسنة 2017 بتحريض العمال على الإضراب.

والسؤال هو، لماذا تصدر الحكومة قوانين ثم تمتنع عن تنفيذها؟ وماذا نسمي دولة لا تحترم قوانين أصدرتها، وأحكام قضائية أصدرتها محاكمها، ومنها الكثير لعل أبرزها عدم تنفيذ الأحكام التي تصدر بعودة العمال المفصولين تعسفياً إلي اعمالهم، وكذلك الحكم الذي حصل عليه عدد من عمال غزل المحلة بضم حافز الـ 220 جنيه للأجر الأساسي، ولا ننسي الاحكام التي قضت بعودة الشركات للقطاع العام وعودة العمال لأعمالهم بها ولم تنفذ.

ثالثاً: النظام الحاكم يزيد من الاستقطاب الاجتماعي والاقتصادي بين المواطنين

مارست الحكومة سياسات جعلت التضخم بحسب بياناتها يتعدي الـ 30% (في الواقع هو أضعاف ذلك)، ثم أصدرت عددا من القوانين أدعت بأنها تخفف من ارتفاع الأسعار، فصدر قانون بمنح العاملين الخاضعين لقانون الخدمة المدنية علاوة غلاء معيشه بنسبة 7% على الأجر الوظيفي، بالإضافة لـ 7% العلاوة السنوية المذكورة في القانون، ليصبح إجمالي الزيادة 14% فقط – بحد أدني للعلاوتين 130 جنيه وحد أقصي 240 جنيه – أي أقل من نصف نسبة التضخم الرسمية. كما صدر قانونان بالعلاوة الخاصة وعلاوة غلاء المعيشه بنسبة 10% لكل منها وذلك لغير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية من العاملين بالحكومة (علماً بأن غير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية هذه علاوتهم السنوية عن عام 2016)،  وهو ما ترفض الكثير من الشركات القابضة تطبيقهعلى عمال شركات قطاع الأعمال العام، مثلما تفعل الشركة القابضة للغزل والنسيج. ولدينا عمال القطاع الخاص المحرومين من العلاوات منذ أكثر من عامين، فلم يقم المجلس القومي للأجور، الوارد ذكره في قانون العمل منذ عدة سنوات، لا بإقرار الحد الأدني للأجور مثلما حدث بالنسبة للعاملين بالحكومة، ولا بإقرار العلاوة الدورية لما يزيد عن عامين،ليُترك عمال القطاع الخاص في مهب الريح في مواجهة هذا الغلاء الفاحش بعد أن فقدت أجورهم ثلثي قيمتها في مسألة التعويم فقط.

هذا في الوقت الذي لم يُذكر فيه قدر الزيادات التي مُنِحت للجهات السيادية مثل الجيش والشرطة والقضاء وشركات البترول والبنوك، وكلهم لا ينطبق عليهم الحد الأقصي للأجور. لدينا مثال وحيد لبنك مصر والذي كانت الزيادة للعاملين به 30% على الآجر الأساسي، وزيادة في الأجور المتغيرة ما بين 800 جنيه لعمال الخدمات، 8600 جنيه لمديري العموم ورؤساء القطاعاتمما يزيد من حال الاستقطاب الاجتماعي والاقتصادي بين فئات يتقاضي أفرادها عشرات الآلاف من الجنيهات شهريا، وتصل أجور الفئات العليا منها لمئات الآلاف، والغالبية العظمى من الشعب المصري لا تتعدى أجورهم مئات الجنيهاتشهرياً

رابعاً: الامن لم يقرر الاصطدام بالعمال طالما بقوا داخل الشركة

لحين كتابة المقال لم يتم ذكر أي تصرف مستفز للأمن مع عمال غزل المحلة، وكأن لسان حالهم يقول أنه طالما بقوا داخل الشركة فلا داعي لاستفزاز 16.5 ألف عامل وأسرهم في مدينة عمالية مثل مدينة المحلة، حيث تحيط مساكن العمال بالشركة من كل جانب، مما يعني أن أي تصعيد ضد العمال لن يمر بسلام.

خامساً: النقابات التابعة للاتحاد العام والاستمرار في لعب دور التابع للنظام الحاكم

ظلت قيادات الاتحاد العام لنقابات عمال مصر صامتة في الوقت الذي ترفض فيه الشركات القابضة تطبيق القوانين التي شاركوافي إصدارها بمجلس النواب بالزيادات الهزيلة، ولم نر لهم تحركاً. وعندما أضرب عمال غزل المحلة ذهب عبد الفتاح إبراهيم رئيس النقابة العامة للغزل والنسيج للشركة في اليوم التالي للإضراب، وطالب العمال بفض الإضراب أولاً كما طالبت الشركة القابضة، ثم بعدها يصدر منشور من الشركة القابضة، وهو ما رفضه العمال، وقالوا المنشور أولاً بتحقيق المطالب قبل فض الإضراب. ثم بعدها بعدة أيام صدرت تصريحات لمحمد وهب الله وغيره من قيادات الاتحاد بأن مشكلة صرف العلاوة لعمال القطاع العام وقطاع الأعمال العام سوف تنتهي قريباً، وهو ما لم يحدث حتى يوم السبت 12 أغسطس حيث اجتماع محافظ الغربية برئيس الشركة القابضة للغزل والنسيج والمفوض العام لشركة غزل المحلة، والذي انتهى بالموافقة على صرف علاوة غلاء المعيشة للعمال دون العلاوة الدورية، وأن الشركة سوف تنظر في باقي طلبات العمال فيما بعد. وهو ما رفضه العمال.

سادساً: التعمية على إضراب عمال غزل المحلة

تغيرت مواقف الاجهزة الإعلامية المختلفة من إضراب العمال، سواء بالتجاهل أو التشويه والإدانة في حال التغطية. في الإضرابات السابقة  لعمال غزل المحلة وحتى عام 2015، كان الإضراب هو الحدث الأهم الذي لا يخلوا منه جرنال أو موقع أو برنامج من برامج التوك شو. وكان يتم إستضافه العمال بها يعبرون عن وجهة نظرهم ومطالبهم. على سبيل المثال، في إضراب العمال في فبراير 2014، ذهب حمدي رزق إلي هناك، وبدأ برنامجه على صدي البلد بهتاف العمال بصوته “على وعلي وعلي الصوت….اللي هيهتف مش هيموت”.

هذه المرة وجدت المنشور عن الإضراب قليلا جدا، ولا يوجد به أكثر من خبر عن الإضراب أو استمرار الإضراب لليوم الخامس أو السادس، ويكاد لا يوجد تصريحاتعلى لسان العمال، بل نجد تصريحات على لسان رئيس النقابة العامة، أو رئيس الشركة القابضة للغزل والنسيج أو عضو برلمان. لم يتعد عدد البرامج التي تم التنويه فيها عن الإضراب قناتين أو ثلاثة، وتمت معالجة الموضوع بمنتهى الصفاقة، منها برنامج اسمه “بالورقة والقلم”على قناة Ten، يوم 8 أغسطس، والذي تحدث فيه المذيع عن الرفض التام لجعل الماكينات جثة هامدة، بصرف النظر عن السبب. كما رفض أن يستقبل أي مكالمة من العمال، وقال على الهواء بأنه يريد التحدث مع وزير أو رئيس الشركة أو الشركة القابضة أو رئيس النقابة العامة عبد الفتاح ابراهيم الذي رفض الكلام في البرنامج. وقال نصاً على الهواء “مش عاوز حاجه اسمها قيادة عمالية، دي مسميات غير قانونية. الموضوع برمته مخالف للقانون، ومخالف للوطنية، المكن متعطل”.

رغم إعلانه عن كونه ليس ضد مطالب العمال بدأممتاز القط في برنامج رئيس التحرير حديثه على قناة  “العاصمة” يوم 8 أغسطس بـ “مش عاوزين شبح الماضي يعود مرة أخرى، عاوز تاخد حاجة تعمل مظاهرة. مش عاوزين سلوكنا في هذا التوقيت بالذات يبقي الإضراب أو توقف الانتاج”. وطالب وزير قطاع الأعمال ورئيس الشركة القابضة بالتحرك بسرعة، لأن معظم النار من أصغر الشرر، وطرح سؤالا: لماذا لم ينزل المسئولون للعمال؟.

من الواضح ان هناك قرارات بالتعتيم على كل ما يخص تحركات العمال بشكل عام، وعن إضراب عمال غزل المحلة بشكل خاص خوفاً من تكرار ما حدث في عام 2006، أي أن يرى العمال في الإضراب سلاحهم الوحيد لنيل مطالبهم، وانتشار عدوي الإضرابات، كما سماها وقتها وزراء في حكومة مبارك.

سابعاً: الحكومة تضع رأسها في الرمل

يمتاز أداء الوزارة الحالية بالتصرف كأن شيئاً لا يحدث، فبعكس ما كان يحدث في الإضرابات السابقة – في بعض الإضرابات السابقة لعمال غزل المحلة ذهب إليهم رئيس مجلس الوزراء ومعه عدد من الوزراء، كان ضمنهم وزيرة القوي العاملة ووزير الاستثمار-  اختفي الوزراء،حتى أنهم لا يردون حتىعلى القنوات الفضائية، مما جعل المذيعين في البرامج القليلة التي تحدثت في الموضوع يتساءلونعلى الهواء مباشرة، أين المسئولين، أين وزير قطاع الأعمال؟، كما حذر بعضهم من ترك الأمر بدون حل خوفاً من تصاعد الأحداث.

والغريب في الأمر أن المذيع في برنامج “بالورقة والقلم” وهو يبحث عن من يحدثه من مسئولين، واثناء حديثه تلفونياً مع عضو مجلس النواب عن المحلة محمد خليفه، طلب منه أن يعطي سماعة التليفون للمفوض العام لشركة غزل المحلة الذي يجلس معه، وهو ما رفضه المفوض.

في النهاية يستمر إضراب عمال غزل المحلة في ظل أخبار عن إضراب تباطئي لعمال غزل شبين لنفس الأسباب. يستمر الإضراب في ظل حسابات للطرفين. ففي الوقت الذي نجد فيه إدارة الشركة تخطط بالتعاون مع الشركة القابضة، وبالتأكيد مع قيادات الاتحاد، ولا نستبعد أن يكون الأمن حاضراً وإن لم يظهر في الصورة حتى الآن، في ظل تعتيم إعلامي، بل وتشويه للعمال وإضرابهم،ذلك خوفاً من انتشار عدوى الإضرابات خصوصاً في ظل وجود عمال مصر تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية شديدة الوطأة لم يسبق لها مثيل منذ عشرات السنين…يحاول العمال من ناحية أخرى التخطيط لكيفية استمرار إضرابهم، في ظل وقوف كل هذه الجهات ضد إرادتهم، خاصة وأنهم يقفون وحدهم، دون قوى اجتماعية أو سياسية حقيقة تشكل ظهيرا لهم.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

فوزي محمدين: الذي لا يغيب تلك كانت أول علاقة لي بأفكار اليسار، علاقة توطدت عندما مررت بمعرض طلابي ينظمه الطلاب الاشتراكيين في جامعة القاهرة بمناسبة الانتفاضة الفلسطينية، ووجدت ضمنه لوحتين عن انتقادات الاشتراكيين لمشروع قانون العمل الموحد ومخاطر هذا القانون على العمال وأسرهم.

هيثم محمدين

قوانين لم تُكتب

أحمد جمال زيادة

صعود الوحش والمصرفي… فلنحشد في الشارع وفي الانتخابات البرلمانية! على الحركة العمالية أن تحارب الجبهة الوطنية، ولكن بوسائلها الخاصة وعلى أساس برنامج يساري راديكالي يعالج المشاكل من جذرها بالتصدي لتحكم وسيطرة بعض الطفيليين الأغنياء.

مجلة “ثورة”

لماذا لم تقطر غزل المحلة الحركة العمالية في إضرابها الأخير؟ شكل تفريغ الشركة من القيادات التي ظهرت بعد إضراب 2006، سواء بالفصل أو الاحتواء، مع حرمان العمال من نقابة تدافع عن حقوقهم في ظل حالة من التخويف والإرهاب لكل من يفكر في الاحتجاج، أداتان أثبتتا فاعليه في توقف شركة غزل المحلة عن لعب دورها في قيادة الحركة العمالية.

فاطمة رمضان