مني إليها!

فنون

13  أغسطس  2017

لا أعلم كيف أبدأ .. لا أعلم كيف يمكنني الكتابة عن كل تلك المشاعر والخبرات التي عشتها وشاركتها مع أخريات .. كل التفاصيل الصغيرة التي تبدأ من كسر الجليد مروراً بالتمارين وصولاً لدائرة الحكي حاضرة في ذهني .. عقلي شديد الازدحام يستحضر الحكايات والضحكات والدموع  والغنا والرقص ..

“ماتنسوناش” .. كانت هذه كلمات الوداع في نهاية كل ورشة.
أكتب تلك السطور حتى أقول أنني لم أنساكن،  حتى أحكي عن ما قدمتونه لي ولرفيقاتي دون أن تدركونه، أكتب حتى تُروى القصص من داخل التجربة، لأن الكتابة تجعل واقعنا موثق وتجعل ندوبنا أكثر وضوحاً للعامة وتجعل حيواتنا أكثر انفتاحاً للمشاركة.
أكتب من خلال ما أدركته من تلك الرحلة، نعم كانت رحلة مفعمة بالكثير من المشاعر

بنت المصاروة في الصعيد (أبو غرير،دير درنكة، أسوان)

ذهبنا لثلاث محافظات، في كل مرة كنا نقيم لمدة أسبوع، يبدأ الأسبوع بورشة الحكي مكونة من ثلاثة أيام، يحضرن في أول يوم، غير عالمات ماذا ينتظرهن، ونحن أيضاً في كل مرة كنا نذهب فيها لمحافظة لم نكن نعلم ماذا سنجد، كل مرة كانت بمثابة تجديد لتحدي، هل سينفتحن ويشاركننا حكاياتهن؟
وكل مرة كانت بمثابة تجديد للمفجأة، هن لا يبخلن بالمشاركة، كل واحدة كانت تفتح قلبها مع أول فرصة للحديث ويبدأ الحكي تدريجياً، حتى يصل إلى أعمق نقطة .

في دائرة الحكي وجدتُ نفسي
في دائرة الحكي تهتُ
في دائرة الحكي ألقينا جميعاً أجزاءً من أرواحنا
في دائرة الحكي أدركتُ أنني لست وحدي
وأننا جميعاً مررنا بذلك
أدركناه وعشناه
وتعايشنا معه، كل واحدة بطريقتها الخاصة
في دائرة الحكي كان التضامن في أبسط صوره
دون بيانات أو مظاهرات أو فعاليات
فقط الإصغاء والمشاركة والدعم والحب

وفي دائرة الحكي أيضاً، كانت غندورة

أتذكر طلتها علينا في المرة الأولى، كانت أولى الحاضرات، وجهها يوحي بأنها عاشت كثيراً، تصورتُ أنها في الخمسينات من عمرها. متشحة بالسواد، فستانٌ فلاحي أسود مثل ذلك الذي كانت ترتديه جدتي، لم أر يوماً تلك الجدة ولكني رأيت فستانها الذي بقى قابعاً في دولابنا الضخم أسفل أكوام من الملابس العصرية، منديل أسود محكم الربط فوق شعرها، وفوقه قطعة من قماش اسود شفاف، لا أعرف نوعه فلست خبيرة بالأقمشة، ولكن بالرغم من عدم وجود أى دبابيس فإنه ثابت طوال اليوم، ومهما ازدادت حركتها تظل تلك القطعة من القماش قابعة فوق ذلك الرأس المزدحم.
ملامحها دقيقة، وجهها هادئ وعيناها حزينتان، ابتسامتها خجولة، وتتدلى من أذنيها أقراط ذهبية، تبدو ثقيلة، ربما تلك الأقراط هي كل ما تمتلكه من ثروة، إلى جانب الجاموسة.

طوال ثلاثة أيام، تكونت رابطة بيني وبينها، لا أعرف السبب في تكوين تلك الرابطة معها هي تحديداً، جلست تحكي لنا عن زواجها في الثالثة عشر من عمرها، عن مأساة مكتب التسنين الذي أصبح شريكاً في الجريمة المُرتكبة بحقها عندما جعلها إبنة التسع عشر عاماً وهي مازالت طفلة، عن وردة ابنتها التي انجبتها بعد سنة من زواجها، وعن موت الزوج الذي أجبرها على “الدوران في سواق من اختيارات”.

في اليوم الثالث، فرشنا قطعة القماش البيضاء على الأرض، أحضرنا الألوان، وطلبنا منهن أن يرسمن أيشيء يريدنه. شاركتُ في الرسم، أمسكتُ بالفرشة وجلست أوزع نقاط من الألوان بطريقة عشوائية، في ذلك الوقت كنت غاضبة جداً بسبب ما كنت أمر به.
لم تكن جالسةٌ بجواري، ولكني ألقيت نظرة على ما ترسمه، اختارت لونا واحدا فقط ورسمت وردة، وكأن وردة هي تجسيد للمستقبل الذي لم تنعم به غندورة، كانت ترسم وكأنها تتمنى ألا تذبل تلك الوردة مثلها.

لا أعلم اذا كانت تتذكرني الآن أم لا، ولكني أذكر جملتها التي وجهتها لي في إحدى فترات الراحة أثناء ورشة الحكي “القاعدة في ريحك حلوة!”

كلمات تلك الأغنية أهديتها لغندورة

“ع الوش بانت .. علامات الكَبَر
والهدمة سودة .. ومابتنقلَع
ايه اللي يفرح .. بعد موت الجدَع
بختي الحزين بان .. في ضربة وَدَع

يا خوفي يا وردة .. تدبلي قبل الأوان
شايفاكي صاحية وزاهية .. ومزهرة ألوان”

عندما استمعت لتلك الأغنية، هربت بعيناها لبعيد، وفي الخاتمة نظرت لنا وابتسمت وقالت “اللي عملتوه يشبهنا”
ما أخشاه بشدة أن تتحول غندورة لمجرد رقم ضمن احصائية تتحدث عن “زواج القاصرات”، أو أن تتحول حكايتي معها لمجرد ذكرى جميلة ستُنسى في يوم ما في إطار حركة التاريخ القاسية والحتمية، لا أرغب أن يمر التاريخ علينا ويتجاهل وجودنا وصراعاتنا ومشاعرنا، أرغب أن تظل أغانينيا وصوتنا للتاريخ، وأن تظل حكاية غندورة أيضاً للتاريخ، وأن يعلم الجميع أننا مررنا من هنا يوماً ما، أننا شاركنا حكاياتنا ومشاعرنا وأغانينا.

عن الموسيقى، أصوات أعرف مصدرها المادي، ولكني لا أعرف مصدر ذلك التأثير الذي تتركه في. كونت الموسيقى جزءا من وجداني، سلسلة من النغمات يتخللها بعض لحظات من الصمت لصناعة جملة لحنية تترك في أثراً لم أتخيله، أشعر بالتواصل مع صانع الموسيقى أومع المغني/ة، يصبح الصوت البشري أيضاً آلة موسيقية بإمكاني التواصل معها حتى لو لم أفهم الكلمات، هذا اللحن حزين بشدة، وذلك مبهج، والآخر خفيف

أردت أن أمتلك الأدوات التي تمكنني من صناعة طريقتي في استخدام لغة الموسيقى، وبالنسبة لي كانت الأغاني هي اللغة الأصدق في التعبير عن مشاعري. أستطيع أن أحكي من خلالها عن غضبي وحزني وحيرتي ويأسي وعن حروبي وتوتري وعن علاقتي بكل ما هو حولي ومع نفسي وجسدي. في كلمات ونغمات يتجسد كل ما يدور في ذهني، ويصل للآخرين هكذا .. بمنتهى البساطة.

هذا من نفعله في بنت المصاروة، نحاول أن نتحدث بلغتنا عن مشاعرنا وصراعاتنا، ونحاول أن نوثق ما نمر به وما تمر به أخريات، نحاول أن لا يدهسنا التاريخ. ونرغب بشدة في أن لا تقتصر لغتنا فقط على كلمات أغاني وألحان وغناء ولكن أيضاً أن نمتلك أدوات تسمح لنا بصياغة تصورنا عن الأغنية كما نراها، فنحن لا نراها في قالب،  فالموسيقى شديدة المرونة وتسمح لنا بصياغتها حسب رغبتنا ورؤيتنا، لذلك نخطط في الفترة القادمة للعمل على مهارات الفرقة في إنتاج الموسيقى حتى نمتلك أدواتنا التي لا تقيدنا برؤية منتج، والتي تسمح لنا بصناعة موسيقى قادمة من وحي التجربة والرحلة.

نحلم أن نصنع موسيقانا بشكل تشاركي، تشارك فيه نساء قادمات هن أيضاً من خلفيات وتجارب مختلفة ويضعن جزءا من أرواحهن في الموسيقى. نرغب في أن نخلق فرص لأخريات غيرنا ليوصلن فنهن عبر قناة بنت المصاروة، وهذا ما نطمح لتحقيقه في مرحلة ما.

ولكن رجوعاً للمرحلة الحالية، ما نستهدفه هو جمع تكاليف تغطية إنتاج ألبومنا الثاني “مزغونة”، سوف يحتوى هذا الألبوم على عشرة أغاني تمت كتاباتها خلال ورش الحكي التي قمنا بتنفيذها في صعيد مصر، لتوثيق حكايات 34 امرأة شاركننا تجاربهن وحكاياتهن وأجزاء من صراعاتهن اليومية ومشاعرهن.
“مزغونة” هو الإسم القديم لقرية أبو غرير في المنيا. وعندما سألنا المشاركات عن معنى الإسم قُلن لنا أن له معنيين. الأول هو “مزغودة” أى المرأة التي تم ضربها واسكاتها، والثاني هو “مسجونة”. شعرنا أن ذلك الإسم نابع من التجربة ومعبر عنها، لذلك اخترناه أن يكون إسماً لألبومنا الثاني.
حتى نستطيع أن نطلق صوت “مزغونة” وأصواتنا أيضاً، ساعدونا في نشر هذه الحملة حتى نستطيع أن نحقق الحلم.

“بالغُنا ابتدينا وبالغُنا اختارنا نكمل”
#ساعدونا_نغني
#FeministsSinging

لينك الحملة

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

بيتهوفن: الإنسان و المؤلف الموسيقي و الثوري – الجزء الثاني بالأحمر ينشر مقال آلن وودز : بيتهوفن: الإنسان و المؤلف الموسيقي و الثوري - الجزء الثاني . كان تفاؤل بيتهوفن الثوري سيخضع لاختبار صارم. فعلى الرغم من أن نابليون قد استعاد جميع أجهزة و أشكال النظام القديم ( النظام الملكي قبل الثورة الفرنسية ) ، إلا أن فرنسا كانت تحت حكم نابليون تثير الذعر و الكراهية لأوروبا الملكية. فكانت تلك الدول تخاف من الثورة حتى في شكلها البونابرتي المنحط - تماما كما سوف يكون الحال لثورة أكتوبر البلشفية، في شكلها الكاريكاتوري الستاليني والبيروقراطي في وقتٍ لاحق. كلهم تآمروا ضد فرنسا، وهاجموها، وحاولوا بكل الوسائل خنقها.

آلن وودز