تحديث المُجتمع.. لا تجديد خطابه الديني

قضايا

13  أغسطس  2017

تجديد الخطاب الديني”..تعبيرٌ براق لكنه فضفاض، ودعوةٌ جذابة لكنها غير محددة المعالم، تثير من التساؤلات أكثر مما تطرح من إجابات أو حتي تسلط الضوء عليها. كان الدافع وراء تلك الدعوة، التي أطلقها الحاكم فرَدَدَها من بعده كثيرون-عن إقتناع أو عن غير ذلك- هو ما عمقه الإرهاب من جراح، وكأن الإرهاب هو الداعي الوحيد للنظر فيما يُطلق عليه “تجديد الخطاب الديني”.ينطوي التعامل مع تلك الدعوة علي هذا النحو علي محدوديةِ نظرٍ بالغة إن أخذنا بالإعتبار تحالفات مُطلِقِها السياسية من ناحية، والطبيعة الثقافية للمُخاطَب بها من ناحية أخرى، بما يخرج بها من دائرة العِلم لأجل تحليل – ومن ثم- تغيير جذري،إلى مجرد تناولٍ يُسَطِح منها، محولاً إياها إلى حالة أشبه “بمهرجان” خطابي، لا يفضي إلىنتائج جوهرية تضع المجتمع علي عتبات التطور الحقيقي. فالإرهاب-كفِعل إجرامي- ما هو إلا “ظاهرة” تعكس “أزمة”مجتمعية ما تشكلت بفعل عوامل متعددة، إن لم يتم رصدها وتتبعها بتأنٍ وبدقة علميةفستنتهي المسألة كما بدأت، وستظل المأساة تُراوح مكانها بلا أي تقدم، بل ربما يزداد عُمقها ليبقي المجتمع علي حاله دون حراك إلى الأمام، وهو ما سيُلقي به -تبعاً لذلك- خارج دائرة التاريخ.

حين انطلقت دعوة “تجديد الخطاب الديني” من الحاكم رأس الدولة بدت كما لو كانت صيغة “مُخَفَفة” لنداء يحمل روحاً “علمانية”، لكن دون تحديد علمي قاطع بها للتركيبة الذهنية التي تتحكم في جملة سلوكيات المجتمع الذي يترأسه هذا الحاكم والذي أتى–هو نفسه- من بين جموعه متأثراً بتلك التركيبة علي نحو تجلى في مفردات يستخدمها بمنتهي العفوية التي وقف الكثيرون عند حدود السخرية منها، دون النفاذ إلى تحليل ميراثه الثقافي وقيمه الأخلاقية العامة، لنجد أنفسنا أمام سؤال بالغ الأهمية: هل هناك ضمانات جادة بمجتمعنا لنجاح “علمانية” تُفرَض من أعلى، أي من رأس الدولة الحاكم؟ أم أن الأمر يحتاج إلى ما هو أعمق من ذلك لتكون البداية من جذور المجتمع لا من قمة الدولة كبناء تنظيمي يحمل ملمَحاً قمعياً لم يعد للفصل بين الإختصاصات فيه أية فضيلة، ليصير رأس الدولة الحاكم هو صاحب الكلمة الفصل. يفعل إن أراد تغييراً ويُحجِم إن لم يرغب في ذلك. جاءت دعوة الحاكم فقط لغرض مواجهة خطر الإرهاب الذي ارتدى وشاح الدين، لا لمواجهة منظومة فكرية وبني ثقافية ضاربة في جذور المجتمع، توارت بموجبها القيم العامة التي تشكل حقوق الإنسان ترجمتها الواقعية بالمجتمع لصالح أنماط أخري من القيم في سياق تاريخي كان-ومازال- القمع السياسي المُتصل هو أداته وأساس الحكم فيه. توارت إلى الوراء قيم “الحق” في التعليم والعمل والسكن والأمن والعلاج والغذاء، أي الحق في الحياة ذاتها، لصالح قيم أخري من نوع الصبر علي الإبتلاء ونبذ الدنيا، ليتحول المجتمع من “مُطالِبٍ” بحقوق لا يمكن لأفراده الحياة دونها،إلى “مُطالَبٍ” بقبول ما إنتُزِع عنه من هذه الحقوق إنتظاراً لمُتعِ ما بعد الحياة.

لعبت النظم السياسية الفاسدة في هذا الإطار دوراً بالغ الخطورة حين زَكَت هذا التوجه الذي يخدم بقاؤها هي بالأساس، إذ يَسهُل عليها حُكم مجتمع لا يعي حقوقه، وإن وَعاها فهو يُرجئها بمنتهي رحابة الصدر إلى العالم الآخر. بالتوازي، وكنتيجة طبيعية، تحول المُجتمع تدريجياً إلى مُجتمع “ثيوقراطي” برسم منظومة القيم التي صار يحملها، والتي صارت تتحكم-بالتبعية- في سلوك أفراده وقراراتهم مما آل في يونيو ٢٠١٢ إلى أن أتي “المجتمع” –بمحض اختيار نسبة كبيرة من أفراده- بنظام حكم “ثيوقراطي” بما مَثَلَ إتساقاً تاريخياً بين منظومة قِيَمِ هذا المجتمع وطبيعة نظام الحكم، الذي لو تمتع بشيء من الذكاء والمرونة، لكان قد سهل عليه بناء دولة ثيوقراطية متكاملة الأركان. كان المجتمع في أغلبه مؤهلاً وجاهزاً لهذا الاختيار، والأخطر أنه مازال حتى الآن يحمل ذات المنظومة الفكرية. ولنا في هذا السياق أن نشير إشارة نراها بالغة الأهمية إلى المادة المتعلقة بدين الدولة في دستور ٢٠١٤ والتي لم يمارس أحد-خوفاً أو عن قناعة- سجالاً جاداً يتناول تأثيراتها وإمكانات تعديل صياغتها بما يتوافق ورؤية تأسيس دولة مُختلفة، يصنعها مجتمع حديث لا تمييز فيه بين المواطنين. وأنا هنا لا أسعي إلى خوض السجال المُفتَقد حول تلك المادة بقدررغبتي في الإشارة لموقف المُجتمع منها لأجل التدليل علي ما ذكرته آنفاً من أن المشكلة “مجتمعية” بالأساس.

بعيداً عن دعوة الحاكم الفضفاضة، لا شك عندي أن هناك حاجة لإعادة النظر في أمور تستوجب طرح العديد من الأسئلة المُتعلقة بدراسة رؤية المجتمع وأفكاره ومنظومة قِيَمِه من ناحية،  والعلاقات بينه وبين مؤسسات الدولة من ناحية أخرى، وعلاقات مؤسسات الدولة ببعضها البعض من ناحية ثالثة في سياق محاولة فهم مدلولات وتأثيرات ما يُطلق عليه “الخطاب الديني”..هل المقصود بدعوة “تجديد الخطاب الديني” هو إخضاع هذا الخطاب لرقابة الدولة فيما يشبه “تأميم” هذا الخطاب؟ أم أن المقصود بها هو تأطيرٌ جديد للتعامل مع الدين -عموماً- باعتباره أحد المكونات الثقافية للعقل الجمعي بمجتمع ما؟..هل المقصود بدعوة “تجديد الخطاب الديني” هو فصل الدين عن الدولة علي النسق الغربي (الفرنسي علي وجه التحديد)؟ وهل يقتضي فصل الدين عن الدولة إلغاء الدين أم وضع قواعد تحول دون سيطرة أتباع دين ما-لمجرد كونهم كذلك وبغض النظر عن إمكاناتهم وقدراتهم- علي عموم الدولة، ومن ثم علي تفصيلات التركيبة الإدارية لمؤسساتها المتعددة لتبقي للدين قدسيته لدي أتباعه وتظل الدولة ملكاً للجميع بنفس القدر؟

نأتي إلى السؤال الأهم: هل نجح “الخطاب الديني” في تقديم إجابات قاطعة علي معضلات تتعلق برؤيته التفصيلية للحريات وملكية وسائل الإنتاج وآليات تغيير علاقات الإنتاج وأنماطه في ضوء تحديات القرن الواحد والعشرين ومساهمة العولمة ودخول التكنولوجيا الحديثة كوسيلة من وسائل الإنتاج، وتأثير تخلف علاقات الإنتاج علي تخلف الفكر وعجزه عن التحليل الصحيح، وتركيب الطبقات وكيفية تحركها في عالم ديناميكي يتقدم كل لحظة إلى الأمام، أم أنه ظل يؤصل لتجارب الماضي التي هي إبنة ظروف خاصة جداً، لا ولن تتكرر بحكم حركة التاريخ، فظل خطاباً شعبوياً يبشر لما بعد الحياة؟ أرى أن الإجابة علي هذه التساؤلات ستأخذنا إلى مسارٍ آخر-أكثر علمية وجدية وتحديدا- يضع للدعوة عنواناً مختلفاً، يتعلق بتحديث المجتمع لا بتجديد خطابه الديني.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة يعني هذا المقال بمحاولة تفسير وتوصيف الطائفية في المجتمع المصري، انطلاقا من مفهوم المواطنة كمشروع سياسي، يضمن المساواة التامة لجميع المواطنين في الحقوق .والواجبات بغض النظر عن المعتقد أو الطائفة، وبغض النظر عن الجنس أو العرق أو اختيارات المواطنين في حياتهم الشخصية

رامي صبري

من قاموس الشتائم إلى قاموس الحياة مع دخول أبنائنا سن البلوغ يدخل الأهل في حالة سؤال عن كيفية الحوار معهم عن التغيرات الجسدية التي سوف تؤهلهم لبدء حياة جنسية تسمح لأغلبهم بلعب دورهم في دورة الإنجاب لاستمرار الجنس البشري. ما هو دور الأهل خلال هذه الفترة لكي تتفهم الفتاة أو الفتى ما يجري داخل أجسادهم؟

خالد الخميسي