بداية التاريخ الطبيعى

قضايا

12  أغسطس  2017

تاريخ الجيولوجيا المبكر معقد جدا، ففي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أصبحت الجيولوجيا أحد أكثر العلوم شيوعا، وشارك عشرات الأساتذة والجيولوجيين الهواة في استكشاف ووصف الصخور المحلية والتكوينات الجيولوجية. وتبقى ملاحظات “توماس جيفرسون” عن فيرجينيا واحدة من أفضل الروايات عن الجغرافيا والجيولوجيا الأمريكية المبكرة. فقد اكتُشفت عظام الماموث ذى الصوف وأسنان النمور القاطعة في أمريكا الشمالية أولا، ثم اكتُشفت عظام الديناصورات وتم تحديدها فيأوروبا. فكيف توافقت تلك الحيوانات المنقرضة مع تدبير خلق الله؟

لقد اعتقد البشر قديما أن تاريخ الأرض يؤكد الكتاب المقدس من حيث وجود لحظة خلق وجنة عدن. فكان عمر الأرض حوالي 6000 سنة وفقا لحسابات الأسقف”أوشر”، وكان هناك الطوفان العظيم. وقد هيمن الطوفان على قصة تطور الأرض. وباتخاذ قصة الخلق لأبعد من ذلك، كانت الأرض متقنة وكروية في أ يام جنة عدن. وكان إدخال الخطيئة من قِبل الإنسان هو ما تسبب في عيوب الأرضالتي نراها اليوم.

لكن التوفيق بين الدليل الجيولوجي والكتاب المقدس قد أثبت أن هناك حجر عثرة هائل أمام شرح تاريخ الأرض. ففى عام 1691 قدم “توماس برنيت” تفسيرا لنظرية طوفانية كلاسيكية (تعنى ناتج عن طوفان)، حيث كان سطح الأرض بين زمني جنة عدن والطوفان العظيم منتظما وأملسا،لكن خطيئة الإنسان تطلبت من الله أن يقوم بتنظيف الأرض بالطوفان العظيم. ويُعزى إلى الطوفان العظيم عدم الانتظام الجيولوجى للأرض. وفى المحصلة، تحللت الأرض من حالتها الأولى التامة كنتيجة لخطيئة الانسان. فالفيضان والعواصف والزلازل والكوارث الطبيعية كلها أشارت إلى المزيد من أنين الخلق تحت وطأة الخطيئة.

بدأ الاهتمام الجاد بتاريخ الأرض والجيولوجيا في إيطاليا تقريبا في زمن تخرج “نيوتن” من جامعة كامبردج. وأثناء بناء قناة في شمال ايطاليا جرى تعرية طبقات الأرض الصخرية. وقد لاحظ الدانماركي”نيكولاس ستينو” (1638 – 1686) أن أسنانا متحجرة لسمكة قرش (سمكة–الكلب) كانت غائرة في الصخور. لا تتعارض ملاحظات “ستينو” بالتأكيد مع الكتاب المقدس. لكن “ستينو” علل ذلك بأن أسنان سمك القرش قد غاصت في الصخور، مفترضا أن الصخور كانت وحلا طريا في الزمن الذي ترسبت فيه الأسنان. وبالتالي خلص إلى أن طبقات الأرض لم تُخلق كلها في نفس الوقت، لكنها تراكمت تباعا، طبقة فوق أخرى. ولم تكن هناك بالطبع طبقة بها أسنان القرش وحسب، لكن هناك طبقات أخرى بها عظام وبصمات تشبه الحياة. واستنتج “ستينو” أن هناك سجلا تاريخيا لايمكن تفسيره بطوفان عظيم وحيد.

بحلول القرن الثامن عشر–عصر التنوير– ومع التطور المعقد لبناء القنوات والمناجم، راكم المهندسون معارف هائلة تخص تركيب وتكوين طبقات الأرض الأوربية. كما حصلوا على معلومات عن العالم الجديد. وأصبحت الأسئلة عن القوى الأساسية التي عملت على تشكل الأرض ذاتها مهمة منذ عصر “ستينو” و”نيوتن”. ليس على المرء أن يرفض مذهب “توماس برنيت” بأن الفيضان العظيم قد شكل الأرض، لكن نظرية الفيضان العظيم الوحيد لم تكن كافية لتفسير كل التغير الجيولوجي، حتى أن “برنيت” قد حسب أنه لم تكن هناك كمية كافية من المياه في المحيطات لتغطية كل سطح الأرض، مفترضا أن ذلك كان ممكنا بأن تمطر في شكل فيضان كوني لمدة 40 يوما صباحا ومساء، كما افترض ان المياه الجوفية قد تفجرت إلىالسطح!. (قام “نيوتن”أيضا بتلك الحسابات. وإذا استخدمنا البيانات التي لدينا اليوم فسنجد أن ذلك يتطلب مرتين ونصف كل المياه على الأرض لتغطى كامل سطح الأرض. ولنتذكر، أنه حتى جبل افرست كان يجب أن يكون مغمورا !)

فما هيإذن القوى التي شكلت الأرض؟ من عناصر “أرسطو”، هل كان بشكل أولى الماء، الفيضان العظيم، المطر، الأنهار، المحيطات؟ أم كانت النار، البراكين، القوى العظمى الساخنة داخل الأرض؟ وكم يبلغ تاريخ عمر الأرض؟ هل كانت القوى التي شكلت الأرضهي ذاتها دوما؟ هل كانت تلك القوى ثابتة؟ أمأن الأرضقد تشكلت في لحظات خلق كارثية؟ وهل كانت الأرض ذاتها موضوعا لقوانين ميكانيكا “نيوتن”؟

كان “أبراهام ويرنر” (1749 – 1817) أول جيولوجي عصري طور نظرية منهجية وشاملة في الجيولوجيا،حيث كان أستاذافي علم المعادن في واحدة من أشهر مدارس ألمانيا للتعدين في فريبورج. وقد أخذ على عاتقه تنفيذ مشروع القرن الثامن عشر المماثل لمشروع لينايوس “الموسوعة”، فقد خطط لابتكار كتالوج شامل للصخور، أماكنها وأوصافها وتكوينها وبالطبع أسمائها.كان “ويرنر” محاضرا متميزا. وقد اعتقد “ويرنر”أن الجيولوجيا تتيح تأسيسا حرفيا لكل حضارة وثقافة. فمن حجر واحد، أمكنهوضع تصور عن تقدم الفنون واللغات والدين والصناعة والاقتصاد والحروب والتعليم في المنطقة التي وُجِد فيها. كان لنظرية “ويرنر” شقان: أن الأرض كانت مغلفة بمحيط كوني، وأن طبقات الصخور التي كونت قشرة الأرض كانت ترسبات من ذلك المحيط. كان المفتاح الرئيسي لنظرية “ويرنر” هو اعتقاده أن الجرانيت هو الطبقة الصخرية الأولىالتي ترسبت من حساء المحيط العظيم. وبكلمات أخرى، لم يعتقد أن الجرانيت كان ذا أصل ناري أو بركاني.

قام “ويرنر” بتدريس أن طبقة الصخر قد ترسبت خلالخمسة حقب كبرى غطت المحيطات أثناءها الأرض، بداية من الجرانيتوانتهاء بالطين والرمال. وبناء عليه، فإن الأنواع الحية والسمك والثدييات والبشر قد ظهروا، بالترتيب الذيوردفي الكتاب المقدس تقريبا. وقد يكون طوفان نوح آخر الفيضانات الكونية.

جاء التحدى الأكبر لنظرية “ويرنر” من “جيمس هوتون” (1726 – 1797) الجيولوجي الاسكتلندي الاستثنائي.كانت الكيمياء هواية “هوتون”، وقادته إلى أول تحدي لنظرية “ويرنر”. فقد فحص “هوتون” الطبيعة البللورية للجرانيت واستخلص أنه ناري المنشأ، وأنه قد تكون تحت ضغط ودرجة حرارة هائلين. وقاده مزيد من الفحصإلىخلاصة أن القوى البركانية قد لعبت دورا بارزا في تشكيل قشرة الأرض.وقد حدد “هوتون”أن جبال اسكتلندا كانت بالأساس ذات طبيعة نارية، وليست رسوبية. ووجد في مكان آخر دليلا على أن الجرانيت يغطى طبقات رسوبية أقدم. في بعض مناطق اسكتلندا، بدا أن الجرانيت أحدث الصخور وليس أقدمها. وعرف هوتون بالطبع أنه لو ثبت في النهاية أن الجرانيت بركاني المنشأ فلسوف تنهار كل نظرية ويرنر عن نشأة طبقة الأرض.وقد فرق “هوتون” بين الصخور النارية والرسوبية. وجادل بأنه لكي نفهم القوى الجيولوجية، ينبغى علينا دراسة القوى الحالية التي تعمل على تشكيل الأرض. وافترض أن القوى التي تعمل اليوم هي القوى التي كانت تعمل في الماضي وستبقى تعمل في المستقبل. ومن ثم فإن الحركة أو التغير ثابتان – فالأرض لم تكن أبدافي حالة سكون. وقد تصور “هوتون” عملية مستمرة من البناء والحت. فالأرض دوما في حالة تشكيل وإعادة تشكيل. كانت رؤية “هوتون” مثيرة في تطبيقاتها الأوسع. فكيف أصبحت قيعان المحيطات قمما للجبال؟ كيف تفاعل الماء والنار لتشكيل الأرض؟ ماهو عمر الأرض؟ ماهى طبيعة العمر الجيولوجي؟ هل كان أي شيء ثابت أو دائم؟

سنجد الإجابة على بعض تلك الأسئلة في علم طبقات الأرض، وفى رسم خرائط الطبقات الجيولوجية، وتفسير الأدلة من الحفريات. فقد عُرفت الحفريات فيالأزمنة القديمة. فالحفريات، وخاصة الرخويات، كانت تشبه الحيوانات، لكن لديها صلابة وصفات الصخور.كان التحدى الأكبر هو اكتشاف حفريات بحرية في أراض عالية، وبخاصة الجبال. وقد رأى للبعض أن الحفريات البحرية المُكتَشَفَة في الجبال تؤكد قصة الكتاب المقدس عن الفيضان.

كان “ويليام سميث” (1769 – 1839)مهندسا تولى مهمة بناء القنوات في انجلترا. وكان أول من أدرك الدلالة التاريخية الحقيقية لطبقات الصخور. وبحلول القرن التاسع عشر انطلقت الثورة الصناعية في انجلترا، وكانت تلك الثورة هي التي دعمت أول تطور للنقل الكثيف. تم بناء القنوات، بدرجة ما، لتنقل المسافرين بالعربات ومنتجات المزارع إلى السوق، لكن غالبا لنقل كميات هائلة من الفحم الحجري من المناجم إلىالمصانع المزدهرة والمدن الصناعية في الداخل الانجليزي.وبينما كان “سميث”منهمكا في تجارة بناء القنوات، أصبح خبيرا في طبقات الصخور في عموم بريطانيا العظمى. وأدرك ان المرء بمقدروه رسم خريطة لكل انجلترا وفقا لطبقات الصخور التيامتدت عبر البلاد – حوالي 19 طبقة من لندن إلىويلز واسكتلندا. وقام “سميث”بوضع خريطة جيولوجية – الأولى من نوعها – والتي ساعدته في تحديد موضع مواد البناء المفيدة بالإضافة إلى طبقات الفحم.

كان “سميث”أيضا أول من رأى أن هناك علاقة بين حفريات معينة وطبقات خاصة من الأرض. وكان أول من قام بتحديد ما نسميه اليوم بالطبقة الجوراسية. والكثير من المصطلحات التي وضعها مازالت باقية في مراجع الجيولوجيا. لكنه لم يكن مهتما بنشأة الحفريات أو بكيفية ارتباطها بالتاريخ الجيولوجى.

لكن ملاحظات “سميث” طرحت عددا من الأسئلة: الحفريات التي وُجِدت في مختلف طبقات الأرض تفترض أنها عاشت وربما تخلقت فيأزمنة مختلفة. فهل كان هناك أكثر من خلق؟ كما ظهر أن هناك حفريات أخرى قد انقرضت، فهل بدل الله رأيه؟ هل ارتكب الله أخطاء؟ ولو أن الله ارتكب أخطاء، فهل بمقدوره فعل ذلك مرة أخرى؟ كانت تلك أسئلة مزعجة بشدة.

بعض الإجابات عن تلك الاسئلة المقلقة قدمها “جورج كوفير” (1769 – 1832) الذي كان أستاذا في علم الحيوانات الفقارية بمعهد باريس القومى للتاريخ الطبيعي،وقام بأعظم إسهاماته في علم الإحاثة (علم المتحجرات). كان “كوفير” هو أول من اكتشف كيفية تركيب حيوان كامل من عظام قليلة فقط. واستخدم مبدأ التناظر، مثل أن العظام والتراكيب تفترض أشكالا معينة للبنية. فالأنياب لها صلة بالضواري آكلة اللحم، والحوافر تكون مصاحبة للحيوانات آكلة العشب، وهكذا. كما اكتشف أن حفريات معينة كانت موجودة فيطبقات أرضية محددة، وأن الصخور التي يمكن تحديدها وتأريخها بناء على تعداد الحفريات، تحتوى مرة أخرى على عديد من الأنواع المنقرضة. كما لاحظ “كوفير”أن سجل حفريات أنواع معينة غالبا ما ينتهى بشكل مفاجئ، فقط ليجرى إحلالهفي سجل الحفريات بحيوان آخر، قد يكون أحيانا الرخويات أو المحار، وأحيانا السمك وأحيانا الديناصورات وأحيانا الثدييات أو الطيور. وكان “كوفير” هو أول من اكتشف الزاحف المجنح (البتيروداكتيل) وأن هناك أحد الأنواع الكبرى التي اختفت من السجل الحفري من ناحية ثانية وهو الإنسان العاقل (هوموسابينز).

طرح “كوفير” أسئلة مثل:ما الذي يدل عليه السجل التاريخى؟ كيف لنا أن نفسر موت أنواع معينة لتحل محلها أنواعأخرى؟ وافترض أن ذلك كان نتيجة ترتبت عن كوارث قديمة. فالطوفان والفيضانات وموجات الزلازل والانفجارات البركانية قد دمرت الأرض، وقتلت الأنواع القائمة مما صنع حيزا تنتقل إليه أنواع جديدة. واكتشف “كوفير” سجلا لطوفانين قديمين. ويظل غياب البشر يفترض أن الانسان قد شغل تلك المنطقة بعد الطوفان الثانى. وعلل “كوفير” ذلك بأن الطوفان الثانى لابد وأن يكون هو طوفان نوح.

انتهت، غالبا بشكل كامل، فكرة عدم قابلية الأنواع للتغير. حيث قام “كوفير” بتصوير تاريخ الأرض على لوحة زمنية كبيرة. لكنه لم يفترض نظرية تطورية. فبينما عاشت وماتت الحيوانات كنتيجة مترتبة على تكرار الكوراث الجيولوجية، ظل أصل الأنواع غير مفسرافي نظام “كوفير”.

العلامة الأخيرة على الطريق الجيولوجي من “نيوتن”إلى”داروين”وضعها”شارلز ليل” (1797 – 1875) الذييعد الأكثرأهمية بين هؤلاء الجيولوجيين، لأنه كان العالم الجيولوجيالأكثر تميزا ونفوذا في عصره. وكان صديقا شخصيا ومقربا من “داروين”،كما أثر بشكل كبير في كتابه “عن أصل الأنواع”.

كانت مبادئ “ليل” ضخمة، شاملة، وقد لخص عمله أفضل البيانات والنظريات الجيولوجية. كان الدليل الموجود في طبقات الأرض واضحا بحيث كان هناك تتابع للأحداث الجيولوجية التي ماتت فيها أنواع معينة ليتم إحلالهافي النهاية بأنواع أخرى. وقد جادل “ليل” بأن كل الصخور التي نراها على الأرض قد تكونت بنفس العمليات الكيميائية والفيزيائية البطيئة التي نراها اليوم.

كان مفتاح فهم الماضي الجيولوجي بالنسبة “لليل” هو معرفة الحاضر. فعلى سبيل المثال، قام بدراسة النشاط البركاني”مونت إتنا”في صقلية، ليستخلص أن نشوء الجبل بعد انفجار البركان يحدث عبر فترات مديدة من الزمن. كما قام بحساب معدل الترسيب في دلتا المسيسيبى واستطاع تقدير عدد السنوات التي استغرقتها دلتا ووادي النهر لكى يتشكلا.

كانت خلاصة أبحاثهأن كلا من البناء البركاني والحت الرسوبي تطلبا تأثيرات تراكمية متكررة عبر فترات فسيحة وهائلة من الزمن. لكن تبقى هناك مشكلة كبرى: ففى تلك الرقصة التماثلية البطيئة للطبيعة، ماتت بعض الحيوانات وظهرت أخرى. ولم يكن لدى “ليل”، مثله مثل “كوفير” تفسير لأصل الأنواع،وهو ما سنتناوله في مقالنا التالي.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة