للتضامن أشكال متنوعة

قضايا

09  أغسطس  2017

تربيت في منزل يحمل ثقة عميقة في الطبقة العاملة بصفة عامة ولاسيما في الطبقة العاملة المصرية، وهو بيت يوسف درويش المناضل الصلب من أجل حقوق العمال؛ وقد انعكست هذه الثقة وهذا الحب في أن أصبح منزلنا بيتا مفتوحا لجميعهم؛ ومنذ طفولتي المبكرة عرفت أشخاص مثل يوسف المدرك، ومحمود العسكري، وطه سعد عثمان وآخرين كثيرين من الجيل الأسبق للقادة العماليين.  وبعد ما كبرت، قرأت في تاريخ الطبقة العاملة وفي إسهاماتها على مستوى العالم أجمع، فتبنيت نفس الاحترام والحب الذي علمه لي أبي.

ثم جاءت أجيال متتالية بعدهم من العمال المدركين أيضا لأهمية الدور الذي يمكنهم القيام به، ليس لأنفسهم فحسب وإنما لبقية الشعب المصري؛ فهم الصناع، والمنتجين، والقادرين على الالتفاف سويا حول مطالب تفيد الجميع، وعلى تنظيم أنفسهم وتعليمنا أشكال التضامن وكذلك أشكال الدفاع عن العدالة ومقاومة الظلم.  كل ذلك لأقول أنني تعرفت على كمال عباس في منزل أبي الذي اعتبره الابن الذي كان يتمناه.  ولا أقول هذا على سبيل المجاملة، وإنما هي الحقيقة التي رآها ولمسها كثيرون مثلي.

جاءتنا أخبار اقتحام مصنع الحديد والصلب ووفاة أحد العمال، والقبض على كثيرين سواء كانوا عمالا أو من المتعاطفين معهم، منهم عديد من الأصدقاء والمعارف مثل ماجد الصاوي، وعماد عطية، وآخرين.  أما بالنسبة لكمال  عباس، فقد نمى إلى علمنا أنه تمكن من الإفلات والفرار، ولكنه مطلوب القبض عليه حيا أو ميتا، وهو ما أثار قلق عميق لدينا جميعا، ليس في أسرتنا فحسب وإنما أيضا في الدوائر المحيطة بنا، خاصة أن كمال لعب دورا مهما في المصنع وفي الأحداث التي دارت هناك، وهذا ما يفسر حرص الأمن في القبض عليه وربما التنكيل به أو تصفيته جسديا. بات والدي مهموما، يتساءل ويتحاور حول إمكانية مساعدته، وقد زادت الهموم بسبب ما سمعناه حول ما يحدث للمقبوض عليهم من إهانة، وتعذيب.  ثم جاءنا خبر أن كمال ينوي تسليم نفسه بعد بضعة أيام.

كنت أعمل في ذلك الوقت في مكتب اختلطت فيه بعديد من الأجانب؛ وفي إحدى الأيام، حكت إحداهن أمامي أنها التقت بمراسل البي بي سي في مصر، فسألتها لو كان مهتما بمعرفة أخبار عن الحديد والصلب، فلما أكدت لي أن الأمر مهم بالنسبة إليه طلبت منها – دون الإفصاح عن أي شيء – أن تساعدني على الاتصال به؛ والحق أنها لم تسأل أي سؤال رغم أن من الطبيعي أن يكون لديها فضول للمعرفة؛ ولكنها احترمت سكوتي وأعطت لي رقم تليفونه، وقالت أنها ستخبره بأنني سوف أتصل به.

لما عرفنا تاريخ تسليم كمال لنفسه، اتصلت بالرجل قبلها بيوم، وعرفته بنفسي وقلت له أن لدي بعض الأخبار التي أريد أن أقدمها له، فحاول سؤالي خلال المكالمة لكنني أرجأت الإجابة إلى الغد حيث اتفقنا على اللقاء في كافتيريا أحد الفنادق في التاسعة صباحا، وكنت أعلم أن موعد التسليم سيكون في الحادية أو الثانية عشرة إن لم تخونني ذاكرتي.  والواقع أنني امتنعت عن إعطاء أي معلومات قبل هذا اللقاء إلا وكمال على وشك تسليم نفسه، والشخص الذي معي تحت بصري حتى إتمام المهمة.

بالفعل قابلت جيفري فيليبس في هذا الصباح، وحكيت له القصة، وقلت له أننا نخشى على حياة كمال إذا سلم نفسه بدون شهود، وإنه إذا قبل حضور عملية التسليم سيكون أفضل شاهد على الواقعة.  جيفري قبل على الفور ودون أي تردد المهمة التي قد تبدو سخيفة أو حتى خطرة بالنسبة لآخرين.  بعد ما تحدثنا قليلا، قمنا لنتوجه إلى نيابة أمن الدولة بمصر الجديدة حيث كان مكان التسليم وفقا لمعلوماتنا.  نزل الرجل من السيارة التي ركنتها في الناحية المقابلة من الشارع لأنتظر فيها بضعة ساعات حتى خرج جيفري.  تأكدت منه أن الأمور سارت بطريقة سليمة، كما أخبرني أنه أجرى حديثا مع كمال حول الأحداث وأن الحديث سيذاع على الإذاعة البريطانية، وقد كان!

بعد خروج الجميع من السجن، صمم كمال على تنظيم جلسة في منزله للاحتفال بالإفراج مع زملائه ولتكريم جيفري فيليبس، وحضرنا هذا الحفل الذي تعرفت فيه على عديد من عمال الحديد والصلب أذكر منهم بصفة خاصة المرحوم فوزي محمدين الذي بدا لي شخصا مميزا بكل المقاييس.

ظل بعد ذلك جيفري وزوجته من الأصدقاء المقربين إليَ حتى غادروا مصر لينتقلوا إلى بلد آخر لأداء العمل الإذاعي فيه، وربما ليساعدوا أشخاص آخرين هناك.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

عمال المحلة يطلقون نداءهم مجددًا القول بأن إضراب عمال المحلة الذي أوشك أن يكمل أسبوعه الثاني للمطالبة بالعلاوة الاجتماعية وعلاوة غلاء المعيشة وزيادة بدل الوجبة، بالإضافة لمطالب أخرى، ستكون له نفس النتائج، أي أنه سيطلق موجة من الحركة العمالية ويكسر حالة الجمود السياسي، سيكون تبسيط مخل، لا يعبر عن بذل أي جهد في فهم الحركة العمالية ومحاولة التفاعل معها. كذلك اعتبار إضراب 16 ألف عامل للمطالبة بالعلاوات وبدل الوجبة حدث عابر لا يمس الأوضاع السياسية والاجتماعية ليس سوى استمرار للتعالي النخبوي على الحركة العمالية، والذي كانت عواقبه وخيمة على مدار السنوات الماضية.

مصطفى بسيوني

وهــج الصـلـب كان المشهد مهيباً وصاحبنا آلاف العمال تتقدمهم القيادات العمالية اليسارية وعضوي مجلس الإدارة والهتافات العمالية يتردد صدها في الأجواء. مشهد جليل لم يتكرر في حياتى إلا في الثامن والعشرين من يناير2011- يوم جمعة الغضب.

كمال عباس

فوزي محمدين: الذي لا يغيب تلك كانت أول علاقة لي بأفكار اليسار، علاقة توطدت عندما مررت بمعرض طلابي ينظمه الطلاب الاشتراكيين في جامعة القاهرة بمناسبة الانتفاضة الفلسطينية، ووجدت ضمنه لوحتين عن انتقادات الاشتراكيين لمشروع قانون العمل الموحد ومخاطر هذا القانون على العمال وأسرهم.

هيثم محمدين

رأس المال لماركس بعد 150 عاما مايكل روبرتس يكتب: رأس المال لماركس بعد 150 عاما ولكن الآن بعد 150 عاما، فإن رأس المال كتاب، حتى ولو لم يكن قرأه الكثرون، فقد سمع به الملايين، ليس فقط الاقتصاديين، حتى. ليس من السهل قراءة أو فهم أجزاء معتبرة من الكتاب وخاصة في فصوله الأولى، ولكن في أجزاء أخرى فإن الكتاب يقدم رصدا قويا للمظالم والطبيعة المستغلة للرأسمالية والتي تشبه مصاصي الدماء مقدما وصفا وتحليلا للقاعدة الصناعية الصاعدة وقتها والاقتصاد الرأسمالي الرائد ألا وهو بريطانيا العظمى. وكما يقول ماركس قبيل نهاية الكتاب "وإذا كانت النقود تجيء إلى الدنيا وعلى خدها لطخة دم بالولادة ، فإن رأس المال يولد وهو يقطر دماً وقذارة، من جميع مسامه، من رأسه وحتى أخمص قدميه".

مايكل روبرتس