أي سبيل للخروج من الأزمة الفنزويلية ؟

قضايا

09  أغسطس  2017

نشر في مجلةJACOBIN

 عندما تتعثر الثورات فإن الارتباك يسود المشهد، كلا الأمران يبدوان صحيحان فى فنزويلا الآن، ففي ظل أزمة اقتصادية وسياسية ومؤسسية في هذا البلد لا يعلم كثير من سكانه وحتى المتابعين له من الخارج ما ينبغي فعله للخروج من تلك الأزم.، ولكن بدلا من الابتعاد عن المنحى البوليفاري للثورة من خلال تكرار خطابات الاستنكار السائدة فى الإعلام العالمي لحكومة نيكولاس مادورو والتي توصف بأنها قمعية وغير ديمقراطية وسلطوية لحد بعيد، على الثوريين الآن أن يفكروا بوضوح من أجل دفع مجتمعاتهم خطوة للأمام.

أزمة مؤسسية

 تبدو أسباب الأزمة وتفسيراتها واضحة للعيان، فقد سبب رحيل هوجو تشافيز في 2013 بركانا في قلب الثورة البوليفارية، والذي تزامن مع انهيار الأسعار العالمية للبترول التي قلصت وبشكل كبير من أفق المناورة لحكومة مادورو، المتعثرة في الأساس في محاولة البحث عن طريق للخروج . ولاستغلال هذا الضعف، دفعت النخب المحافظة، والتي تقع في مقدمة المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة، بمناصريها إلى الشارع في احتجاجات أبريل 2013، التي خلفت 11 قتيلا ووضعت قيد التنفيذ استراتيجية توتر قائم منذ ذلك الحين وعلى مدار 4 سنوات لاحقة.
وبدلا من اتخاذ إجراءات راديكالية منذ البداية، قررت حكومة مادورو المحاصرة الاختيار الأكثر برجماتية. فالنظام الفاشل في التحكم في العملة، والذي يتحكم في عملية توزيع دخول البترول، لم يتم تفكيكه بشكل كامل. والنتيجة كانت ردة فعل حلقية مدمرة، حيث عادت أسواق المضاربة السوداء للعملة واكتناز وتهريب الطعام والوقود، واتساع دائرة الفساد الموجودة بالفعل في العلاقات بين القطاع الخاص والعام. مدفوعا بالاحتجاجات في الشارع ونقص الطعام، استجاب مادورو عشوائيا من خلال دعم الإنتاج الشعبي للسلع عن طريق البلديات[1] وفى الوقت ذاته مغازلة شركات القطاع الخاص من أجل إبقاء الطعام على الرفوف.
الزوبعة التي تلت ذلك ليست تلك التي كنا نأملها، وكما كان الأمر دائما، فإن الطريق البراغماتي، الذي يعِد دائما بأنه الأفضل، يتضح في النهاية أنه ليس كذلك. بالفعل ارتدت يد مادورو البرجماتية عليه عندما انتصرت المعارضة انتصارا حاسما في انتخابات الجمعية الوطنية في ديسمبر 2015، والذي استتبعه أزمة مؤسسية كاملة، حيث سعت المعارضة لتأجيج الأزمة ومحاولة زعزعة استقرار الحكومة ووضع البلاد في حالة اضطراب كامل.
بعد استيلاء قوى المعارضة على سلطة التشريع فإنها تطمح الآن للسلطة القضائية والتنفيذية، فلا يمكن فهم خرقها الدائم لأحكام المحكمة العليا ومحاولاتها المستمرة للانقلاب الناعم على السلطة التنفيذية إلا في هذا السياق. كما تستمر المعارضة في تشجيع الاحتجاجات العنيفة في الشارع، والتي خلفت حتى الآن أكثر من 100 قتيل، في حين أن القتل سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة يتم من قبل المعارضة نفسها وليس الأمر كما يٌصور في الاعلام العالمي. وفى بلد ما زال 55 % من سكانه يحتفظون بتأييدهم السابق لشافيز، وما يقرب من نصفهم ضد التكتيكات العنيفة التي تستخدمها المعارضة، لا يحظى من يريدون عزل مادورو بشرعية كبيرة في الشارع.
لعبت وسائل الإعلام العالمية دورها في تأطير السؤال والأزمة في أبسط صورها كما لو أنها مجرد مسألة وقت: متى سوف يستقيل الرئيس الشرعي والمنتخب؟ لا تنشغل بهذا، فحتى في وسط الأزمة الحالية مازال مادورو يحظى بشعبية أكبر من رئيس المكسيك أنريك بينا نيتو (Enrique Peña Nieto)، ورئيس كولومبيا خوان مانويل سانتوس (Juan Manuel Santos) والرئيس غير المنتخب وغير الشرعي لانقلاب البرازيل مايكل تامر (Michel Temer). تلك التفاصيل الهامة تختفي في ضبابية الهجمة الإعلامية الشرسة المدعومة من قبل المخابرات المركزية الأمريكية وإدارة ترامب.

أي سبيل للخروج؟

يكاد يكون من الصعب إيجاد سبيل للخروج من الأزمة، فهناك حديث يدور حول الحوار – الدواء الليبرالي الشامل الشافي– ولكن يبقى من غير الواضح مع من سوف يكون الحوار؟ وأي نوع من الحلول قد يطرحها هذا الحوار؟ ومع اعترافي بأنه يجب أن يتوقف العنف، فإن غياب الحلول الكاملة للتناقضات الكامنة في الدولة البترولية، كما الحوار، سوف تحل بالكاد الأزمة السياسية على حساب الأزمة الاقتصادية. فالموقف الحالي ليس نتيجة الإفراط في السياسات الاشتراكية بل نتيجة التخاذل عن تطبيق أكبر لها، وأي مسلك سوف يجزئ الفرق الجوهري بين الاشتراكية والرأسمالية سوف ينتهي به المطاف حاملا لأسوأ ما في العالمين.

وفى سياق الأزمة المؤسسية الحالية، يذهب الفنزويليون إلى صناديق الاقتراع من أجل اختيار الجمعية التأسيسية لإعادة صياغة الدستور للمرة الأولى منذ صعود تشافيز والثورة البوليفارية. في هذه الانتخابات لن يختار الفنزويليون 364 ممثل محلي لهم فحسب، بل أيضا 8 ممثلين للسكان الأصليين و173 ممثلا للقطاعات التي تشمل العمال، والفلاحين، وذوي الإعاقة، والطلاب، والمتقاعدين وأيضا ممثلين عن للشركات، والبلديات، ومجالس إدارات البلديات.

بالطبع هذه العملية بعيدة كل البعد عن الكمال وتواجه عدة صعوبات، أهمها الجدال القانوني غير المحسوم والذي أطلقه التناقض الحالي حول من له الحق في تشكيل الجمعية التأسيسية: هل هم الناس وفقا للمادة 347 من الدستور البوليفاري؟ أم الرئيس وآخرون وفقا للمادة 348؟ ومع ادعاء المعارضة أن مادورو انتهك الأولى ورفض الاستشهاد بالأخيرة، فإنها تهدد بمقاطعة الانتخابات، بل وحتى تعيق جسديا عملية الاقتراع.

بعد محاولتها في السابق المطالبة بأن تدين الجمعية التأسيسية التشافيزية، أصبح قادة المعارضة الآن متخوفين من أن تجذر الجمعية الثورة البوليفارية بدلا من الانقلاب عليها.

لقد عانت المعارضة من نتائج كارثية نتيجة إحجامها عن المشاركة في الانتخابات فيما مضى: فبعد المقاطعة في انتخابات الجمعية الوطنية في 2005 أصبحت بدون صوت واحد في المجلس التشريعي. لكن الحال الآن ليس كما كان في 2005، فقد خفتت حماسة التشافيزية المبكرة ومهدت الطريق لأزمات عميقة ومستمرة، وأصبح لها الآن معارضون يتحينون الفرصة من أجل إنهاء اللعبة ودفن جميع المكاسب مرة واحدة وإلى الأبد.

شهور من حروب الشوارع والبلطجة تطورت الآن إلى عمليات تفجير وتخريب للبنية التحتية وهجوم على المواصلات العامة، والمستشفيات، والتلفزيون الرسمي، ومؤخرا معامل الألبان المملوكة للدولة. كما هددت المعارضة بتشكيل حكومة مقاومة وأيضا بمسيرة للقصر الرئاسي مثلما حدث في انقلاب 2002 ضد تشافيز.

أن تكون مخادعا بشأن فينزويلا.

في ظل هذه الأزمة العميقة ما الذي يجب على الثوريين فعله؟ الجمعية التأسيسية ليست الخيار الأفضل، ولكننا لسنا في مناخ يسمح بالحلول المثالية. التأييد الأعمى ليس مفيدا، كذلك الطريق الآخر أيضا، والذي يمكن أن نطلق عليه مستعيرين تعبير لينين “النقد غير النقدي” (uncritical criticism) الذي يرفض الوصول إلى قلب الأشياء وفهم التغيير الثوري كعملية ديناميكية. لا شيء أكثر صعوبة من أن تحدث ثورة، والحصول على القليل أفضل من توقع الفشل والجلوس في انتظاره.

في مقاله الأخير يعلن مايك جونزالس (Mike Gonzalez) موت الثورة البوليفارية، وأن: “هذا المشروع قد فشل”. ليس من الداعي القول أن ادعاءات الفرسان تلك سوف تكون مفاجئة لهؤلاء الذين يصمدون على الأرض محاولين التشبث بالتغيير الثوري، ببساطة لأنهم لا يملكون خيارا آخر.

 في مقاله المعنون “أن تكون صادقا بشأن فنزويلا” يبدأ جونزالس (Mike Gonzalez) بنظرية مؤامرة غريبة: أن هجوم الهليكوبتر الأخير ضد أهداف حكومية كان عملية من تدبير الحكومة نفسها. ولسوء حظه فإن هذا الادعاء الخرافي – والذي تردد صداه في اجتماعات قيادات الجناح اليميني للمعارضة – لم يكن ليستمر طويلا، فبعد أقل من أسبوع ظهر أوسكار بيريز (قائد المروحية) في مؤتمر لدعم المعارضة.

يهدف جونزالس إلى كشف “خيانة ماديرو” للثورة على حد تعبيره، لكن هذا التهام بالخيانة هو في الحقيقة مأزق[2] (a catch22) فالحكومة غير فعالة، وحين تحاول أن تتدخل فإنها سلطوية، وحينما تدافع عن نفسها بأقل قدر من العنف فإنها قمعية. الحكومة تهدر الأموال ولكنها انتُقدت بعنف حينما لجأت بدافع اليأس للمشاريع الاستخراجية (استخراج المعادن) العملاقة؛ عندما تفشل في توفير الطعام في المتاجر فإنها عديمة الفائدة؛ وحينما تتعاون مع القطاع الخاص من أجل ذلك فإنها تلاتكب خيانة عظمى. وحين يحاول حزب اشتراكي، يعاني مشاكل حقيقية (الحزب الاشتراكي الموحد) أن يتصرف لصالح مناصريه – وهذا بالمناسبة هو ما وجدت الأحزاب الثورية من أجله – يصبح الحزب أداة للقمع السياسي .

في وسط هذه الاستنكارات والاستنتاجات القطعية حول “تقويض الديمقراطية” و”شيطنة المعارضة”، يرفض جونزالس الجمعية التأسيسية بذعر شديد، فيقول لنا: “لن يكون هناك نقاش ولا شفافية” دون حاجة للشرح بالطبع. وباعتباري اشتراكي ثوري أرى أن الكاتب يكن للديمقراطية الليبرالية احتراما مبالغا فيه، ويشجب بطريقة مضللة ما يسميه المؤسسات المعلبة للتشافيزية، فيقول أنها غير ديمقراطية بدون تحديد معيارا لذلك. يدعي جونزالس أن الحكومة تمنع حق التظاهر الذي يكفله الدستور، وهو ما سيبدو ادعاءً غريبا للغاية لو قرأه هؤلاء الذين يعيشون في أحياء لم تشهد شيئا سوى التظاهر منذ شهور.

وباستثناء اشارات قليلة للإمبريالية، ورأس المال العالمي، أو حتى عنف المعارضة الفنزويلية، يلقي جونزالس كل اللوم على أكتاف مادورو. في هذه الحالة يبدو الفساد كسياسة دولة بدون أي ذِكر للعلاقات المتشابكة مع القطاع الخاص، أو ذِكر لشركات القطاع الخاص الوهمية التي حصلت على تمويل بالمليارات من الدولة، ثم تلاشت في الهواء ومعها كل تلك الأموال. “الأرفف الفارغة” تعبر، بحسب رأى جونزالس، عن فشل مشروع سياسي، لكنه لا يذكر التخريب الرأسمالي للإنتاج. يشير جونزالس أيضا بصورة عابرة إلى مقتل زعيم قبيلة للسكان الأصليين وهو سابينو روميرو (Sabino Romero) دون أن يذكر أن من قتله هم ملاك الأرض الأثرياء. إن “مكاسب التشافيزية” تتسرب من بين أيدينا بالفعل، لكن هذا لا يعفينا أبدا من محاولة فهم الأسباب.

بالنسبة لجونزالس فإن النخبة التشافيزية والبرجوازية المتواطئة معها وجهان لعملة واحدة، لكن هذا يتركه عاجزا عن إجابة التساؤل الأساسي والإشكالية الكبرى: إذا كانوا كذلك فعلا، فما الذي يدعوهم للصراع الدموي الآن في الشارع؟ الجميع يعلم أخطاء حكومة مادورو، لكن هذا لا يمنع أن يحمل هذا المشروع في ثناياه بعض الراديكالية؛ يعترف بهذا الكثير من الثوريين القاعديين الذين ما زالوا يدعمون التجربة.

تصوير الوضع على أنه مجموعة من الأحداث الفوضوية بدون محاولة تفسير أسبابها، وإلقاء اللوم على الحكومة الفنزويلية فحسب دون الحديث عن الإمبريالية والمعارضة، هو ما يشترك فيه جونزالس مع منتقديه. فكما الإعلام السائد، لا يستطيع جونزالس أن يقول لنا من السبب في قتل الناس في الشوارع؛ وكما الإعلام السائد أيضا ينزع الأشياء من سياقاتها، عارضا لمآس مجردة من سياقها باعتبارها دليل إثبات على فشل الحكومة. وفوق هذا كله يهمش جونزالس من دور الثوريين الذين يقول أنه يتحدث بالنيابة عنه. فخارج تلك الصورة التي يقدمها جونزالس يوجد مئات الألاف من الأناس الذين يناضلون بشكل قاعدي من أجل الاشتراكية، ويواجهون خيارات صعبة بكل ما يترتب عليها من نتائج في ظل الأزمة الراهنة.

 “ينبغي علينا دعم هؤلاء الذين يناضلون من أجل إعادة بناء قاعدة ديمقراطية حقيقية” هكذا يكتب جونزالس. ولكن من أجل أن يفعل هذا عليه ربما أن يستمع لجوزيه ميجيل جوميز (José Miguel Gómez)، وهو قيادي تنظيمي ثوري من بلدية بايو تامايو (Pío Tamayo) في باركويستميتو (Barquisimeto) يناضل منذ زمن طويل من أجل تمكين البلديات وإعطائها صلاحيات أكبر، حين يقول:  (( الحكومة ليست المشروع البوليفاري- الذي يتجاوز الرئاسة بكثير – ولهذا لم يستطيعوا هزيمته، ولهذا هو موجود في الشارع اليوم. علينا أن نستمر في المقاومة من أجل بناء وتوفير بديل ثوري حقيقي يغير من تركيبة الدولة، والجمعية التأسيسية هي خطوة في هذا الطريق. لكن ينبغي أيضا تطهير الحكومة ومؤسساتها من الفساد المنتشر والبيروقراطية، وينبغي سحب بساط السلطة من يد الجيش. هناك الكثير من عصابات المافيا المالية في هذا البلد. ينبغي علينا إنهاء نظام التحكم في العملة الحالي وعلينا تأميم البنوك وشركات الصرافة. إن اليمين لم ولن يكون يوما هو الخيار بالنسبة لنا. ينبغي علينا توجيه النقد للحكومة وفى نفس الوقت بناء بديل قادر على الحكم)).

يعبر جوميز هنا عن انتقادات كثيرة يرددها نقاد التشافيزية، لكنه يربطها برؤي ثورية للتغيير الاجتماعي، مع إدراك كامل لما يمكن أن يحدث لهذا البلد في حال استولت المعارضة اليمينية على الحكم.

اليمين ينتظر في الكواليس

ينبغي تقدير حجم المخاطر في الأسابيع والشهور القادمة، فانتصار المعارضة يعني التقشف في أفضل الأحوال أو الحرب الأهلية في أسوأها. نحن نعلم هذا، لأننا نعلم من أين ينحدر هؤلاء. فقيادات المعارضة تأتي من أكثر القطاعات رجعية في النخبة القديمة، وهؤلاء الشباب المقنعون في الشوارع هم نتاج تحالف خطير مع قوى أخرى يمينية في أمريكا اللاتينية تحت قيادة الكولومبي “الفارو اوريب” (Álvaro Uribe) صاحب فرقة الموت الشهيرة. وعودتهم التي تعد باستعادة الأرضية لعمل الرأسمالية بشكل سلس ودون قيود، كما يقول ماركس دائما، ستحقق ذلك من خلال أكثر الوسائل القمعية وحشية.

لا شك أن أهداف المعارضة غير الديمقراطية تتلفح بعباءة وخطاب الديمقراطية. ففي التجمع الأخير للمعارضة، والذي تم بطريقة غير رسمية ودون الحصول على تأييد المجمع الانتخابي، تحدثوا دفاعا عن دستور 1999، ودعوا الجيش لاتخاذ موقف منحاز في الصراع من خلال دعم قرارات الجمعية الوطنية (أحد جناحي الحكومة) وتشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة عبر انتخابات مبكرة في خرق واضح للأعراف الدستورية.

وبالرغم من ادعاءات المعارضة المتكررة حول قمع الحكومة، فإن القليلين فقط هم من نسوا العقاب الجماعي الذي قامت به المعارضة أثناء انقلاب 2002 الوجيز، والذي احتُجز فيه قادة التشافيزية وتعرضوا للتعذيب، وقُتل أكثر من 60 شخص في غضون يومين. الحقيقة أن حوادث السحل، والقتل، وحرق الناس أحياء، أو القصف بمدافع الهاون المحلية الصنع في الأشهر اللاحقة لانقلاب 2002، وهؤلاء الناس الذين قتلوا للاشتباه في كونهم موالين لشافيز (السود والفقراء على سبيل المثال) هو الشكل الوحيد الذي سوف يسود في حال نجحت المعارضة في مساعيها الحالية.

بناء البديل الحقيقي

لا يوجد فهم شامل لدينامية الثورة لا يتضمن هزيمة أعدائها، في نفس الوقت الذي يحاول فيه بناء مجتمع جديد. الفساد والبيروقراطية والتماهي مع النخب الجديدة هي أوبئة لا بد من التخلص منها. ولكن الاقتصار على توجيه النقد لهذه الأمراض لا يصنع الثورة، كما لا يمكن هزيمته دون سلاح، وأهم سلاح هو وزن الجماهير في الشارع، والنضالات الشعبية والقاعدية من أجل تقرير المصير والسيطرة على الموارد والإنتاج. والحكومة البوليفارية من شافيز حتى مادورو مثلما ساعدت في شحذ تلك الأسلحة، فإنها اعتمدت عليها أيضا من أجل بقائها.

الثورات تصنعها الجماهير على الأرض أثناء حركتها مستلهمة الأفكار الثورية، ولم يساهم أحد في تعبئة الجماهير الفنزويلية في حالة من الحراك تلك أكثر مما فعل هوجو تشافيز. مؤخرا اصطدم هذا الحراك بالعديد من العقبات، بداية من الواقع الاقتصادي وحتى توحش أعدائه أنفسهم. وفى تلك التجربة، وحتى في غيرها، كان التعثر حتميا ولا يمكن تجنبه. هذا ما يمكن أن نطلق عليه اسم التقهقر (desgaste) في فنزويلا الآن، حيث يتراجع الحماس للثورة، خاصة حين تسود الأوقات الصعبة.

بحسب المنظر الثوري الترندادى سي. إل. ر. جيمس (C.L.R. James) كانت هناك فجوة لا يمكن إنكارها بين قيادات اليعاقبة (the Jacobin) في الثورة الفرنسية وبين الغضب الشعبي لجمهوريي الطبقات الدنيا الباريسية. حيث كان الأوائل سلطويين، كما روبسبيير (Robespierre) في حين كان الأخيرون ديمقراطيين جذريين. لكنهم تحالفوا لحظيا وبشكل استراتيجي من أجل هدف واحد هو هزيمة عدو مشترك في ميدان معركة. يقول جيمس “لم تكن للجماهير من قبل عام 1917 مثل هذا النفوذ الكبير على أي حكومة- نعم كان مجرد نفوذ”.

لا يمكن لأحد الادعاء بأن الجماهير الفنزويلية هي التي تحكم اليوم. لكن في السنوات العشرين الأخيرة كانوا يقتربون شيئا فشيئا من ذلك عن أي وقت مضى. أعداءهم وأعداءنا في الشوارع الآن يحرقون ويمارسون أعمال البلطجة من أجل تفوقهم الطبقي، ونحن نعلم ما الذي يمكن أن يحدث إن نجحوا في ذلك. الطريق الوحيد من أجل تجذير الثورة البوليفارية هو التوسع في الإجراءات الاشتراكية الديمقراطية الجذرية، التي تتجسد وتتواجد نواتها في القواعد الشعبية للبلديات، والتي سوف تساعد على التغلب على التناقضات الاقتصادية في هذه الدولة البترولية، بينما توسع مساحات الوعي التشاركي السياسي.

إن السبيل الوحيد للخروج من الأزمة الفنزويلية اليوم يكمن بشكل حاسم في اليسار: ليس في رفض كل الخيارات المتاحة باعتبار أن جميعها سيء، بل في بناء البديل الاشتراكي الحقيقي الذي قد يقف جنبا إلى جنب مع حكومة مادورو إن أمكن، ولكن بدونها إذا لزم الأمر.

[1] – هي مبادرات جماعية تقدم أشكال إنتاج جماعية فى فنزويلا، تعتبر شبيهة بفكرة التعاونيات الإنتاجية، تحتفظ تلك البلديات بسلطات كبيرة حيث تختار ممثلين عنها في الجمعية الوطنية، ولها مجلس إداري وطني وتنتج العديد من السلع والخدمات.

[2] – تعبير شهير أطلقه الروائي الأمريكي جوزيف هيلر في رواية تحمل نفس العنوان، يرمز للمواقف المخادعة والغير محسوبة العقبات.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… اقتصر سعي هذه الورقة على إعادة تقديم وتحرير الإشكاليات المتعلقة بموقع ما تعارف الفقهاء على تسميته بالشريعة في البناء الدستوري والقانوني المنظم لعمل أجهزة الدولة الحديثة كما كشف عنها الجدل الدستوري التالي لتحولات يناير ٢٠١١ عبر منهجية ماركسية مطورة. ولم تتجاوز ذلك إلى التفكير في مخارج لهذه الإشكاليات، إلا عرضا بالطبع وفي معرض إشارتها لاجتهادات قائمة بالفعل كوثيقة الأزهر الصادرة في يونيو ٢٠١١.

عمرو عبد الرحمن

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة يعني هذا المقال بمحاولة تفسير وتوصيف الطائفية في المجتمع المصري، انطلاقا من مفهوم المواطنة كمشروع سياسي، يضمن المساواة التامة لجميع المواطنين في الحقوق .والواجبات بغض النظر عن المعتقد أو الطائفة، وبغض النظر عن الجنس أو العرق أو اختيارات المواطنين في حياتهم الشخصية

رامي صبري