بين تزييف الوعي وتشويهه

قضايا

08  أغسطس  2017

يظهر مصطلح “تزييف الوعي” في بعض نظريات علم تحليل الخطاب ليشير إلى فعل عمديّ مُنظَّم، مُتعدِّد الروافد، واسع النطاق، يستهدف خلقَ مَنظومة مُحدَّدة داخل الوعي الجمعي وتكريسها وتأصيلها، بغض النظر عن صدق ما تحمله من مفردات وما تنبني عليه مِن معطيات. ويتخلل هذا الفعل -فعل التزييف- تقديم أدلة وحُجَج غير صحيحة بهدف التلاعب بجماعة المتلقين وتضليل رؤيتهم لقضية ما بأبعادها وجوانبها ونتائجها وتبعاتها. وعلى هذا فإن عملية تزييف الوعي وإعادة تشكيله تمثل أداة فاعلة ومنجزة، تلجأ إليها السلطة المستبدة التي تتمتع بقدر من المهارة، بهدف القبض على زمام الأمور وإحكام السيطرة على المواطنين وإخضاعهم لإرادتها، دون اللجوء إلى وسائل مادية عنيفة وأحيانًا بالتوازي معها.

لا خلاف على أن عملية التزييف هذي تتطلب قدرًا من الذكاء وحنكة الإدارة كي يتحقق الغرض منها، وكي تبقى في الوقت ذاته مُحْكَمَة مَحجُوبة التفاصيل، فلا تنكشف الخدع التي تمارسها السُلطة والمناورات التي لا تنفك تحيكها، وتظل حيلها صالحة للتكرار وإعادة الاستخدام مرة بعد أخرى دون أن تفقد تأثيرها. من هذا المنطلق يتطلع أصحاب المناهج النقدية في علم تحليل الخطاب إلى إزاحة الستار عن ألاعيب السلطة وتسليط الضوء على ما خفي من خطابها، ومِن ثمّ مساعدة المتلقي على رؤية الصورة أكثر وضوحًا، وعلي إدراك ما يتعرض له من مؤثرات، وفي عديد الأحيان مِن أكاذيب صريحة ومُركبة.

يبدو الأمر مثيرًا؛ يحمل التشويق إلى المتفرج ولا يخلو من مِن تحدٍ لقدرات الباحث، وتجدر الإشارة هنا إلى أن مدارس تحليل الخطاب النقدية ذاتها، والتي يبذل المخلصون لها جهدًا دؤوبًا في سبيل دعم الجماهير، قد تعرضت كثيرًا إلى اللوم والانتقاد، كونها اكتفت بالحديث عن عملية “تزييف الوعي” التي تحمل السلطة لواءها، دون تقديم الحلول الشافية لمواجهتها والحدّ من نتائجها السلبية.

تلك مقدمة نظرية قد تبدو مضجرة لكنها ضرورية في ظني، خاصة والحديث التالي يشتبك معها ويطرح سؤالا بسيطًا مستمدًا من المرحلة الآنية التي نعيشها: ماذا إذا كانت أساليب التلاعب والخداع التي تنتهجها السُلطة ظاهرة للعيان، لا تحتاج إلى التعرية والفضح ولا إلى تسليط الضوء؟ ماذا إذا تجردت مِن المُقوِّمات والشروط الأصيلة التي تقوم عليها، مثل تماسُك الصيغة وتوخي الحيطة واتخاذ ما يلزم مِن أسباب لضمان كفاءة التضليل؟ وماذا يمكن أن يقدم أصحاب المناهج النقدية من جديد في هذه الحال، والأمر مفضوح والتزييف مكشوف؛ يعوزه الحبك والإحكام؟ وأي مساعدة قد تُجدي في مواجهة سُلطة حُكم لا تلتزم الأسس المُتعارف عليها في تلاعبها بحق المحكومين؟

 حول تزييف الوعي وشروطه

تتطلب عملية تزييف الوعي أن يكون المفعول به غافلا -ولو نسبيًا- عما يتعرض له، وأن يكون الفاعل قاصدًا لفعله، أي تتوفر له نية العمد، إضافة إلى تمتعه بالمهارة اللازمة. فإذا اجتمعت هذه المقومات، بدا نتاجها سحريًا إلى حدٍّ بعيد، إذ تصبح الضحية على ثقة تامة في الصورة الزائفة التي يجري تقديمها لها وإقناعها بها عبر قنوات متعددة. النماذج كثيرة لا حصر لها، وفي التاريخ عديد من البلدان التي عانت لفترات تحت أنظمة حكم شمولية، نجحت في تزييف وعي شعوبها نجاحًا مبهرًا، وفي الصين وثورتها الثقافية وما حدث إبانها من تلاعب بوعي الشباب الذين اتخذوا من ماو وكتابه الأحمر وعيًا بديلا، مثال جيد.

لا يخلو التاريخ المصريّ الحديث من مختلف أشكال ومحاولات التزييف، ولا بأس هنا من التنويه إلى الفكرة المفزعة التي جرى تأصيلها على قدم وساق عبر سنوات طوال، حتى صارت اليوم من المسلمات، يتداولها عامة الناس، بل وخاصتهم، وكأنها نصٌّ مُقدس، يُتلى بلا مراجعة ولا يتعرض للمساءلة والاختبار، ألا وهي فكرة الشعب الخانع الذي يتمتع بجينات وخصال العبيد والذي أورثه النهر دِعةً واستسلامًا، ودَجَّنه بما لا يترك له فرصة للتمرد على ظالميه؛ حاضرًا أو مستقبلا. في رأيي أن تلك الفكرة ما هي إلا عملية تلاعب ماكرة، قامت على إغفال حقائق دامغة ووقائع تاريخية تناقض بنيتها الرئيسة. مع هذا فقد تحولت إلى حجر زاوية راسخ في الوعي الجمعي للمصريين، فما تقوم محادثة بين اثنين حول سوء الأوضاع وترديها إلا وجاء الطرح السابق كتفسير: “شعب من العبيد، يرضى دومًا بالذل، ولا تنصلح حاله إلا بالسوط”. لقد استقرت هذه الفكرة كأنها نظرية لا تقبل النقاش، رغم أن صفحات التاريخ تحمل ما ينفيها، أو على الأقل ما يشتبك معها ويتصدى لها. وراح عديد الكتاب والمفكرين يبنون عليها ويضيفون إلى لبناتها ويكرسونها تحت رعاية السلطة التي وجدت فيها ضالة منشودة؛ فالشعب الذي يؤمن بعبوديته ومذلَّته يصعب أن يبادر بالتمرد. ذلك تحديدًا هو المقصود بمسألة “تزييف الوعي”، والأمثلة المشابهة كثيرة، تضيق المساحة عن ذِكرها ولا يتسع المقام لتفنيدها واحدًا بعد واحدٍ.

عل كل حال، قد تستغرق عملية التزييف والتلاعب وقتًا طويلا يتراكم على مداره الخطاب ويذيب الوعي الحاضر تدريجيًا ثم يعيد تشكيله. مع ذلك فالأمر ليس أبديًا، وبعد انكشافه فإن الجماهير تنظر خلفها باندهاش، وتتساءل عن الكيفية التي جرى بها خداعها، وربما لا يمنع الشعور بالندم حينذاك، شعورًا خفيًا بالإعجاب تجاه مهارة المُزيفين والمُتلاعبين.

لا شك أن عملية التزييف هي عملية غير أخلاقية. مع هذا يلزم أن نرى كم من وجه فاسد على المستوى السياسيّ أسهم في التلاعب بوعي الناس وحظي برفع القبعة اعترافًا له بالتمرس والبراعة. وفي نظام مبارك المتداعي أبرز مثال، فقد نجحت جماعة الحكم التي تولت مقاليد البلاد على مدار ثلاثين عامًا تقريبًا، في تسويق وجودها واستمرارها وفي تمرير أشكال الفساد والقمع وتدوير العجلة على أفضل ما يكون، بل واستبقاء الجماهير في حالٍ من البلادة المتناهية، عبر تحريك وعيها المشدود إلى خيوط تجعلها أشبه بالعرائس المُتحركة. لملايين المرات ترددت العبارة الخالدة: “مبارك عِرِفنا وعرفناه، واللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش”، ولقد أُخِذَ مَضمُونُ هذه العبارة تسليمًا، رغم أن ردَّها سهلٌ وسُبلَ ضحدِها في متناول اليدّ، ولعل في التراث ما يمكن للنابه استقائه، وفي مقولة “يموت بالحسرة من يخشى العواقب” مُعارضة خطابية شافية. لكنه الوعي المزيف الذي احتله النظام بمفرداته الخاصة وأدواته البلاغية وصياغاته السلبية المستشرية. إنه الوعي الذي صار مستسلمًا راضيًا، مُتقبِّلا للشعارات والمفاهيم المصكوكة خصيصًا لتكرس خضوعه.

  الفشل في مواصلة لعبة التزييف

عودة إلى ما طرحت في البداية؛ ماذا إذا افتقرت السلطة إلى الحدود الدنيا من المهارات اللازمة لتزييف وعي الجماهير؟ الحقُّ أن الدافع لطرح هذا السؤال هو وجود شواهد خطابية متعددة تعكس بلادة وخيبة جماعة الحكم في وقتنا الراهن ونكوصها عن مواصلة عملية التلاعب بالمستوى اللائق، بما يؤكد عجزها عن اقتفاء أثر مثيلتها التي تصدرت الساحة ما قبل عام ألفين وأحد عشر وأثبتت حصافةً وتَمَكُّنًا، كفلا للرئيس السابق حسني مبارك سنوات مديدة في مقعد السلطة.

لا تنفك جماعة الحكم الحالية تقدم دليلا بعد دليلٍ وأثرًا بعد أثرٍ، يثبت تدني مستواها الخطابيّ ويجعلها بمثابة أضحوكة لا تنقضي، ولو جَمَعَ باحثٌ ما صدر عن أفرادها من بيانات وتصريحات وأحاديث وحوارات، يُفتَرض بها أن تصبَّ في مجرى التلاعب والتزييف كما هو معتاد، ما اتسعت مئات المجلدات لدراسته وتحليله، لا لقيمة ما أنتج هؤلاء ولا لمكانته البلاغية التي لا تُضاهى، إنما لفرط غرابته ولا معقوليته وافتقاره إلى سمات العقل المتزن الرشيد.

من النماذج ما يقضُّ المضاجع ويفغر الأفواه ويستعصى على الإدراج في إطار النقاش العلمي الرصين، ولنا أن نتذكر على سبيل المثال حديث رئيس الدولة حول جزيرتيّ تيران وصنافير ومحاججته بقول أرجعه إلى والدته، متصورًا أنه قد ينهي به الجدل الذي دار، دون استخدام حُجة سياسية منطقية ودون توثيق. لا شك أن الاستشهاد بلسان فرد من أفراد العائلة، في مسألة شائكة كتلك، فعل لا يستقيم ولا سابقة له على الأغلب بين الحكام والرؤساء، فإذا تجاوزنا عن خطاب الرئيس وانتقلنا إلى رئيس الوزراء، وجدناه قد دفع بحُجة لا تقل غرابة، فذكر أن الجزيرتين تبعتا قبيلة “قريش” فيما مضى، أي أنه قفز على التاريخ الحديث ومتغيراته وقوانينه الدولية وخرائطه بل وتوازناته الراهنة التي لا يتأتى إغفالها، مُتخيلا أن هذه المعلومة -الخارجة عن السياق- تقطع الشك باليقين، وقد فاته أنه بخطابه هذا لاح للمتلقين وكأنه قادم من الماضي السحيق، لم يقرأ ولم يمارس السياسة ولا تعدت ثقافته كتب التاريخ المدرسية. هذا الخطاب الذي قدمته جماعة الحكم إجمالا، لم يرق إلى الحدّ الأدنى الذي يمكن من خلاله تأسيس وعي زائف بقضية الجزيرتين، بل أنه لم يخلق صراعًا حجاجيًا متكافئًا بين السلطة والجماهير القائلة بمصريتهما، وإنما خلق موجة هزل واستهزاء وسخرية غير مسبوقة بخطاب السلطة، كما دفع قسمًا من مؤيديها إلى التنصُّل من موقفها وإعلان موقف مغاير، وحفز قسمًا آخر من طائفة الكتاب على مناشدة جماعة الحكم، مطالبين إياها بإعادة النظر في الخطاب الذي تدبجه، نظرًا لعدم قدرتهم علي مواصلة الدفاع عنه، والحال على ما هي عليه من تردٍ وبؤس.

يذكر في هذا السياق أيضًا، قول رئيس مجلس الشعب أن المجلس لا يعتد بأحكام القضاء ولو كانت نهائية وإنها والعدم واحد. وإذا جرت العادة على أن تتناغم جوقة الدولة ومؤسساتها والنظام وجماعته في إنشادها، فإن خروج صوت ناشز من قلب هذه الجوقة لا يوفر بدوره بيئة مناسبة لتزييف وعي الجماهير، بل قد يصنع العكس، إذ ينبه إلى أن السلطة المستبدة المتآزرة الجوانح لم تعد كذلك، إذ هي تقدم خطابًا مرتبكًا ينقصه التجانس.

لا يسعني أن أسوق المزيد من الأمثلة تفصيلا وإلا كانت المجلدات هي بالفعل الحلّ الوحيد، وسأكتفي بمثال إضافيّ يتعلق باللافتات التي انتشرت في الطرق الكبرى مثل صلاح سالم، والتي حملت رسائل تخاطب المواطنين سواء السائرين على أقدامهم أو راكبي المواصلات العامة أو أصحاب السيارات الخاصة والمتنقلين بأوبر وكريم. من بين العبارات التي ظهرت على اللافتات: “لما واجهنا نفسنا المليارات كل يوم بتزيد عندنا”، و“لما وثقنا في نفسنا والعالم شهد لنا جبنا المليارات”، و“نحط فلوسنا النهارده في مشروعاتنا وللا نصرفها النهاردة ونموت بكره؟”. عادة ما يكون الغرض من نشر لافتات وإعلانات تلح علي المواطنين رؤية وسماعًا، أن تحقق تغييرًا نوعيًا في أفكارهم وأن توجه أذهانهم ناحية ما ترغب السلطة. ما يعنيني هنا هو مهارة الصياغة وقدرة اللافتة على النفاذ إلى وعي متلقييها ودغدغة أفكارهم ومشاعرهم وإعادة تشكيلها وتوجيهها. والحق أن فقر الرسائل المكتوبة وافتقارها إلى بناء متماسك ومناقضتها لما يلمس الناس في تفاصيل حياتهم اليومية، إنما يصب من جديد، لا في مجرى خلق وعي زائف بالواقع، وإنما في مجرى مضاد، يعمل على تنفير المتلقي وتحفيزه واستجلاب سخطه، أو ربما استفزاز غضبه تجاه السلطة التي لا تقدم له وجبة خطابية يمكنه ابتلاعها بشهية، بل تلقي إليه بمائدة حافلة بالغثّ الذي يتعذر هضمه: “واجهنا نفسنا” بماذا؟. “المليارات بتزيد كل يوم عندنا” وأين انعكاس هذه الزيادة على حياة المواطن العادي؟. لا تجيب اللافتات عن الأسئلة، ولا تقدم جماعة الحكم ما يشفي غليل الجماهير التي ترزح تحت وطأة الفقر. رسائل ممجوجة باهتة، لا يمكن توصيفها بالصيحة الشعبية الشهيرة: “ملعوبة” والتي تحيّي المهارة أيًا كان مجالها، بل هي رسائل أجدر بتوصيف: “لعبة خيبانه” ولا يكون الرد عليها إلا بمضمون القول الاستنكاريّ المأثور الذي يفيد بأن المتحدث ربما يكون مجنونًا، بينما يُفتَرض في  المستمع حضور العقل.

من التزييف إلى العبث والتشويه

حين تتسم بلاغة السلطة بالضحالة ويقبع رجالها في الدرجة السفلى من سُلَّم الحِرفيَّة الخطابية، جاهلين بفن التلاعب بوعي الجماهير، نصبح أمام شكل مختلف من أشكال الإفساد السياسيّ ربما لا يصلح تعبير “تزييف الوعي” لوصفه. وفي ظل انكشاف ألاعيب جماعة الحُكم ببساطة واستمرار، وظهورها بمظهر شديد السطحية والتفاهة، وفي ظل استخدامها لأدوات ساذجة لا تنطلي على الجموع التي تتمكن من فضحها دون الحاجة إلى بذل الجهد، ودون الحاجة إلى معارضة نخبوية مثقفة تمتلك الأدوات اللازمة للتحليل النظري، لا يمكن الحديث عن عملية تزييف وعي تقليدية.

إن التعامل مع الجماهير على أنها فقيرة العقل، ناقصة البديهة، ذاهلة عما يدور حولها، محرومة من الذكاء والفطنة الطبيعيين، لأمر يثير الشجن أحيانًا والغضب في أحيان أخرى، وفي الأحوال كلها هو فعل يشتبك مع الوعي ويعيث فيه فسادًا. فمع طول التعرض لخطاب سقيم ولأساليب هشة من التلاعب، تعتاد الجماهير على مستوى متدنٍ من التواصل والتلقي، بحيث يتشوه وعيها الجمعي بالأشياء بدلا من تزييفه؛ يجري على سبيل المثال تشويه الوعي بالمنطق والعبث ببنى التفكير الأساسية وهدم الجماليات وتدمير الذائقة اللغوية ومعاني الألفاظ ودلالات المفاهيم والمصطلحات. لا يبدو هذا الأمر مرتبًا مستندًا إلى قواعد ومخططات، بل يحدث عشوائيًا، ومن ثم نصبح أمام عملية إفساد ليس بها من خداع قدر ما بها من إهمال واستهزاء، كما أنها لا تحمل من الأناقة والتنميق قدر ما تحمل من تَرَهُّل وهَلْهَلة. إنه الانتقال التلقائي من مرحلة التزييف إلى مرحلة التشويه.

  وختامًا؛

مع تدني مستوى الفعل السياسي، خطابًا ومَسلكًا، لم يعد لدى الكثيرين مِن شكّ في صدق الحكمة التي تعلي من شأن العدو العاقل على الصديق الجاهل. وإذ ينقسم البشر في أبسط الأحوال بين طيبين وأشرار، وإذ تحتوي كل جماعة منهما على مهرة وخائبين، نصبح أمام الاختيارات الأربعة؛ الطيبين المهرة والطيبين الخائبين، ثم الأشرار المهرة والأشرار الخائبين. الفئة الأولى تبدو في عداد المستحيلات، والثانية لا تقع في نطاق الرؤية الراهنة، وعليه نجد أنفسنا في معرض التفضيل بين السيئ والأسوأ؛ أغلبنا قد يفضل الأشرار المهرة في هذه اللحظة، فهم يكفون ضحاياهم شرّ الشعور بالغيظ والكمد؛ إذ يبذلون جهدًا في جعل شرورهم وكذباتهم مستساغةً، أما الخائبين الأشرار فأداؤهم مفجع وسقطاتهم لا يمكن احتمالها، والمعاناة الحالية أبلغ دليل.

ربما لا تخرج أسباب هذه المعاناة التي تكابدها النخبة والجماهير رأسًا برأس عن واحد مِن اثنين؛ فإما أن جماعة الحكم ليست معنية بإخراج جيدٍ لممارساتها أو هي معنيّة لكنها غير قادرة. أما ألا تكون معنيةً، فتلك مُصيبة؛ وأما أن تكون معنيةً لكنها عاجزة، فمصيبة أعظم وأنكى. لقد غادرت جماعة الحكم، التي مثلت فريق “الأشرار المهرة”، مقاعدها مع الحِراك الثوري في يناير ألفين وأحد عشر، لتحلَّ محلَّها جماعة أخرى لم تحظ بفرص التعليم الجيد ولا بالتأسيس الداخلي المتين أو الاحتكاك الخارجي الذي يثقل الخبرات وينميها ولو في اتجاه لا تحبذه الجماهير. لا مفرَّ الآن مِن الاعتراف بأن الجماعة الجديدة تقبع في أدنى درجات الثقافة والمهارة، وأنها جعلت المشهد العام أشعثًا مغبرًا ومهينًا لأقصى الحدود. ولا مفر أيضًا من الاعتراف بأن عملية تشويه الوعي عشوائية الطابع قد تسفر عن نتائج وخيمة في المستقبل القريب ما لم يتم تداركها.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

اثنتا عشرة أطروحة حول تغيير العالم بدون الاستيلاء على السلطة أصبحت الثورة أكثر إلحاحا عن أي وقت مضى. وصارت الأهوال المتصاعدة من التنظيم الرأسمالي للمجتمع أكثر عددا وشدة. وإذا ثبت أن الثورة عن طريق الفوز بسلطة الدولة كانت وهما، فهذا لا يعني أننا يجب أن نهمل سؤال الثورة؛ بل علينا أن نفكر فيه بطرق أخرى: ليس بالاستيلاء على السلطة، بل في تدميرها.

جون هولواي

نظرية نهاية التاريخ سائرة نحو التجدد والتمدد إن التاريخ في حد ذاته أوسع تماما من شطره بين النهاية والصدام، إنه يشمل الجميع ويؤسس لأفكار الجميع أيضا، ويمنحهم مقدرة على تأسيس جوانب عدة من الأفكار التي قد لا تروق لجيل آخر، يؤسس نفسه على دحضها أو نقدها.

ضيف حمزة ضيف

مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (1) الإرادة الثورية تُفرض من الشارع وليس من خلال مؤسسات الدولة التي قامت الثورة في مواجهتها، أيا ما كان شكلها. حق الاقتراع العام انتُزِع في الشارع، والحقوق النقابية تم انتزاعها في المصانع والشوارع وكذا حقوق المرأة وحقوق الأقليات الدينية أو العرقية.

هاني شكر الله

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (5) شهدت الثورة المصرية اللحظة الرابعة لبزوغ مجال سياسي حي وحيوي من شأنه أن يفتح آفاقا واسعة، رحبة لتطور ديمقراطي غير مسبوق في تاريخنا الحديث كله، مجال سياسي يصنع صنعا في الشوارع والميداين، يصنعه فقراء الوطن وكادحيه في مواجهة صريحة وضارية مع البرجوازية المصرية ودولتها.

هاني شكر الله