واحد مننا

قضايا

08  أغسطس  2017

واحد مننا، عامل زينا، ممكن يكون مسلم وجايز يكون مسيحي، يمكن يكـــــون صعيدي، وجايز يكون بحيري، عملت إيه الدنيا معاه؟ تعالوا نشوف حكايتــــــه

              مشـوار تــمــرد

 (نشر في كلام صنايعية، إبريل 1999)

حكي لنا فوزي محمدين قصته وهو على فراش المرض.. تشع الحياة متوقدة من عينيه اللامعتين، تحدقان فينا من وجه  نحيل .. أسمر .. يشرح تجربته مستخدما يديه العريضتين الخشنتين .. ويحكى بصوت مبحوح تسمع في طيات بحته ذلك الرنين الذي حرك آلاف من عمال الحديد والصلب في أكثر معاركهم ضراوة .. حكى عن غاية الحياة .. عن القهر  والنضال .. عن الهزائم والأمل.

البداية كانت يوم 21 نوفمبر 1954  في قرية الصف.. الوالد عامل في مصنع الدلتا للحديد والصلب.. مات وفوزي عنده خمس سنين وأخوه لسه جنين في بطن أمه – “أيامها ماكنش فيه ولا تأمين ولا معاش ولا مكافآت.. الوالدة اشتغلت في الخياطة لغاية ما كبرنا شوية.”  لذلك لم يطول عهد فوزي بالمدارس رغم أنه كان تلميذ شاطر..  “كان لازم حد يشتغل” .. وبدأ فوزي عمله وهو بعد 12 سنة -صبي- في شركة عثمان أحمد عثمان عن طريق مقاول أنفار في بلدهم – اليومية 10 صاغ .. وبالرغم من بعد السنين لم ينسي فوزي تفاصيل تلك المرحلة من حياته: “مقاول الأنفار كان اسمه شعبان معوض، وكان يحاسب الشركة على 30،40  صاغ للنفر ويدينا 10 صاغ ..رغم كده كنا نروح له ونتحايل عليه كمان.” كانت أيام شقاء، كأيام أكثر أبناء بلدنا .. “في قريته يكون بياته فوق الفرن في بيت خاله، وعندما يعمل يكون البيات أصعب وأصعب ..”أثناء حرب الاستنزاف كنا نروح نشتغل في المواقع الحربية، وكنا نبات في أكشاك خشب أو خيام.. وكان  في أيام ماكنش فيه غير المشمع بتاع أكياس الأسمنت ننام تحتيه” .. ولف فوزي مع شركة عثمان من دهشور للناصرية للفيوم.. وفي الأخر شركة الكوك اللي كان واخد عثمان فيها شغل – “إبتديت في الكوك عامل نظافة وبعدين أصب الخرسانات .. كان الكلام ده في 72 وكانت يوميتي 40 قرش وده كان مبلغ كويس.”

ولكن لم يستقر الحال، وفي 74 رحل فوزي مرة أخري مع عثمان إلى القاهرة ومن شغلة إلى شغلة حتى   يوم 10 يناير 77، يوم تعيينه في شركة الحديد والصلب بحلوان وقبل انتفاضة  18 و19 يناير الشعبية بأيام ..” كنت لسه جديد ولقيت الناس عمالة تجري حوالية .. إتاخدت.” ولكن لم يفت وقت طويل حتى بدأ فوزي مشوار نضاله من أجل توحيد صفوف العمال في مواجهة إدارة ظالمة ونظام ظالم –   “أنا بطبعي متمرد”.

ولم يكن فوزي وحيدا في تمرده، فالصلب منذ سنوات يفرز مناضلين عماليين اختاروا طريق النضال ليس فقط من اجل تحسين شروط العمل في الشركة ولكن من أجل تحرير الطبقة العاملة وجماهير الكادحين بأسرهم من القهر والاستغلال.. وكان اللقاء محتما.. “بدأت أقرأ وأتحاور في السياسة، وكنت مبسوط لأني كنت عايز أعمل حاجة ..”

وفي 82 قرر فوزي ترشيح نفسه للجنة النقابية، ولكن وبالرغم من حصوله على 900 صوت لم يتمكن من الفوز. “كنت لسه حديث في المصنع.. مبقاليش 5 سنين  ومعرفش ناس كتير بره موقعي.” وتلت تلك المعركة فترة نشاط في تجمع التبين . “كنا ننشر شكاوي العمال في أهالى التبين، وكانت الإدارة تخاف وتعمل للمجلة حساب .. كانت الأحزاب لسه بشوكها  وكانت الناس فاكرة أنه

حرك آلاف من عمال الحديد والصلب في أكثر معاركهم ضراوة .. حكى عن غاية الحياة .. عن القهر  والنضال .. عن الهزائم والأمل.

ولم يكتفي فوزي بأهالي التبين، بل حاول تنشيط أهالي الصف والدعوة لمواقف اليسار عن طريق التجمع في بلده.. “أفتكر إني استخدمت فلانتين وصبغتها أصفر  ورشيت عليها اسم التجمع على حسابي علشان أعمل فريق كورة في البلد..  أصل الناس كانت مستعدة تسمـع اليسار وقتها،  بس مكنش فيه حد بيروح لهم.. المقرات مقفولة ومفيش  خدمات.. يعني ليه العامل يصوت لليسار جوه المصنع والحزب الوطني بره .. شايف مصلحته في الاثنين.. واحد للخدمات  جوه والثاني للخدمات بره.”

ويمضي فوزي في روايته: “المهم إني اندمجت في السياسة جداً.. وكنا في المصنع منستناش الحدث ييجي وكنا إحنا نحرض العمال.. مثلاً، الامتناع عن الصرف في 84/85 من أجل زيادة الحوافز.. وكونا أسر للورش.. جمعيات بين العمال لتقديم الخدمات الاجتماعية تعمل بشكل موازي للنقابة..  كانت فكرة جميلة إحنا اللي ينعملها ونمولها، وكان يتعملها ألف حساب وكان فيه حركة توعية.”

ويؤكد فوزي أن هذا النوع من العمل الدؤوب واليومي كان من المقومات الأساسية لانتفاضة الحديد والصلب في 89.. حصل اعتصام 89 وكانت المطالب:  وجبة وحوافز وعودة أعضاء مجلس الإدارة المفصولين.. واستعد العمال للمعركة المنتظرة..  “كنا فاكرين إن الحكومة هتبعت شوية عساكر أمن مركزي.. جبنا كاوتش وكنا منظمين نفسنا على كل المداخل، وكان فيه لجنة تنظيم، واستخدمنا شعارات جديدة على الناس زي كفي في كفك وحد صفك.. بس اللي جه كان أكتر بكتير من شوية عساكر .” وتم اقتحام المصنع، أطلق الرصاص واعتقل عدد كبير من العمال من بينهم فوزي الذي قضي في السجن 45 يوما.

ورغم ضرواة القمع، لم يهتز فوزي أو زملاؤه..  “الناس طلعت من الحبس، طلعوا كويسين والناس كانوا مبسوطين بينا.. وده اللي نجحنا في 91.”

نجح فوزي في انتخابات اللجنة النقابية في الصلب من بين ثمانية من النقابيين اليساريين.. ويحكي:  نقابة اليسار كانت مستهدفة من الحكومة والأمن والإدارة، ورغم فترتها القصيرة حققت مكاسب للعمال أهمها زيادة الحافز 13.8% في يوليو 92.. أيامها لجنة الحوافز قررت الزيادة لكن رئيس مجلس الإدارة رفض. ولأول مرة تنزل النقابة منشور تدعو العمال فيه للامتناع عن القبض.. ونزل  أعضاء النقابة اليساريين الجراج والعنابر وحرضوا العمال  على عدم القبض.. كانت استجابة العمال قوية.. فضل العمال متمسكين بموقفهم لحد ما رئيس الشركة القابضة ما وافق على مطالب وفد اللجنة النقابية اللي كان بيتفاوض معاه. أصل ما فيش مفاوضة ناجحة من غير وقوف العمال وراها.”

ومن أكثر ما يفخر به فوزي وهو يتذكر رحلته كواحد من أبناء الطبقة العاملة مساهمته البارزة في تشكيل لجان المندوبين بالصلب.. “كنت عايز العمال تاخد فكرة ان التنظيم النقابي  لازم يبقى بتاعها.. مش معتمدين على فكرة أن عليهم بس يطلبوا، ولكن انهم يحاسبوا النقابة ويديروها، وده يخلي النقابة تتجاوز الدور الخدمي.” تشكلت لجان المندوبين، وشملت عضويتها 300 مندوب عن الأقسام المختلفة في الشركة، يجتمعون كل ثلاثة أشهر لمناقشة  قضايا العمال ومطالبهم وهمومهم.. واستمرت التجربة المضيئة لمدة عام كامل، ولكن لا الحكومة ولا الإدارة ولا الهيكل النقابي القائم كانوا مستعدين للسماح باستمرار تلك الحالة الاستثنائية من الديمقراطية العمالية.. بل وحتي في اللجنة النقابية في الحديد والصلب ووجه فوزي ببعض من عدم الترحيب بالتجربة.. “كانوا يقولولي أنت جايب العمال تحاسبنا!” ويشرح فوزي رد فعل بعض النقابيين قائلا: “حسوا أن اللي جاي أن العمال هي اللي حتكون بتتفاوض وتدير، وهما همهم يحافظوا على شكل التنظيم الحالي.”

لم تدم التجربة، وكغيرها من مساعي تطوير الأدوات الديمقراطية للطبقة العاملة والطبقات الشعبية في بلادنا، كان الأمن المركزي هو سلاح الحكومة الأخير في ضربها..

وفي أوائل عام 1993 تمكنت الحكومة من التخلص من نقابة اليسار –  “اليسار كله يتكلم عن النقابات بس ماعندوش خبرة كافية بيها.. وده أدى لمشاكل كتيرة.” ولكن المعارك لم تنقطع.. يروي فوزي: “في أول 96 – وكانت الحكومة قدرت تتخلص من نقابة اليسار – عمال التلبيد كانوا بيطالبوا بصرف حافز مميز وزيادة بدل الطبيعة إلى 60% وصرف مهمات النظافة ووقف تعسف الإدارة معهم.. ماكنش فيه نقابة تقف معاهم ولا تسمعهم، فنزلت أنا وعبد الرشيد هلال  وطلبنا  من عمال التلبيد الامتناع عن القبض والاعتصام وبيتنا معاهم وصممنا على مطالبنا لحد الإدارة ما وافقت عليها.”

في العامين الماضيين فرضت الأقدار علي فوزي معركة لم يحتسبها أو يطلبها.. معركته مع المرض.. يخوضها مع ذلك بنفس التصميم والإصرار والأمل في المستقبل، ذلك الذي ميز معركته الطويلة والحافلة مع رأس المال.. معركة عامل ابن عامل.

“الوضع دلوقتي وحش.. والطبقة العاملة حالها متدهور..  بس النضال ييجي إزاي؟ لازم نعيد تجربة نقابات القهاوي بتاعة الأربعينات.”

معركة فوزي لم تنتهِ.. والي لقاء علي القهوة..

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

“عبد الحي هايفضل حي” إعتصام الصلب 1989: أكثر من مجرد ذكرى اعتصام عمال الحديد والصلب وما واجهوه في اعتصامهم، وصمودهم رغم الاقتحام وإثبات تماسكهم ووحدتهم وقيادتهم للحركة العمالية في حلوان، في الانتخابات البرلمانية التالية على الاعتصام، والتي نجح فيها رغم إرادة السلطة أحد قادة الاعتصام، والانتخابات النقابية التالية على الاعتصام والتي نجح فيها قيادات الاعتصام أيضا بل والقيادات النقابية المستقلة عن السلطة والدولة في أغلب مصانع حلوان، يعد فصلا فريدا من نوعه في تاريخ الحركة العمالية.

بالأحمر

إلتزم الجميع الصمت نظر لي أحدهم حاقدًا، لأنني لست موثق اليدين مثلهما، ضحكت على نظرته بصوت عال، ضحكت على أنه يحسدني لأنني سجين ولكن لست مكبل اليدين مثله.

أحمد جمال زيادة

قالوا له

أحمد جمال زيادة

الفصل الخامس من كتاب (رأسمالية الزومبي) يمثل الإنفاق العسكري شكلا خاصا من أشكال الهدر الذي يمكن أن يقبله الرأسماليون المنتمون لدولة ما، لأنه يعزز من قدرتهم على الصراع مع رأسماليي الدول الأخرى. ويُعتبر هذا الإنفاق مفيدا بالنسبة لمجموعات رأس المال المستندة إلى أساس قومي، بالرغم من أنه يؤدي إلى إهدار الموارد بالنسبة للنظام ككل.

كريس هارمان