مأساة فنزويلا

قراءات

07  أغسطس  2017

مدونة مايكل روبرتس

بينما يحاول نظام مادورو فرض جمعيته التأسيسية الجديدة كمنافس أو بديل للكونجرس الفنزويلي القائم، ويلقي القبض على قادة المعارضة الموالية للرأسمالية، لا تزال الحالة الاقتصادية والاجتماعية القاسية في البلاد تزداد سوءًا.

وفقاً لصندوق النقد الدولي، انخفض الناتج المحلي الإجمالي لفنزويلا في عام 2017 إلى 35٪ أي أقل من مستويات عام 2013، أو 40% من حيث نصيب الفرد، وهو انكماش أكثر وضوحاً بكثير مما كان عليه خلال الكساد الكبير فيما بين عامي 1929 – 1933 في الولايات المتحدة، عندما قُدِر أن الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي أنخفض بنسبة 28%، أي أكثر قليلاً من التراجع في روسيا (1990 – 1994) وكوبا (1989 – 1993) وألبانيا (1989 – 1993) ولكن أقل مما اختبرته الدول السوفيتية في الفترة الانتقالية، مثل جورجيا وطاجيكستان وأذربيجان وأرمينيا وأوكرانيا، أو الدول التي مزقتها الحروب مثل ليبريا (1993) وليبيا (2011) ورواندا (1994) وإيران (1981) ومؤخراً جداً جنوب السودان.

لذلك، وبناء على هذا المقياس، ووفقاً لريكاردو هوسمان، كبير الاقتصاديين السابقين في بنك التنمية للبلدان الأمريكية، فإن كارثة فنزويلا الاقتصادية تتجاوز أي كارثة في تاريخ الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية أو بقية أمريكا اللاتينية.

في عام 2013، حذرت من أن إنجازات “الثورة البوليفارية” تحت قيادة شافيز تتعرض لخطر شديد. لقد قام شافيز بتحسين ظروف الأكثر فقراً بزيادة الأجور والخدمات الاجتماعية وخفض التفاوت، ولكن تلك التحسينات كانت ممكنة فقط ضمن حدود الاقتصاد الرأسمالي عن طريق استغلال عائدات صادرات النفط في وقت ارتفاع أسعار النفط العالمية. إلا أن أسعار النفط بدأت في الثبات ثم انخفضت إلى النصف تقريباً في العامين الماضيين.

انخفضت صادرات النفط بمقدار 2200 دولار من حيث نصيب الفرد في الفترة من عام 2012 إلى عام 2016، منها 1500 دولار بسبب انخفاض أسعار النفط. بدأت حكومة مادورو في مراكمة ديون خارجية هائلة في محاولة للحفاظ على مستويات المعيشة، فأصبحت فنزويلا الآن أكثر البلدان مديونية في العالم. لا تملك أياً من البلدان دينا خارجيا عاما أضخم كحصة من الناتج المحلي الإجمالي أو الصادرات، أو تواجه خدمة ديون أعلى كحصة من الصادرات.

لجأت الحكومة إلى تخفيض قيمة العملة لتعزيز إيرادات الدولار، ولكن هذا لم يحفز سوى التضخم الفاحش والاقتطاعات من قيمة الأجور الحقيقية. وفي نفس الوقت، قررت الحكومة أن “تحترم” كل دفعات ديونها الخارجية وخفضت الواردات بدلا من ذلك. نتيجة لذلك، انخفضت واردات السلع والخدمات من نصيب الفرد بنسبة 75٪ بالقيمة الحقيقية (وفقا للتضخم) ما بين عامي 2012 و 2016، مع مزيد من التراجع في عام 2017. مثل ذلك الانهيار لا يمكن مقارنته إلا بمنغوليا (1988 – 1992) ونيجيريا (1982 – 1986) وهو أضخم من كل انهيارات الواردات الأخرى التي استمرت لمدة أربع سنوات في جميع أنحاء العالم منذ عام 1960، مما أدي إلى انهيار أكبر في الزراعة والتصنيع تجاوز حتى ذلك المتعلق بمجمل الناتج المحلي الإجمالي، مما أقتطع 1000 دولار أخرى من نصيب الفرد من السلع المنتجة محلياً.

كذلك انخفض الحد الأدنى للأجور – والذي يُعد في فنزويلا هو دخل العامل المتوسط، نظرا للحصة الكبيرة من أصحاب الأجور الدنيا – انخفض بنسبة 75% (بالأسعار الثابتة) من مايو 2012 إلى مايو 2017. بمقياس أرخص السعرات الحرارية المتاحة، انخفض الحد الأدنى للأجور من 52854 سعر حراري في اليوم إلى مجرد 7005 خلال نفس الفترة، أي انخفاض بمعدل 86.7% وغير كاف لإطعام عائلة من خمسة أفراد، بافتراض أن كل الدخل سينفق لشراء أرخص السعرات الحرارية. في ضوء ذلك الحد الأدنى للأجور يمكن للفنزويليين شراء أقل من خمس الطعام الذي يمكن أن يشتريه الكولومبيون – الأفقر تقليدياً – بحدهم الأدنى للأجور.

ارتفع فقر الدخل من 48% في عام 2014 إلى 82% في عام 2016، وفقا لدراسة استقصائية أجرتها أكثر ثلاث جامعات مرموقة في فنزويلا. كما وجدت نفس الدراسة أن 74% من الفنزويليين فقدوا مجبرين في المتوسط 8.6 كيلوجرام (19 رطل) من وزنهم، ورصد المرصد الصحي الفنزويلي زيادة عشرة أضعاف في معدل وفيات المرضى الداخليين، وزيادة في وفيات المواليد بنسبة 100 مرة في المستشفيات في عام 2016.

وفقا لدراسة أجريت بين شهري أكتوبر وديسمبر عام 2016 من قبل مؤسسة كاريتاس فنزويلا بالتعاون مع كاريتاس فرنسا والمفوضية الأوروبية والاتحاد السويسري، هناك مؤشرات واضحة على سوء التغذية المزمن بين الأطفال في فنزويلا، والتي تصل في بعض المناطق إلى مستويات قريبة مما يمكن اعتباره، وفقاً للمعايير الدولية، أزمة. يقول التقرير: “تم رصد استراتيجيات البقاء غير الآمنة التي لا رجعة فيها من وجهة نظر اقتصادية واجتماعية وبيولوجية، كما أن استهلاك أغذية الشوارع مثير للقلق بشكل خاص”، “وفقا لدراسة استقصائية أجريت في يونيو عام 2016 في ولاية ميراندا، فإن 86% من الأطفال يخشون من أن ينفذ منهم الطعام، وقال 50% أنهم ذهبوا إلى الفراش جوعي بسبب نقص الغذاء في منازلهم”.

كتبت إريكا غيفارا، مديرة المكتب الإقليمي لمنظمة العفو الدولية للأمريكتين في يونيو عام 2016 أن “مستشفى ج. م. للأطفال، الخاصة بمنطقة الأنهار في كاركاس، والتي كانت مصدر فخر كنموذج للرعاية الصحية للأطفال في فنزويلا، أصبحت اليوم رمزاً مأساوياً للأزمة التي تجتاح هذا البلد الأمريكي الجنوبي؛ نصف البناء الضخم ينهار والجدران تتهاوي والأرضيات تغمرها المياه والغرف تدهورت حتى أنها لم تعد تُستخدم. وفي غضون ذلك، يُعالج مئات الأطفال، ولكن هناك نقص في كل من الأدوية واللوازم الطبية الأساسية؛ وتخلت أمهات الأطفال بالفعل عن طلبها. (…)”. كذلك أظهر تقرير ” أصوات الجوع” وهو تقرير قدمه تليموندو بقيادة الصحفي الفنزويلي فرناندو جيرون، يظهر كيف يتقاتل أطفال فنزويلا مع الطيور الجارحة على العظام التي يتخلص منها الجزارون. (إل ناسيونال، 28/02/2017).

قبل شافيز، كان أغلب الفنزويليين يعيشون في فقر مدقع بعد تواتر حكومات تيار اليمين الرأسمالي. لكن الآن، وفي ظل حكم مادورو، تكرر هذا الوضع بالنسبة للفقراء وأغلبية الطبقة العاملة الفنزويلية. لا عجب أن يخفت التأييد لحكومة مادورو بينما تزداد قوة القوي الرجعية، وتكافح الأغلبية من أجل البقاء. ذلك أن العديد من أصحاب المناصب العليا في حكومة مادورو مرتاحون بنفس قدر الرأسماليين الفنزويليين ومؤيديهم الذين يحاولون إسقاط الحكومة.

تعتمد حكومة مادورو الآن بشكل متزايد، لا على دعم الطبقة العاملة ولكن على القوات المسلحة، التي تعتني بها الحكومة بشكل جيد، حيث يمكن للعسكريين أن يشتروا في أسواق حصرية (كمثال، في القواعد العسكرية) ولديهم امتيازات للحصول على  القروض وشراء السيارات والشقق، والحصول على زيادة حقيقية في الرواتب، كما فازوا أيضاً بعقود مربحة، مستغلين ضوابط الصرف والإعانات، مثل بيع البنزين الرخيص، الذي تم شراءه في البلدان المجاورة، محققين أرباحاً هائلة.

كما أشار رولاندو أستوريتا في سلسلة من المشاركات، إلى أن الجيش يملك سلطة اقتصادية مباشرة قوية، بما أن القوات المسلحة الوطنية البوليفارية الفنزويلية (FANB) تدير وتسيطر على سلسة كاملة من الشركات: بنك “بان فانب”، و”أجرو فانب” للزراعة، و”إميلترا” للمواصلات، و”إمكو فانب” لنظم الاتصالات، و”تي في فانب” وهي قناة تلفزيون رقمية مفتوحة، و”تيكنومار” وهي شركة مشاريع تكنولوجيا عسكرية مختلطة، و”فيمنب” وهو صندوق استثمار، و”كونسترا فانب” شركة بناء، و”كانكور فانب” شركة بوليفارية مختلطة، و”مياه تيونا” مصنع لتعبئة المياه، إضافة إلى “كامينبيج” الشركة العسكرية المجهولة للتعدين والنفط والغاز.

استخدم العديد من نخبة حكومة مادورو الأزمة الاقتصادية لمصالحهم الشخصية. لقد اشتروا ديون حكومية من أجل عائدات ثرية، بينما يضمنون في نفس الوقت ألا يوجد تقصير في التسديد، وكل ذلك على حساب مستويات المعيشة المتراجعة للناس الذين يتوجب عليهم دفع ذلك الدين عبر الضرائب وحاصل عوائد بيع النفط، عوضا عن النقد الأجنبي المخصص لدفع الديون الخارجية عن طريق تخفيض واردات الطعام والدواء أو المواد الخام الصناعية الأساسية.

إذاً، بينما تشتبك المظاهرات المناهضة للحكومة مع الشرطة والجيش في الشوارع تتجه حكومة مادورو أكثر من أي وقت مضي إلى الحكم الاستبدادي الصريح، متجاهلة معاناة الطبقة العاملة. البرنامج الاقتصادي والاجتماعي للمعارضة هو ذاته البرنامج التقليدي للرأسماليين الوطنيين المدعومين بواسطة الاستعمار: ويشمل إصلاح قوانين العمل (أي المزيد من الاستغلال والإقالة)، الخصخصة أو إعادة خصخصة مؤسسات الدولة، إلغاء الضوابط على الاستثمار (أي ضمان ارتفاع معدل استغلال العمال)، وبالطبع، رفع الرقابة على الأسعار وتوحيد الصرف. إن تطبيق هذا البرنامج سيفرض المزيد من الخسائر على الأغلبية، كما ستفعل العقوبات المخطط لها من قبل الولايات المتحدة الاستعمارية ومعاونيها في المنطقة.

أين أخطأت أهداف شافيز الجديرة بالثناء؟ هل يمكن تفادي تلك المأساة؟ حسناً، نعم، في حال لم تتوقف ثورة شافيستا عند أقل من منتصف الطريق، تاركة الجزء الأكبر من الاقتصاد تحت سيطرة الرأسمالية. عوضاً عن ذلك، اعتمدت حكومتا شافيز ومادورو على أسعار النفط العالية واحتياطيات النفط الضخمة لتقليص الفقر، بينما فشلا في تحويل الاقتصاد نحو الاستثمار البناء، وملكية الدولة والتخطيط. امتلكت الدولة بين عام 1999 وعام 2012 دخلا بلغ 383 مليار دولارا من النفط، ليس بسبب تحسن الأسعار فحسب، ولكن أيضاً بسبب الإتاوات التي تدفعها الشركات متعددة الجنسيات. على الرغم من ذلك، لم يستخدم هذا الدخل لتنمية القطاعات الإنتاجية من الاقتصاد. صحيح أن جزءا منه استخدم لتحسين المستويات المعيشية لأكثر الجماهير فقراً، ولكن لم يكن هناك خطة للاستثمار والنمو، وسمح لرأس المال الفنزويلي أن يستمر أول لا يستمر بحسب الحالة. وبالفعل، انخفضت حصة الصناعة من الناتج المحلي الإجمالي من 18% في عام 1998 إلى 14% في عام 2012.

يخبرنا الآن “دعاة السوق الحرة” اليمينيون أن هذا يكشف أن “الاشتراكية” لا تعمل، وأنه لا مفر من قسوة السوق، ولكن تاريخ العشر سنوات الأخيرة لا تدل على فشل “الاشتراكية” أو التخطيط، بل الفشل في إنهاء سيطرة رأس المال في دولة رأسمالية ضعيفة (معزولة بشكل متزايد) لا تمتلك من الأصول سوى النفط. لم يكن هناك استثمار في البشر، ومهاراتهم؛ لا تنمية لصناعات جديدة وصعود للتكنولوجيا. تُرك ذلك كله لقطاع الرأسماليين. قارن ذلك “بالاشتراكية ذات الخصائص الصينية” التي أصبحت الآن أكبر بلد وأقوى اقتصاد في العالم.

قبل أكثر من عام بقليل كتبت أن “الوقت تأخر على الأرجح لإنقاذ  الشافيزتية، حيث تكتسب القوى الرجعية في كل يوم أرضا جديدة في البلاد. ويبدو أننا أصبحنا ننتظر قرار الجيش بأن يبدل انحيازه ويطيح بالشافيزتا”.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

“الإصلاح الاقتصادي” يفترس الاقتصاد منذ اندلاع ثورة يناير 2011 تتردد في تصريحات الحكومة إشارات لضرورة تطبيق ما يسمى بـ "الإصلاحات الهيكلية"، وهو اصطلاح مقصود به إصلاح المشكلات الأساسية في الاقتصاد بدلا من اللجوء للمسكنات المؤقتة، على أن تطبق تلك الإصلاحات تحت رعاية مؤسسات التمويل الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، للحصول على "شهادة ثقة" في نظامنا الاقتصادي المصري.

محمد جاد

أزمات الرأسمالية الديمقراطية إن الشكوك بأن الرأسمالية والديمقراطية لا يمكن الجمع بينهما بسهولة ليست جديدة على الإطلاق. فمنذ القرن التاسع العشر، وكذلك في القرن العشرين، كانت البرجوازية وقوى اليمين السياسي تخشيان من أن حكم الأغلبية، الذي بدوره سيرسي حكم الفقراء على الأغنياء، سيقتلع الملكية الخاصة ويتخلَّص من الأسواق الحرة.

وولفجانج ستريك