إضراب الحديد والصلب أغسطس 1989

قضايا

03  أغسطس  2017

اسمي صابر بركات، كنت في هذا التاريخ أعمل في شركة الدلتا للصلب بشبرا الخيمة، وعضو نشط في لجنة اسمها “لجنة عمال شبرا الخيمة”، وفي ذات الوقت كنت عضوا في منظمة شيوعية صغيرة اسمها “حزب الشعب الاشتراكي”.

قبل انفجار أحداث الحديد والصلب بحلوان، وهي الشركة الصناعية الكبرى في مصر في هذا الوقت، وأثناء انعقاد مجموعة العمال بحزب الشعب، وكنا قد أخذنا عن قادتنا العمال الأسبق، خبرة أن يبدأ أي اجتماع بتبادل الأخبار والإطلاع على أحوال المواقع العمالية التي لنا صلة بها.

حكا زملائنا من الحديد والصلب عن انفجار صراع بين عضوي مجلس إدارة الشركة المنتخبين من جهة وأعضاء مجلس نقابة الحديد والصلب من جهة أخرى، وقد انحاز زملائنا من الحديد والصلب المشاركين في الاجتماع لموقف زملائهم في مجلس إدارة الشركة المنتخبين، وأدانوا موقف زملائهم أعضاء مجلس النقابة، إلا واحدا كان عضوا في مجلس النقابة ورغم محاولته واجتهاده في شرح موقف النقابة وتحدي بقية زملائه في الاجتماع، إلا أن موقفه كان ضعيفا- أو على الأقل- لم ينجح في استمالة أيا من الحضور لموقفه، وبعد أن انتهى السرد الوافي والطويل من زملائنا، وبعد سماعنا أخبار بقية المواقع، تم فتح المناقشة والتعليقات، وكان تعليقي أن هذا الموقع (الحديد والصلب) سيرى قريبا انفجارا قد يصل لحد الإضراب عن العمل، وسألني الزملاء من أين أتيت بذلك، فشرحت أن الخبرة في العمل العمالي تؤكد أن كل قائد عمالي وأيا كان حجمه أو وضعه له لفيف من العمال- كبر أو صغر- سواء لأسباب قيادية عفوية أو علاقات العصبيات والبلديات أو زمالة العمل والعنابر وغيرها، ومن المؤكد أن كلا من عضوي مجلس إدارة الشركة من جهة وأعضاء مجلس النقابة من جهة، سوف يلف جماعته حول موقفه وسترتب على ذلك- آن عاجلا أو آجلا- مزايدة بين الفريقين على مطالب العمال، وإن خرج بعضها عن الموضوعية، ولكن لن يستطع أيا منهم ومهما كان موقفه أن يرد ناسه عن طموحهم في تحقيق المطالب التي زايد في لفهم عليها، لمعاداة وتسفيه الفريق الآخر، خاصة وأنها جميعا تحمل مكاسب مادية للعمال.

لم يقتنع زملائي العاملون بالحديد والصلب بما قلت، وبدأوا في تفنيده، إلى أن قال أحد زملاؤنا الحكماء_ المشاركون في الاجتماع- “وماذا يضيرنا كحزب ثوري يبتغي التأثير في العمال والالتحام باحتجاجاتهم أن نأخذ هذا الاحتمال في اعتبارنا ونستعد له، وسألني “ماذا علينا أن نفعل استعدادا لذلك؟”، لم أكن قد فكرت في الموضوع من قبل لكني اجتهدت وقلت “أن يستعد زملاؤنا في الحزب وكأن المصنع سيضرب عن العمل وسيحاصر فور إعلانه الاحتجاج، وبداية علينا أن نوحد مطالب عمال الحديد والصلب ونبلورها في شعارات واضحة سهلة الشرح والتبني، ونكتب ذلك في بيان يشرح موقفنا من العمال ومن موقف الفريقين المتناحرين (مجلس النقابة ومجلس الشركة)، وأن نذيله بأسماء زملائنا وبمن يلتفون حولهم، ويتم طباعته فورا وبأعداد كبيرة تتناسب مع عدد عمال الحديد والصلب، ويتم إدخاله المصنع من الآن قبل أن يتفجر الموقف، وتوفير بعض المواد الغذائية والمستلزمات الحياتية القابلة للتخزين وإدخالها المصنع من الآن أيضا، وإعداد لافتات بمطالبنا وشعاراتنا، وأخيرا نسعى لعمل نواة لصندوق إضراب في الحديد والصلب ولتبدأ من أعضاء حزبنا وندعو العمال له”، قوبل كلامي بمناقشة عميقة وحقيقية وعنيفة أيضا من الزملاء، وبعد عدة مناقشات وافقوا على فكرة البيان بشرط أن يكون بغير أسماء، لأنه لن يضر كما قالوا، وكلفت بكتابته مع أحد زملائنا من الحديد والصلب، أما بقية الاقتراحات فتترك لتقدير زملائنا في المصنع طبقا لتطور الموقف وفي الوقت الذي يرونه مناسبا.

ولم يكن متحمسا حتى للقرار الذي تم الموافقة عليه بالبيان، إلا زميلا واحدا من زملائنا في الحديد والصلب، والذي أخذ على عاتقه مسئولية إدخال البيان الشركة.

وقبل مرور أسبوع من هذا الاجتماع, تفجر اعتصام الحديد والصلب الذي لم يطل بسبب اقتحام مدرعات وقوات وزارة الداخلية بقيادة وزيرها في هذا الوقت “زكي بدر” المصنع، وإطلاق الرصاص على العمال، واستشهاد العامل عبد الحي السيد حسن وهو على خطوط الإنتاج، واعتقال مئات العمال.

كان زميلنا الذي أدخل البيان إلى المصنع قد كون فريقا صغيرا على وجه السرعة بعد انطلاق الاعتصام وقاموا بتوزيع كميات من البيان، وتوج زميلنا هذا قائدا للاحتجاج.

قبض على أغلب قيادات الاعتصام من عمال الحديد والصلب، ومعهم ممثلي العمال في مجلس الإدارة ولم يعتقل أعضاء النقابة، وقد حملهم العمال نتيجة الأحداث وعاقبهم عليها فلم ينجح أغلبهم في الدورة النقابية التالية. ونقلت إدارة المصنع بقرار وزاري عضوي مجلس الإدارة المنتخبين عن العمال، وزميلنا الذي توج قائدا للاعتصام، وبعض زملائنا أعضاء الحزب من العاملين في الحديد والصلب وغيرهم.

وبعد أيام تم القبض على أغلب أعضاء حزبنا الجماهيريين وغيرهم من الثوريين، والذين كانوا قد انخرطوا في تكوين لجان التضامن مع عمال الحديد والصلب في المناطق الصناعية، وصندوق لمعالجة نتائج الاعتصام، ورعاية مسجونين ودعم أسر المسجونين، ومعهم بعض المثقفين الذي أراد “زكي بدر تصفية بعض الحسابات معهم” في الحبسة الشهيرة بمجزرة “زكي بدر” والتي لم تطل بحسابات اعتقالات هذا الزمن.

بعد أن تم الإفراج عن كل المحبوسين على ذمة اعتصام الحديد والصلب من عمال ومن متضامنين، قررت لجنة عمال شبرا الخيمة عمل حفل تكريم للزملاء قيادات الاعتصام المفرج عنهم، ولأنهم سيخرجون من أعمالهم للاحتفال في شبرا الخيمة قررت أنا وزوجتي- آنذاك- دعوتهم للغداء في منزلي، وعندما كنا منهمكين في إعداد الطعام، وأثناء خروجي من المطبخ، وإذ بأحد الزميلين أعضاء مجلس إدارة الشركة المنتخبين يندمج في بكاء شديد، انزعجنا جميعا وسألناه عما ألم به، والتف حوله جميع الحاضرين يربتون عليه ويسألونه “مالك يا زميل؟” فيقول “معقول صابر بركات القائد العمالي وزوجته يسكنوا في هذا البدروم الحقير؟ والذين يمثلوننا في النقابات وخاصة العامة بالتزوير يسكنون القصور؟” انفجرنا جميعا بالضحك وتناولنا غدائنا وشاينا، وانتقلنا إلى احتفال “لجنة عمال شبرا الخيمة” بقيادات اعتصام الحديد والصلب، وكان احتفالا يليق بهم حضره أغلب قيادات عمال شبرا الخيمة الثوريين والمستقلين من 21 مصنع، وعدد من القيادات اليسارية والسياسية بالمنطقة، وأضعاف أعدادهم من قوات الأمن يحاصرون الاحتفال.

تحية إجلال لكل شهداء الطبقة العاملة المصرية

تحية تقدير لكل زملائنا قادة احتجاج الحديد والصلب (أغسطس) 1989

العار لأعداء العمال, ولكل السلطات والطبقات الاستغلالية والاستبدادية، أعداء العمل والحياة

عاش كفاح الطبقة العاملة المصرية

عاش التضامن العمالي

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

هل الاشتراكية أوروبية الطابع؟ إن الراديكالية التي تعتقد أن الاشتراكية فكرة غريبة على البلدان غير الغربية هي بذلك تنكر رد الفعل الإنساني الأصيل المتمثل في محاربة القهر الممارس مع العمال في هذا الجزء من العالم. فهي نقول إن الشعوب غير الغربية غير قادرة على تصور مجتمع حر يسوده العدل

نيفديتا ماجومدار

الاقتصاد السياسي والحركات العمالية والانتفاضات الشعبية في 2011 تميل التحليلات الغربية للانتفاضات العربية التي اندلعت سنة 2011 إلى التأكيد على دور شباب الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي أو منظمات المجتمع المدني. ولعل التركيز على الحركات الاجتماعية للعمال والعاطلين قبل اندلاع هذه الانتفاضات وأثناءها يوفر مزيدا من العمق التاريخي والفهم الأصيل.

جويل بنين

ذكريات أغسطس: عن الزنزانة والجلاد ومحمد السيد سعيد لم يمضي أكثر من أسبوعين إلا وأصبحنا مطلقي السراح تحتفل بنا نقابة الصحفيين وجمعيات حقوق الإنسان والأحزاب، بينما تمت إقالة زكي بدر بعدها بشهور.. لنواصل نحن الاجتهاد دفاعا عن حق الشعب، بينما يحفظ له التاريخ، و لامثاله، لقب الجلاد!

مدحت الزاهد

فوزي محمدين: الذي لا يغيب تلك كانت أول علاقة لي بأفكار اليسار، علاقة توطدت عندما مررت بمعرض طلابي ينظمه الطلاب الاشتراكيين في جامعة القاهرة بمناسبة الانتفاضة الفلسطينية، ووجدت ضمنه لوحتين عن انتقادات الاشتراكيين لمشروع قانون العمل الموحد ومخاطر هذا القانون على العمال وأسرهم.

هيثم محمدين

وحد صفك.. كتفي بكتفك “ليلة الفض وجوانب تستحق التأمل” والملاحظ أنه رغم حركة القبض وضرب العمال لم تجد عنفا متبادلا، أى أن العمال لم يردوا الاعتداء، أو يستخدموا العنف، على الرغم من توافر وسائل وأدوات غير محدودة بين أيديهم في الشركة تكفي للرد بقوة على الأمن إذا أراد العمال.

صلاح الأنصاري