وهــج الصـلـب

قضايا

02  أغسطس  2017

تحية لروح شهيد الحديد والصلب عبد الحى سليمان.

تحية لروح الصديقين مصطفى نايض، وفوزى محمدين.

مع أول خيط لفجر الثاني من أغسطس 1989 اقتحمت مصنع الحديد والصلب بالتبين قوة تزيد عن عشرة ألاف جندى مستخدمين كافة أنواع الأسلحة من قنابل مسيلة للدموع ورصاص بلاستيك ورصاص حى فضلاً عن تحطيم بوابة المصنع الرئيسية بالسيارات المصفحة ما أدى إلى استشهاد عامل الصب المستمر عبد الحى سليمان وإصابة 15 عاملاً وإلقاء القبض على أكثر من 1200 عامل من داخل المصنع، أودع في السجون منهم 602 عامل، 600 منهم بسجن أبو زعبل الجديد واثنان من قيادات الإضراب في سجن طرة.

لم تكن تلك بداية الحكاية أو نهايتها رغم أنها ستبقى دائما أبرز حلقاتها.

أصل الحكاية:

عندما التحقت بالعمل في شركة الحديد والصلب في 19/4/1977 كلحام في عنبر التشكيل البارد كان يعمل بمصنع الحديد والصلب أكثر من 21 ألف عامل، بينهم 18.500 عامل يعملون بمصنع الحديد والصلب و3 آلاف يعملون بمحاجر السويس ومناجم الفحم ببنى خالد وأسوان.

في يومي الأول بالمصنع كان المشهد مهيباً، فالمصنع على مساحة كبيرة أكثر من ثلاثة أفدنة وأربعة أفران و13 قطاع تضم قطاعات الحديد والتلبيد والأفران والصلب وقطاعات الدرفلة والتشكيل بالإضافة إلى القطاعات الخدمية- الصيانة والأمن والشغل- هذا بالإضافة إلى مدينتين سكنيتين (مدينة الصلب القديمة، ومدينة الصلب الجديدة).

كانت قضية الوجبة الغذائية هي القضية الحاضرة في كل أحاديث العمال سواء في سيارات الشركة أثناء الذهاب والعودة من العمل أو أثناء تجمع العمال أمام أبواب الجراجات في انتظار فتح أبوابها لركوب سيارات الشركة. وبالطبع داخل عنابر الإنتاج، بالإضافة إلى حوارات عن تدنى الحوافز وتدني بدل طبيعة العمل الذي لا يتناسب مع مخاطر العمل التي يواجهها عمال الحديد والصلب يومياً، وكنا دائماً نسمع عن حالات الإصابات الخطرة التي يتعرض لها بعض زملائنا يومياً وخاصةً عمال الصب المستمر. ومن حين لآخر كانت تتردد أنباء عن وفاة عامل أو أكثر أثناء العمل. وكانت أحاديثنا تبدأ وتنتهي بالسخط على أداء اللجنة النقابية التي لا تفعل شيئاً تجاه تلك المشاكل الحقيقية ولا تسعى لتحقيق مطالب العمال وكل همها هو تنظيم الرحلات ودفن الموتى وصرف إعانات تافهة في حالات المرض والوفاة والزواج.

لم يغب أبداً عن أحاديث العمال وخاصةً الأقدم منهم ذكريات إعتصام الصلب فى أغسطس 1971.. كانوا يتذكرون أحداث الاعتصام والقيادات المشاركة فيه، وكان حاضراً دائماً اسم المهندس/ حسن السلامونى، يتذكرون بفخر كيف وقفوا يداً واحدة حتى تحققت مطالبهم بزيادة بدل الطبيعة وتعيين الحاصلين على التعليم المتوسط على الدرجة الثامنة بدلاً من الدرجة التاسعة، وهي المكاسب التي لم يستفد منها عمال الحديد والصلب فقط وإنما كل عمال مصر.

وأحياناً كانوا يسخرون من أنفسهم منتقدين موقفهم فى انتفاضة 1977، وتقاعسهم عن التحرك بينما كان زملاءهم بمصنع حرير حلوان وبعض المصانع الحربية فى مقدمة الانتفاضة.

ظهور اليسار:

أصبح اليسار حاضراً منذ الانتخابات النقابية في عام 76 حيث شهدت تلك الانتخابات أول ظهور للبرامج العمالية لمرشحي اليسار التي طرحت مشاكل العمال ومطالبهم ودعت للحريات النقابية. كما تضمنت أيضاً موقف اليسار من القضايا السياسية المُثارة في هذا الوقت

شهدت الانتخابات النقابية عام 79 أول دخول لليسار لعضوية اللجنة النقابية حيث فاز فيها سيد عبد الراضى ومحمد الديب ومصطفى سلطان على خلفية اعتراض المدعى العام الاشتراكى على ترشحهم ضمن 52 قيادة نقابية يسارية على مستوى الجمهورية ثم عودتهم كمرشحين فى الانتخابات بموجب حكم محكمة القضاء الإدارى.. ومنذ ذلك الحين لم يخلُ تشكيل اللجنة النقابية في الحديد والصلب من تمثيل اليسار بها وإن ظل دائماً تمثيلاً ضعيفاً.

وفى الانتخابات النقابية عام 1987 فاز بعضوية اللجنة النقابية أربع قيادات يسارية من إجمالى 21 عضواً، وفاز بعضوية مجلس إدارة الشركة كلٌ من محمد مصطفى، وعبد الرحيم هريدى الذين عُرفا آنذاك كقيادات منحازة لحقوق العمال، بينما فاز بمقعدي مجلس الإدارة الآخرين كل من مصطفى عبد الهادى[1]∙، وجمال نجيب المعروفين بانتمائهما لجماعة الإخوان المسلمين الذين استنكفا عن الانضمام للحركة العمالية عام 1989، بل اتخذا موقفاً معادياً منها.

فى هذه الفترة وحتى أغسطس 89 شهد الحديد والصلب تصاعداً واضحاً للحركة العمالية، فقد صدرت مجلة الصنايعية كأول مجلة مصنعية في تاريخ الطبقة العاملة المصرية حيث اهتمت المجلة بالمطالب العمالية الرئيسية لعمال الصلب وعلى رأسها حق عمال الحديد والصلب في صرف وجبة غذائية[2]∙.. كما أفردت المجلة صفحاتها أيضاً لكشف الأداء البيروقراطي للجنة النقابية ورصدت وقائع الفساد داخل الشركة، وتضمنت صفحاتها ريبورتاجات حول معاناة عمال الشركة في قطاعات العمل المختلفة.

وكانت مجلة كلام صنايعية تصدر بشكل غير دورى، وتطبع منها ألف نسخة، تُباع النسخة منها بعشرة قروش ثم زادت إلى 25 قرشاً.

.. ثم نجح اليسار في توحيد صفوفه في لجنة اليسار التي ضمت كل القيادات العمالية اليسارية في المصنع والتي كانت تعقد اجتماعاتها في أماكن متفرقة بمدينة الحديد والصلب أو في أحد عنابر الشركة عند الضرورة.

في شهر يونيو من عام 89 وبعد انتهاء الاجتماع الشهري لمجلس إدارة الشركة توجه كلٌ من محمد مصطفى وعبد الرحيم هريدى إلى جراجات أتوبيسات العمال عقب انتهاء الوردية الأولى ليعلنوا موافقة مجلس إدارة الشركة بزيادة الحوافز 35% وهو ما أثار فرحة العمال الذين قابلوا الخبر بتحية عضوى مجلس الإدارة .. ثم كانت الصدمة في صباح اليوم التالى عندما بادرت كل من الإدارة وأعضاء اللجنة النقابية إلى تكذيب الخبر وهو ما فتح الباب ليس فقط للجدل حول صحة الخبر، وإنما للصراع بين طرفى الإدارة والنقابة من ناحية، وعضوى مجلس الإدارة من ناحية أخرى.. حيث انحاز العمال لعضوي مجلس الإدارة الذين تمتعا آنذاك بمصداقية كبيرة وسط العمال بعد وبسبب النجاح الذى حققاه في حركة الترقيات عندما رفضا حركة الترقيات التي أعدتها الإدارة، مما اضطر الإدارة إلى عمل حركة ترقيات جديدة كانت الأكبر في تاريخ الحديد والصلب.

انحازت غالبية اليسار لعضوى مجلس الإدارة وانخرطوا فى الحركة ضد الإدارة واللجنة النقابية رغم وجود أربعة من اليسار في عضوية هذه اللجنة.

في شهر يوليو تطورت الأمور بشكل سريع في عنبر الصب المستمر الذي أعلن عمال الوردية الأولى فيه اعتصامهم وانضم إليهم عمال الوردية الثانية وكذلك عضوى مجلس الإدارة المنتخبين.

احتدم النقاش بين العمال المعتصمين والمهندس حسن عبد اللطيف رئيس قطاعات الصلب والرجل القوى في الإدارة في ذلك الوقت فما كان من العمال إلا أن أعلنوا احتجاز المهندس حسن عبد اللطيف في مكتبه حتى توافق الإدارة على مطالبهم.. حيث استمر عمال الصب المستمر في اعتصامهم محتجزين رئيس القطاعات حتى صباح اليوم التالي ولم يجد رئيس مجلس الإدارة حلاً للأزمة إلا الموافقة على مطالب العمال بزيادة الحوافز 35% لكل العاملين بالمصنع والوعد بالنظر في باقى المطالب.

جاء خضوع الإدارة لإرادة العمال لطمة قوية لأعضاء اللجنة النقابية.. وبادر اليسار إلى استثمار حالة الانتشاء بالنصر التي سادت أجواء المصنع منادياً بالتمسك بكل مطالب العمال وعدم الوقوف عند مكسب الـ 35% ومطالبين  الإدارة بصرف وجبة غذائية يومية للعمال وإلغاء البدل النقدي و رفع قيمة بدل الطبيعة وإعادة النظر في نظام الحوافز وعمل نظام حوافز عادل يتناسب مع حجم الإنتاجية التي كانت تقارب 900 مليون طن سنوياً، وتحول المصنع إلى ساحة مفتوحة للصراع والنقاش حول المطالب وكيفية تنفيذها و سبل الضغط على  الإدارة وأيضا ضرورة محاسبة اللجنة النقابية المتخاذلة.

باتت الصراعات والنقاشات بين أعضاء اللجنة النقابية وقيادات اليسار حدثاً يومياً فى أغلب عنابر وصالات الإنتاج ثم تأججت حِمم المعركة الدائرة بإعلان اليسار سحب الثقة من اللجنة النقابية, تلك الفكرة التي أطلقتها لجنة اليسار وقامت بإعداد كشوف سحب ثقة وتقسيم المصنع لقطاعات وتوزيع مسئولية جمع توقيعات سحب الثقة على أعضاء لجنة اليسار التي اتسعت بانضمام كثير من العمال لها[3]∙.

كذلك عملت اللجنة على تأمين الكشوف التي ترد إليها من عنابر الشركة المختلفة, أمام تصاعد الحركة في المصنع و تراجع موقف النقابة الذي وصل لحد الاعتداءات اللفظية من العمال على بعض أعضاء اللجنة النقابية حتى وصل الأمر إلى عدم استطاعتهم الظهور داخل المصنع  أمام تلك التطورات السريعة.

لم يكن أمام اللجنة النقابية إلا محاولة الالتفاف على الحركة المتصاعدة للعمال فلجأت إلى النقابة العامة التي طالبت بدورها وزير الصناعة المهندس محمد عبد الوهاب حينذاك بالرضوخ لمطالب العمال الذى لم يعد منه مفر –خاصةً- وأن باقي عمال منطقة حلوان (مصر حلوان للغزل والنسيج -الكوك- المفروشات –  نصر للسيارات – المواسير) بدوا متحفزين للانضمام لحركة عمال الحديد والصلب.

لم يكن أمام وزير الصناعة أيضاً من بابٍ للخروج من المأزق إلا الرضوخ لمطالب عمال الحديد والصلب وإصدار قراره بالموافقة على صرف وجبة غذائية يومية لعمال الحديد والصلب ورفع بدل طبيعة العمل وعمل نظام جديد للحوافز حيث تصدرت القرار عبارة: “تلبيةً لمطالب النقابة العامة للصناعات المعدنية والهندسية واللجنة النقابية للعاملين بشركة الحديد والصلب”. وصَاحب هذا القرار صدور قرارٍ آخر يقضى بفصل عضوي مجلس الإدارة المنتخبين محمد مصطفى وعبد الرحيم هريدى من عضوية مجلس إدارة شركة الحديد والصلب وإحالتهم للتحقيق وهو القرار الذي أثار غضب العمال.

بادر فريق اليسار إلى إعلان ترحيبه بقرار الوزير بتلبية مطالب العمال ورفضه لقراره الصادر بفصل عضوى مجلس الإدارة مطالباً بحل اللجنة النقابية حيث بلغ عدد الموقعين على كشوف سحب الثقة أكثر من 11,500 عامل وهم أكثر من 50% من عمال المصنع وهو أكثر من النصاب القانوني المطلوب كما هو مفترض قانوناً.

تطورت الأمور سريعاً فرغم فرحة العمال بتلبية مطالبهم إلا أنهم تمسكوا بالتضامن مع عضوى مجلس الإدارة وإعلان رفضهم أعضاء النقابة، الذين ظنوا أن تسبيب الوزير موافقته على مطالب العمال بتقديم مذكرتهم إليه سوف يحفظ ماء وجههم ويرد لهم الاعتبار، فكانت صدمتهم قاسية عندما قابلهم العمال بالرفض, حيث بدا واضحاً وعى العمال بأن تحقيق مطالبهم لم يأتِ إلا نتيجة حركتهم ونضالهم .

الاعتصام:

.. في صباح يوم 1/8 تلقيت من محمد مصطفى مكالمة على تليفون قسم الصيانة بالتشكيل على البارد أخبرنى فيها أنه موجود في قطاع الصلب ومعه عدد من العمال وهم متوجهون إلى جراج المصانع أثناء خروج الوردية الأولى فأجبته بأنني سوف أتوجه لجراج الشرايط في نفس التوقيت للحديث مع العمال ومطالبتهم بالتضامن معهم واتخاذ موقف جماعي ضد قرار وزير الصناعة بفصلهم.

فى طريقى إلى جراج الشرايط كنت أحاول التركيز فى الكلمة التي سألقيها على العمال أثناء تجمعهم فى الجراج باحثاً عن كلمات حماسية تدفعهم لاتخاذ موقف رغم أننى- حتى ذلك الحين- لم أكن أعلم ما هو هذا الموقف بالضبط) وعند وصولى إلى الجراج كان العمال يتجمعون في دوائر صغيرة و يتحدثون بأصوات مرتفعة حول قرار الفصل وموقف النقابة، وفور دخولى الجراج وقفت أنا ومجموعة العمال القادمة معى مع مجموعة أخرى وبدأت المجموعات تنضم إلينا والجميع في حالة سخط وغضب.

.. بدأ رجال أمن الجراج يطالبونا بالصعود وركوب السيارات ويطالبون السائقين بسرعة التحرك حيث بدأ عدد من العمال يستجيب متوجهاً إلى السيارات.. أحسست أن الموقف يفلت من أيدينا ، وفي هذه اللحظة اندفعت إلى سور الجراج واعتليته وبدأت في النداء على العمال للتجمع وعدم ركوب السيارات ، و بسرعة استجاب الجميع… استجمعت شجاعتى وألقيت كلمة لا أتذكر كلماتها تفصيلاً غير أنها كانت تدور حول أهمية التضامن وأننا بوقوفنا معا حققنا مطالب لم نكن نتخيل أنها ستتحقق دفعةً واحدة وبهذه السرعة ، وأننا متمسكون بعودة عضوي مجلس الإدارة وحل اللجنة النقابية التي سحبنا منها الثقة وبدأت الهتافات (عاش كفاح عمال الصلب)  ثم أدركت الحل وقلت لهم لن نركب السيارات و سنذهب جميعا لننضم إلى زملائنا في جراج المصانع ثم نذهب للإدارة و بالفعل استجاب العمال بحماس كبير وبدأنا المسيرة.

بادرت مجموعة من العمال إلى الذهاب قبلنا إلى جراج الصلب وإخبار العمال المتواجدين فيه أننا في الطريق وبالفعل خرج عمال جراج الصلب والتقت المسيرتين في وسط المصنع حيث توجهنا إلى مبنى الإدارة.

كان المشهد مهيباً وصاحبنا آلاف العمال تتقدمهم القيادات العمالية اليسارية وعضوي مجلس الإدارة والهتافات العمالية يتردد صدها في الأجواء. مشهد جليل لم يتكرر في حياتى إلا في الثامن والعشرين من يناير2011- يوم جمعة الغضب.

بثت هتافات العمال الذعر والخوف في نفوس الإدارة وأعضاء اللجنة النقابية فسارعوا بالفرار من المصنع وعضو النقابة الوحيد التي استطاع العمال الإمساك به أُشبع ضرباً وسباً وبعد محاولات مضنية استطعنا تخليصه من أياديهم..  تجمعنا في الساحة الواقعة بين مبنى الإدارة الرئيسية ومبنى اللجنة النقابية وأول شيء قام العمال بعمله هو إنزال لافتة اللجنة النقابية وتحطميها تحت الأقدام ، وبعدها قمنا بإخراج الزميلات من العاملات بمبنى الإدارة والمهندسات،  ثم قام العمال بإغلاق أبواب المصنع،  وتطوعت مجموعة للقيام بحراسة البوابات وبالفعل قاموا بتوزيع أنفسهم على كل البوابات ولم يسمحوا لأحد بالدخول إلى المصنع من غير العاملين به.

أعلنا الاعتصام حتى يسحب الوزير قراره الصادر بفصل عضوي الإدارة المنتخبين، واتخاذ إجراءات حل اللجنة النقابية مشددين على الحفاظ على المصنع والحفاظ على سير الإنتاج وبعد لحظات من الارتباك اقترح علىَّ المرحوم مصطفى نايض أن اصعد للوقوف على سطح غرفه الميزان التي تتوسط المكان وأخطب في العمال لكى نحافظ على زخم التجمع وبالفعل صعدت فوق الغرفة، وبدأت أتحدث..

كانت الكلمة الأولى تفند كل الأحداث التي جرت وتؤكد على أن حصولنا على الوجبة وزيادة الحوافز وبدل طبيعة العمل جاء نتيجة وقوفنا مع بعضنا البعض وإصرارنا وتمسكنا بهذه المطالب.. كان للكلمة تأثيرٌ قوى حيث أثارت حماسة العمال، مما جعلنا نقرر تكرار صعودى وتحدثى ، وأثناء إلقائى كلمتى كانت قيادات العمال اليسارية تردد الهتاف التاريخى (إيدى في إيدك كفى في كفك وحد صفك.. اصحي يا عامل في الوردية عرقى وعرقك للحرامية ) وأيضا هتاف (سامعين صوت المكن الداير بيقول بس كفاية مذلة.. نفس الصوت اللى في حلوان بيقول قومى يا محلة) وبدأ زملاء آخرين يتبادلون الخطب، والهتافات لا تتوقف.

استطاع أحد صحفيي جريدة الوفد أن يدخل إلى الاعتصام، استقبله العمال بترحيب شديد وراح يجمع شهادات العمال وآراءهم ومطالبهم. كان وجود صحفى بيننا فرصة كبيرة لإعلام الرأى العام بموقفنا[4]∙.

في الليل بدى الجميع منهكاً لا بسبب مجهود هذا اليوم، وإنما الجهد المبذول خلال الشهر المليء بالأحداث المتوترة. كنا نجلس في مجموعات نتناقش ونتعارف، فرغم أننا أبناء مصنع واحد أمضى كل واحد منا في العمل به سنوات إلا أن كثيرين منا لم يكن يعرف بعضهم بعضاً. وكنا نترقب الأخبار التي تسربها لنا أسر العمال المقيمين بمدينة الصلب وخاصة القاطنين في البلوكات القريبة من قسم شرطة التبين.

 كانت الأنباء تخبرنا عن وصول قيادات كبيرة من وزارة الداخلية وعن حشود من قوات الأمن بدأت في التوافد إلى الشارع الخارجى المقابل لبوابة المصنع الرئيسية. حاول بعض من زملائنا العمال القدامى ومعهم عضو مجلس الإدارة محمد مصطفى الاتصال بالقيادات الأمنية بقسم التبين للوصول لحل للأزمة ولكن من الواضح أن موقف الأمن كان صارماً بضرورة فض الاعتصام أولاً قبل أى حديث.

كان رهاننا أن نصمد حتى الصباح وكنا نراهن على انضمام عمال المصانع المحيطة بنا للاعتصام خاصة وأنه منذ صدور قرار الوزير باستبدال البدل النقدى للوجبة بصرف وجبة غذائية يومية وزيادة بدل الطبيعة بدأت الأصوات في تلك المصانع ترتفع مطالبةً بمعاملتهم بالمثل.

الاقتحام:

كنا جميعاً نتعجل شروق الشمس.. كنا جميعاً نأمل أن يؤدى طلوع النهار وانتشار الخبر في حلوان إلى دعم موقفنا وثباته..

ومع بدايات شروق الشمس كنت واقفاً مع حسن صابر أحد قيادات حزب التجمع والعامل بعنبر الدرفلة على الساخن بالقرب من البوابة الرئيسية سألت حسن عن الساعة وكان رده على ما أذكر الرابعة والنصف فجراً ثم فجأة سمعنا صوت اصطدام مدوى بالبوابة فأدركنا ان هناك محاولة لكسر البوابة وفى نفس اللحظة بدأنا نسمع صوت إطلاق الرصاص ونرى إشعاعه في السماء، ظل حسن يردد ده صوت رصاص يا كمال دول ناويين يقتلونا.. سادت بين العمال حالة من الذعر والارتباك.. كانت عيناىَ مثبتة على البوابة حتى رأيتها تكسر والعربات المصفحة تدخل إلى المصنع، أخذنا ننادى على بعضنا البعض بالجرى إلى عنبر الصب المستمر البعيد عن مكان الاقتحام.. كنا جميعاً نجرى فى طرق مختلفة وأثناء ذلك كانت أصوات الرصاص والقنابل المسيلة للدموع تطاردنا.. كان بعضنا ينكفئ على وجهه فنساعده على الوقوف لمواصلة الجرى وكنا نرى الجنود من بعيد بملابسهم السوداء مرتدين خوذاتهم وبكامل عتادهم.. ثم أدركنا أنهم اقتحموا كل بوابات المصنع في توقيت واحد وعلمنا أيضا أنهم دخلوا بعد تحطيمهم أسوار المصنع إلى أماكن غير مأهولة بالعمال.

تجمع عدد منا فى صالة الصب المستمر، وكنا نسمع دوى الرصاص ونراه يصوب فى اتجاهات مختلفة (عرفنا بعد ذلك أن الشهيد عبد الحى سليمان سقط فى هذه اللحظات على إثر إصابته بإحدى الرصاصات).

تركت الصب المستمر مع بعض من زملائى وذهبنا إلى عنبر الساخن وفى طريقنا قابلنا عدد من العمال الذين حذروني من أن قوات الأمن تبحث عنى بالاسم وكذلك عن محمد مصطفى وعبد الرحيم هريدى.. عندما وصلت عنبر الساخن سمعت نفس التحذير. قابلت محمد عبد الجابر وحسن صابر وجلسنا نفكر فى كيفية التصرف، أرسل محمد عبد الجابر واحداً من زملائنا لكى يحضر ملابسى من مكان عملى وأثناء ذلك حضرت قوات الأمن فقاموا بإخفائى أسفل الدرافيل وهو عبارة عن ممر بطول أكثر من 400 متر وبعمق 4 أمتار تحت سطح الأرض،  ويضاء باللمبات فقمنا بتكسيرها، حيث أصبح المكان مظلماً تماماً..

 بقيت حوالى الساعة لا أعلم ما يدور فوقى موجهاً حواسى كلها نحو السلم،  مسترقاً السمع إلى أى حركة قد تحدث في اتجاهي. إلى أن نادى زملائى على بالخروج.

فور خروجى أكدوا لى أنهم بالفعل يبحثون عنى وأننى يجب أن أغادر المصنع بسرعة. قمت بتغيير ملابسى واقترح مجموعة من زملائنا أن يأخذونى في سيارة إلى بوابة التلبيد، ويقومون بإخراجي من البوابة.. كانت مجازفة ولكن مجازفة لا بديل عنها.. ونحن في طريقنا إلى بوابة التلبيد استوقفتنا سيارة تابعة لأمن الشركة حيث ظننت أننى وقعت فعلاً ، وأن محاولة هروبى قد فشلت .. غير أننا فوجئنا بسيارة أمن الشركة بها حمدى وهو واحد من قيادات أمن الشركة وفى نفس الوقت “بلدياتى” من الفيوم حيث تجمع بيننا علاقة ودية ، وقد طلب منى أن أنتقل لسيارة الأمن وكان رأيى أن ذلك أكثر أماناً وأكد حمدى لزملائى أنه سيحرص على سلامتى حتى يخرجنى من المصنع وقد كان..

 نقلنى حمدى بسيارة أمن الشركة إلى خارج بوابة التلبيد ثم إلى الطريق الفاصل بين شركة الحديد والصلب وشركة الكوك وبقى معى إلى أن مر بالصدفة أحد الأهالى بسيارته، فركبت معه إلى حلوان ومن هناك أخذت الميكروباص لأبدأ رحلة هروب استمرت 12 يوماً حتى قمت بتسليم نفسي إلى نيابة أمن الدولة وتلك قصة أخرى.

[1]∙ كان مصطفى عبد الهادى قد ترشح للانتخابات البرلمانية وخاصةً معركتها على قائمة الإخوان المسلمين وحزب العمل عام 1987 تحت شعار “الإسلام هو الحل”.

[2]∙ كان قد سبق لى إصدار دراسة عام 1980 حول أحقية عمال الحديد والصلب فى الحصول على وجبة غذائية بديلاً عن البدل النقدى الهزيل الذى كانت إدارة الشركة تقوم بصرفه بواقع ثلاثة جنيهات شهرياً، وهى الدراسة التى قدمت إلى المؤتمر الأول للمندوبين النقابيين بالشركة

حيث تجدر الإشارة إلى أن تشكيل لجان المندوبين كان مطلباً ومستهدفاً تم طرحه أثناء انتخابات 1979، ومع بداية الدورة النقابية استطاعت قيادات اليسار فى شركة الحديد والصلب انتزاع لجان ومؤتمر المندوبين النقابيين بشركة الحديد والصلب.

[3]∙ يُذكر فى شأن حملة التوقيع على سحب الثقة من اللجنة النقابية الدور المتميز للزميل فوزى محمدين فى جمع التوقيعات.

[4]∙ هذا الصحفى هو محمد عبد العليم داوود، الذى بدأت شهرته كأول صحفى غطى أحداث اعتصام الحديد والصلب وأصبح فيما بعد نائباً برلمانياً لدورات متعددة.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

عمال المحلة يطلقون نداءهم مجددًا القول بأن إضراب عمال المحلة الذي أوشك أن يكمل أسبوعه الثاني للمطالبة بالعلاوة الاجتماعية وعلاوة غلاء المعيشة وزيادة بدل الوجبة، بالإضافة لمطالب أخرى، ستكون له نفس النتائج، أي أنه سيطلق موجة من الحركة العمالية ويكسر حالة الجمود السياسي، سيكون تبسيط مخل، لا يعبر عن بذل أي جهد في فهم الحركة العمالية ومحاولة التفاعل معها. كذلك اعتبار إضراب 16 ألف عامل للمطالبة بالعلاوات وبدل الوجبة حدث عابر لا يمس الأوضاع السياسية والاجتماعية ليس سوى استمرار للتعالي النخبوي على الحركة العمالية، والذي كانت عواقبه وخيمة على مدار السنوات الماضية.

مصطفى بسيوني

المقاومة الاجتماعية في “أرض الخوف”… أوجه الضعف والقوة يأتي عيد العمال هذا العام والحركة العمالية في وضع متراجع بسبب عوامل عدة في مقدمتها ارتفاع وتيرة القمع، وبالتالي فالنضال في فترات المد الثوري، يختلف عن المقاومة في ظل انتصار ثورة مضادة تسعى لسحق حركة العمال وتنظيماتهم المستقلة، وهو ما انعكس على مطالب الحركة.

هشام فؤاد

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… اقتصر سعي هذه الورقة على إعادة تقديم وتحرير الإشكاليات المتعلقة بموقع ما تعارف الفقهاء على تسميته بالشريعة في البناء الدستوري والقانوني المنظم لعمل أجهزة الدولة الحديثة كما كشف عنها الجدل الدستوري التالي لتحولات يناير ٢٠١١ عبر منهجية ماركسية مطورة. ولم تتجاوز ذلك إلى التفكير في مخارج لهذه الإشكاليات، إلا عرضا بالطبع وفي معرض إشارتها لاجتهادات قائمة بالفعل كوثيقة الأزهر الصادرة في يونيو ٢٠١١.

عمرو عبد الرحمن

لماذا لم تقطر غزل المحلة الحركة العمالية في إضرابها الأخير؟ شكل تفريغ الشركة من القيادات التي ظهرت بعد إضراب 2006، سواء بالفصل أو الاحتواء، مع حرمان العمال من نقابة تدافع عن حقوقهم في ظل حالة من التخويف والإرهاب لكل من يفكر في الاحتجاج، أداتان أثبتتا فاعليه في توقف شركة غزل المحلة عن لعب دورها في قيادة الحركة العمالية.

فاطمة رمضان