وحد صفك.. كتفي بكتفك “ليلة الفض وجوانب تستحق التأمل”

قضايا

01  أغسطس  2017

تناولت كتابات عديدة هذا الاعتصام من جوانب مختلفة تخص حركة العمال والحركة التضامنية لكنى سألقى الضوء عن جوانب هامة حول سيكولوجية الحشد فى هذا الاعتصام؛ نظرا لسمات تخص تركيبة العمال الجغرافية وأعنى وجود العصبيات فى مصنع الحديد والصلب، وهو وجود طبيعى نظرا لوجود المصنع فى منطقة التبين القريبة من حلوان.

 وتتركز العصبية فى شرق وغرب النيل بمراكزها ومدنها وعائلاتها المتنوعة فضلا عن الجمعيات للمغتربين من المحافظات الأخرى كالشرقية والمنوفية والصعيد وغيرها حتى مدينة 15 مايو، ومدينة الصلب المجاورة للمصنع أصبحت تشكل عصبية جديدة فضلا عن وجود انتماءات سياسة كاليسار والاخوان؛ كل هذه العصبيات كان لها دورها المؤثر فى حسم الانتخابات العمالية وكل هذه المؤشرات تنبئ أنه لا يمكن حشد كل هؤلاء حول قضية واحدة؛ فما بالك إذا كان اعتصاما عماليا.

لكن أثبت العمال ـ بما لا يدع مجالا للشك ـ وحدتهم حول ربط المطالب الاقتصادية بالمطالب الديمقراطية، حيث كانت المطالب الاقتصادية حول زيادة الحوافز وكانت المطالب الديمقراطية حول التمسك باستمرار عضوى مجلس الإدارة المنتخبين فى مجلس الإدارة وكان هذا تحديا لوزير الصناعة آنذاك الوزير محمد عبد الوهاب.

لذلك كان أول شعار رفع فى ساحة المصنع بالقرب من البوابة الرئيسية وهو المكان الفريد الذي يوجد به مبنى الإدارة مقابل مبنى النقابة “صعيدى بحيرى الإيد فى الإيد، وحد صفك إيدى فى إيدك كتفى فى كتفك “.

هذه الإشكالية الأولى تم حلها ببساطة تفوق كل التنظيرات حول سيكولوجية الحشد.

النقطة الثانية الجديرة بالدراسة وهي نقطة الاقتحام وبداية تسرب الأمن بأعداد وفيرة ليلة الاعتصام واكتشفنا ذلك لأنهم كانوا يرتدون بدل شغل جديدة ولكنهم، أفراد الأمن المركزى، لا يعرفون خريطة المصنع ولا خباياه ولا مخاطره، ومن هنا توقعنا ان يكون الاقتحام فى الصباح.

وكانت المناقشات بيننا  تدور حول أنه  إذا تم الاقتحام فى الثامنة أو السابعة صباحا فإن ذلك سيكون مفيدا نظرا لدخول الوردية الأولى وخروج الوردية الثالثة، مما سينبه سكان مدينة الصلب المجاورة للمصنع، فيحتشد الأهالى  للمساندة ويصعب مهمة الاقتحام، وينبه الصحافة ووسائل الإعلام. لكن الأمن تعامل مع خطة الاقتحام كأنها خطة حربية، فكان الاقتحام عند أول ضوء أى بعد الفجر مباشرة.

كان العمال قد استعدوا فأغلقوا البوابة الرئيسية بالجنازير ووضعوا أمامها إطارات سيارات قديمة لإعاقة الاقتحام فضلا عن تجهيز أسطوانات أكسجين وإستيلين لمواجهته. ولكن تم الاقتحام بالتوازى، أولا من قطاع الهياكل المعدنية وهو القطاع الملاصق لسور المصنع والقريب من البوابة حيث احتل العمال المعتصمون المكاتب وبالتالي كانت هناك الأنوار مضاءة والعمال يستعدون لصلاة الفجر في مسجد الهياكل. ساعد الأمن فى التسلل إلى قطاع الهياكل وجود أكوام من الطمي عالية قريبة من النوافذ وهو الطمي الخاص بالمشتل المقابل لقطاع الهياكل فى الشارع المقابل. بالإضافة إلى ذلك كان الاقتحام من البوابات.

وكان رد الفعل السريع هو هروب العمال واختبائهم فى أماكن يصعب على الأمن اكتشافها.

لم تغب الهمجية عن الأمن فى ضرب العمال والقبض عليهم واقتيادهم إلى قسم التبين حتى أن أحد العمال قال” دى اول مرة اشوف حد بيضرب على القفا بالرجل” في حين قال عامل آخر من الصف “لو نعرف انهم معاهم سلاح كنا جبنا سلاح معانا”

ومن المشاهد الطريفة أن أحد أفراد الأمن وهو يقتاد عامل وقع على الأرض فشد على يده العامل وساعده على الوقوف استمريا فى السير.

الملاحظ خلال الاعتصام أن العمال بأنفسهم اختاروا مهامهم دون تحديد من قيادات الاعتصام. بعض العمال تولوا مهمة حراسة البوابة وتنظيم دخول وخروج الورديات، والبعض يتلقى إمدادات الأغذية القليلة الآتية من العمال بالمدينة السكنية.

لم يشعر العمال بأزمة فى التعايش وخاصة فى تناول الطعام حيث كانت البوفيهات الموجودة فى القطاعات والورش القريبة من ساحة المصنع مفتوحة وخاصة كافتيريا الهياكل والذى كان يتولاها العامل جمال ابو جمعة من الاخصاص وكافتيريا عزوز بورشة الديزل وكافتيريا الأجهزة فالحياة طبيعية.

 والملاحظ أنه رغم حركة القبض وضرب العمال لم تجد عنفا متبادلا، أى أن العمال لم يردوا الاعتداء، أو يستخدموا العنف، على الرغم من توافر وسائل وأدوات غير محدودة بين أيديهم في الشركة تكفي للرد بقوة على الأمن إذا أراد العمال.

كانت قطاعات الصلب الجديد هى الملاذ الآمن للعمال نظرا  لبعدها عن أول المصنع ونظرا لتعقيد الوصول لأقسامها وتعدد طوابقها. وبالرغم من ذلك اقتحم الأمن هذا القطاع خاصة قطاع المحولات فى المستوى 18 أي ما يعادل الدور الـ 18  فى العمارات السكنية وكانت غرفة التحكم التي تقوم بضبط الصب فى البوادق المحمولة على عربات السكك الحديدية وأى خطأ فى الصب معناها كارثة ان تغرق الصبة الأرض بالحديد المصهور. وهذه الغرفة كان يوجد بها ثلاثة عمال أحدهم عبد الحى محمد السيد الذي رفض ترك العمل نظرا للخطورة التي تنتج عن ذلك فكانت طلقة فى صدر عبد الحى قتلته!! وهذا يبين غشم وهمجية الأمن والأدهى أن يصرح زكى بدر وزير الداخلية “كنتوا قتلتوا 200 كدة كدة الجرايد حتكتب!”.

ويمكن رسم صورة المصنع ليلة الاعتصام كالتالي: الإدارة فى مصر فى شارع عبد الخالق ثروت، واللجنة النقابية فى مقر الجمعية الاستهلاكية بالمدينة السكنية، بينما العمال فى المصنع يواجهون الاقتحام دون مقاومة إلا الاختباء فى أماكن معينة يصعب على الأمن الوصول لها.

وكان الاتصال متوافر بين العمال في المواقع المختلفة وساهم فى ذلك طلبة التدريب المهنى الذين قاموا بنقل الرسائل والوقوف على الأوضاع بين الأماكن المختلفة. وكان لعناصر من طلبة التدريب المهنى بالمصنع دور حيوي هام حيث شكل الارتباط بهم وتدريبهم ثقة متبادلة وقد كانوا يقومون من قبل  بتوزيع مجلة الصنايعية وبعض المنشورات الحزبية.

كل هذا يبين أن الاعتصام كسر حدة العصبية وكسر الاختلاف بين اليسار بمشاربهم المختلفة من المصرى أو التروتسكيين أو العمال أو 8 يناير أو الشعب الاشتراكى وكان لكل هؤلاء الأثر الكبير فى قيادة الاعتصام والارتقاء به، من التمسك بعودة محمد مصطفى وعبد الرحيم هريدى بعضويتهم فى المجلس، إلى مطالب تخص الإفراج عن المعتقلين من الشركة بسبب توزيع بيان يخص الخبز وهم يوسف عبد الحليم ومحمد عيسى وفرج محمد فرج، وهو البيان الذى أصدره حزب التجمع، وصولا إلى الوجبة الغذائية، والتى بدأت بوجبة جافة ثم تطورت إلى وجبة مجمعة.

ورغم دور محمد مصطفى وهريدى فى تفجير الاعتصام لحمايتهم، إلا أن تأثير الاعتصام امتد لما هو أبعد من ذلك بمجرد احتشاد العمال تحقق الاعتصام، على الرغم من الاقتحام نتائج سريعة استفادت منها الحركة العمالية المطلبية، ليس في الصلب وحده، ولا حتى في حلوان فقط.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

لماذا لم تقطر غزل المحلة الحركة العمالية في إضرابها الأخير؟ شكل تفريغ الشركة من القيادات التي ظهرت بعد إضراب 2006، سواء بالفصل أو الاحتواء، مع حرمان العمال من نقابة تدافع عن حقوقهم في ظل حالة من التخويف والإرهاب لكل من يفكر في الاحتجاج، أداتان أثبتتا فاعليه في توقف شركة غزل المحلة عن لعب دورها في قيادة الحركة العمالية.

فاطمة رمضان

الاقتصاد السياسي والحركات العمالية والانتفاضات الشعبية في 2011 تميل التحليلات الغربية للانتفاضات العربية التي اندلعت سنة 2011 إلى التأكيد على دور شباب الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي أو منظمات المجتمع المدني. ولعل التركيز على الحركات الاجتماعية للعمال والعاطلين قبل اندلاع هذه الانتفاضات وأثناءها يوفر مزيدا من العمق التاريخي والفهم الأصيل.

جويل بنين

واحد مننا

فاطمة فرج