صندوق النقد يهنئكم بنجاح خطة الإصلاح الاقتصادي

قضايا

30  يوليو  2017

نقل صندوق النقد الدولي هذا الشهر عن مديرته كرستين لاجارد تهانيها للشعب المصري بمناسبة نجاحه في تنفيذ خطة الإصلاح الاقتصادي، أو هكذا بدا الأمر لفريق الصندوق بعد دراسته لأحوال البلاد في أول مراجعة لالتزام مصر بالبرنامج الاقتصادي الذي اتفقت عليه مع الصندوق مقابل قرض بـ 12 مليار دولار.

وتتناقض اللغة الإيجابية التي يتحدث بها الصندوق عن الأوضاع الاقتصادية مع ما يستشعره المواطن العادي من أن البلاد تمر بواحدة من اسوأ أزماتها الاقتصادية في التاريخ الحديث .. فمن يصدق حدسه بشأن الأوضاع في مصر السيدة لاجاراد أم رجل الشارع ؟

بداية علينا أن نُعرف ما الذي يعنيه صندوق النقد بنجاح الإصلاح الاقتصادي، الصندوق مشغول بالأساس بمدى قدرة الدولة في مصر على سداد التزاماتها وتجنيبها الوقوع في مخاطر الإفلاس، لذا فهو يركز في حديثه على ما يسمى بإجراءات الضبط المالي ” fiscalconsolidation”.

وترتكز إجراءات الضبط المالي في البرنامج الإصلاحي، الذي يُفترض أنه نابع في الأساس من رؤية الحكومة المصرية والصندوق يدعم هذه الرؤية بالتمويل ولكن في الواقع فإنه يتشابه لحد كبير مع أجندة الصندوق في كل البلدان التي يقدم لها القروض، ترتكز تلك الإجراءات على سياسات تخفض من الإنفاق العام وأخرى تزيد من إيرادات الدولة.

ويعتمد كل من المجالين بشكل كبير على سياسات تكبد الطبقات الوسطى والفقيرة أعباء الأزمة المالية الجارية، حيث تقوم سياسات تخفيض الإنفاق على تقليص دعم المواد البترولية وتقليص نمو ميزانية أجور العاملين في الجهاز الحكومي، وتعتمد سياسات زيادة الإيرادات على تعظيم إيرادات الدولة من ضرائب الاستهلاك، ضريبة القيمة المضافة.

وفي عقيدة الصندوق فإن الضبط المالي مع تبني سياسات تحررية يمهدان لتحسين تدفق الاستثمارات على البلاد في المدى المتوسط، لذا يراهن الصندوق على أن يساعد تحرير سعر الصرف في نوفمبر وتحسين بيئة الأعمال، بعد إصدار قانون الاستثمار الجديد وقانون التراخيص الصناعية والاتجاه لإصلاح منظومة التخارج من السوق، في تحفيز الاستثمارات الأجنبية على القدوم للبلاد.

ويمتد رهان الصندوق إلى الصادرات حيث يتوقع أن يساعد الانخفاض الدرامي للجنيه أمام الدولار بعد تعويم نوفمبر في مساعدة المصدرين على تخفيض أسعار منتجاتهم في الأسواق الدولية والبيع بشكل أكبر.

ويمتد رهانه إلى مسائل قدرية لا دخل للإصلاح فيها تتعلق باكتشافات الغاز الجديدة، حيث يتوقع أن تساهم الحقول المكتشفة حديثا في مياه المتوسط في تحسين الإيرادات الدولارية للبلاد.

وفي هذا السياق يقدر الصندوق أن معدلات النمو الاقتصادي ستتراوح بين 5-6% سنويا في الأجل المتوسط، بعد أن كان متوسط النمو السنوي عند 2.7% في الفترة من 2011-2016.

كانت تلك التوقعات الوردية وقت أن وضعت السلطات في مصر مع الصندوق تصورات برنامج الإصلاح وفاجئت به الرأي العام، ونواب البرلمان، خلال الربع الأخير من العام الماضي.

فلنحاول أن نقرأ وثيقة الصندوق عن الإصلاح في نوفمبر الماضي بأعين من شاهد نتائج الإصلاح خلال الأشهر الماضية حتى نستطيع أن ندرك مدى الخلل في هذه الرؤية، يقول الصندوق في 2016 : ” من الموتقع أن يكون تأثير سعر الصرف على التضخم هذا العام محدودا بالنظر إلى أن نسبة مهمة من الواردات تم تسعيرها بالفعل على أساس أسعار السوق الموازية”. الأمر لا يحتاج لاقتصاديين للحكم على تقديرات الصندوق، إذ يدرك رجل الشارع العادي كيف ارتفعت معدلات الزيادة في الأسعار بعد التعويم بشكل صارخ.

وبالطبع اتجه خطاب الدولة – الصندوق يتغير بعض الشيء بعد أن تجاوز التضخم السنوي مستوى 30% خلال الربع الأول من العام الجاري، لنقرأ مانشيتات الصحف المحلية تنقل عن الحكومة حديثها عن تطبيق إجراءات لتخفيف آثار الإصلاح.

لا يعني ذلك أن الدولة – الصندوق لم يكونا يتوقعان في 2016 آثارا اجتماعية سلبية لإجراءاتهما الإصلاحية، لكن لم يكن متوقعا أن تكون بهذا الحجم، فالصندوق يقول في تقريره الصادر في نوفمبر الماضي أنه ناقش مع السلطة في مصر زيادة مستهدفات إجراءات التماسك المالي لكنهما توصلا إلى أنه من غير الحكمة زيادة سقف طموحات البرنامج لما سيكون له من آثار سلبية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.

ثم جاءت دراما التعويم بما لم يتوقعه الطرفين، حيث فقدت العملة المحلية أكثر من نصف قيمتها أمام الدولار، وهو ما اضطر الحكومة لمخالفة برنامج الصندوق وهي تضع مشروع موازنة 2017-2018 .

إذ وضع الصندوق تقديرا لميزانية دعم السلع الغذائية ( التموين والخبز ) عند 51 مليار جنيه لكن الحكومة اضطرت لرفعها إلى 85 مليار جنيه كإجراء تعويضي عن معدلات التضخم في الغذاء والتي تجاوزت الـ 40% في الفترة منذ فبراير الماضي.

وبالرغم من أن الحكومة اتسمت بالصرامة الشديدة وهي ترفع أسعار الوقود في مستهل العام المالي الجاري، متجاهلة التحذيرات من تلك الخطوة في ظل التضخمية التي تقع على عاتق المواطن، لكن دعم الوقود المقدر في ميزانية الحكومة يزيد عن الدعم الذي كان يطمح له الصندوق بفارق 26.5 مليار جنيه، السبب في هذا الفارق أيضا هو التعويم الذي أفقد العملة المحلية أكثر من نصف قيمتها وزاد من تكاليف استيراد المنتجات البترولية من الخارج.

المخالفة الثالثة الكبيرة لمستهدفات الصندوق غالبا ما ستكون في مجال تكاليف العائد على الديون الحكومية، الرقم الذي خصصته الحكومة في مشروع موازنة 2017-2018 للفائدة ليس بعيدا عن الموجود في البرنامج الإصلاحي، وضع البرنامج 384.5 مليار جنيه وتوقعت الحكومة في الموازنة 380.9 مليار جنيه، لكن عمليا ستزيد الفائدة بسبب ضغوط الصندوق على مصر.

كان البنك المركزي عازما منذ بدء تطبيق برنامج الإصلاح على سعر الفائدة على الإيداع والإقراض، لكن من الواضح أن تطلعات المركزي بزيادة الفائدة في 2017 كانت تفوق بكثير ما توقعه في نوفمبر 2016، أو على أقل تقدير فقد جاءت سياسات المركزي مفاجئة لأغلب التوقعات خلال أشهر ” الإصلاح” .

ولكي نشرح كواليس التطورات الأخيرة في سعر الفائدة علينا أن نتمهل قليلا أمام خلفية معرفية بسيطة عن الدور التقليدي لسياسة الفائدة، فعادة ما تلجيء البنوك المركزية لزيادة السعر الاسترشادي الذي تطرحه للعائد على الإيداع والإقراض بهدف تشجيع البنوك بالتبعية على زيادة العائد على الودائع، مما يؤدي لجذب المواطنين بشكل أكبر لوضع مدخراتهم في البنوك، وهو ما يقلل من الطلب في السوق ويحد من زيادة الأسعار.

ورفع البنك المركزيالعائد على الإيداع والإقراض بنسبة 3% في نوفمبر لزيادة العائد على الودائع،وهو ما حدث بالفعل، لكن كان هناك هدف آخر وهو دعم الجنيه.

صحيح أن الحكومة والصندوق لم يتوقعا أن تفقد العملة المحلية أكثر من نصف قيمتها، لكنهما كانا يدركان أن التحرير الكامل لسعر الصرف في نوفمبر الماضي سيحدث زلزالا كبير في سعر الصرف وسيكون هو المحرك الرئيسي للأسعار في السوق وللتضخم بالتبعية، لذا فإن أول زيادة للفائدة كانت تستهدف بشكل كبير كبح التضخم عن طريق جذب التدفقات الدولارية للحد من انخفاض الجنيه.

والطريقة المقصودة هنا لجذب الدولارات من الخارج ليست الاستثمار المباشر ( بمعنى بناء مصنع مثلا بأموال أجنبية ) فهذا أمر يستغرق وقتا طويلا، ولكن جذب المستثمرين الأجانب لشراء الديون الحكومية التي سيرتفع العائد عليها نتيجة لرفع البنك المركزي السعر الاسترشادي للعائد على الإقراض.

ثم جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن وفاق التضخم توقعات من وضعوا برنامج الإصلاح مما اضطر البنك المركزي لتطبيق زيادتين جديدتين في أسعار الفائدة خلال الأشهر الماضية، لتصبح إجمالي الزيادة في أقل من عام بنسبة 7% وهي قفزة كبيرة سيكون لها انعكاسات هامة على تكاليف الديون في الموازنة العامة.

تجاهل الصندوق إذن العوار الكبير في توقعاته بأن يكون للتعويم تأثير ” محدود ” على الأسعار، وما ترتب على ذلك من إجراءات مالية استثنائية، فعلام كانت السيدة لاجارد تهنيء المصريين ؟ ربما يقول البعض إن الآثار السلبية ” للإصلاح ” هي الدواء المر الذي يجب أن نتجرعه في الأجل القصير، ويدفع بأن الصندوق يهنئنا على ما سيعود علينا من الإصلاحات على المدى المتوسط أول الطويل، وهي المقولة التي سنختبرها في الفقرات التالية.

يطمح الصندوق إلى أن تزيد الصادرات المصرية بعد التعويم، بسبب ما شرحناه في الفقرات السابقة عن التأثير الإيجابي لتخفيض العملة المحلية على التنافسية السعرية للصادرات المصرية في الخارج، ولكن هذا التأثير كان من المفترض أن يظهر على نتائج الصادرات منذ التعويم، لكن إجمالي الصادرات منذ نوفمبر إلى فبراير 2017 ، وهي آخر البيانات التي يتيحها جهاز التعبئة والإحصاء، يزيد بنحو مليار و200 مليون دولار فقط عن إجمالي صادرات الفترة المناظرة، 7.6 مليار دولار و 6.4 مليار دولار على التوالي.

وإذا أخذنا يناير 2013 كنقطة بدء للأزمة المالية المصرية، باعتبار أن البنك المركزي بدأ سياسة المزادات الدورية لبيع الدولار منذ تلك الفترة، سنجد أن الصادرات كانت تتراجع بالرغم من الانخفاض المتتالي للعملة.

والواقع أن هناك عدة عوائق تحد من فرص نمو الصادرات في أوقات انخفاض العملة لم يشر إليها الصندوق وهو يضع توقعاته، منها الاعتماد القوي للمصدرين على استيراد مدخلات الإنتاج من الخارج وهو ما يزيد من تكلفة الإنتاج في أوقات ضعف الجنيه ويقلل من قدرة المصدرين على المنافسة السعرية، علاوة على أن المكون الأكبر في الصادرات هو من صادرات المواد البترولية، 18.7 مليار دولار مقابل 5.7 مليار دولار في 2015-2016،  وهي سلع محكومة بالأسعار العالمية للمواد الخام ولا تدخل في نطاق التنافس السعري الذي يقوم به المصدرون للسلع التقليدية.

العنصر الثاني الذي يعول عليه الصندوق لزيادة إيرادات مصر الدولارية هو الاستثمار الأجنبي المباشر، كما أشرنا من قبل من المفترض أن يساهم الاستقرار النسبي للعملة بعد التعويم وحوافز الاستثمار في تشجيع الاستثمارات، كما يتوقع الصندوق أن تتعافى الصناعة بفضل تحسن ضخ الطاقة الكهربية بعد الاستثمارات التي ضختها الدولة في هذا المجال مؤخرا.

لكن المفارقة أننا حتى إذا أخدنا بتوقعات الصندوق فإن المؤسسة الدولية تضع سقف طموحات متواضع للغاية لا يفترض أن الاستثمارات ستزيد سنويا في أغلب الحالات بأكثر من 10%.

العنصر الثالث الذي يبني عليه الصندوق رؤيته بشأن مستقبل تدفق العملة الصعبة هو التعافي المتوقع في الإيرادات السياحة، حيث يرى الصندوق أن تلك الإيرادات ستتجاوز مستوى الـ 20 مليار دولار والذي لم تحققه منذ 2014-2015 ، قبل أن تتضرر بشدة من تزايد المخاطر الأمنية في البلاد بسبب العمليات الإرهابية.

وترجع التوقعات الإيجابية بشأن السياحة جزئيا إلى التعويم أيضا والذي خفض من تكلفة السياحة في مصر على السائح الأجنبي.

وقبل أن ننساق في مجادلات الاقتصاديين حول دقة توقعات الصندوق علينا أن نسأل أنفسنا هل يستفيد المواطن العادي من الإصلاح الاقتصادي ؟ الواقع أن الصندوق وهو يسرد مؤشراته عن توقعات تحسن الاستثمارات لا يشير إلى النسبة الأكبر من الاستثمار الأجنبي المباشر تتوجه إلى قطاع غير كثيف العمالة وهو البترول.

وبفرض أن باقي القطاعات الاستثمارية والخدمية ساهمت بقوة في تشغيل العاطلين فإن إصلاحات الصندوق تحد من فرص النمو الاقتصادي، فالمؤسسة الدولية لا تنكر في تقريرها عن مصر أن معدلات النمو  المحدودة خلال الفترة من 2011-2016  كانت تعتمد بشكل أساسي على الاستهلاك المحلي، وبالنظر لانهيار القيمة الحقيقية لأجورالمواطنين بعد حزمة إجراءات الإصلاح، من القيمة المضافة لتقليص الدعم إلى التعويم، فإن هذا الاستهلاك مهدد بشدة في تلك الفترة.

الصندوق لا ينكر اهتمامه بمشكلات سوق العمل في مصر ويقول أنه يطمح إلى سياسات تساعد على تشغيل الشباب والمرأة بشكل أكثر كثافة، لكنه لا يركز على الإصلاحات في هذا المجال مثلما يركز على تخفيض الدعم وفرض ضرائب الاستهلاك، ويكتفي بالإشارات المقتضبة لسياسات محدودة التأثير مثل التوسع في التدريب الفني.

وتشمل الإصلاحات المنتظرة تقديم الحكومة رؤية لإصلاح نظام التأمينات، والتي يفترض وفقا لبرنامج الصندوق أن تكون انتهت في يونيو الماضي، وهو واحد من أهم الملفات الاجتماعية لكن لم يتبين بعد كيف ستخرج هذه الرؤية الإصلاحية وفي صالح أي انحيازات ؟ هل سيركز الإصلاح على الحد من الخلل المالي في نظام التأمينات أم سيشمل أيضا تغطية العاملين المحرومين من التأمين، وبناء نظام جديد يخفف العبء عن الفئات الأقل دخلا ويوفر لهم أكبر مزايا ممكنة ؟

من واقع ما هو معلن وواضح في رؤية ” الإصلاح ” فإن نجاحه لن يعود بالكثير على المواطن، في ظل العيوب الهيكلية في الاقتصاد المصري من حيث ارتفاع نسبة العاملين بدون حقوق قانونية، في القطاع غير الرسمي، وتركيز الاقتصاد على الأنشطة كثيفة رأس المال وليس كثيفة العمالة، وفي حالة فشل الإصلاح ستكون التبعات أسوأ لأن ذلك سيقود البلاد للاعتماد بشكل أكبر على الاستدانة من الخارج، ولا سبيل للخروج من هذه الدائرة الجهنمية بغير برنامج اقتصادي وطني بحق يضع المواطن على رأس أولوياته.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الاقتصاد العالمي: عودة الأزمة ربما تصبح الولايات المتحدة آخر دولة في الانزلاق إلى هوة الكساد، على عكس ما جرى خلال القرن الماضي، ذلك لأنها خرجت من أزمة 2007 - 2009 أقوى من منافسيها التقليديين. من المؤكد أن متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي، الذي يُقدَّر بـ2% سنويًا في الولايات المتحدة.

جويل جاير  ,  لي سوستار

“الإصلاح الاقتصادي” يفترس الاقتصاد منذ اندلاع ثورة يناير 2011 تتردد في تصريحات الحكومة إشارات لضرورة تطبيق ما يسمى بـ "الإصلاحات الهيكلية"، وهو اصطلاح مقصود به إصلاح المشكلات الأساسية في الاقتصاد بدلا من اللجوء للمسكنات المؤقتة، على أن تطبق تلك الإصلاحات تحت رعاية مؤسسات التمويل الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، للحصول على "شهادة ثقة" في نظامنا الاقتصادي المصري.

محمد جاد

موازنة مصر 2018.. الاقتصاد في خدمة الدائنين في مقابل كل جنيه ستنفقه الحكومة على الاستثمارات العامة، التي تستشعر آثارها عزيزي المواطن في خدمات مثل التعليم والصحة وغيرها، ستمنح الحكومة ثلاثة جنيهات أو أكثر قليلا لدائنيها، هذه هي الحقيقة التي تُظهرها بيانات مشروع الموازنة العامة 2017-2018.

محمد جاد