تطور فكرة التطور

أفكار

29  يوليو  2017

منذ اليونانيين القدامى حتى القرن الثامن عشر، وضعت الفلسفة الطبيعية وليست البيولوجيا كل الحيوانات والنباتات ضمن سلسة الوجود الكبرى (الله←الملائكة←الانسانية←الطبيعة←الشيطان←العدم). فبداية من أبسط النباتات يمكنك اقتفاء اثر النباتات صعودا فى سلسلة الوجود الكبرى وصولا إلى الحيوانات وإلى البشر فى نهاية المطاف. وقد صنف ارسطو مثلا الحيوانات الى حيوانات ذوات دم احمر وحيوانات ذوات دم غير احمر، وميز الحيوانات التى تلد عن الحيوانات التى تضع بيضا. وبشكل عام كان الاغريق متميزين فى التشريح أكثر من علم وظائف الاعضاء. بما يعنى انهم كانوا معنيين بملاحظة ووصف التراكيب بشكل أفضل كثيرا من الوظائف الحيوية.

وبينما تطور الطب قليلا فى الغرب اثناء عصور الظلام، فانه قد تقدم الى مستويات عليا عند العرب. وفى القرنين السادس عشر والسابع شعر عانت اوروبا من تخمة المعلومات. فقد طرح موضوع الحيوانات والنباتات والبشر المكتشفين حديثا عدة اسئلة عن قصة الخلق وما أعقبه من فيضان عظيم كما ورد بالكتاب المقدس. فمن اين جاء هذا الخلق الاضافى وكيف ينسجم مع النصوص المقدسة وسلسلة الوجود الكبرى؟ هل كانت قصة الخلق فى الكتاب المقدس غير كاملة؟ هل ارتكب الله أخطاء؟ هل ماتزال عملية الخلق مستمرة؟ هل الخلل الظاهرى فى الطبيعة يتناقض مع نظام نيوتن الميكانيكى العقلانى؟

لم تكن الاكتشافات الجديدة متناقضة بالضرورة مع الكتاب المقدس. فالمسيحية بالاساس هى ديانة عن التاريخ الانسانى، لكن لديها ايضا الكثير لتقوله عن التاريخ الطبيعى – وبخاصة عمر الأرض. وقد تم حساب عمر الارض بإقتفاء آثار الماضى من خلال تزمين الكتاب المقدس مع تعضيد ذلك بمصادر اخرى. وفى عام 1650 نشرت”حوليات العهد القديم” للاستدلال بها على البدايات الاولى للعالم. وقد جرى الاعتقاد أنه يمكن تحديد موعد الخلق بدقة فى يوم 23 اكتوبر 4004 سنة قبل الميلاد، مما يجعل عمر الارض أقل من 6000 عاما. وقد اصبحت تلك الحسابات أجزاء من النسخة الانجليزية المعتمدة للكتاب المقدس فى عام 1701 وبقيت كذلك حتى عام 1950.

فى هذه الاثناء لم يتم تناول التاريخ الطبيعى أو الجيولوجى – لكن المعانى المتضمنة فى تاريخه عن عمر الارض كانت مهمة جدا. وكل التغييرات فى خلق الله سواء فى انواع الحيوانات او الجيولوجيا، سيتوجب أن تكون قد حدثت بسرعة كبيرة عبر مدى زمنى ضيق. كارتفاع سلاسل الجبال الذى توجب أن يكون عنيفا وسريعا بشكل لايصدق. كان استخدام الكتاب المقدس لحساب عمر الأرض عملية ذهنية بحد ذاتها. ومع ذلك فقد طرح هذا السؤال الأساسى حول إذا ماكان الكتاب المقدس كتابا للتاريخ. إن نشوء علم الجيولوجيا الحديث ومن ثم البيولوجيا التطورية، قد تحدى ذلك الاافتراض بشكل درامى.

تعتبر البيولوجيا نتاجا للقرن التاسع عشر. لكن اول محاولة كبرى لعمل ترتيب ونظام للبيانات البيولوجية الهائلة التى جمعت منذ عصر كولومبوس قد بدأت بواسطة عالم الطبيعة وخبير علم التصنيف السويدى العظيم كارلوس لينايوس(1707 – 1778) جامع الطيور والنباتات. فقد عزم لينايوس العزم على استنباط النظام من تلك الفوضى الظاهرية. فطور نظاما لتصنيف كل النباتات والحيوانات قائم على تحديد أجناسها وانواعها، كما صنف النباتات والحيونات وفقا لتشابهها، آخذا ملاحظة خاصة عن اجهزتها التناسلية. وفى نظامه، تم تصنيف الانسان باعتباره: الشعبة–حبلى، الأميمة– فقاريات، التصنيف–ثدييات، الترتيب–رئيسيات، العائلة–شبه انسانى، الجنس–انسان، النوع–عاقل Species–sapiens.  ومن ثم فاننا نسمى هوموسابينز. (ملاحظة: لم يكن بالطبع قد اكتشف الحمض النووى، ولم يكن متاحا اجراء اختبارات الحمض النووى. وقد اجريت تعديلات عديدة على مخطط التصنيف هذا الآن.) واعتقد لينايوس ان العالم الطبيعى يجب ان يكون مرتبا ومنظما. وقد تمسك بأفكار الكمال والتعاقب والاستمرارية وخصوصا عدم القابلية للتغيير. لم يعتقد لينايوس فى البداية بأن الانواع قد تطورت او اى منها قد انقرض.

نشر عمل لينايوس لاول مرة عام 1735 كأحد عشر صفحة بعنوان نظام الطبيعة. وفى طبعته العاشرة عام 1758 اشتمل على 4000 نوع من الحيوانات واكثر من 7000 نوع من النباتات. ورأى لينايوس ان النظام (كتاب نظام الطبيعة – المترجم) كان تلخصيا لخلق الله. واعتقد ان كل الانواع يمكن اقتفاء اثرها للوراء إلى زوج أصلى خلقه الله. ومع تصنيف كل الانواع، تخيل لينايوس نفسه آدم ثان يعيد تسمية خلق الله. فقد أحب لينايوس أن يقول: الله خلق ولينايوس نظم.

اعتقد لينايوس ان نظامه يعكس افكار الله. ولاحظ الاختلافات بين الحيوانات البرية والمستأنسة، واعتقد ان الاستئناس كان مؤقتا فقط. وأنشأ حديقة حيوان جمعت كل الأنواع المعروفة (4200 نوع من الحيوانات). كما لو انه قد اراد اعادة انشاء زمن الخلق، صانعا حديقة عدن جديدة. وقدم لينايوس اسهامات عديدة للفلسفة الطبيعية، وشمل ذلك تصنيفه للبشر كأناس عاقلين. وبالرغم من حقيقة ان نظام تصنيفه كان قائما على فكرة عدم قابلية الأنواع للتغير، فانه قد ظل معيار لعلم التصنيف اليوم. لكن لينايوس قد تعجب من تهجين النباتات واذا ماكان كل شئ قد خلق من البداية. وتسائل اذا ماكان ذلك قد تم بفعل الزمن.

كان وليام بالى (1743 – 1805) فيلسوفا وموظفا كنسيا. كان تصنيف لينايوس البيولوجى مباركا فى اللاهوت الطبيعى لبالى (1802). ووفقا له فان النظام والتماثل فى الطبيعة يعكس تصميم الرب. وقد اشتهر بالى بمقولة:- كان كل شئ فى مكانه، وكان هناك مكان لكل شئ. فقد اعتقد بالى أن يد الله الخالقة يمكن ملاحظتها فى كل كائن. وكان هو من قدم تشبيه صانع الساعة. (اذا جئت بساعة من الغابة ملقاة على الارض، فهل ستصدق ان شخصا ما صنعها ام ان ذلك قد حدث مصادفة؟) فالنظام المتقن للطبيعة حجة على وجود الله. ووفقا لبالى، فان عين الانسان كانت هى التصميم الالهى الأكثر اتقانا. فالعين كانت المظهر النهائى بأن الانسان قد خلق على صورة الله.

كما اعتقد أنه قد وجد الاجابة على معضلة عصر التنوير. فكيف يكون ممكنا تحديد الأوامر الاخلاقية والمعنوية من قوانين الطبيعة؟ وقد ذكر أن النظام الطبيعى قد قضى الله بوجوده. وهو ما يعزز ان النظام الطبيعى كان فى تناغم معإراداة الله. وبهذا فإن الاخلال بنظام الله الطبيعى كان يعتبر شرا من الشرور، وما يفسد هذا التناغم يعتبر خطيئة. وكان هذا مفتاح التعليم الأخلاقى. فالتعليم الأخلاقى يشتق الأخلاق والقيم المعنوية من تلك الأفعال التى تعزز وتؤمن وتحافظ على النظام الطبيعى (او القانون الطبيعى). وهذا مثال لمفردات الثقافة النيوتنية التى استخدمت للدفاع عن الفلسفة الاجتماعية المحافظة.

كان بوفون (1707 – 1788) واحدا من أهم الطلاب الكاثوليك فى عصر التنوير. تعلم الرياضيات والفيزياء وكان متأثرا بنيوتن،وكان يعمل كحارس لحدائق الملك فى باريس.تصور بوفون نفسه اأه نيوتن الفلسفة الطبيعية، فحاول تصميم وصف تفصيلى للعالم الطبيعى بما يوحد علم كون وميكانكا نيوتن مع ملاحظات العالم الطبيعى، وما يشمله من حيوانات ونباتات ومعادن وجغرافيا ومناخ وهكذا. وقد عمل بوفون لأكثر من 35 عاما (من 1749 الى 1785) بمشقة على سفره الضخم (35 مجلد) بعنوان “تاريخ الطبيعة”، اتسم بالوصف التفصيلى والمفعم بالحيوية لتنوع الطبيعة الذى لايصدق. وقد تأثر بوفون جدا بالتنوع الكبير فى العالم الطبيعى، لكنه تبين نظاما وتناسقا أقل فى الطبيعة أكثر مما فعل لينايوس. وقد جادل بأن نظام لينايوس لم يكرر عقل الله، لكنه عكس خيال لينايوس بدلا من ذلك. حيث اعتقد أن الكائنات لها تاريخ، تاريخ طبيعى. وبمرور الوقت، سيتمكن المرء ليس فقط من اكتشاف التشابهات لكن ايضا سيتمكن من ان يضع التنوع فى اعتباره. عرف بوفون عن السجل الحفرى والاكتشافات الحديثة. فقد اكتشفت “الهوتينتات” فى نهاية القرن السابع عشر بجنوب افريقيا والتى كان يعتقد البعض انها حلقة وسيطة بين البشر والقردة العليا. وفى عام 1739، اكتشف عالم البيولوجيا تريمبلى”الهيدرا” وهى حيوان مائى بسيط كان ينظر له على نطاق واسع باعتباره الحلقة الوسيطة بين النباتات والحيوانات.

فى عام 1755 افترض ايمانويل كانط ان النظام الشمسى قد تكون من مادة انفصلت عن الشمس. وقد أحب بوفون تلك الفكرة لانها بدت متوافقة بشكل لطيف مع بنية الكون النيوتنية. فهل كان ذلك ممكنا، سأل بوفون، هل الأرض والنظام الشمسى قد تكونا من انفجار هائل ناتج من جراء تحطم مذنب فى الشمس؟. وبشكل عبقرى، قام بوفون باذابة بعض كرات الحديد وانتظر ليرى المدة الكافية لكى تبرد ويمكن لمسها، والتى كانت عدة ايام. واستنتاجا من بياناته، قام بوفون بحساب الوقت اللازم لكرة من الحديد بحجم الارض لكى تبرد بشكل كافى لدعم الحياة. وقد توصل لحساب رقم حوالى 74.000 عام. واعتقد ان الوقت ربما يكون اطول من ذلك.

كيف قام بوفون بالتوفيق بين ما وجده وبين قصة الخلق بخصوص كيفية خلق الله للأرض فى ستة ايام؟ فسر بوفون ذلك بان ستة أيام الخلق الموصوفة فى الكتاب المقدس لا تعنى بالضرورة ستة أيام اليوم فيها 24 ساعة. وبدلا من ذلك خمن بوفون أن الارض قد خلقت فى حقب هائلة، كل منها تتميز بغرض الهى للخلق.

وهكذا، بينما تبرد الأرض تدريجيا إلى الحقبة المعاصرة تتطور أشكال الحياة من الوحل اللزج البدائى إلى الأنواع الحديثة. فى الواقع لم يوضح بوفون بالتفصيل نظرية جديدة للتطور، لكن نظريته قد تحدت علم البيولوجيا غير التاريخى والساكن واللازمنى الخاص بأشخاص مثل لينايوس وبالى وذلك بطرح تاريخ فعال للأرض مما سيضع الأرضية الأولية لأصل الأنواع لدارون.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الخلايا الجذعية… مستقبل الطب على صناع القرار السياسي والمشرعين ضرورة التعاون مع مراكز الأبحاث المتخصصة ومؤسسات المجتمع المدني، من أجل التوافق على وضع الضوابط والمعايير التي تنظم أبحاث الخلايا الجذعية. ونقترح على المجتمع العلمي بضرورة إنشاء (هيئة دولية لأبحاث الخلايا الجذعية) برعاية الأمم المتحدة.

أيمن أحمد عياد

رحلة العلم (3/3)

أيمن أحمد عياد

العلم … والثورة

أيمن أحمد عياد

الخلايا الجذعية … رؤية مستقبلية العديد من الأدوية لها آثار جانبية خطيرة بشكل ما، مع أن المرضى الذين يتلقون دواء لمرض معين لا يعانون جميعامن تلك الأعراض الجانبية، وفي الحقيقة قد تكون هذه الآثار الجانبية نادرة جدا.

أيمن أحمد عياد