سبعة آلاف سنة سجن

قراءات

28  يوليو  2017

“من هو أول سجين في التاريخ؟ من الذي اخترع السجن؟  كيف كان شكل السجن الأول؟ هل هناك سجين واحد في كل العالم، في كل الأزمان، في كل السجون، قضى في السجن عامًا واحدًا أو أكثر، ثم عندما يخرج يكون هو.. هو؟” مصطفى خليفة.. رواية القوقعة .

مكان مغلق ومنعزل عن المجتمع، تحاوطه أسوار وأسلاك شائكة، لا تحبه الشمس، ولا هو يحبها، يتكون من غرف وعنابر متعددة المساحة والأحجام متواجدة فوق الأرض وتحتها، يقیم فیھا سجناء بأمر محكمة، أو بأمر حاكم، لارتكابهم جريمة ما؛ أو لانتماءاتهم الفكرية، أو السياسية؛ أو لمصادفة تواجدهم في محيط مظاهرة أو مؤتمر.

يقولون أن الهدف من بناء السجون ھو حماية المواطنين وحفظ الأمن  من سلوك المجرم المجرمين، وإعادة تأھیلهم اجتماعیًا وسلوكیًا؛ هم يقولون ذلك.  لكننا ندرك جيدًا أن السجون بنيت لأجلنا نحن، ونحن هنا عائدة على الذين يفكرون، ويكتبون، ويرسمون، ويحلمون بوطن أفضل، وثورة عارمة على أنظمة فاسدة.. 19 سجنًا تم بنائهم بعد ثورة يناير، في شرق مصر وغربها، في شمالها وجنوبها، لم يتم بنائهم إلا لنا نحن، أنا وأنت وكل السجناء السياسيين.

منذ دخلت السجن مكبلًا بالحديد والأمل، ورأيت وجوه العساكر السجينة التي تخضع لأوامر الضباط، طاردتني فكرة أن أول من أقام سجنًا في التاريخ كان مصريًا، ولم تكن لدي أدلة سوى أن هذا المكان العتيق المسمى “سجن أبي زعبل” ترك في داخلي شعورًا بأن السجون متعلقة بمصر.

لم لا؟ إن مصر من أقدم الحضارات في التاريخ، وبالتالي قد تكون أول حضارة في التاريخ تقمع مواطنيها، وتسجنهم، 7000 آلاف سنة سجن.

ما بال أولئك الذين اعتقدوا أن ملوكهم آلهة أسمى من البشر العاديين، فقررا أن يخضعوا لهم وينفذون أوامرهم ببناء أهرامات لا هدف منها سوى أن يتواجد أسفلها غرف منحوتة في الصخر لدفن جثث الملوك. هل علينا أن نصدق أن هؤلاء بنوا هذه الأهرامات دون تهديدات بسجن أو تعذيب؟!

كيف يمكن لشخص عادي أن يشارك في بناء أهرامات بهذه الضخامة من أجل ملك سيدفن فيها؛ ففي مصر نحو 70 هرمًا، أشهرها الأهرامات الثلاثة في الجيزة قرب القاهرة، هذه الأهرامات قد بنيت ربما بين عام 2690 و 2560 قبل الميلاد، لماذا؟! لدفن جثث الملوك!

غير معلوم للبشر من الذي ابتكر فكرة السجون، من الذي سمح لهم بأن أكون سجينًا؟ وهل كان يقصدني أنا ويعلم أني أكره السجون فأنشأها لي؟!.. هكذا سألت نفسي، ولا تتعجب من هذا السؤال، في السجن قد تسأل نفسك أسئلة غير عاقلة، وغير مجنونة، قد تسأل أسئلة لم تطرح عبر التاريخ؟ لكنها ستطاردك حتى بعد خروجك من هذا المكان؟ كما ظل سؤال السجن الأول في التاريخ يطاردني.

يروي البعض  أن أول من بني السجن في التاريخ هو النمرود في العراق، ويرى آخرون أنّ أول بيتٍ بُني ليكون سجنًا بناه علي بن أبي طالب؛ لكن كل هذه روايات دون سند تاريخي.

عرف السجن في الإمبراطورية الكلدانية 627 قبل الميلاد، وكان يوضع فيه أسرى الحروب، كما عرف عند اليونانيين في أثينا؛ وسجن فيها سقراط 30 يومًا في انتظار حكم الإعدام الذي أصدرته محكمة أثينية عام 399 قبل الميلاد، ويقال أن سجون اليونان كانت  تمتاز بالهمجية في أساليب التعذيب.

وعرف في الإمبراطورية الآشورية في بابل وكانوا يحتجزون الأسرى في الكهوف.

وفي الإمبراطورية الرومية  كانت السجون لها أهمية كبرى وتقول الروايات التاريخية أن في كل مدينة من مدن الإمبراطورية الرومية تم إنشاء سجن.

فماذا عن الحضارة الفرعونية؟

بعد خروجي من السجن؛ بدأت في مشروع كتاب عن السجن حاولت البحث في مراجع تاريخية عن أول سجن وأول سجان وأول سجين؛ لم أصل إلى اسم هذا الشخص الذي أنشأ السجن الأول في التاريخ، كما لم أستطع أن أصل إلى أول سجين.

لكن وجدت مؤرخين كتبوا عن برديات نادرة جدًا في العصور المصرية القديمة  تتحدث عن السجون في مصر، وعن أن السجون الفرعونية كانت مهمة  بالنسبة للحكام وللمحكومين. وكانت السجون الفرعونية يطلق عليها اسم “جتح” و “خنرت”.

بالمناسبة، يبدو أن الحكام هم من تحكموا في كتابة التاريخ الفرعوني، لذا سنجد أن كل النقوش الأثرية التي رُسمت على الجدران عبر كل العصور المختلفة لم تذكر السجون. حتى أن البرديات  التي تحدثت عن السجون لم تكن إلا رسائل من مساجين لأهاليهم يشكون فيها أحوال السجون السيئة. فقاعدة أن التاريخ يكتبه المنتصر كانت بدايتها من هذه الأرض الطيبة، مصر.

والسجون الكبيرة جدًا في مصر ليست عادة حديثة للحكام، فمصر تحب بناء السجون الكبيرة منذ القدم، وفي العصور الوسطى كان هناك سجن في طيبة اسمه “السجن الكبير” أو “خنرت” بمعنى الحبس.

وقد ذكر السجن في مصر في الكتاب المقدس “لماذا يوسف هنا في السجن؟‏ ذلك بسبب زوجة فوطيفار.‏

“يكبر يوسف ليصير رجلًا حسن المنظر،‏ وتريد زوجة فوطيفار أن يضطجع معها.‏ أما يوسف فيعرف أن هذا خطأ ولن يرتكبه.‏ فتغتاظ زوجة فوطيفار جدا.‏ ولذلك عندما يجيء زوجها إلى البيت تكذب عليه وتقول:‏ ذلك الرديء يوسف حاول الاضطجاع معي!‏ فيصدّق فوطيفار زوجته ويحمى غضبه على يوسف.‏ ولذلك يطرحه في السجن”. تكوين ٣٩:‏١-‏٢٣؛‏ ٤٠:‏١-‏٢٣‏.‏

السجن في القرآن أيضًا اقترن باسم مصر فقط،  وهذا أمر يرجح كفة أن أول سجن بني في التاريخ كان مصريًا. والسجن في مصر مرعبًا منذ بداية التاريخ، وهذا يظهر عندما تهدد امرأة العزيز النبي يوسف بالسجن أمام زوجها “مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ”.  ثم تعود وتهدده بالسجن أمام النسوة ﴿ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴾.

كما هدد فرعون النبي موسى به “لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ”.

والألم الذي يسببه السجن يظهر في قول يوسف للساقي الذي سجن معه “وحينما تخرج أخبر فرعون عني وساعدني لأخرج من هذا المكان.” تكوين ٣٩:‏١-‏٢٣؛‏ ٤٠:‏١-‏٢٣‏.‏

السجن في كل مكان وفي مصر على وجه التحديد يترك أثرًا في النفس مدى الحياة،  حتى أن يوسف بعدما خرج من السجن وحكم مصر قال: “وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ”.

على كل حال؛ وبعيدًا عن كون أول سجن بني في التاريخ مصريًا أم لا، إلا أن السجن في العصور المصرية القديمة كان هدفه انتقاميًا لأسباب سياسية أو دينية، وليس لحماية المجتمع، وأن العقوبات البدنية (التعذيب) عادة أمنية مصرية قديمة.

وقد نشرت  صحيفة dailymail صورًا لهياكل عظمية مجروحة من أيام القدماء المصريين فى أحد مقابر منطقة تل العمرانة بالمنيا؛ تظهر وحشية العقاب والتعذيب الجسدي لـ5 أشخاص، وذكر العلماء أن ذلك هو الوجه الآخر للفراعنة بالرغم من التاريخ العظيم الذي عُرف به عصر القدماء المصريين، وأن الأمن كان يستخدم صورًا مختلفة ووحشية فى بعض الأحيان أثناء التعامل مع العمال، مما يعبر عن الهمجية المتطرفة التي كانوا يعملون بها.

مصادر:

– السجون في مصر إبان العصرين البطلمي والروماني في ضوء أوراق البردي. للدكتور السيد رشدي محمد أستاذ مساعد التاريخ اليوناني والروماني

– السجون وتطور مفاهيمها عبر التاريخ. أحمد الشجيري

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

مؤخرات عظيمة

أحمد جمال زيادة

ذكريات أغسطس: عن الزنزانة والجلاد ومحمد السيد سعيد لم يمضي أكثر من أسبوعين إلا وأصبحنا مطلقي السراح تحتفل بنا نقابة الصحفيين وجمعيات حقوق الإنسان والأحزاب، بينما تمت إقالة زكي بدر بعدها بشهور.. لنواصل نحن الاجتهاد دفاعا عن حق الشعب، بينما يحفظ له التاريخ، و لامثاله، لقب الجلاد!

مدحت الزاهد

إحتفال من نوع آخر

أحمد جمال زيادة