الأب الصامت، ونصوص أخرى

فنون

25  يوليو  2017

حفلة عيد ميلاد

يحاصرني الوقتُ أينما ذهبت!

أعياد الميلاد تحولت لمنبه مزعج للغاية ينبهني لفوات الطموحات المفترضة المكتوبة في أجندة تربض بجانبي متحفزة كأستاذة متزمة بمدرسة راهبات تجالس تلميذة مراهقة لحضها على كتابة فرضها المدرسي.

في العام قبل الفائت، وحينما أطفئت زوجتي الأنوار لدقائق معدودة، تحولت الشمعة بتورتة عيد الميلاد لشرطي مرور -ذي ملامح باهتة- أشار لي بعصاه السوداء  كي أجتاز مرحلتي العمرية السابقة لمرحلة أخرى أكثر مملا.

في إشارة المرور أعطاني شرطي آخر -مع نظرة متجهمة للغاية- قائمة بمهام العام الجديد:

أربع مسئوليات اجتماعية زائدة، وامتناع عن عادة كنت أحبها صار سني الجديد لا يلائمها، والتوقف عن لبس قميصي المفضل ذي اللون الزاهي لإنه يبدوا عليّ شبابيًا أكثر من اللازم.

ظلوا هم يغنون أغاني مكررة، وأنا أهتف ملوحا بيدي أمام وجهي كالمجنون كي يبتعد الشرطي.

..

في يوم عيد ميلادي

أغلق حائطي الافتراضي.

أدعي المرض.

أختبئ تحت غطاء كبير للغاية.

أدس كل أحرف الغائط تحت أقدامي حتى لا تتسلل السنين الماضية إليّ كأشباح صغيرة دامية، تهتف في أذني بوسوسات مبهمة.

كل الشبابيك المفتوحة في منزلي تحولت فجأة لساعات حوائط كبيرة.

بعد منتصف الليل،

نعم. في هذا الوقت الملعون، الذي تهتف فيه بالنوم أن يغالبك، بلا فائدة. حينما يغط كل من حولك في سبات عميق، وتبقى أنت فيها صامتًا، جالسًا بلا حراك، تحاصرك وحدة ملعونة، وجوع لدردشة قاتلة. حينها تتحول عقارب كل تلك الساعات لثعابين استوائية، تزحف كلها إليك وأنت تتكئ على يديك محاولاً الابتعاد، بعد أن فقدت قدماك قدرتها على الحراك.

في عيد ميلادي الفائت.

صار لصديقي رأفت- الذي كنا نسخر من نحوله- كرش ضخم، فيما ظهرت لصديقنا الثالث صلعة كبيرة، ورأيت تلميذتي السابقة تحمل بطنا منتفخة، فيما يجر ثوبها من خلفها طفلتين كبيرتين، أما أبي فقد أصيب بداء الركبة، صار يكرر الحكايا كما يتنفس.

يقول لي صديقي الطبيب ” من طالت أدمغتهم الشيخوخة يفعلون نفس الأمر”.

أما أنا فقد ظهرت لي ثلاث شعرات بيض. أخشى من النظر إليهن كما أخشى النظر في التجاعيد التي ملئت وجه وعنق أمي.

..

أتساءل لماذا يحتفل الآخرون بأعياد ميلادهم؟!

الأب الصامت

ولدنا الأب ثم تركنا، هكذا تراجع كي يستريح.

يمتلك القدرة، لكن قدرته هذه لا تحمينا من الجيران الأسافل.

يظل إخوتي طوال الليل محاولين إقناعه أن يرحمهم من ذل الجيران، وقهر الأقارب، ودم أخينا المسفوك، ومتاع أمي المسروق.

الأب صامت لا يتحدث.

كأنه اكتفى بدور المراقبة.

كأن قدرته توقفت عند إنجابنا.
..
عندما اغتصب الجيران أختي  للمرة المائة، عندما صلبوا أخي الصغير في المخفر ..أحضر أخي الأكبر سجادة، وصلى ركعتين، كي يفيق أبي من غفوته.
أقول أنا : “ربما غفلته”
يلعنني إخوتي.

عندما لم يستجب أبي لاستغاثات أختي التي ينز الدم من فمها، وسوائل الرجال من بين قدميها، قدم إخوتي له عدة قرابين، ذبحوا حملا، عقروا جملا، أعطوا شحاذة عجوزا جوالين من الدقيق، ورطلا من السمن الأبيض.

وفّت أمي بنذرها وحلقت ضفيريتها الطويلتين. أحضرت ورقة وثقبتها بالمسامير، وحرقتها ثم انكبت تقبل أنامل أبي علها تتحرك.

رغم ذلك، ظل الأب صامتا.
في الليل- ويا للمفاجاة- وجدنا على وجه أبي ابتسامة ساخرة، وتحت قدميه الكبيرتين، رقعة من جلد الحمل المذبوح مكتوب فيها:

” يا أولاد القحبة، هل معنى أن أنجبكم، أن أرضعكم؟!
أن أسير النوم لأسِّرتكم؟!
يبقى إذن أن تدعوني كل ليلة كي أعاشر الزوجات عنكم..
يا أولاد القحبة..صدر أخيكم الراعي مثقوب برصاص صنعه أخيكم الحداد”
” يداي هما قدري ومعرفتي، لكن قدركم مع الأسافل تصنعه أياديكم التي أمست بفعل استئناس الخوف ناعمة كأيدي الصبيّات في الخدور”
“حاكم القرية الملعون، في العهد الأول كان خفير الحقل، يرتضي من أجدادكم الأمر والنهي، والإحسان والإساءة، يقبل الخدمة بحفنة من القمح، ويلهج من أجلها لهم الثناء والشكر. ثم نسى الناس مع الوقت بسبب الرغد مهنته، وصار حاكم القرية لإنه أمين المخازن، والقابض بيديه على مدفع قدمه له كبار القرية كي يحرسهم عندما سكروا في عيد الشكر”
“يا أولاد القحبة.. شجرة الشوك الملعونة، لا تسقطها الأدعية، لكن يسقطها منع مجرور الماء عنها، المظالم لا تُرفع لي، وإنما تُرفع على المناجل الملقاة في مخازن التبن.”

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

رجل فخم – الاجتماع (قصتان) هؤلاء يجب أن يعملوا في عصابة داخل وزارة المالية. أو هيئة البورصة. أو واحدة من هذه الهيئات التي يعمل فيها الوحوش والقتلة ومصاصي الدماء.

خالد الخميسي

عيون الحديد احتاج الأمر إلى ثورة 68، أو انتفاضة 68، قبل أن يقنع الحكام أهل أوروبا أن الثورة سيئة، وأن السلاح سيئ. هكذا رضي الأوروبيون وأحفادهم عابري المحيطين الأطلنطي والهندي، بنظام جاء إليهم بانهيار الأسواق في 2008، قبل أن يبدأ هو نفسه في الانهيار عبر أدواته ذاتها، عندما صعد ترامب، يحمل فراء القطط شعرا فوق رأسه، إلى سدة الإمبراطورية الرومانية الجديدة، حيث استبدل النظام عيون الحديد بعيون العسس، مستحضرا القوة من غياب مخاتل.

محمد علاء الدين

مقاطع من الخميس الدامي لما إنْكَسَر عرابي من على الحصان لا انهدّ حيل الخيل، ولا قَلِّت الفرسان ولا كتاب النيل فى ليل اتقفل والدم سايل لسه ع العنوان

زين العابدين فؤاد

ما بين الأدب والصحافة أحد سبل الهروب من آلام الصحافة كان من خلال العمل في قسم الإخراج الصحفي، الذي – على حد تأكيده – منحه حرية أن يعمل ككاتب رأي، يكتب عمودا من حين لآخر في نفس الوقت الذي اجتهد فيه سرا على تطوير محاولاته الأدبية. "كانت الفروق بين الصحافة والأدب تتكشف أمامي تدريجيا؛ فروق تتعلق بالمتطلبات النفسية والحياتية لكل منهما بما يجعلهما أقرب إلى العداء.

نورهان توفيق