مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (3)

قضايا

24  يوليو  2017

 لقراءة الجزء الأول

لقراءة الجزء الثاني

لا أعرف على وجه التحديد متى بدأنا نطلق على المعارضين السياسيين بمختلف أطيافهم، ويطلقون على أنفسهم، لفظ “النخبة”، وأظنه استخدام لغوي فريد من نوعه ربما تختص به بلادنا عن دونها من بلدان المعمورة، حيث لفظ النخبة (أو الإليت) يطلق عادة على كبار رجال الدولة والمال وليس بالتأكيد على المهمشين من أفراد وجماعات. مما لا شك فيه هو أن “النخبة” هي الابنة الشرعية بامتياز للعهد المباركي، أي العهد الأكثر ركودا وبؤسا وخواءً سياسيا وفكريا في تاريخ مصر الحديث.

حاولت في مقال سابق: ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري” استعراض بعض ما أعتقد أنه خصائص جوهرية للنظام السياسي المباركي ومجاله السياسي، ربما كان من المفيد تلخيص أهمها هنا في نقاط موجزة استئنافا للنقاش:

1-               التحول الشامل من السلطوية الشعبوية للعهد الناصري إلى الأوليجاركية بعد التمهيد الانتقالي الحافل بالاضطرابات للعقد الساداتي، وهو ما شكل اعلانا صريحا من البرجوازية المصرية عن زهدها التام في السياسة وتفضيلها القاطع لنسج علاقات الشراكة مع البيروقراطية مباشرة ومن وراء ظهر المجال السياسي وعلى حسابه، ومن ثم تفريغ ذلك المجال من أي مضمون حقيقي وتحويله إلى محض ديكور خاو وكاريكاتوري.

2-               موجات الهجرة إلى النفط تشمل الملايين وتلعب دورا فادحا في تذرير الطبقات الكادحة في المدينة والريف وتقويض وعيها الطبقي وميلها للتضامن، كما تلعب دورا فادحا آخر يتشابك مع سياسات الخصخصة و”تحرير” السوق بما يؤدي إلى استفحال الطابع الريعي للاقتصاد المصري على حساب الصناعة والزراعة، وهو ما يعمق الطابع الأوليجاركي لنظام الحكم من جهة، ويزيد من إضعاف وتذرير الطبقات العاملة من جهة أخرى، لتصبح المضاربة ونهب الدولة قوانينا حاكمة لبنية وآليات إعادة انتاج الطبقة السائدة من فوق، ولتفرض طابع التهميش ومختلف صنوف الاقتصاد غير الرسمي على الطبقات المسودة من أسفل.

3-               الصعود الجامح للأيديولوجية الدينية ومعها الحركة الإسلامية، وكلاهما وثيق الصلة بتذرير الطبقات العاملة، وباستفحال الطابع الريعي للاقتصاد وما ارتبط به من اتساع هائل في نطاق الاقتصاد غير الرسمي، وشيوع ثقافة “تلقيط الرزق” وموجات الهجرة للنفط، وفوقها جميعا حاجة النظام والبرجوازية السائدة لسد الفراغ الأيديولوجي الفادح المصاحب لتحلل وانهيار الشعبوية الناصرية، بل وميراث “النهضة” الوطنية كله منذ القرن التاسع عشر، والتي تشكلت في اطارها القومية المصرية الحديثة. ومن المهم للغاية في هذا السياق التمييز الواضح بين صعود الحركات الإسلامية المعارضة، سياسية أو إرهابية، “معتدلة” أو “متطرفة” ومختلف حلقات “اللعب” بينها وبين النظام الحاكم، من جهة، وطغيان المكون الديني للأيديولوجية السائدة ليشمل المجتمع بأسره، من أعلى قمم أجهزة الدولة والبرجوازية حتى أسفل السلم الطبقي، من جهة أخرى.

4-                تمرس النظام المباركي بسياسة “القمع الانتقائي”، بل وبراعته فيها، وقد خرج من رحم حماقة “أزمة سبتمبر” مستوعبا لدروسها، حين قام السادات باعتقال أكثر من ألف شخصية سياسية ودينية وفكرية شملت من بين ما شملت محمد حسنين هيكل وفؤاد سراج الدين “باشا” وفرض الإقامة الجبرية على بطريرك الكنيسة القبطية. وتمثلت سياسة القمع الانتقائي في معادلة بسيطة: قمع مخفف على “المثقفين” أو “النخبة” ودولة بوليسية مطلقة العنان ولا تحدها حدود في مواجهة الطبقات الشعبية. ومن المهم في هذا السياق ملاحظة دور الإرهاب الديني في عقد التسعينات بشكل خاص في إطلاق أشرس نوازع أجهزة الأمن وأكثرها وحشية ودموية في البطش بلا حدود، لتصبح الهجمات على قرى وأحياء بأكملها، وما يصاحبها من تدمير وإهانة وتعذيب وقتل مظهرا روتينيا من مظاهر تعامل قوى الأمن مع الفقراء عموما، سواء في وجود عمل إرهابي أو في غيابه. وغني عن الذكر ما لهذا من أثر بعيد المدى في إعادة إنتاج وتعميق الفجوة بين “النخبة” من جهة والطبقات الشعبية من جهة أخرى.

5-               مظهر آخر من المظاهر المتنامية خلال العقود الثلاثة المباركية، سبق لي الإشارة له في مقالات سابقة، هو انحطاط الصراعات السياسية لتصبح صراعات أيديولوجية صرف، وهو من النتائج المحتمة لسحق المجال السياسي. وفي غياب السياسة (المجال الوحيد لاختبار الأفكار ولبلورتها ولتصارعها الحي) تتحول الصراعات الأيديولوجية لصراعات عقائد، وبمعنى آخر لصراعات دينية. ولعله بديهيا أن الكاسب في صراع ديني بين دين سماوي وأديان أرضية سيكون لمدعي تمثيل دين الله تعالى نفسه وليس أديان ماركس وتوني كليف.

ربما كان من الواضح تماما التشابك العميق والتأثيرات المتبادلة بعيدة المدى بين الملامح السابقة للعهد المباركي وفيها تتعدد الأسباب والموت واحد، وهو موت كل سياسة، ليتحول التنظيم السياسي إلى جماعات وشيع عقائدية ولمنظمات “أهلية”، وليخبو، حتى يكاد ينقرض، الدور الحاسم للممارسة في تشكل الوعي والخبرة السياسيين، ويتكرس انفصال الجماعات السياسية عن الطبقات الشعبية، بينما تتحلل وتندثر تشكيلات ومنظمات الكادر القديم، وتنشأ أجيال ومنظمات جديدة لا تعرف من النضال السياسي اليومي غير النذر اليسير، ولا تعرف من قضايا الاستراتيجية والتاكتيك غير ما تقرأه في الكتب، وتحتل صراعات “النخبة” وتحالفاتها وانشقاقاتها وائتلافاتها صدارة ما يبدو مشهدا سياسيا، وهو في واقع الأمر تمثيلا للسياسة حيث تدور “النخبة” حول نفسها، والنظام يتعامل معها بمبدأ “خليهم يتسلوا”.

ولا يقل أهمية عن كل ذلك، استحكام واستفحال ذهنية “إيقاظ الجماهير”. فالشعب نائم أو مضلل أو جاهل أو كلها معا، ودور “النخبة” هو إيقاظه وتوعيته وتثقيفه. حقا، لم تكن مثل تلك الذهنية وليدة العهد المباركي، بل تمتد جذورها بعيدا في الزمان، كما سنسعى لنبين أدناه، ولكنها وصلت لذروة مفزعة في العهد المباركي، حتى كاد يقتصر دور “النخبة” أو “الطليعة” أو “الجماعة الثقافية” – سمها ما شئت –على استخدام الأجساد والحناجر سبيلا لكل من الإيقاظ والتوعية. ولعل الكثير من القراء يتذكرون كم كانت تلتهب الحناجر، من شرفات هذا المقر الحزبي أو ذاك أو هذه النقابة المهنية أو تلك، توصيلا “لصوتنا للجماهير”، وكم كان حاميا متوقدا ذلك التوق الجارف “للنزول إلى الشارع”، إلى أن جاء العقد الأول من القرن الحالي، والأخير من حكم مبارك، لتفسح السلطات الحاكمة “الشارع” في أحيان وتبطش به في أحيان أخرى، وفي الحالتين “النخبة” أجساد وحناجر، وتضحيات جمة، في رهان متواصل على أن “تسلم الجرة” ويستجيب الشارع للحناجر النخبوية ويستيقظ منتفضا.

بدت الثورة المصرية كما لو كانت تأكيدا لذلك الدور الإيقاظي للنخبة. لكنها لم تكن كذلك، بل ومن المدهش أن ذهنية النخبة قاومت نهوض الملايين فاستنكفت عن مساعدتهم على تنظيم أنفسهم وبلورة وصياغة صوتهم المستقل، فبدا أنها لم ترى فيهم إلا مجالا لتوسيع صفوفها هي نفسها، أي أن ترتقي بنخبة المئات لنخبة الآلاف. أما التظاهر والهتاف في الشارع فقد تحول بدوره، وبعد انتصار الثورة المضادة، إلى ما يشبه العمل الانتحاري، ليقدم أكثر شباب الثورة إقداما وبسالة، المرة تلو الأخرى، أنفسهم أضحية لمسعى “إعادة” إيقاظ الجماهير، وقد بدا أنها عادت إلى حالة النوم والجهل والتضليل.

ولعلي أضيف تحفظا مهما، سمعته من الكثير من شباب الثورة، وهو ينتمي لبعد أخلاقي ونفسي يفيض بالنبل ولكن يؤكد بدوره وهن السياسة في الثورة المصرية التي انفجرت بعد ثلاثة عقود من التصفية المباركية لكل سياسة، وهو الماثل في التضحية بالنفس وفاءً للأصدقاء ورفاق الثورة الذين سقطوا ضحايا الرصاص والاعتقال والتعذيب. لا يسعك غير أن تحني رأسك احتراما واجلالا لهذه الروح النبيلة، ومن منا – شبابا وشيوخا – لم يشعر بما يطلق عليه علماء النفس “بذنب الناجين” أو (Surviver’s guilt).

ولكنها تبقى برهانا مجددا على فقر السياسة وعلى أن المباركية، وإن لم تحول في نهاية المطاف دون انتفاضة شعبية عظمى شارك فيها الملايين بنبل وبطولة واستعداد هائل للتضحية، قد أنشأت مع ذلك أجيالا غير مستعدة بعد للمهمات التي ألقتها ثورتهم نفسها على عاتقهم؛ أجيال منفصلة من الناحية الأساسية عما سبقها من تراث نضالي، لم تقرأه أو تعرفه، ومثقلة مع ذلك بما ورثته وخبرته من تمايز “المثقفين” واستعلائهم، وأوهامهم عن انفرادهم بمعرفة “مصلحة الشعب والوطن”، فيما اصطلح عليه مؤخرا بالـ”نشطاء”، فيستبدل التنظيم الجماهيري (حتى والملايين في “الشارع”) بمبادرات النشطاء، أو “النخبة”، ويستعوض عن غياب التدرب على الاستراتيجية والتاكتيك بالإلتزام الأخلاقي بكل ما فيه من نبل وبطولة واستعداد للتضحية، ويكتفى بالمبادئ العليا بديلا عن التفكير الاستراتيجي، وببطولات ومبادرات مواصلة الاحتجاجات حتى النهاية بديلا عن التاكتيك وحسن ادراك طبيعة “اللحظة الراهنة” (أين نصوب وكيف؟).

فلم تكن “النخبة” وتكلسها هي المظهر الوحيد المهم لتداعيات العهد المباركي الكؤود وآثارها على الحركة السياسية، فمنها، وفي مواجهتها، ينشأ مع الألفية الثانية جيل ثائر، بطولي، نبيل، يتميز باحتقاره أو نفوره من السياسة والسياسيين، بعد أن تربى في عهد شبه السياسة وزيفها؛ ينظر باسترابة وشك لكل من يطرح على نفسه دورا قياديا بعد أن تفتح وعيه على مجال سياسي وهمي قانونه الأساسي هو المصالح الخاصة، فردية كانت أو حزبية، فصارت السياسة في ذهنيته مرادفا للانتهازية والوصولية وفي أحسن الأحوال، الاستحواذ؛ أبدع في تنظيم الاحتجاجات ولكنه وجل من تطويره لتنظيم الارادة السياسية المحققة للاحتجاج، حيث رأى فيها ساحة للاقتناص والخداع والاستحواذ؛ هو شديد الشك في النخبة السياسية الموروثة عن العهد المباركي، ومع ذلك يرث تمايزها واستعلائها وادراكها لذاتها كأداة لإيقاظ “الجماهير”، وكحامل لمعرفة متميزة حقيقية وأخلاقية هي الخلاص بعينه، تتحقق عنده بمواصلة الاحتجاج بأي ثمن، وبالمبادرات الاحتجاجية بمختلف صورها، وبالتضحية بالنفس. فكانت المفارقة الكبرى أن ترتب على كل ذلك الوجل والحذر من الاقتناص، والاستنكاف عن ملئ المجال السياسي الزاخرالذي أقامه ذلك الجيل بنفسه من أسفل، في الشوارع والميادين، فتركه نهبا للقوى السائدة بتنوعاتها الدينية و”المدنية”، من داخل أجهزة الدولة ومن خارجها.

فلاش باك 1: إنعراجة للأصول

دعنا هنا نعود في الزمن بعض الشئ. فما تبلور وتكلس في العهد المباركي تحت مسمى “النخبة” وتداعى في لحظة الثورة بين “نخبة سياسية” تجل الدولة و”نشطاء ثوريون” يمقتون السياسة، لم يكن نبتا شيطانيا تماما، بل تمتد جذوره في عمق تاريخنا الحديث، ولعلها تعود إلى ما سمي بعصر التنوير أو النهضة في مصر والمشرق العربي والمخطط المحفوظ معروف للكافة، تعلمناه ونشأنا عليه جميعا منذ نعومة أظافرنا: صدمة الحملة الفرنسية توقظ مصر والمشرق العربي من غفلة طويلة المدى، محمد علي باشا والبعثات الأوروبية تكرس كل من الصدمة والإفاقة، محمد عبده (“رأيت في أوروبا إسلاما بلا مسلمين وفي بلدنا مسلمين بلا إسلام”.) والأفغاني، ومن معطفيهما يخرج الجميع: علمانيون ونصف علمانيون ودعاة إحياء ديني. والسؤال هو هو: كيف نهض الغرب وأنحط المسلمون؟

وهو سؤال بلا قيمة في واقع الأمر، لكنه شغلنا بكل مدارسنا الفكرية والسياسية لمدة قرنين من الزمان، وما زال. السؤال مستبطن من الاستشراق الأوروبي، وهو كما أوضح ادوارد سعيد مرارا لا ينتمي لحقل الدراسات الاستشراقية وحسب (وفيها الكثير الثمين بالفعل)، وإنما شكل عنصرا جوهريا من عناصر إدراك أوروبا الرأسمالية لنفسها، وقد نشأ في تنافس وصراع ضاري مع الإمبراطورية العثمانية وقد وصلت جيوشها لحدود فيينا، فخرجت علينا بقصة الحضارات المتعاقبة، كل حضارة بجوهرها الثابت الضارب في التاريخ، وهو ما شمل بالضرورة إعادة كتابة متوحشة لتاريخ البشرية نفسه، فتُفصل اليونان القديمة عن محيطها الأوسطي، وجذورها الفعلية في جنوب المتوسط ومشرقه، وتمد خيطا مصنّعا بينها وبين عصرها التنويري والعقلانية جوهرها، وهي، وإن وجدت من المستحيل إنكار دور العرب المسلمين في تصدير العقلانية لأوروبا الحديثة، فقد حولتهم لسعاة بريد التاريخ، حملوا رسالة من مهد وطفولة “الحضارة الأوربية” ليسلموها لأوروبا اليافعة، فينكر التراث العقلاني عند العرب والمسلمين ويطمسه تماما، ويختزل دورهم لمجرد مترجمين وناقلين، وتستغرب أن قليلا منهم ومنا قد سأل: ولماذا ترجموا؟

ليس هذا موضوعنا على أية حال، وأتمنى أن تتاح لي فرصة الكتابة فيه تخصيصا وليس عرضا. ما استهدفته هنا من هذه الانعراجة هو تبيان بعض خصائص نشأة وتشكل فئة الأفندية المصاحب للتحديث رأسمالي الطابع في بلادنا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، فهذه الفئة، وقد انحدرت أغلبيتها من بين أثرياء ومتوسطي الفلاحين، تنشأ منذ اللحظة الأولى شديدة الاغتراب عن أهلها، سواء أتيح لأفرادها التعلم من خلال البعثات الأوروبية، أو فيما أنشأته مرحلة التحديث من مدارس (تحولت فيما بعد إلى جامعات) على النمط الأوروبي، تصوغ مفهوم الأمة المصرية والشعب المصري، ولكنها أمة (مثلها ككل الأمم الحديثة) متخيلة بأكثر كثيرا مما هي صانعة لنفسها، تستدعي أمجاد الماضي، فرعونيا كان أو اسلامي أو كلاهما معا، في مواجهة حاضر قوامه التخلف والتأخر والضعف، وشعب يسوده “الفقر والجهل والمرض”.

ولعلي أوضح بشكل قاطع انني لست هنا بصدد لوك أو إعادة إنتاج قصة “التغريب”، وخرافات “النخبة المستغربة” والشعب المسلم الذي يعود لأصله بعد لأي مع “الإحياء الإسلامي” في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وجلها بالمناسبة من انتاج الأكاديميا الغربية (وبالأخص، وفي مفارقة بالغة الدلالة، من انتاج صهيوني متطرف وجاسوس بريطاني مخضرم، هاجر إلى أمريكا واستُقبل استقبال الفاتحين، وهو المستشرق ذائع الصيت، برنارد لويس). استبطنها الكثيرون من بيننا كما استبطنا خرافات الجوهر العقلاني للـ”حضارة الغربية” والجوهر الروحي لـ”حضارتنا الاسلامية-الشرقية”. فليس ثمة “أصالة” حضارية أو ثقافية عندنا أو عند غيرنا، وكل من المفهومين مزيف ومضلل، فالحضارة الانسانية واحدة منذ القدم، والهوية الثقافية ما هي إلا عملية تصنيع واعادة تصنيع ممتدة في الزمن ووثيقة الصلة دوما باستراتيجيات سياسية وقوى اجتماعية مهيمنة أو ساعية للهيمنة.

ما قصدته من هذه الإنعراجة، وتبدو خارج موضوعنا، هو الكشف عن تعقيد إضافي لتعقيدات العلاقة بين فئة “المثقفين” و”الجماهير” في كل مكان، والكامنة في صميم نمط الانتاج الرأسمالي، متخلف كان أو متقدم. أفندية أو مشايخ، الكل أبناء صدمة “بونابرتة”، والكل خارج من معطفي محمد عبده والأفغاني، والكل مدفوع بالحنين الجارف لماضي مجيد، والمقت الرهيب لحاضر تعس، والهم الطاغي عند الجميع هو “مصر القوية” (مع الاعتذار للحزب بهذا الأسم). العلمانيون وأنصاف العلمانيين يريدون إيقاظ الشعب من غفلته ليأخذ بأسباب “الحضارة الأوروبية”، والمشايخ يبتغون انتشاله من الجهل والبدع والخرافات واستعادته لأصول الدين الحنيف، سبيلا لاستعادة أمجاده الغابرة. وفي الحالتين “الشعب” ليس فاعلا ولكن مفعول به، موضوع للإستنارة أو الاستتابة. وهو في كل الأحوال كتلة غائمة لا تمايز فيها ولا وعي خاص وتجربة معاشة، والأهم، هو موضوع للإيقاظ وللتعليم والتربية على أيدي “النخبة”، مثقفة كانت أو عارفة بصحيح الدين.

ويبقى أن هنالك ما هو أهم من ذلك كله، وهو صياغة تلك “الجماهير” الغائمة كموضوع للإستعمال، لمصلحة الوطن أو الحزب أو التيار أو النظام، فأنت كـ”نخبة” أعرف منهم بالصالح العام، للأمة أو الشعب أو الدولة أو الطبقة، وما تحتاجه منهم هو قوتهم المادية كجماهير غفيرة، كأجساد في الشوارع والميادين أو كأصوات في الصندوق الانتخابي. ولكنك سرعان ما تتبين أنهم ليسوا طوع بنانك، ولا يسمعون صوت هتافاتك إلا عندما يريدون.

في بداية ثورة 19 كان هناك من يحذر الأفندية الثائرين من مغبة فوضى “الدهماء”، ولكن لو لم يكن للدهماء لما كانت هناك ثورة، لا في 1919 ولا في 2011.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة ليست السطور التالية مقالا تقليديا عن الطائفية وأسبابها، بل هي مزيج من تأملات وانطباعات ذاتية، وقراءة من وجهة نظر علم النفس وعلم الاجتماع، وتلخيص لنقاشات موسعة داخل الحركة الديمقراطية، أتمنى أن تكون مفيدة في إثراء النقاشات حول الموضوع.

سالي توما

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (3) لم يكن الفريد في التجربة المباركية هو طابعها الأوليجاركي ولكن في طغيانه الشامل إلى حد أن ابتلع كل شئ حوله، حد أن أخضع وأعاد صياغة كافة مكونات وعناصر الدولة الرأسمالية الحديثة على صورته، وفي انه لم يضعف المجال السياسي ويهمشه ولكن قضى عليه قضاءً تاما، محاه من الوجود.

هاني شكر الله

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة هناك مجموعة من الخطوات الأولية التي يجب إتباعها قبل الشروع في الحديث عن كيفية المواجهة، أولى تلك الخطوات تتعلق بالتعرف على سياق التفجيرات، وثانيها متعلق بالتعرف على العقل السياسي للجماعة المتبنية للحادث، وثالثها مرتبط بالتعرف على الأهداف الخفية من وراء تلك الأحداث، وخامسها مرتبط بالإجابة عن سؤال هل هناك طائفية بمصر؟

محمد مختار قنديل

الفصل التاسع من كتاب (الاقتصاد المصري في القرن الحادي والعشرين) يستعرض هذا الفصل أهم الدراسات والبيانات التي تعطي صورة أفضل عن شرائح أغنى الأغنياء في مصر. كما يعرض لأهم السياسات التي تبنتها الحكومات المصرية خلال القرن الحادي والعشرين (ومن قبل ذلك أحيانا)، والتي عادة ما تؤدي من ناحية إلى تزايد تركز الدخل والثروة في يد أقلية من المواطنين، ومن ناحية أخرى إلى دفع المزيد من المواطنين إلى ما دون خط الفقر. أي زيادة حدة اللا مساواة.

سلمى حسين

الغذاء والزراعة والتغير المناخي قال ماركس إنه يمكن وجود زراعة عقلانية، لكن ذلك يعني تغييرا في نظم الإنتاج والملكية. ففي ظل الرأسمالية، "بدلا من التعامل الواعي والعقلاني مع الأرض باعتبارها ملكية جماعية دائمة وشرطا لا غنى عنه لوجود واستمرار سلاسة الجنس البشري، نجد استغلالا وإهدارا لقوى الأرض".

مارتن إمبسون