من يناير إلى يوليو: قراءة في ثورة ودولة يوليو بمناسبة مرور ٦٥ عامًا على انقلاب الضباط الأحرار(١)

قضايا

22  يوليو  2017

بعد اندلاع ثورة يناير، وحتى بالرغم من هزيمتها، لم يعد ممكنًا النظر إلى ٢٣ يوليو ١٩٥٢ إلا انطلاقًا من الحكم الذي أصدرته يناير عليها وعلى مجمل التاريخ السياسي والاجتماعي المصري في الستين عامًا التي سبقت حدوثها.

قد لا يدرك كثيرون هذه الحقيقة، لكن واقع الحال أن وعي أغلبية المشاركين في يناير كان يُنشئ التصورات عن مضمون تلك الأخيرة قياسًا إلى مرجعية يوليو:القسم القومي والستالينيمن القوى المدنية اعتبر يناير فرصة لعودة دولة يوليو إلى أصلها الطاهر بعد أن أفسدتها تحالفات سلطة مبارك مع طبقة البيزنس الطفيلية؛ القسم الليبرالي من تلك القوى نفسها اعتبر يناير فرصة لإصلاح دولة يوليو بما يحقق مزيجًا منسجمًا بين وطنية مدجّنة وديمقراطية ليبرالية كتلك التي عاشتها بلادنا في المرحلةمن ١٩٢٣ إلى ١٩٥٢؛ نفر قليل من الإسلاميين الحضاريين، على رأسهم طارق البشري، اعتبر يناير هزيمة لمشروع شخصنة الدولة المباركي وعودة لأصلها الوطني على يد الجيش، مؤسس مشروع دولة يوليو الوطني، لكن هذه المرة مع إدماج الإسلاميين في معادلة الوطنية المصرية؛ أغلبية الإسلاميين رأت في يناير فرصة للتخلص مرة وإلى الأبد من دولة يوليو العلمانية، بعد أن فشلت من وجهة نظرهم أحداث بجسامة هزيمة يونيو ١٩٦٧ وهجوم السادات الشرس على الناصرية ومكتسباتها في تحقيق هذا الهدف؛ أما المجموعات الشبابية الراديكالية التي دافعت عن استمرارية الثورة في الشوارع والميادين،فقد كثُر الحديث بينها عن اعتبار يناير فرصة لا تتكرر لتسوية الحسابات مع دولة يوليو التي تعفنت ولم يعد لوجودها مبرر تاريخي.

يوليو إذن كانت المرجعية الأولى لإنشاء التصورات عن يناير، وهذا طبيعي. فالمنخرطون في ثورة حالي ة لا يفكرون في ثورتهم فقط انطلاقًا من أحلامهم وآمالهم المستقبلية، وإنما كذلك ينشغلون بقراءة علاقتها بآخر ثورة كبرى عاشتها بلادهم.شبح الثورة السابقة يطارد الثورة الحالية في وعي صناعها. إذ يعقد هؤلاءالمقارنات ويسوون الحسابات، ويختلفون حول الماضي وميراثه، بالضبط لأنهم يتصارعون حول المستقبل.

هزيمة ينايرتدعونا بإلحاح أكبر لقراءة يوليو من مواقعنا الحالية. فالهزيمة تعني من ضمن ما تعني انتصار بقايا يوليو – أو ربما كما يرى البعض انتصار من شوهوا يوليو – على المستقبل الذي كان يمكن أن يمنحه لنا يناير. فلا شك إذن أننا نحتاج الآن إلى تسوية الحسابات مع حدث ١٩٥٢ الفاصل الذي يخيّم على حاضرنا وتهزم دولته الباقية أحلام مستقبلنا.

في هذه السلسلة المكوّنة من ثلاثة مقالات أحاول تقديم قراءة لـ”يوليو” انطلاقًا من “يناير” الثورة/الفرصة والهزيمة/المأساة. هنا أسعى للإجابة على ثلاث أسئلة كبرى لا شك أن محاولة التفكير في إجاباتها ستساعدنا على تحديد أين نقف الآن وكيف يمكننا أن نتحرك صوب المستقبل. السؤال الأول هو ما الذي صنعته يوليو بالضبط وكيف؟ السؤال الثاني هو لماذا استمرت يوليو حية حتى اليوم ولماذا فشلت يناير في تسوية الحسابات معها؟ والسؤال الثالث هو ما هي إمكانيات وسبل وسيناريوهات الخروج من أفق يوليو؟

تبلور الأزمة المصرية قبل ٥٢

في مقال له في ٢٠١٥انتقد المؤرخ الماركسي نيل ديفيدسون تعريف القائد البلشفي ليون تروتسكي للثورة بوصفها “حدث سمته التي لا خلاف عليها هي التدخل المباشر للجماهير في صناعة التاريخ”. انتقد ديفيدسون محدودية هذا التعريف “الذي يستبعد معظم الثورات البرجوازية” التي أحدثت تغييرات جذرية في طبيعة السلطة والمجتمع “دون أن تتدخل الجماهير في صناعة التاريخ”.

إذا عرّفنا الثورات بأنها تغيير جوهري في شكل السلطة أو في الطبقات المسيطرة في المجتمع، فإننا نجد أن كثيرًا من الثورات تحدث من وراء ظهر الجماهير. هذا بالضبط ما يدعو إلى التفرقة بين الثورة من أسفل والثورة من أعلى. فالأولى هي تلك التي يشير إليها تروتسكي، حيث تتدخل الجموع، بالملايين، في مجريات الأحداث، وحيث تُصنع السياسة في الشوارع ومواقع العمل ومن وراء المتاريس. والثانية هي تلك التي تبدأ من إمساك جماعة منظمة ما بجهاز الدولة دون الحاجة إلى الدخول الهادر للجماهير إلى مسرح الأحداث.

ثورة يوليو ١٩٥٢ من النوع الثاني. فوصفها بالثورة لا يستند إلى الطريقة التي تم بها تغيير السلطة، فهي بالمعنى التقني انقلاب عسكري ولا شك، وإنما إلى الطبيعة الجذرية للتغيير الذي أحدثته في السلطة والمجتمع. وإذا جردنا يوليو من كل تفاصيلها فإن الذي سيبقى هو جوهر طبيعتها: محاولة جسورة من أعلى لتحطيم العقبات أمام استقلال وتنمية مركز تراكم رأسمالي وتخلصيه من الهيمنة الاستعمارية.

في كتابه “الديمقراطية ونظام يوليو” يشير طارق البشري إلى ثلاث خطوط متوازية ومتداخلة للصراع في مصر الحديثة قبل ثورة ١٩٥٢ – الخط الوطني، الخط الديمقراطي، والخط الاجتماعي – محاولًا فهم تطورات العلاقة بين هذه الخطوط (خاصة الخطين الأولين) في تاريخ مصر ولدى القوى السياسية المختلفة. الخط الوطني هو خط الصراع ضد الاستعمار، الخط الديمقراطي هو خط الصراع ضد السلطة المستبدة سياسيًا، والخط الاجتماعي هو خط الصراع ضد الطبقات المستغلة اقتصاديًا.

وبغض النظر عن الطبيعة “الوطنية” لقراءة البشري لتطورات العلاقة بين هذه الخطوط، فإن التمييز بينها مفهوميًا يساعدنا بالفعل على إدراك مغزى يوليو وحدودها. فالملاحظ في تاريخ مصر في النصف الأول من القرن العشرين أن ثورة ١٩١٩ بنتائجها الأوليّة مكنّت جناحًا من البرجوازية المصرية من الهيمنة، النسبية، على الحركة السياسية في صورة حزب الوفد المصري. وهكذا تكوّن حزب برجوازي كبير يعطي الأولوية للخط الوطني،ويمزجه بخط ديمقراطي ذو طابع شرعي دستوري حذر ومحافظ، مع إهمال كبير للخط الاجتماعي.

غير أن فشل حزب البرجوازية الوطنية في تحقيق آمال الحركة السياسية والشعبية، نظرًا لتردده وخوفه وتقديسه الأجوف لكل ما هو قانونيودستوري، أدى إلى تقلص درجة هيمنته وصعود قوى مناوئة ومنافسة، تقدمية ورجعية، لكنها جميعًا لم تتلوث بأدران الصراع الحزبي والانتخابي التقليدي الذي غرق فيه الوفد مع أحزاب الأقلية والقصر في السنوات بين ١٩٢٣ و١٩٥٢. فرأينا بدءًا من أواخر العشرينات صعود الإخوان المسلمين، ثم مصر الفتاة، ثم الشيوعيين، ثم التنظيمات الوطنية السرية الصغيرة،وجميعها ملأت الدنيا صخبًا في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية.

من ناحية أخرى، هيأت نتائج الحرب العالمية الثانية الأجواء الدولية لتصفية الاستعمار التقليدي وصعود الحركات الوطنية إلى سدة السلطة في مختلف البلدان المستعمرة. إذ خرج الاتحاد السوفيتي من الحرب قوة عظمى نشأ بسبب صعودها نظام القطبية الثنائية الذي منح الحركات الوطنية مساحة غير مسبوقة للحركة والضغط في المجال الدولي. كذلك أوهنت الحرب كل من بريطانيا وفرنسا لصالح القوة البازغة المتمثلة في الولايات المتحدة، مما سمح لشعوب المستعمرات البريطانية والفرنسية بتصعيد حركاتها التحررية.

وهكذا التقت تطورات الوضع الدولي مع تطورات الصراع الداخلي على تهيئة الأجواء لتصعيد الصراع في خطوطه الثلاثة، الوطني والديمقراطي والاجتماعي، حتى إذا دخلنا إلىالنصف الثاني من عقد الأربعينات وجدنا مصر وقد أصبحت كتلة لهب اجتماعي وسياسي، يمتزج فيها الاختمار الثوري، بتخبط ووهن الطبقات السائدة، بالأزمة السياسية والاقتصادية، بالبيئة الدولية المحفزة.

من يقطف الثمرة؟

وصف محمد حسنين هيكل الوضع في مصر عشية ثورة يوليو بقوله “كانت السلطة ملقاة على قارعة الطريق”. وهو محق في هذا. فبالفعل كان تفكك السلطة السائدة جاريًا على قدم وساق. لكن السؤال كان: “من يقدر أن يقطف الثمرة؟”

لم يكن الوفد مؤهلًا لهذه المهمة. فرغم استمرار سيطرته السياسية وسطوته الانتخابية، ورغم ماكينته الحزبية الجبّارة، إلا أن قطاعات واسعة من الشباب – أكثر قوى المجتمع حيوية –  كانت كما أشرنا قد انفضت عنه وأضعفت هيمنته بسبب خواره السياسي وإصراره على الالتزام بالأوهام الدستورية والقانونية، هذا إلى جانب عدم رغبة قادته في الدخول في أية مغامرات غير دستورية لتحقيق التغيير الذي يصرخ المجتمع من أجل تحقيقه.

أما القوى الأخرى – الإخوان ومصر الفتاة والشيوعيين – فهي كذلك لم تكن مستعدة. ولهذا قصة طويلة. لكن يمكن القول باختصار إنها، على اختلافاتها البيّنة من حيث الطبيعة والرؤية، لم تكن تتصور نفسها “مصارعة من أجل السلطة” وإنما اقتصر فهمها لذاتها على أنها “مصارعة ضد السلطة”. فالإخوان مثلًا كانوا مترددين بين نظرتين لطبيعتهم هم أنفسهم: جناح منهم كان يميل إلى أن الجماعة لا ينبغي أن تكون أكثر من جمعية إصلاح اجتماعي تقترب في طبيعتها من الجمعيات السلفية الأخرى التي نشطت بدءًا من الربع الأول من القرن العشرين، وجناح آخر كان يرى أن الدعوي غير كافي وأن السياسة ضرورية لتحقيق الهدف الاجتماعي. وحتى هذا الجناح الثاني كانت رؤيته للدور السياسي للإخوان تنبني على التحالف الحذر مع قوة غير شعبية ما – السراي أو ضباط الجيش أو غيرهما– لتحقيق التغيير السياسي المنشود. أما الشيوعيون، فقد كانوا أولًا أصغر من أن يعتبروا أنفسهم منافسين جادين على السلطة، وثانيًا لم يكن لديهم تصور استراتيجي عن الاستيلاء على السلطة، حيث أن مرحلة النضال الوطني وفقًا لمنظور الثورة على مراحل الذي تبنوه كانت تتطلب ليس أكثر من مساندة قوى برجوازية ما والتحالف معها لتصل هي إلى السلطة، مع الضغط عليها لتحقيق بعض المطالب الاجتماعية.

المشكلة كانت في أحد أوجهها إذن أن الغضب يتصاعد والسلطة ملقاة على قارعة الطريق، لكن لا أحد يتجرأ على قطف الثمرة، أو دعنا نقول لا أحد يطرح استراتيجية عملية فعّالة لقطف الثمرة. أما الوجه الآخر للمشكلة، فقد كان أنه رغم الغليان الاجتماعي، ورغم خروج أعداد هائلة من الشباب من تحت مظلة الصراع الحزبي/الدستوري التقليدي والتفافهم حول قوى جديدة من هذا النوع أو ذاك، إلا أن أوضاع الحركة الجماهيرية لم تكن مهيأة للقيام بهجوم حاسم على السلطة بغرض اقتناصها عبر حركة من أسفل. جزء من السبب في هذا يعود قطعًا إلى استمرار سيطرة أفق كل من الوفد والإخوان على وعي قطاعات كبيرة من الجماهير وإلى غياب تنظيمات ثورية جادة، ولكن جزء آخر يعود كذلك إلى عدم استنفاد الحركة الجماهيرية الخيارات الإصلاحية لتصل عبر فشلها – أي عبر فشل هذه الخيارات –إلى مواقف أكثر ثورية من خلال تجربتها هي بالذات. ذلك أن التخلص من هيمنة القوى الوسطية/الإصلاحية/الانتهازية، أو سمها ما شئت، ليس فقط، ولا أساسًا، عملاً نظريًا تربويًا، وإنما هو كذلك خلاصة تجربة تضع الناس أمام الثورة كبديل أخير.

الجيش والسياسة

على خلاف الاعتقاد الشائع، لم يكن الجيش في السنوات السابقة على يوليو ٥٢ هو المستودع الأول للوطنية. على العكس، كانت حركات الطلبة والعمال والقوى السياسية والجمعيات السرية هي منابع الحراك الوطني، بينما كان الجيش بعيدًا إلى حد كبير عن كل هذا، سواء في حركته الفعلية، أو حتى كرمز يلهب خيال الناس في الشوارع والأحياء.

كان الجيش قد تم تسريحه بعد هزيمة ثورة عرابي ودخول البريطانيين مصر. وحتى عندما أعيد تأسيس جيش مصري في ١٨٩٩ فإنه كان يعمل بالأساس في السودان، بعيدًا تمامًا عن الداخل المصري، وتحت قيادة بريطانية، وبأعداد قليلة. قبل ١٩٥٢ بستة عشر عامًا فقط، وبفضل معاهدة ١٩٣٦، تغير الوضع. إذ سمحت المعاهدة بتوسيع الجيش، بعد أن كان قد عاد من السودان في ١٩٢٤. وهكذا، ومع السماح لعدد كبير نسبيًا من المصريين المنتمين إلى الطبقة الوسطى المدينية والريفية بالدخول إلى المدرسة الحربية، التي تغير وضعها فأصبحت كلية، تكونت نواة أولى لشبكة معتبرة من الضباط الصغار من أبناء الشرائح الوسطى المتأثرين بالحراك السياسي في المجتمع الأوسع.

كغيرهم من شباب الطبقة الوسطى، انفعل الضباط الصغار بالمطالب والشعارات الوطنية المرفوعة في الشارع آنذاك. فما أن هلّعقد الأربعينات إلا وقد وجدنا نسبة معتبرة من شباب الضباط ليس فقط تتحدث في السياسة بصوت عال، وإنما كذلك تنخرط بشكل أو بآخر في تنظيمات سياسية خارج المؤسسة العسكرية.

يشرح أحمد حمروش في كتابه “قصة الثورة” التكوين السياسي لتلك النواة. ففي ظل الأجواء السياسية الملتهبة تعرّف عدد لا بأس به من ضباط الجيش الصغار على الأحزاب والجماعات السياسية: من الإخوان إلى الشيوعيين إلى مصر الفتاة. لكن الملاحظة المهمة لحمروش هي أن تأثير الوفد على هذه الجماعات من الضباط كان شبه منعدمًا. وهو ما يشير مرة أخرى إلى تبلور وطنية جديدة في الثلاثينات، وبالأخص في الأربعينات، قوامها التشكك الكبير في قيادة الوفد للحراك الوطني والسياسي.

كانت الأربعينات عقدًا فاصلًا في التاريخ المصري. ففي هذا العقد أكثر من غيره تفسخت العلاقات بين الخطوط الثلاثة للنضال السياسي في البلاد – الخط الوطني والخط الديمقراطي والخط الاجتماعي. يرجع انصراف قطاع ذو شأن من الجمهور الشبابي عن حزب الوفد إلى أن طريقته – البرجوازية المؤسسية المحافظة والمترددة – في ربط الخطين الوطني والديمقراطي دفعت الكثيرين إلى الكفر بالوسائل الديمقراطية التقليدية في تحقيق المطالب الوطنية. هذا من جانب. ومن جانب آخر، كان فشل الوفد في الانخراط بقوة في النضال الاجتماعي وقيادته، بل وحتى في الإحساس به إلا تحت الضغط، سببًا في تفكيك العرى بين النضالين الوطني والاجتماعي لدى قطاع واسع من الجماهير.

ربما كان الاستثناء الوحيد لهذا التفسخ، وهو استثناء مهم جدًا، هو ما حدث في فبراير ١٩٤٦ من تأسيس للجنة الوطنية للعمال والطلبة التي مثلت في تكوينها وبمطالبها حراكًا سياسيًا يربط الخطوط الثلاثة ربطًا تقدميًا. أتت تجربة اللجنة على خلفية التصاعد في الصراع الطبقي الذي تلا الحرب العالمية الثانية، وجعل من تجاهل الخط الاجتماعي أمرًا شديد الصعوبة، وهو ما أعطى اليسار، سواء الشيوعي أو الوفدي المسمى بالطليعة الوفدية، قوة أكبر من حجمه في ظل اتساع نطاق الإضرابات العمالية والاتساع الملحوظ في تأسيس النقابات المصنعية. لكن الحقيقة أن هذه التجربة لم تؤسس لمسار متجذر ينمو مع الوقت فيكون قادرًا على إعادة توجيه السياسة في البلاد، بل إنها كانت ومضة أضعفتها القبضة الحديدية لديكتاتورية إسماعيل صدقي، وكذلك أضعفتها عوامل مثل حجم واستراتيجيات اليسار المصري. من هنا لم يؤد تأجج الصراع الطبقي في النصف الثاني من الأربعينات إلى تعميق خط “اللجنة”، بل إن ما حدث كان استمرار التفسخ الذي عزز من نفوذ قوى غير ديمقراطية كالإخوان ومصر الفتاة، وسمح باستمرار التأثير الكبير – النسبي – للوفد وديموقراطيته الشكلية العرجاء، وكلاهما لا يأبه لربط الخطوط، بل يعتمد وجوده وتوسع نفوذه على تفسخها.

وهكذا ولدت في الجيش وخارجه مشاعر كارهة للعقم البرجوازي الوطني، مشاعر امتزج فيها احتقار المناورات الانتخابية والتقاليد الحزبية البالية، بالتشكك، أو على الأقل عدم الاعتبار، للديمقراطية كعنصر أصيل في النضال السياسي التقدمي. أضف إلى هذا صعود التجربة السوفيتية، وقبلها التجربة النازية، اللتان حققتا إنجازًا مبهرًا في مجالي الاستقلال والتنمية دون الحاجة إلى الديمقراطية السياسية، فستفهم ولا شك لماذا ارتفعت في هذا التوقيت أحلام التغيير على يد المستبد العادل وغير ذلك من الأفكار غير الديمقراطية والفوقية.

الضباط الأحرار

لا شك أن الجيش – قدس أقداس جهاز الدولة والمؤسسة التي نجد بها التكثيف الأكثر حدة لمنظومة المركزية والسيطرة من أعلى إلى أسفل – هو أكثر البيئات خصوبة لإنبات وتنمية أفكار تغييرية لا تأبه للديمقراطية أو للحراك الجماهيري من أسفل؛ أفكار تمجد التغيير من أعلى من خلال جهاز الدولة لتحقيق “الأهداف الوطنية” دون كثير نظر إلى الوسائل الديمقراطية.

في أواخر ١٩٤٩ ومطالع ١٩٥٠ نجح جمال عبد الناصر في تجميع مجموعات الضباط الوطنيين المتناثرة في أسلحة الجيش المختلفة في تنظيم واحد هو الضباط الأحرار الذي ضم في عزّه حوالي ٩٠ ضابطًا أعلاهم رتبة هو البكباشي (المقدم)، هذا إذا استثنينا اللواء محمد نجيب الذي استقدمه التنظيم من خارجه لإضفاء هالة من الاحترام والجدية عليه بوجود ضابط كبير على رأسه.

وبتكوين الضباط الأحرار، كتنظيم من داخل القوات المسلحة يعبر عن حركة الضباط فقط، تغير طابع الحراك الوطني للضباط من كونه مندمجًا بعض الشيء مع الحراك السياسي داخل المجتمعالأوسع – بوجود الضباط أعضاء في التنظيمات السياسية – إلى كونه حراك عسكري محض، يبني قواه ويطرح استراتيجياته انطلاقًا من موقعه داخل المؤسسة العسكرية، وهو ما جعل من تبني المنظور الانقلابي أمرًا منطقيًا، بل وبديهيًا. فكيف ستفكر جماعة صغيرة من الضباط تعمل في إطار من السرية الصارمة داخل الجيش فقط في التغيير؟ قطعًا ستفكر في وسيلة تستبعد التحريض والالتحام الجماهيريين، وسيلة فوقية/انقلابية لاقتناص سلطة الدولة أو التأثير عليها.

في هذا السياق بالتحديد تراجعت داخل العناصر المكوّنة لتنظيم الضباط الأحرار حالة النقاش الديمقراطي حول الاختلافات السياسية بين منظورات القوى المختلفة، وتقلصت السياسة عندهم إلى مجرد اتفاق عام حول خطوط وطنية عريضة، وهو ما جعل كتلة الضباط الأحرار كتلة وطنية خالصة تمثل الفكرة الوطنية بلا أي “تعقيدات” سياسية أو اجتماعية، كتلة تحلم بتغيير غامض بوسائل انقلابية متسرعة، دون فحص الأسس الاجتماعية للتغيير وحدوده.

تلاقى هذا النبت العسكري الوطني الانقلابي مع السياق السياسي الأوسع في لحظة فريدة من تاريخ مصر. لحظة انصرف فيها الكثيرون عن المسار التقليدي للبرجوازية الوطنية، لحظة داعبت فيها الكثيرون أفكار التغيير السريع من أعلى، لحظة أصاب فيها الخوار والوهن كل من الساسة التقليديين والسلطة القائمة. من هنا كان الثالث والعشرون من يوليو ١٩٥٢.

الأحرار في السلطة

أشرنا من قبل إلى أنه بعد تخليص يوليو وسلطة يوليو من كل التفاصيل سنجد أن جوهرها كان أنها “محاولة من أعلى لتحطيم العقبات أمام استقلال وتنمية مركز تراكم رأسمالي وتخليصه من الهيمنة الاستعمارية”. لكن هذا لم يكن بالضبط ما تخيله أو خطط له الضباط الأحرار عشية وغداة انقلابهم العسكري، أو على الأقل لم يكن ما تخيل الضباط أنهم سيلعبون الدور المحوري، من مواقع السلطة، في محاولة تحقيقه. يفصّل حمروش، مستخدمًا أمثلة عديدة، حقيقة أن جلّ ما تخيله الضباط الأحرار هو أن دورهم المتحقق بالانقلاب سيكون إزاحة عقبات سياسية محددة أمام استمرار منظومة الحكم السابقة بشكل أفضل وأقل فسادًا. بتعبير آخر: لم يكن الضباط الأحرار يتخيلون أنفسهم كسلطة جديدة، بل فقط كقابلة أو عراب لمنظومة حكم موجودة تخلصت من الشوائب التي تمنعها من أداء دورها الوطني.

لكن ما حدث فعليًا كان جرجرة الضباط الأحرار إلى إحداث تغييرات أكثر جوهرية مما ظنوا، ومن ضمنها تغييرات في شكل الحكم تضمنت بقاءهم في الحكم كسلطة جديدة تقطع بشكل كبير مع ما سبق. لا نعني بهذا أن الضباط لم يكن لديهم نهم للسلطة، ولا أنهم لم يسعوا لها، أو حاشا لله ترفعوا عنها، ولكن نعني أن مسألة اقتناص السلطة لأنفسهم لم تكن في أفق وعيهم إبان إعدادهم وقيامهم بالانقلاب، ليس من باب العفة ولكن من باب عدم تصور الإمكانية. الأهم من ذلك أن التطورات اللاحقة للأحداث – تلك التطورات التي فتّحت وعي الضباط على هدف الاستمرار في السلطة – كان العنصر الأهم وراءها ليس سوء أخلاق هؤلاء، بل التدافع الموضوعي للأحداث كما سنبين حالًا.

أول مفاجأة قابلها الضباط الأحرار في مسيرتهم الانقلابية هي طبعا النجاح التقني للانقلاب بسهولة لا يمكن تصديقها وعبر صدف مضحكة. هذا الانتصار الصدفوي له دلالة أبعد من إلقاء الضوء على دور الصدفة في صناعة التاريخ. هو يشير إلى خوار السلطة وتهتكها وعدم استعداد أي من أطرافها للدفاع عن وضعه ومكتسباته. فرغم سيطرة الضباط على عدد محدود من الوحدات العسكرية في القاهرة وخارجها، ورغم قلة عدد الأهداف التي استولوا عليها ليلة الثالث والعشرين من يوليو، إلا أن المؤسسة العسكرية برمتها خضعت لهم بضربة واحدة وبقدر شبه منعدم من المقاومة. وبعد الاستيلاء على المؤسسة العسكرية ومبنى الإذاعة ثم قصر رأس التين، لم تنظم أي من القوى المسيطرة (سابقًا) نفسها للمقاومة بأي شكل من الأشكال، بل خارت تمامًا وتبخرت في الهواء كأن لم تكن.

حزب الوفد من ناحيته لم يقدم أي بديل ديمقراطي، مثلًا بدعوة الناس إلى النزول للشوارع، أولًا طبعًا لأن الشارع كان مستريحًا وسعيدًا بالانقلاب، باعتباره يمثل حلًا لحال مزر من عدم الاستقرار السياسي المتواصل وباعتباره طريقة غير دموية للتخلص من الملك المكروه، وثانيا أيضًا لأن الوفد نفسه لم يكن مؤهلًا لغير المناورات التقليدية مع الملك وأحزاب الأقلية، أما تعبئة الشارع بشعار كان لابد أن يكون على الأقل مناطحة على قدر جذرية ما فعله الانقلاب (مناطحة مثلًا تدعو إلى إسقاط الملكية وتحديد الملكيات الزراعية وتثبيت الحد الأدنى للأجور مع الإصرار على الاحتفاظ بالديمقراطية السياسية)، فهذا أمر لم يكن “حزب الأغلبية” مؤهلًا له على الإطلاق.

أما الإخوان المسلمون، فقد كانوا على علم بالانقلاب وباركوه (أخّر جمال عبد الناصر الانقلاب من ٢٢ إلى ٢٣ يوليو حتى يتمكن من إبلاغ الإخوان)، ومن ثم فلم يكن مطروحًا أصلًا أن يمثلوا قوة معارضة له. على العكس، كان منظور الإخوان أن الانقلاب هو صنيعتهم التي ستمثل فاتحة تؤدي إلى تمكنهم من السلطة في وقت ما قريب. وهو ما يؤكد طبيعتهم السياسية الساعية دومًا إلى إحداث التغيير من خلال أدوات ووسائل السلطة ذاتها.

أضف إلى هذا جحافل المثقفين وقادة الرأي والساسة المعادين للوفد، بل وحتى بعض أنصاره، الممثلين للإنتليجينسيا، الذين رحبوا بالانقلاب باعتباره حلًا ناجعًا للأزمة السياسية المستحكمة وتمهيدًا لتحقيق الأحلام الوطنية عن طريق غير الطريق المسدود الذي يسير فيه الوفد.

وهكذا وجد الضباط الأحرار أنفسهم بلا مقاومة من القوى التي من المفترض أن تقاومهم، ووجدوا أنفسهم مؤيدين من تنظيمات سياسية كبيرة وقطاعات جماهيرية مؤثرة وأجنحة من الإنتليجينسيا والساسة والقضاة، فتفتح نهمهم السياسي للسلطة. لكن هذا ليس معناه أن المسألة كانت شخصية بالأساس. فالحقيقة أن جوهر الأزمة كان الامتزاج بين ضعف هيمنة القوة الحزبية البرجوازية الوطنية الأكبر في البلاد (الوفد)، وفشل وشلل وانتهازية القوى البديلة، على خلفيةأزمة مستحكمة وانسداد في الأفق السياسي. هذا العجز المركّب للقوى السياسية هو الذي أنتج”لحظة بونابرتية”دفعت في اتجاه ملء الفراغ على يد قوى أتت تقريبا من العدم ومن خارج الصراع المتأجج لتحسمه من أعلى ومن داخل جهاز الدولة.

والمفارقة هنا أن الصراع الذي هدد مسيرة الضباط الأحرار في السلطة كان داخليًا، بين أعضاء مجلس قيادة الثورة نفسهم، وبين تيارات ومواقف مختلفة داخل الجيش عمومًا. فكأن ضعف وهوان التنظيمات والساسة خارج الجيش قد دفع الجميع إلى تصدير مواقفهم وخلافاتهم إلى داخل السلطة الجديدة لتصبح هي ساحة التطاحن حول المستقبل. لكن، وكما نعلم جميعًا، الصراع بين سلاح الفرسان وباقي الضباط الأحرار، وكذلك الصراع بين نجيب وناصر،انتهيا بانتصار الأخير الحاسم في ١٩٥٤، بالضبط لأنه مثّل المعني البونابرتي للانقلاب تمثيلًا خالصًا.

الثورة والديمقراطية

كان مشروع السلطة الجديدة في بدايته، وكما أشرنا سابقًا، هو الوطنية الخالصة المجردة من أي منظور طبقي اجتماعي متبلور. صحيح أن الضباط الصغار كانوا يكنّون كراهية لكبار الملاك والساسة البرجوازيين، إلا أن هذا كان أيضًا حال التيار العام للوطنية المصرية، التي قرأت الصراع الدائر ببساطة على أنه مواجهة بين حفنة من الخونة المنتمين إلى أحزاب رجعية أو المتحالفين مع السراي والاحتلال وبين الشعب بأسره، بغض النظر عن أي تباينات داخل صفوفه.

تلخّص المشروع الوطني للسلطة الجديدة في بلورة عملية تبسيطية للحد الأدنى لمطالب الجبهة الوطنية المصرية التي ذاعت وتبلورت خلال سنوات الأربعينات: الاستقلال السياسي التام، الإصلاح الزراعي، التصنيع والنمو السريع، العدالة الاجتماعية، و… الديمقراطية المتخلصة من الفساد الحزبي. على أن الجديد هنا كان أن جماعة صغيرة ما دانت لها سلطة الدولة بسهولة قررت أن تنفذ هذا المشروع من خلال هندسة اجتماعية من أعلى وانطلاقًا من تغييب السياسة كمجال للحراك الحزبي والتعبئة الجماهيرية.

اندفع قادة الثورة يضربون ذات اليمين وذات اليسارببراجماتية عملية يحركها تطور الأحداث. لم تكن القضية لديهم هي التحالف الاستراتيجي مع هذا وضد ذاك، بقدر ما كانت تغييب المجال السياسي في مجمله باعتباره عقبة أمام التعبئة الشعبوية المطلوبة لإحداث قفزة التراكم المستقل المطلوبة للبزوغ على ساحة التنافس العالمي. من هنا تم حظر الأحزاب، ثم ضرب الإخوان المسلمين، ثم تقييد التنظيمات النقابية والشعبية، وهكذا، بلا مقاومة تذكر.

أحد المفارقات ذات الدلالة هنا كانت أن عودة الحياة الحزبية والنيابية مثّلت في أذهان رجال الثورةخطرًا كبيرًا، ليس فقط لأنها تعني إقصاءهم من السلطة، وإنما كذلك لأنها تقضي على إمكانية تنفيذ مشروع التغيير الجذري الذي يحلمون بتحقيقه. ففي المناقشات بين أعضاء مجلس قيادة الثورة كان طرح خيار عودة الأحزاب وإقرار إجراء انتخابات نيابية يتلقى كثيرًا إجابة من نوع: هذا يعني عودة الوفد إلى الحكم وعودة المناورات الحزبية الرخيصة، وهذا وذاك يعنيان نهاية القرارات والإجراءات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تم اتخاذها أو التي من المخطط اتخاذها.

هذا التوقع كان صحيحًا للأسف. فعودة القوى الحزبية القديمة إلى السيطرة على جهاز الدولة كان من شأنه اجهاض المسار الجذري الذي اتخذته الثورة فيما بعد، مما يشير إلى جانب من جوانب المعضلة التي خلقها الحل البونابرتي للأزمة السياسية المصرية. فقد أصبحالتغيير الجذري في مواجهة مع الديمقراطية السياسية (البرجوازية). لكن من المهم الإشارة هنا إلى أن منبع ذلك التناقض ليس طبيعة الأمور من حيث المبدأ، بل طبيعة انقلاب الضباط الأحرار الذي قطع الطريق على تبلور ممكن للحراك الجماهيري يحوّل الديمقراطية من لعبة كراسي موسيقية برجوازية إلى أداة تمكين وتحرير من أسفل.وهذه قصة تحتاج في حد ذاتها إلى نقاش منفصل.

صعود وسقوط الناصرية

على أي حال، فواقع الأمر كان أن انطلق مجلس قيادة الثورة، ثم ناصر منفردًا، مع مناوشات ومنافسات من عامر، على طريق التغيير غير الديمقراطي من أعلى بمنطق رد الفعل على المعضلات العملية الماثلة. فقد اكتشفت السلطة الجديدة الحلفاء والأعداء، وبلورت صيغتها المتدرجة لرأسمالية الدولة، انطلاقًا من معضلات عملية لم يكن هناك مفر من حلها إلا بالسير على طريق ما سُمي بـ”الاشتراكية العربية”.

فمن المعروف للكافة أن السلطة الجديدة مالت في مبدأ الأمر إلى الرأسمالية المحلية والإمبريالية الأمريكية البازغة كحليفين لتنفيذ مشاريعها التنموية الطموحة. فقط عندما خذلها هؤلاء، انطلقت السلطة إلى اكتشاف بدائل أخرى، من التمصير إلى التأميم، ومن عدم الانحياز إلى الصداقة الدافئة مع الاتحاد السوفييتي.

اعتمدت التجربة التنموية الفوقية للسلطة الناصرية على مركزة الفائض في يد الدولة وتوظيفه من خلال خطط مركزية وصيغة للملكية الدولتية كانت منتشرة عالميًا آنذاك. المهم ملاحظته هنا أن هذه الثورة السياسية والاقتصادية من أعلى تضمنت بالضرورة ثورة اجتماعية كانت هي الأكبر خلال أكثر من نصف قرن، ربما منذ إقرار الملكية الخاصة للأرض الزراعية في عهد الخديوي سعيد؛ ثورة اجتماعية قضت أو كادت أن تقضي على طبقة كبار الملاك الزراعيين وعلى الطبقة الرأسمالية الكبيرة، وحفّزت توسع طبقة وسطى جديدة وطبقة عاملة صناعية، وحافظت على استمرارية هيمنة الملكيات الفلاحية المتوسطة والصغيرة على الريف، ومن ثم حققت تحسنًا ملحوظًا في توزيع الدخل انطلاقًا من عقدها الاجتماعي المرتبط بمنطقها التنموي المعتمد توسيع السوق الداخلي (وفتح السوق العربية)، ولتحقيق ذلك كله بنت بيروقراطية دولة مهولة هي الأكبر منذ تأسيس الدولة المصرية الحديثة على يد محمد علي.

كان الأمل أن تؤدي هذه الهندسة الاجتماعية الطموحة، ومعها التحالفات الدولية والإقليمية التي تم إنشاؤها، إلى انطلاقة تنموية ضخمة تنقل مصر إلى وضع الدولة الكبرى. ولكن هذا لم يحدث. بل هُزمت التجربة شر هزيمة واندحرت عسكريًا في مشهد مهين لن ينساه التاريخ المصري.

يقدم الكاتب الاشتراكي المصري سامح نجيب في دراسة أخيرة قيد النشر عن ثورة يناير وموقعها في التاريخ المصري ملاحظة ذكية وصحيحة عن أسباب هزيمة مشروع يوليو. إذ يقول إن اعتبار يونيو ٦٧ – أي الهزيمة العسكرية أمام الهجمة الإمبريالية الصهيونية – هي السبب الوحيد في الهزيمة المنكرة للتجربة الناصرية يجافي الحقيقة. فالأدق القول – مع إيلاء كل الاعتبار لمؤامرات وهجمات الإمبريالية والصهيونية – أن يونيو ١٩٦٧ كانت نتيجة أكثر من كونها سببًا. فالحقيقة أن الفشل النسبي للبرجوازية البيروقراطية (هذه هي التسمية التي أطلقها منظرو حزب العمال الشيوعي المصري على الطبقة المسيطرة في مصر الناصرية) في إحداث قفزة تنموية معتبرة هو السبب في ضعف البنية العسكرية للدولة، وفي انهيار الكفاءة الإدارية العامة، ومن ثم في هزيمة ٦٧.

يشير فشل الناصرية في تحقيق اختراق رأسمالي بأدوات رأسمالية الدولة إلى ظاهرة أعم من تجربة الخمسينات والستينات، وهي ظاهرة الفشل المتكرر للبرجوازية المصرية، في مختلف أطوارها، وبتكويناتها وأطرها التنظيمية المتغيرة، في تحقيق قفزة تنموية تنقل مصر من موقع الدولة المتأخرة، لكن الكبيرة وذات الإمكانية، إلى موقع الدولة المتقدمة أو الصاعدة بقوة. حدث هذا الفشل في تجارب محمد علي وإسماعيل، وفي التجربة الليبرالية قبل ٥٢، ثم تكرر بعد ٦٧ في تجربة الانفتاح/النيوليبرالية الطويلة التي بدأت مع السادات في ١٩٧٤ ولم تنته حتى يومنا هذا.

وكأن البرجوازية المصرية ذات طابع سيزيفي، تحمل الحجر إلى أعلى الجبل، ثم تسقط ويسقط معها الحجر، وهكذا دواليك عبر مائتي ونيف عام هم العمر الرسمي لمصر الحديثة. قد يرى البعض في هذا قدرًا أحمق، وقد يرى آخرون فيه مؤامرة كبرى، وربما يكون في هذا أو ذاك بعضًا من حقيقة. لكن الحقيقة الأهم هي أن فشل البرجوازية المصرية ربما يؤشر لذوي العقول المفكرّة والأرواح الإنسانية إلى أن البديل لإنقاذ مستقبلنا ليس وجهًا آخر من وجوه الهيمنة الرأسمالية– دولتية كانت أم حرة – وإنما نموذج سياسي واجتماعي جديد يحاول، على الأقل يحاول، أن يغير الدولة من أسفل لمصلحة الأغلبية وبيد الأغلبية. هذا هو الطريق الذي ألمحت إليه يناير، فهُزمت، فعدنا إلى نقطة الصفر.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

اثنتا عشرة أطروحة حول تغيير العالم بدون الاستيلاء على السلطة أصبحت الثورة أكثر إلحاحا عن أي وقت مضى. وصارت الأهوال المتصاعدة من التنظيم الرأسمالي للمجتمع أكثر عددا وشدة. وإذا ثبت أن الثورة عن طريق الفوز بسلطة الدولة كانت وهما، فهذا لا يعني أننا يجب أن نهمل سؤال الثورة؛ بل علينا أن نفكر فيه بطرق أخرى: ليس بالاستيلاء على السلطة، بل في تدميرها.

جون هولواي

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (2) النضال من أجل الديمقراطية نضال اجتماعي طبقي في المقام الأول، لا يتحقق بالعظات الأخلاقية ولا بالبغبغة حول المعادلات اللاصفرية ولا بنصح البرجوازية بأن بعض الديمقراطية مهم ومفيد للتنمية والسياحة ولجلب الاستثمار الأجنبي وكسب حب ورضاء الاتحاد الأوروبي، ولكن بالنضال ضدها وعلى حسابها.

هاني شكر الله

قراءات في ثورة يناير 2011: تاريخياً، لا يوجد نموذج بديل فوري، باكتماله وطرح تطبيقه تتم إزاحة السلطة القديمة وأفرادها.

علي الرجال

وحيد حامد وجدلية الالتزام السياسي ثمة هوس كبير بين أوساط المثقفين في تصنيف الأشياء، في وضعها بين كفتين لا بد أن ترجح أحدهما كفة الأخرى وإلا فلا تبدو لعنة "الكليشيه" هنا حاضرة خاصة في تصنيفات على غرار الرجعى والتقدمي.

محمد رمضان

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… اقتصر سعي هذه الورقة على إعادة تقديم وتحرير الإشكاليات المتعلقة بموقع ما تعارف الفقهاء على تسميته بالشريعة في البناء الدستوري والقانوني المنظم لعمل أجهزة الدولة الحديثة كما كشف عنها الجدل الدستوري التالي لتحولات يناير ٢٠١١ عبر منهجية ماركسية مطورة. ولم تتجاوز ذلك إلى التفكير في مخارج لهذه الإشكاليات، إلا عرضا بالطبع وفي معرض إشارتها لاجتهادات قائمة بالفعل كوثيقة الأزهر الصادرة في يونيو ٢٠١١.

عمرو عبد الرحمن