التاريخ قد يكتبه المنهزم

قضايا

21  يوليو  2017

“في السجن لا تقول انتهى كل شيء؛ فى السجن تقول ابتدأ كل شئ؛ والبداية هي الحرية”

محمود درويش

 كنا لا نحصل على حقوقنا إلا بعد دفع الرشاوي؛ وكانت المستشفيات أشبه بمقابر جماعية للمرضى؛ والتعليم الحكومي يعلمنا الجهل؛ والغاز المصري يُصدّر لأعدائنا في دولة الاحتلال الإسرائيلي؛ بينما الغلابة يتقاتلون من أجل الحصول على اسطوانة غاز في طوابير لا يعلم نهايتها إلا الله.

حياتنا كانت طوابير؛ طابور غاز؛ طابور خبز؛ طابور تموين؛ طابور بنزين؛ طابور الصباح في المدرسة؛ طابور الهجرة الجماعية، طابور الانتظار أمام السجون. وما زالت حياتنا كذلك.

 كانت المرتبات لا تكفي المواصلات؛ وما زالت. ووزارة الداخلية تقمع التظاهرات؛ وما زالت. وأمن الدولة يتفنن في التعذيب؛ وما زال. كانت تكية، وما زالت كذلك، بل إننا قد نظلم التكية لأنها في الأصل مكان للعبادة الصوفية، يقيم فيها من يشاء وقتما شاء، دون أية أعباء مادية، التكية تساعد عابري السبيل بلا مقابل.

 عندما قُتل خالد سعيد وسيد بلال في عام 2010؛ بعد تعذيبهما بأيدي ضباط شرطة؛ بدأ الغضب يتسلل إلى نفسي مثل آلاف الشباب الذين انتفضوا سابقًا في المظاهرات المتضامنة مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في المدارس والجامعات،  قررت المشاركة في كل التظاهرات المعارضة للنظام وشاركت في ثورة 25 يناير 2011، ولم أنسَ أحداثها؛ نسيت التواريخ؛ ونسيت الوجوه؛ لكن ذاكرتي لا يمكنها خيانتي بنسيان الأحداث؛ حلوها ومُرّها؛ تركت جزءًا مني في الميدان، وجزءًا آخر في السجن.

  بدأت العمل في التصوير الصحفي إبان الثورة؛ لإيماني بأن التصوير سيجعلني أكتب؛ كنت أحلم بالكتابة؛ حتى لو تحولت كتاباتي في جريدة ورقية إلى “قرطاس” يوضع فيه الباذنجان المقلي والطعمية؛ وصدقوني لن أشعر بالإهانة حينها، ستغمرني الفرحة عندما أرى أحد الكادحين من أبناء هذا الوطن وقد استفاد من كلماتي التي تمرمغت من أجل أن يأكل استعدادًا لوضع نفسه في خلاط النقل الجماعي “الأتوبيس”،  وربما لو وجدت أحدهم يقرأ كلماتي المتسخة بزيت الطعام ليسلي نفسه أثناء اندماجه في أكل “طعمية” مليئة بالزيت المجهول مصدره، والذي سيؤدي حتمًا إلى الفشل الكلوي، كنت سأخبره بكل سذاجة أن هذه كلماتي، وكلي يقين بأنه سيشفق عليّ  حينها، ويصفها بالكلمات الرائعة؛ ثم يضعها في أقرب سلة “زبالة”. لا يهم؛ المهم أنني سأكذب على أصدقائي “متفزكلًا” وأخبرهم بأن أحدهم انبهر عندما علم أنني كاتب، وأقسَم بالله وبالطلاق أنه لن يتركني إلا بعد أن يعزمني على “أي حاجة مشوية” لأنه يتابع كل ما أكتب. وهذا على اعتبار أن أصدقائي يهتمون لما أقول، أو بما أكتب!

  سقط العديد من رفاقي في مختلف التظاهرات السلمية، لا أعلم لِمَ سقطوا؟ ولا أستوعب حتى الآن أنني كتبت كلمة “سقطوا” فهي كلمة سمعتها مرات عديدة في وسائل الإعلام؛ عندما تبتسم المذيعة ابتسامة بلهاء؛ ثم تخبرنا بأن هناك عشرات سقطوا بين قتيل وجريح في معارك وحروب، وتبتسم مرة أخرى وتعود لأخبار الرياضة والفن.

 لا أستوعب حتى أنني قلت: “العديد من رفاقي”؛ وكأن عمري 70 عامًا، وأكتب عن رفاقي في حرب السادس من أكتوبر، لو كان ذلك كذلك؛ لكان منطقيًا بعض الشئ؛ لكن الحقيقة أنهم سقطوا من أجل هتافاتهم عالية، ولافتات رفعوها  من أجل النائمين على أرصفة الشوارع، لم يسقطوا في حرب دامية على الحدود بين مصر ودولة الاحتلال الإسرائيلي، سقطوا على حدود ميدان التحرير وغيرها من الميادين.

  شاركت في كل التظاهرات ضد المجلس العسكري متظاهرًا ومصورًا صحفي، وتظاهرت ضد الرئيس المعزول محمد مرسي، بعد فشله أو إفشاله، وبعد ضياع حق الشهداء، طالبت مع من طالبوا بانتخابات رئاسية مبكرة، ولم نطالب بالقتل وسفك الدماء؛ ولم أشارك في ما يسمى التفويض.

 عاد الحكم العسكري من جديد لينتقم من كل من له علاقة بثورة يناير، ومن كل من تجرأ على أن يهتف ضد الحكم العسكري، ومن كل من يستطيع أن يقول “لا”، فقدت رفيقي “أحمد المصري” في أغسطس 2013؛ بعدما اخترق رصاص الشرطة جسده من، ومات بعد 18 يومًا، كان لا يأكل حينها ولا يشرب.

 بعد موته حصلت على “أجازة” طويلة جدًا من التصوير ومن الكتابة ومن الأصدقاء ومن الكلام، إن شئت قل من الحياة، وقتها كنت أمارس اليأس في عزلتي، ولكني بدأت العودة للحياة تدريجيًا. قررت العودة للعمل، واشترطت على مديري أن أعمل بالتصوير الميداني فقط لأنني كرهت تغطية المؤتمرات المُملّة التي يتحدث فيها من يدعمون القمع ويشعروك بأن مؤخراتهم هي التي تتحدث لا أفواههم، نظرًا لعلامة القرف التي تظهر على وجهك أوتوماتيكيا عندما يتحدثون.اخترت التصوير الميداني على الرغم من خطورته في ذلك الوقت حتى أقاوم السفه والكذب الإعلامي الصادر من بعض الصحف والقنوات، أو ربما لأقاوم الملل؛ قررت نقل الحقيقة مهما كان الثمن، وكان السجن.

عن كل التفاصيل المؤلمة التي يتعرض لها كثيرون من أبناء وطني، ممن صار السجن وطنهم، أكتب في هذه المساحة. محاولًا تحطيم القاعدة التي تقول أن “التاريخ لا يكتبه إلا المنتصر”.

للحديث بقية

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

من التحرير إليكم: انتزاع الديمقراطية فيما يتجاوز ترامب ربما يكون التشابه الأكثر إثارة للقلق بين ما يتعرض له المصريون الآن تحت النظام العسكري الفاشي وبين لحظة ترامب في الولايات المتحدة هو عدم استعداد أصحاب الخبرة التنظيمية والمواطنين العاديين للمواجهة.

عاطف سعيد

قراءات في ثورة يناير 2011: كان الأمر غيرُ عاديّ.. ولم يكُن هناك تفسيرٌ لما يحدث بالشارع لدى كُلٌ منا.. ولم تكن هناك –في نفس الوقت- أية تنبؤات لما ستؤول إليه الأوضاع قُدُما.. إلا أن الاهتمام كان مُنصَبا على جلال اللحظة وهيبتها..

محمد هشام

قراءات في ثورة يناير 2011: يناير كانت السؤال الذي أُخذ بخفة مقابل ما طرحه من أسئلة حاسمة وعاجلة وعميقة، ويوليو كانت العقاب على عدم الإجابة.

محمد نعيم

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (4) أربع لحظات فاصلة في مسار الصراع السياسي والاجتماعي في بلادنا تتميز بالسمة الجوهرية نفسها: البرجوازية تتخلى عن الحكم من خلال المجال السياسي ذعرا من الحركة المستقلة للجماهير الشعبية، بينما تلك الحركة تمتلك من القوة ما يثير الذعر في صفوف البرجوازية ودولتها، لكنها تبقى أضعف من أن تفرض نفسها على المجال السياسي الرسمي وتجبر البرجوازية إجبارا على الحكم من خلاله.

هاني شكر الله

تجربة محمد منير بين انتفاضتي (يناير “1977 و2011”) ما قدمه منير من أغنيات يمكن وصفها بالحب التقدمي أو واقعة تحت سيطرة حالة شجن رهيبة ظلت تصل ما ساد بعد نكسة يونية، هي نتاج موهبة شعراء وملحنين مثلما حدث مع عبد الحليم حافظ في تجربته، ولكن هذه المرة ممزوجة بطعم الشعور بالمرارة والإحباط حتى لو كانت تتوق للحلم والآتي.

أيمن عبد المعطي