عن ترهيب وإرهاب النظام للـ”الإنسان العادي”

قضايا

20  يوليو  2017

استطاع الأشخاص العاديون أن يحتلوا مكانة الصفوة والمثقفين ومن يُفترض كونهم زعماء في إثارة الناس ودفعهم إلى التحرك بطريقة سببت إزعاجا كبيرا للنظم السياسية، صاحب عربة الخضار في تونس، وتاجر السمك  في المغرب، ولكن من جهة أخرى تحرص وسائل الإعلام إلى تصوير الإرهابي مفجر نفسه أو طاعن السكين باعتباره شخصاً عادياً يُتعذر تصنيفه “إخواني أو إسلامي مثلا”، قد يكون صاحب عربة خضار أو تاجر سمك أو سائق تكتوك.
تحتشد الأنظمة العالمية في إيقاع منسجم خطابياً وإعلامياً ضد “الإرهاب”،  تلك الكلمة الغامضة والفضفاضة التي لا تعطي أي ملامح واضحة لهوية يمكن أن نتحسسها ونحاذر منها، وتجسدت ذروة الاحتشاد هذه في تظاهرة سريالية لرؤساء دول العالم في فرنسا عام 2015، وكأن الإرهابيين يملكون سلطة تحتاج إلى معارضة قوية، في مشهد معاكس لما حدث في عام 2011 حيث اجتاحت دول عديدة في العالم النامي والمتقدم تظاهرات ضد النظم السياسية مطالبة بحريات وعدالة اجتماعية بشكل فوري.

داعش

 

لقد سقطت ورقة التوت عن عورات النظم الحديثة في 2011 وشوهدت الشرطة الألمانية والبريطانية والأمريكية وهي تلاحق الشباب “العادي” في الشوارع، في مشهد مخزي حاولت وسائل الإعلام الرسمية صرف الانتباه عنه، إذ منعت السلطات الأمريكية الصحف من تغطية فض تظاهرات أوكيوباي بحسب شهادة أبرز مؤسسيها ديفيد جرابر في كتاب “معنى الديمقراطية”، ناهيك عن القمع الوحشي الذي تعرض له متظاهرون “عاديون” في تونس ومصر وسوريا والبحرين والمغرب.

لم نسمع في عام 2011 عن عملية إرهابية في الولايات المتحدة أو فرنسا أو اليونان أو بريطانيا أو الشرق الأوسط، ولم نسمع كثيرا أيضا عن حركات أوكيوباي في وسائل إعلام رسمية، رغم أنها بحسب رصد لصحيفة “الجارديان” البريطانية انتشرت في 951 مدينة لـ82 دولة، ولكن منذ عام 2012 وتحت أعين الإعلام والمخابرات كان الجميع في العالم يعرف الطريق إلى داعش، ولم تبذل المخابرات الأمريكية أو البريطانية أو غيرها جهدا يذكر لوقف تدفق الجهاديين من دول العالم إلى تركيا ثم إلى سوريا للانضمام إلى الجهاديين ضد الرئيس السوري المتهم بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بشار الأسد، ولم يمر عام أو عامين حتى أصبح لدينا ظاهرة “داعش”، ممثلة لإرهاب مختلف عن الإرهاب التقليدي للقاعدة التي أسسها أسامة بن لادن.

بحسب روايات روجتها وسائل الإعلام الغربية، فقد أحدثت جماعة داعش “الدولة الإسلامية” تحولا كبيرا في آلية العمليات الإرهابية حيث أصبح من الصعب التنبؤ بالأشخاص الذين يمكن أن تجندهم، أو شكل الاعتداءات أو مكانها ووقتها، حولت داعش الكيانات الإرهابية من فعل منظم إلى عشوائي، ومن تلقي الأوامر بشكل تراتبي من الأمير أو من هو أعلى مرتبة في الخلية، إلى مبادرات فردية لأشخاص عادية غير منتظمة في خلية، وهي ظاهرة أطلق عليها الإعلام الغربي “الذئاب المنفردة”، واستغلت الحركة الإرهابية التكنولوجيا الحديثة في تجنيد الإنسان العادي.

الرجل العادي يمكن أن يكون إرهابيا؟!

 

كان رجلا عاديا، متسامحا مع الآخرين، ملتزما دينيا، لم نكن نتوقع أن يحدث منه هذا، هذه هي الروايات التي يتبناها الإعلام الغربي أو المحلي في كثير من العمليات الإرهابية مؤخرا، ومفادها أن الأشخاص العادية جدا ترتكب عمليات إرهابية، قد يكون جارك في المنزل أو صديقك على مدرجات كرة القدم، أو زميلك في العمل، ووصفت الظاهرة في الكثير من التحليلات بالذئاب المنفردة، وألصقت بحركة داعش.

وبينما تتبنى العديد من وسائل الإعلام هذه الأوصاف عن إرهاب داعش، يرى آخرون أن وصف الذئاب المنفردة غير حقيقي، وأن أجهزة الاستخبارات توظف الإرهاب سياسيا.

تاريخ الذئاب المنفردة

 

نشر المحلل السياسي جاسون بورك مقالا مطولا في صحيفة “الجارديان” يحاول سبر المفهوم الحديث للإرهابي الذئب المنفرد، ويقول أن هذا المصطلح طوره المتطرفون في الجناح اليميني في أمريكا عام 1983 حيث كانت منظمات اليمين تحت ضغط هائل من مكتب التحقيقات الفيدرالي “إف بي آي”، ونشر القومي الأبيض لوس بيم بياناً دعا فيه إلى مقاومة الحكومة الأمريكية بلا قيادة، وكان بيم عضوا في جماعة “كو كلوس كلان” وجماعة القوميات الآرية، وقال لأتباعه أن الحركة مؤسسة على “خلايا الرجل الواحد” لتقاوم أكثر الحكومات سلطة على وجه الأرض.

وبدأت الحركة في الانتشار في التسعينات، وصاغ توم ميتزجر زعيم المقاومة الآرية البيضاء، ومقرها في الهند، هذا البيان الذي يقترب من التعريف الدقيق للذئب المنفرد، وهو منشور على موقعه الالكتروني يعرف “قوانين الذئب المنفرد” قائلا “أنا مستعد للحرب القادمة، أنا جاهز عندما يتقاطع الخط..أنا مقاتل متمرد مستقل، إنا في أحيائكم ومدارسكم وأقسام الشرطة والبارات والمقاهي والمولات. أنا الذئب المنفرد”.

ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر تم التركيز على الإرهاب ذي الأيديولوجية الإسلامية، وتسليط الضوء على وصف كثير من الهجمات التي تفشل المخابرات في منعها بالذئاب المنفردة.

يقول تقرير “الجارديان” أن السبب في عدم منع العديد من الهجمات الإرهابية ليس لأنه من المستحيل التوقع بمرتكبيها، ولكن لأن أحدهم غابت عنه الحقيقة، فوكالات إنفاذ القانون الألمانية كانت مدركة أن الرجل الذي قتل 12 شخصا في برلين قبل احتفالات الكريسماس متعاطف مع داعش، وقد حاول ارتكاب هجوم إرهابي قبل هذا وفشل، وخالد مسعود الذي صورته الصحافة البريطانية بأنه الرجل العادي الذي ارتكب عمليات إرهابية وصفته المخابرات البريطانية “إم 15” عام 2010 بأنه “متطرف محتمل”.

ويشير تقرير “الجارديان” أن أكثر شيء مثير للقلق هو أن تخبرنا التفسيرات بما نريد أن نصدقه وليس بما هو جارِ،  وهو أن التهديدات الإرهابية تبدو محيرة وغير قابلة للتوقع، وتوظف تلك التفسيرات المسؤولية عن الفعل العنيف للأفراد أنفسهم، ولكن الحقيقة بحسب الكاتب أن الإرهاب هو شيء تفعله بنفسك، إنه اجتماعي للغاية، الناس تصبح مهتمة بالأفكار، الأيديولوجيات، والنشاطات المتطرفة قبل أن ترتكب أعمال إرهابية.

إذا هل يمكن أن نحدد ملامح الإرهابي المحتمل، هل نستطيع التعرف عليه ومنع وقوع العملية الإرهابية قبل ارتكابها؟ أم أن أي شخص يمكن أن يفعلها في أي مكان وزمان، ومن ثم علينا أن نكون متشككين حيال بعضنا البعض “نحن الأشخاص العادية”، وأن نتعاون أكثر مع السلطات التنفيذية.

مفاتيح فهم الإرهابي

 

يشير تقرير نشره موقع “فوكس” الأمريكي أن مفتاح فهمنا حول قابلية الناس للتطرف، وتوجههم لداعش هو أن ندرك أن الشبهات غير متعلقة بجماعة معينة أو دين.

يقول التقرير: “تحويل الشخص لمتطرف عملية من خلالها يأتي الأفراد أو الجماعات لتكييف وجهات النظر المتطرفة، خاصة وجهات النظر الدينية والسيسيولوجية، ولكن أن تصبح متطرفا شيء وإرهابيا شيء آخر، فليس كل الأفراد الذين يتبنون آراء راديكالية أو متطرفة يقررون الانخراط في العنف”.

وينقل الموقع الأمريكي عن محللين متخصصين في شؤون الإرهاب مكانتز وكلينت واتس قولهما: “يمكن لأي شخص أن يتعاطف مع منظمة إرهابية إذا كانت الظروف ملائمة”.

وقد حدد تقرير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي هوية الأشخاص الذين يرتكبون عمليات إرهابية مابين عامي 1980 و 2005 ووجدوا أن 318 منها وتشمل عملياتهم تفجيرات وحرق متعمد وتدمير وإطلاق نار أي 7% منهم متطرفون إسلاميون.

ويحدد مقال “فوكس” عوامل تجعل من الفرد أكثر عرضة للتطرف: وجوده في أقلية كبيرة مهمشة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، أو تعامل السلطة مع جماعات معينة كجاليات مشبوهة، مما يجعلها خاضعة لجهود محاربة الإرهاب، أو عداء ثقافي وتاريخي حيال دين بشكل عام أو الإسلام بشكل خاص، سياسات خارجية غير شعبية مثل دعم أنظمة مستبدة أو الانخراط في حملة عسكرية خاصة على دولة مسلمة، حضوره وسط شبكات التجنيد.

ويضع موقع “فوكس” قائمة أخرى تعتبرها قائمة مساعدة لصفات يمكن أن تزيد من احتمال تجنيد الفرد لداعش: روابط شخصية مع أفراد راديكاليين، الإحساس بالفشل الشخصي خاصة المتعلق بكسب شيء هام ومعنى الحياة، الرغبة في المغامرة والتمرد، وخبرة الحياة، الحاجة إلى الانتماء، الشعور بالشفقة والاهتمام بمعاناة الآخرين خاصة من هذا النوع الذي يُشعر المرء بروابط شخصية مع من يعاني وغالبا ما يكون رابط ديني وليس دائما، والمراهقة الصبيانية.

الحكومة الأمريكية غير جادة في الحرب على الإرهاب

استعرضت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير لها إجابات باحثين متخصصين في شأن الإرهاب، و وصفت التساؤلات حول دافع الناس للعنف، وما إذا كان يمكن صرفهم عن ذلك بأنها أسئلة أضعفت الحكومات حول العالم لأجيال، ورغم الملايين من الدولارات التي تُنفق في البيت الأبيض للعثور على إجابة، إلا أن التوافق في الآراء حول تحديد الشخص الذي يمكن أن يكون إرهابيا يظل بعيدا عن التوافق.
انتقدت كلارك مكولي، أستاذ علم النفس في كلية برين ماور وأجرت بحثا عن الإرهاب ممول حكوميا، تجاهل الحكومة الأمريكية لبعض النتائج تقول “إنهم يريديون أن يكونوا قادرين على فعل الأشياء الآن”، وتضيف “أي شخص يعرض شيئا الآن، يحظى بالانتباه” في إشارة إلى تجنب الحكومة للحلول طويلة المدى.
من جهة أخرى يرى باحثون أمريكيون، بحسب تقرير “نيويورك تايمز”، أن الأسئلة التي تعرف الإرهابيين وتتبع طرقا علمية نادرا ما تأخذ بها الحكومات، في عام 2005 خلص جيف فيكتوروف، عالم نفس في جنوب كاليفورنيا، إلى أن الأبحاث الرائدة في مجال الإرهاب كانت مجرد نظرية سياسية وحكايات “تفتقد إلى تحقيق علمي ممنهج ومنظم، مما ترك صناع السياسات يصممون استراتيجيات مكافحة الإرهاب بدون الاستفادة من الحقائق”. ويقول مكولي أن استنتاجاتهم يتم تجاهلها إذا ما ربطت الإرهاب بالسياسات الأمريكية.
وعندما تشير الحكومة على الباحثين بشأن ما يجب البحث عنه، غالبا ما يكون مستحيل معرفة أصل تلك المعلومات التي جعلت الحكومة تحث الباحثين حول “ما يجب البحث عنه”، فمثلا أعلن تقرير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب لعام 2012 أن القلق، والاحتياجات الشخصية، والإحباط، والصدمة تساعد على التطرف، وتقول الوثيقة “ليس كل الأفراد الذين أصبحوا متطرفين لديهم احتياجات شخصية غير ملباة، ولكن ذلك  يجعلهم أكثر عرضة للتطرف”.

ولكن، إذا كانت محاولات فهم الإرهاب مسيسة كما يقول باحثون في تقرير “نيويورك تايمز” فإنه سيتم توجيهها لمصادر الخطر المحتملة على النظام، الإسلام الراديكالي في الغرب حيث بشرت كتابات أمريكية بأنه التهديد للحضارة الأمريكية بعد أفول الاتحاد السوفييتي، أو الجماعات المعارضة مثل الإخوان والإسلاميين الراديكاليين الذين يهددون النظم في الشرق الأوسط، ولكن هل يمثل الإنسان العادي غير المسيس مصدر خطر على النظام العالمي والمحلي ليتم وضعه في قائمة الإرهابيين المحتملين؟.

إن ثورات الربيع العربي وحركات أوكيوباي تعتبر مثالا بارزا إلى أن “الشخص الأهم في عملية التأثير في التغير قد يكون هو الشخص الواقف بجانبك” بحسب تعبير كارون روس في كتاب “الثورة بلا قيادات” والذي ناقش فيه التحول البنيوي في وجود الإنسان العادي، من مجرد شخص سلبي متفرج على الأحداث السياسية بطريقة مشجعي كرة القدم إلى إيجابي يصنع التغيير، ويشرح مجال الإعلانات هذا التحول للإنسان العادي بشكل أكثر وضوحا.

يقول الكاتب أن باحثي الشبكات العنكبوتية اكتشفوا أن الواقع عكس ما تقوله بعض الكتب الحديثة فيما يصفونه بـ”نقطة الذروة”، فالمؤثرون ليسوا بالضرورة أن يكونوا أصحاب ابتكار توجهات جديدة، أي أحد يمكن أن يكون مؤثرا، والتكهن في من يكون صاحب التأثير في إطلاق أو تشكيل أي تيار محدد يكون متعذرا، وهو أمر بالغ الإثارة في السياسة حيث ما من أحد إلا ويستطيع أن يحدث نوعا من التغير الاجتماعي العميق.

وهناك شيء آخر سلط الكتاب الضوء عليه، أن ثمة آليات باتت تسهم في اختيارات الناس، مثل “التأثير بالعدوى” وهو أمر لاحظه أهل الدعاية والإعلانات، ويتجلى في ملاعب كرة القدم، حيث يمكن لأي فرد أن يصدر حركة تموجية أن يقلده جميع المشاهدين في الملعب، الشعور بقوة الشخص الفرد وسط المجموعة أمر تدركه جيدا مجموعات الألتراس، ولعل ذلك يفسر تصدرها في حراك ثورة الخامس والعشرين من يناير المصرية.

أمر آخر اكتشفه باحثون، بحسب الكاتب، هو أن الناس تميل إلى التقليد والتأثر بالآخرين أكثر من الامتثال إلى الأوامر أو تعليمات النظام،  وقد أوصى باحثون في جامعة هولندية الشرطة بالتشدد مع الناس في صغائر الامور حتى يمنعوهم من ارتكاب الجرائم الكبرى، حيث يميل الناس إلى تقليد غيرهم أكثر من الامتثال للقواعد.

وفي النهاية، فإن ميل الحكومات إلى تسييس الإرهاب، وقلة المحاولات الجادة للأخذ بالمقاربات العلمية، وتزامن ظهور حركة الإرهاب العالمية داعش مع قمع الشرطة في دول غربية وشرقية لتظاهرات واعتصامات راديكالية سلمية، إضافة إلى ميل الحكومات إلى تعريف الإرهاب بشكل فضفاض وعام وليس محدد،  كل تلك الإشارات تجعلنا نميل إلى أن داعش التي تهدد العالم “حتى وإن انتهت وجاء الإرهاب تحت مسمى آخر” هي حركة خاضعة لحسابات سياسية أكثر من كونها عدوا نبت في أرض العراق والشام بشكل شيطاني، تهدف السلطة عبرها من بين عدة أهداف إلى تحويل صورة الإنسان العادي من ناشط ثوري محتمل ضد انعدام العدالة والحريات إلى إرهابي محتمل، وكأن السلطات تعاقب الإنسان العادي على تمرده عليها وتريد إعادته إلى الصف والاهتمام بشؤونه الخاصة كما كان قبل 2011.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

دور قطر: هل تتخلى عنه الولايات المتحدة؟ ثمة أسئلة تطرح نفسها الآن: هل ستتدخل الولايات المتحدة لفض الاشتباك الحالي؟ وإذا تدخلت، كم سيكون حجم صفقة الأسلحة هذه المرة؟ إن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي يمكنها حل الأزمة بمكالمة تليفونية، إلا إذا كانت لم تعد ترى نفعا من دور قطر ولم يعد لديها مانع من تركها فريسة بين فكي السعودية.

صبري زكي

السيادة والتنمية

جلبير الأشقر

خطيئة الربيع العربي: استسهال الصدام مع الجيوش النظامية ان مسألة التعامل مع الجيوش النظامية مسألة شديدة الدقة والحساسية ولا يجوز التعامل معها بخفة أبدا. إنها مؤسسات تشكل أحد أهم أركان السلطة في أي نظام سياسي.

يزن زريق‎