عندما تصبح الصورة بألف كذبة

قضايا

19  يوليو  2017

ولقد …. فيطيب لي بأن ….. فإن هذه الواقعة وقعت ..

فهي إذا واقعية …. وبالتالي فقد تم تلحين هذا اللحن…

بعد أن وقعت هذه الواقعة”.

زياد الرحباني – مربى الدلال

نجح الشعب المصري، وخاصة النشطاء من الشباب، في التحكم والسيطرة على الصورة، أي على تصوير المشاهد ورواية الأحداث، خلال ثورة 25 يناير 2011. ونجح المجلس العسكري في الأمر نفسه في 30 يونيو 2013 وبدون ذلك النجاح ما كنا لنصل إلى المرحلة التي نعيشها حاليا. وعلى الرغم من أن الثوار والمجلس العسكري قاما بنفس الأمر إلا أن  الأداءان الأول والثاني يختلفان إختلافا هائلا.

لا يوجد حصر للصور التي ألتقطت لأحداث 25 يناير، وربما ذلك لضخامته، رغم نسيانه المقصود اليوم. هذه الصور لعبت دورا مهما في إسقاط مبارك لأنها كانت في المشهد الأول/المركزي عالميا ومحليا لمدة ال18 يوم التي احتل فيها الشعب ميدان التحرير. كانت الصور – مثل الأحداث – تلقائية ، ينقص الكثير منها أداة مصور محترف ولكن مشبعة بالإحساس عن الصدام بين الشعب والنظام الحاكم – تضامن المتظاهرين وبطولة بعضهم ووحشية الأمن وإصرار الطرفين وعجز الأمن أمام الأعداد الهائلة، وفي النهاية، إنتصار الشعب.

وبجانب التصوير الفردي على الموبايل، كان الشباب الناشط مبدع في تجميع هذا التصوير ورفعه على النت للمشاهدة العالمية المستمرة بحيث صارت وسائل الإعلام المصرية الرسمية كومبارس في هذه المعركة لأسباب كثيرة.

في يومي 25 و28 يناير لا أحد كان يعرف أن الرئيس مبارك سوف يستقيل بعد قليل، وإسقاط مبارك لا ينفصل عن نجاح الشعب في السيطرة على الصورة في هذه الفترة الحاسمة.

كذلك لا ينفصل نجاح المجلس العسكري في التحكم  بأمور البلد عن الاستيلاء على هذه الصورة من الشعب وإدارتها بدقة شديدة، وإن بطريقة مختلفة جذريا عن طريقة 25 يناير.

بعد أسقاط مبارك، إمتلأت البلاد بنوع معين من الصور، ثورة يناير تبارك للشعب على إنتصاره ضد القمع وتهنيء بطولة الشباب وتمجد حسن أخلاقه في إدراة المعركة ضد السلطة، صور مثل هذه الدعاية لشركة موبينيل، وغيرها بالآلاف.

إلتقطت هذه الصورة في مطار القاهرة الدولي في يناير ٢٠١٢ والتقطتها لسببين، إندهاشي من مركزية موقعها في قلب النظام ، فالمطار من أبرز المواقع الأمنية تحت سيطرة النظام من الناحية المدنية والأمنية وهو البوابة الرئيسية لملايين من الزوار للبلاد فليست بالصدفة أن ملامح الصورة وكلمات الرئيس الأمريكي واللوجو بالإنجليزية. السبب الثاني هو التجرؤ الشديد من شركة موبينيل التي شاركت، هي نفسها، في قطع الاتصالات من يوم 28 يناير 2011 لمدة خمسة أيام في تواطؤ تام مع نظام مبارك، أو حتى خضوع له.

 

لا أدري  بشكل قاطع إذا هذه الصورة من ضمن صور ثورة يناير بالفعل ولكن هناك استخدام واضح لبرنامج “فوتوشوب” في الإضاءة وتركيب عنصريها الأساسيين فمن السهل إخراج هذه الصورة لكي تظهر وكأنها ألتقطت في ميدان التحرير أثناء الأحداث.

كان هناك فترة بعد استقالة مبارك حيث يحتفل الشعب كل جمعة في ميدان التحدير وكان من عادة الباعة أن يلونوا وجوه الأطفال والشباب بألوان العلم وللمقارنة إلتقطت هذه صورة في ميدان التحرير في يوليو ٢٠١١ عندما احتل الشعب الميدان للمرة الثانية معترضا علي سياسات المجلس العسكري.

في عهد المجلس العسكري شاهدنا صورة الجندي الذي يحمل طفلا صغيرا في شوارع القاهرة والإسكندرية. ليس هناك مجال هنا للقول أن الصورة غير مركبة. إنها صورة مركبة ومزيفة ولكن حاملة للمعنى المناسب للمجلس العسكري. هل هذه الصورة صح أم خطأ، واقعية أم غير واقعية؟ ليس هناك معنى للسؤال أصلا. الهدف أن نري الصورة مئات المرات كل يوم، حتى تصبح حقيقة، أو حتى بديهية، رغم ان علاقتها بالواقع وهم.

في سلسلة طويلة من الصور المدبرة التي أنتجت أو صنعت بعد ثورة يناير لإمتصاص غضب الشعب والسيطرة على أفكاره وأحلامه، ظهرت الصورة المركبة التي احتلت مكان الشرف وراء الأستاذ عمرو موسى في أعلان الدستور الجديد الذي أوهموا الناس أنه سوف يحل مشاكل البلد. سرعان ما اكتشف الناشطون من الشباب تزييف الصورة الهائلة الحجم والتي تحمل ختم النسر – أن “دستور كل المصريين” مكون من صور ثلاثة أجانب وصورتين لمصريين، واحدة لروان الشيمي، صحفية مصرية، وواحدة لسائح من جمهورية التشيك – يعني صورة مزيفة على كل الأصعدة. فُضحت لجنة الخمسين الموقرة وقدمت الهيئة العامة للإستعلامات اعتذار رسمي نصه أدناه

بيان صحفي
الاستعلامات ترد على خطأ خلفية مؤتمر الدستور وتعتذر في إطار المسئولية
تُقدم الهيئة العامة للاستعلامات، اعتذارها رسمياً على ما جاء بالخلفية التي ظهرت في المؤتمر الصحفي للسيد/ عمرو موسى، وأعضاء لجنة الخمسين الموقرة، للتعريف بمشروع الدستور الجديد.
وإذ تُعرب الهيئة العامة للاستعلامات عن تقديرها للدور الذي تقوم به وسائل الإعلام الدولية والمحلية من دور هام في تلك المرحلة الدقيقة التي تمر بها مصر، فإنها تود أن توضح مجموعة من الحقائق كالتالي:
أن الخلفية التي ظهرت في المؤتمر الصحفي العالمي للسيد/ عمرو موسى، وأعضاء لجنة الخمسين الموقرة، للتعريف بمشروع الدستور الجديد، قد تم تقديمها؛ قبيل ساعات قليلة من بدء المؤتمر، كتبرع من إحدى الجمعيات الأهلية المصرية التي تقوم بالدعاية للدستور.
أنه قد تم التوجيه بإجراء تحقيق رسمي للوقوف على ملابسات تلك الواقعة، وبالتواصل مع مسئولي الجمعية أكدوا أنهم لم يتعمدوا تلك الأخطاء.
وفي إطار الاعتراف بالمسئولية، تؤكد الهيئة العامة للاستعلامات على استمرارها في العمل على تدارك كافة الأخطاء والسلبيات مستقبلاً، فإنها لا تنفي مسئوليتها عن الخطأ.

لم أفهم حتى اليوم  كيف أن “مسئولي الجمعية أكدوا أنهم لم يتعمدوا ذلك الخطأ” في صناعة هذه الصورة، فكيف يمكن القبول بأن الصورة مكونة من صور مسروقة، بمحض الصدفة البحتة مثلا، وحتى من مواقع إلكترونية مختلفة! ولم تستأذن هذه الجمعية الأهلية المصرية المذكورة في الأعتذار بالمجهول/ بلا إسم من الصحفية روان الشيمي لاستخدام (وتقديم أي مكافئة) صورتها للجندي في هذه الصورة ولم تكن تعرف روان الشيمي عن الإعتذار الرسمي لهيئة الإستعلامات.

احتلت الصورة الفوتوغرافية – لمدة 150 سنة من تاريخها وحتى الثمانينيات من القرن الماضي – منصب الحقيقة المطلقة. ولكن في أيامنا هذه، ومنذ 25 سنة تقريبا، صرنا نعيش في عصر الصورة المركبة، صورة علاقتها بالواقع غامضة ومقصود غموضها ويمكن أن تكون في أيادي فنانين لتقدم أمثلة راقية من الجمال والتفكير والعمق البشري، ويمكن أيضا أن تكون في أيادي السلطات القمعية – أي ليكون دورها تسهيل مزيد من السيطرة والقمع.

لسنا فقط في عصر الصورة المركبة المزيفة بل في عصر الأحداث المركبة، المصنعة فممكن ان نتذكر حركة تمرد في أول ظهورها كحركة شعبية أسسها ثلاثة شباب ناشطين وانتشرت تمرد انتشارا هائلا في وقت ضئيل أدى إلى مظاهرات شعبية ضخمة  في القطر المصري كله. ورأينا الصور لهذه المظاهرات تأكيدا على أنها أكبر وأوسع من مظاهرات 28 يناير و11 فراير 2011، فصارت ٣٠ يونيو الثورة الشعبية الثانية ضد الرئيس محمد مرسي والإخوان المسلمين.

أتذكر صور الفيديو التي التقطت من مروحية للمخرج، وحاليا النائب، خالد يوسف نرى فيها أعداد هائلة من الشعب المصري في ميدان التحرير وقصر الإتحادية. كيف استعد الأستاذ خالد يوسف للركوب في مروحية عسكرية بهذه السرعة لكي يلتقط هذا الفيديو؟ وأين صور مظاهرات 28 يناير التي قهرت جهاز الشرطة من مروحية عسكرية؟ في يوم 30 يونيو وصلت الأعداد الهائلة من الشعب إلى هدفها بدون أي معارضة وعنف على عكس 28 يناير. ولكن نظل صامتين أمام دلائل الصورة ولم نسأل ما وراءها وماذا تحجبه.

كانت مظاهرات 30 يونيو وبالتالي كل ما رأينا من مشاهد هذا اليوم مدبرة ومركبة ومخططة من قبل: أعلن جهاز الشرطة عدم إعتراضه للمظاهرات فنزل الشعب بدون خوف أو تردد من العنف القمعي – على عكس النزول للشارع يومي 25 و28 يناير 2011 – وكان الإعلام الرسمي يمسخر الرئيس قبل ذلك طوال أشهر عديدة.  واكتشفنا بعد ذلك – بعد ان استتب الوضع ورجعت القوى الحاكمة من جديد – الإرتباط الوطيد بين حركة تمرد والأجهزة الأمنية على أعلى مستوى.

ألهمت الصورة الشعب وخدعت الصورة الشعب أيضا. صارت الصورة سياسة. ولكن لكثرة صناعتها كل يوم نتيجة للتقنيات الحديثة من الضروري أن نسأل لماذا أرى هذه الصورة وليس غيرها وماذا تحجب هذه الصورة  في بقية الصور.

أختم بصورتين – صورة فوتوغرافية من ١٩٦١ وفيديو من رمضان الماضي  – لشخصيتان أجنبيتان أثناء زيارتهما لمصر.

يعرف الشعب المصري كله اللاعب البرتغالي رونالدو، أشهر مهاجم لفريق ريال مدريد. يظهر رونالدو في فيديو دعائي للبلاد أثناء زيارته لمصر، يركب خيل عند الأهرام وينبهر بالنيل والحضارة الفرعونية والإسلامية ويزور منطقة الحسين ويلعب الكرة مع أطفال هناك ويزور مولودين جدد وأطفال المدارس. يختم هذا الفيديو المحترف بكلمات عن مصر والجيل الجديد ويربطهما بصناعة الحديد المصري. الصورة المحترفة واضحة ومليئة بمناظر جميلة ومناطق القاهرة التراثية وأطفال وجوههم رياضية، ذكية تبرق. وفي نفس الوقت الصورة أيضا سطحية، ممثلة تمثيل غير صادق وبلا إحساس. إنها صورة بلا مضمون رغم مجهود واحتراف المخرج وفريقه.

واكتشفت بعد ذلك أن  رونالدو لم يزر مصر لتصوير الفيديو وصورة وجهه مركبه على باقي الصور الفيديو بتقنيات حديثة مستخدمة بشكل عادي في الإعلان الحديث. الفيديو كاذب ليس بالإحساس فقط بل بالحقيقة ايضا. لم يزر رونالدو مصر أبدا وانتشار الفيديو ليست له علاقة بواقع الأحداث.

لم أقابل أحدا في مصر يعرف هذه الصورة للعازف المشهور لويس أرمسترونج وألتقطت أثناء زيارته مع زوجته الى مصر من ضمن صور كثيرة موجودة في متحف باسمه في مدينة نيويورك. كانت ظروف هذا المشهد وغيره جزءا من حملة ثفافية أمريكية بعثت فيها الدولة أحسن عازفيها لموسيقى الجاز إلى بلاد العالم. صورة أرمسترونج وهو يعزف الترمبيت في إحدى مستشفيات الأطفال في القاهرة بسيطة للغاية وينبع جمالها من ذلك. انتظر المصور غير المعروف هذه اللحظة المصورة ويشكل هذا الانتظار جزءا كبيرا من ذكاء واحتراف المصور الذي حافظ على، وعبر عن، ووصل لنا، البهجة والفرح عند الأطفال وعند أرمسترونج أيضا بدون تصنع وتزييف وكأننا أمام المشهد والموسيقى والضحك يرنان في أذننا.

منذ سنة ٢٠١١ وحتى الآن استمتع الشعب المصري بمجوعة صور فوتوعرافية وفيديو ساهمت مساهمة كبيرة في تغيير ظروف حياته من الحلم الذي عبر عنه في ٤ كلمات الى واقع لا يعبر عنه أي حلم. في فترة الهدنة – من بعد إسقاط مبارك الى مجزرة ماسبيرو – عندما تغير كل شيئ شكليا ولا شيئ تغير بالفعل استخدمت السلطات الحاكمة الصورة المجملة، التي يحن اليها الشعب ويرغب من كل قلبه أن تتحقق، في تدمير الحلم.

تلهم وتوحي الصورة الفوتوغرافية وتخدع أيضا، إنما قراءة الصورة من مجرد شكلها السطحي وهم وغرور. وبعد ذلك ننسى.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الفلاحون والثورة في مصر: فاعلون منسيون إن فهم علاقة الفلاحين بالثورة يحتاج أولا إلى انفتاح زمني لما قبل وما بعد لحظة الـ18 يوما، وثانيا إلى انفتاح جغرافي يرصد ويحلل ما يحدث خارج حدود العاصمة وفضائها العام، وأخيرا إلى انفتاح معرفي لإعادة تعريف ماهية الثورة وأشكال الحراك الثوري.

صقر النور

تجربة محمد منير بين انتفاضتي (يناير “1977 و2011”) ما قدمه منير من أغنيات يمكن وصفها بالحب التقدمي أو واقعة تحت سيطرة حالة شجن رهيبة ظلت تصل ما ساد بعد نكسة يونية، هي نتاج موهبة شعراء وملحنين مثلما حدث مع عبد الحليم حافظ في تجربته، ولكن هذه المرة ممزوجة بطعم الشعور بالمرارة والإحباط حتى لو كانت تتوق للحلم والآتي.

أيمن عبد المعطي

الانتخابات لماذا؟

هاني شكر الله

الاقتصاد السياسي والحركات العمالية والانتفاضات الشعبية في 2011 تميل التحليلات الغربية للانتفاضات العربية التي اندلعت سنة 2011 إلى التأكيد على دور شباب الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي أو منظمات المجتمع المدني. ولعل التركيز على الحركات الاجتماعية للعمال والعاطلين قبل اندلاع هذه الانتفاضات وأثناءها يوفر مزيدا من العمق التاريخي والفهم الأصيل.

جويل بنين