يناير والثورة المفارقة للدولة

قضايا

16  يوليو  2017

ليس ثمة شيء أكثر فزعا – على المستوى الفردي– من فقدان المعنى، فقدان الجدوى من الوجود  كذلك الدول لا شيء يمكن أن يكون أكثر انحدارا من فقدان المشروع والقدرة على إحداث نقلة نوعية على المدى الطويل للشعوب التي تتمتع تلك الدول بامتياز حكمها، تحيل سردية المشروع والتوجه لعصر الرأسمالية الوطنية الذهبي، بحسب هوبسباوم من 1948 إلى 1973، هذا العصر والذى شهد بحسب الاقتصاديون الثورة الكينزية ودولة الرفاهة الاجتماعية في الشمال الرأسمالي، بينما ظل الجنوب أسير المرحلة الثالثة من إعادة إنتاج القومية وما ترافق معها من سيطرة الدول على المجالات العمومية والخصوصية في حياه مواطنيها، تبع ذلك مقايضة شهيرة أسست على رحاها الشرعية السياسية لدول ما بعد الاستقلال السلطوية، كانت المقايضة تتعلق بالاقتصادي في مقابل السياسي، وفقت بعض تلك الرأسماليات في الجنوب في مسعاها نحو تحقيق نمو مستدام  لكن الجميع ظل أسير فخ التبعية للشمال الرأسمالي، وعلاقات إنتاجه المتطورة، ولم يفلح في تطوير مشروع خاص به بعيدا عن تلك التبعية، يحيل الماركسيون هذا الفشل للسيولة الطبقية وغياب التراكم الرأسماليالحقيقي بينما يدفع الليبراليون لغياب المقرطة، قد تتشابك عدة أسباب وعدة إحالات لكن في النهاية كل الطرق أدت إلى روما، روما محترقة ترزح في بئر عميق من الفشل، وعلى الجميع في لحظة ما دفع فاتورة هذا الفشل، ربما يكون لفظ الجميع هنا غير موضوعي لكن بشكل ما يبدو متحققا على الأرض فمن سوف يدفع سوى الجميع ليست الطبقات الفقيرة وحدها من سوف تدفع ثمن هذا الانحدار الطويل، بل الجميع.

يبدو سيناريو الفشل هذا أكثر وضوحا في الحالة المصرية، دولة كبيرة تمتلك عدد سكان يتخطى الـ90 مليون تعيد إنتاج فراغها السلطوي بدون أي محاولة جادة للتغيير،حتى المحاولة الوحيدة تم قتلها وحيدةفي ميدان وما زالت تنزف حتى الأن، ربما كانت تلك المحاولة هي الأكثر جذرية للتغيير من أجل الخروج من هذا المأزق الوجودي للدولة المصرية الحديثة، لكن نخبها أبت هذا الخروج وراهنت على قدرتها على القمع والغباء السياسي وإعادة تدويرها للفراغ القمعيالسلطوي الذى تأسست شرعيتها الأولى عليه، إلى أين يمكن أن يستمر القمع؟ كان هذا هو السؤال الذى طرح بعد أقل من 6 أشهر فقط من 3 يوليو، راهن كثيرون أن الأمور لا يمكن أن تسوء، لا يمكن أن نرتد لحقبة مبارك، حتى أكثر المتشائمين لم يكن ليقول أننا بصدد فاشية عسكرية صريحة قادرة على الذهاب بالقمع السياسي إلى حدود الجنون، بل وتحجب المواقع وتهدد بغلق الفيسبوك لنشرة للشائعات، توالت لحظات الجنون في كل شيء حتى في القدرة التياكتسبتها الدولة المصرية الحديثة من تقليد يوليو 52 على القيام بالمقايضة الشهيرة، تلى ذلك إجراءات اقتصادية عنيفة رفعت معدلات التضخم ل 32 % ولم يكن أحد ليتوقع هذا السيناريو، فكيف يمكن لدولة أن تتخلى عن قاعدتها الاجتماعية ؟. توالى الجنون سواء في الحياه اليومية السياسية التي تعبر كل يوم عن قدر أكبر من تفاهة النخب الحاكمة وعدم قدرتها على صياغه أي مشروع، وعن تفسخ اجتماعيلا يمكن حتى للدولة ضبطه.

حول الشرعية السياسية لنظام يوليو 2013

ليس هناك شرعية سياسية تتأسس على الفراغ، حتى لو ساد هذا الفراغ الذى يبدو واضحا للعيان من تخلى الدولة المصرية عن شرعياتها السياسية القديمة والتي ترافقت ليس فقط من لحظة يوليو 1952 وإنما يمكن الجزم بأن نواة تكوينها جاءت منذ محمد على، وبراءة الاختراع التي لا يمكن نسبها لشخص ما مع تأسيس الدولة الحديثة في عهد محمد على، تبدو العلاقة بين مفهوم الأمة والدولة جدلية وخاصة في الأمم التي جرى تحديثها قصريا بحسب رؤية تيموثى ميتشل للحالة المصرية، وإن كانت تلك الرؤية يشوبها أيضا اختزال كبير لما تعنية الأمة والدولة في الحالة المصرية سواء في لحظة التأسيس أو في استمراريتها الحالية، لكن هناك بشكل ما شبهاتفاق عام على أن الستة عقود الأخيرة تأسست على مقايضة بين المجالين السياسيوالاقتصادي، استطاعت فيها البرجوازية العسكرية والبيروقراطية المدنية القيام بمقايضة بين الحقوق السياسية والحقوق الاقتصادية، بدت هذه المقايضة كنموذج أكثر تشوها للرأسمالية الوطنية ودولة الرفاهة الاجتماعية، لكن هناك من السرديات الكبرى الوطنية ما جعلها تبدو أكثر تماسكا وقدرة على الدفاع الأيدلوجي عن وجودها في لحظات الانحدار الطويلة، فمثلا حتى الذين يتخذون مواقف معارضة تقف بجانب العدالة الاجتماعية والحرية وغيرها من مطالب يناير لم يتمركز خطابهم –اللهم إلا في السنوات الأخيرة– حول طبيعة الاقتصاد العسكري ومساحات السيطرة التي يتمتع بها، كانت السردية الكبرى التي تحكم الجميع هي الدفاع عن الأرض ضد أي عدو محتمل، وكانت إسرائيل هي هذا العدو المحتمل بوضوح شديد، لكن بعد كامب ديفيد ظل الوعى الشعبي  وحتى وعى قطاعات كبيرة من البيروقراطية المدنية أن السلام لا يعنى غياب تلك الشرعية، فحتى عندما لا تكون إسرائيل في الواجهة يلوح أعداء محتملون أخرون، فمرة هم الإخوان ومره أخرى هي المؤامرات الخارجية أو الاثنان معا، تبدو سردية خلق عدو محتمل تلك مختزلة بشكل كبير، ومرتبطة بتعقيدات مختلفة حول طبيعة الدولة وجهازها البيروقراطي وهل فعلا يؤمن هؤلاء بأن هناك أعداء أم أن هذا نوع من التأطير الخطابيالنهائي لمشروع مهترئ في الأساس؟.

يدافع بيندكت أندرسون في كتابة الشهير جماعات متخيلة (imagined communities ) عن أن نشأة الأمة في مراحل تأسيسها الأولى تعتمد بقدر كبير على تخيل وجود ما يسمى بالتاريخ المشترك الذى يضرب بأعماق جذوره في البعيد الزماني، حتى يمكن من ثم صياغة هذا الحاضر المكاني، المتعلق بالشعور بالتأكيد بأنه بما أننا نمتلك تاريخا مشتركا فلابد أن نمتلك حاضرا زمانيا مشتركا، ومصالح مشتركة، يبدو طرح أندرسون بشكل كبير إشكاليا بل أنه يعاد استخدامه من قبل المهاجمين للقومية بطريقة متجزئة تتعلق بالتسفية بالأساس من “الأمة” بما أنها نشأت على الخيال في الأساس، لكن أندرسون نفسة يؤكد على أنه من المستحيل بشكل ما نفى هذا الخيال المشترك لتلك الجماعات، فكيف يمكن أن تقنع جندي يدافع عن أرضة أنه لا يمتلك أي مصلحة أنية أو أي تاريخ مشترك للدفاع عن تلك الأرض.

على هذا المنوال صيغت شرعية يوليو 1952 وأربع حروب صاغت هذا الانتماء التخيلي  وعضدت من مساعي الدولة في إيجاد شرعيتها الأم في الخطاب الذى تطرحه، وصاغت شرعية سياسية تبدو حتمية في وجهة نظر البعض، وبعيدة عن أي عقد اجتماعيضمني من الممكن أن تكون الدولة المصرية قد أبرمته مع مواطنيها في مراحل تاريخية مختلفة، شرعية الحماية وفى القلب منها حماية الأرض شكلت هذا الخطاب، وارتضى الجميع هذا، ولم تلفح أية محاولة في أخر 40 سنة عاشتها مصر بدون حروب في التفكير في خطاب أخر.

الشارع والجماهير وميتافيزيقا الحضور

لا يمكن توقع الثورة ولكن يمكن الدفع تجاهها، ولأنه لا يمكن توقعها فأنت لا تعلم في أي وقت يجب التحريض عليها، تبدو الاشكالية بسيطة جدا، فطالما أن للجماهير مطالب لم يتم تحقيقها فسوف يتحركون، لكن هل يتحرك الجماهير فقط من أجل ما يريدونه؟ أم أن هناك سرديات كبرى تأخذ طابعا ميتافيزيقا لتحركهم؟. يدافع ما بعد الحداثيون وما بعد القوميون على أن لحظة الانهيار للكتلة الشرقية وخاصة دول أوروبا الشرقية الاشتراكية بدون صدامات عنيفة نسبيا تجلت لحظات الفراغ الايدلوجى للسرديات الكبرى، فلم  تعد الأيدولوجيا تلعب دورا مهما في خيارات الناس اليومية، مضى عصرها الذهبي، ولو اعتبرنا أن سردية “الأرض هي العرض” كانت سردية هامة وكبرى في المجتمع المصري فنحن الأن أمام سقوط غير مدوي لها، سقوط لن يكون ثمنه غاليا كما أتوقع.

كانت وما تزال يناير هي معركة حول التاريخ وسردياته في هذا البلد، حول إمكانات الدمج اليومي للمعرفة التي تمتلكها السلطة وتكوين سرديات متسقة حول الدولة التي ترعى مواطنيها، يناير كانت اللحظة التي توقف عندها المدجنون داخل الدولة كمفارقين لها حتى ولو جزئيا، لذلك في رأيي يبقى موقف النضال من أجل التغيير في هذا البلد خارجيا، يتعلق بعوامل خارجية عن سلطة الدولة ومساحاتها السلطوية، بمعنى أنه لكى تتحرك الجماهير عليها تجذير شعور وعى ذاتي بأن ثنائية الدولة والمجتمع ما زالت موجودة، ويعتمد هذا التجذير في اللحظة الحالية من وجهة نظري على شق اقتصادي بحت، حيث تتراجع الدولة تراجعا كبيرا عن دورها الاجتماعي، أو ما يمكن أن يطلق عليها صراحة تتراجع عن رشوتها الاجتماعية للطبقات الدنيا في المدينة والريف والتي شكلت حجر الأساس لمقاومة أي تغيير ديمقراطي تطالب به النخب الثورية المدينية. تشكلت يناير بفضل لحظة حضور مادى ورمزي للمواطن المديني في الفضاء العام، أكتسب لاحقا شرعيتها الخاصة القائمة على عدم تكون رؤية متناسقة لها لكن فاعلون قادرون على طرح خطاباتهم على تنوعها في المجال العام، شكل الشارع والقدرة على الحشد فيه بعدا رمزيا كبيرة لانتصار الثورة كما شكل في لحظة تراجعها بعدا رمزيا أخر لهزيمتها، لكن لا يمكن حصر الرمزيات تلك كتجسيد مادى عن الواقع الذيأنتجته يناير، كان جيل الشباب هو وقود الثورة وضحيتها في أن واحد، قدرة هؤلاء على طرح الخطابات هي ما شكلت حدود المجالات العامة للنقاش في لحظة ما، حتى في لحظة التراجع ظلت تلك الحدود والمتاريس التي صنعها هؤلاء حول مجالاتهم العامة باقية، هنا لا يمكن الإحالة لسردية التباينات المختلفة بين الفاعلين الثوريين كأفراد وحتى الحركات التي تبنت الثورة خطاباتها المختلفة لأنه بشكل كبير تميزت السيولة التي أنتجتها الخطابات المختلفة بأنها قادرة على فرض نفسها والتعايش مع اختلافاتها، فمثلا خطابات مثل حرية المثليين رغم اعترافيالشخصي بأنها  قد تكون غير مقبولة بشكل كبير في أوساط القوى الثورية في مصر إلا أنها اصبحت محل نقاش، هذا ما يمكن تسميته بالحدود التي أنشأتها اللحظة الثورية في يناير بعيدة عن كل قمع أو سلطة.

صيغ ما يمكن تسميته بالصفقة الجديدة بين الدولة والمجتمع في مصر في الشارع، على مرأى ومسمع من الجميع، أصبحت جمل على غرار “انتخبوه ولو معجبكوش الميدان موجود” كثيرة التردد، حتى في لحظات التراجع كان هناك أمل خفى بأن خيار الميدان سوف يبقى كائنا، لم تعد الدولة قادرة بشكل كبير على ممارسة الضبط الاجتماعي خاصة لفئات الشباب فكان اللجوء للقمع السلطويالجسدي هو الحل المباشر.

تعددت أشكال المقاومة فيما تلى يناير فمن تجارب صحفية مستقلة وحتى تجارب لتقديم الفن البديل من إنشاء تعاونيات ومحاولات لتأسيس فضاءات عامة جديدة بعيدا عن سيطرة الدولة كانت الدولة فعلا على المحك، وقدرتها التاريخية على ممارسة الضبط الاجتماعي للمجتمع أيضا على المحك، لذلك كان الرهان منذ اللحظة الأولى حول معركة اكتساب المساحات ومن ثم مأسسة التحولات في تلك المساحات، في رأيي نجحت يناير بشكل كبير في المرحلة الأولى لكنها منيت فشل ذريع في المرحلة الثانية وهو ما جعل الدولة تتقدم بخطوة لتعيد تأطير المجتمع وتوجيهه نحو خطاباتها الأداتية ذات الشرعية التاريخية فمن خطابات أن هؤلاء “ممولين من الموساد” وحتى خطابات  “صديقى العزيز بيريز”والتي جرى استخدامها بشكل كبير للترويج لسلطة 3 يوليو، لكن تلك الخطابات لم تصمد كثيرا بسبب انتشار أخبار التنسيق الأمنيمع إسرائيل لمحاربة الإرهابيين في سيناء، لكن وبكل ذكاء تتقرر الدولة التراجع للخلف قليلا لتعيد دمج سردية الإرهاب مكان سردية إسرائيل.

ثمة قلق يمكن التعبير عنه بكل أريحية وهو حول مألات تلك الشرعية، إلى متى سوف تستمر؟! هل سوف تدفع لسيناريوهات أكثر طائفية لمجتمع طائفي من الأساس؟! إلى أى حد سوف تذهب الدولة بجنونها؟! وإلى أي حد سوف تنجع يناير في مأسسة التحولات التي وضعت بذرتها الأولى؟! لا يمكن الإجابة على تلك الأسئلة بمنطق التفاؤل والتشاؤم حول مستقبل هذا البلد، لكن في رأيي الأمر يحتاج للكثير من النقاش من أجل تجذير ما جاءت من أجله يناير.

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. احمد عبد الرحمن

    محمد سامح ما كل هذا الكم من الاصلالحية المفروض يتسمي الموقع بالبرتقالي علي كده

موضوعات ذات صلة

الثورة أكثر انتشارا مما يرغب حكامنا في أن نعتقد تحدثت سالي كامبل إلى ديف شيري، مؤلف الكتاب الجديد: روسيا 1917، حول أهمية الثورة الروسية اليوم، ولماذا مازال طابعها الديمقراطي الشامل مخفيا داخل السرد السائد.

سالي كامبل  ,  ديف شيري

مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (3) مما لا شك فيه هو أن "النخبة" هي الابنة الشرعية بامتياز للعهد المباركي، أي العهد الأكثر ركودا وبؤسا وخواءً سياسيا وفكريا في تاريخ مصر الحديث.

هاني شكر الله

أغاني الثورة والمقاومة “وداعا يا جميلة” لقطة من فيلم روما مدينة مفتوحة للمخرج الايطالي روبرتو روسليني انتاج عام 1945

أوراق من اليسار المصري: وثيقة”طبيعة السلطة البرجوازية في مصر” لقد وجهت الطبقة الجديدة ضرباتها إلى رأس المال الكومبرادوري، والى رأس المال الاستعماري كما عملت على تصفية كبار ملاك الأرض كطبقة، وأدى ذلك إلى الخروج من قبضة السيطرة الاستعمارية الاقتصادية. ونجد أثر ذلك في الريف، فقد فتح الباب على مصارعيه لنمو العلاقات الرأسمالية فيه. وقد نمت الطبقة الرأسمالية الزراعية (من 10 - 50 فدانا) من ناحية العدد، ومن ناحية حجم الملكية، ومن ناحية نسبة ما تمتلك من أرض إلى المجموع العام.

بالأحمر

أزمات الرأسمالية الديمقراطية إن الشكوك بأن الرأسمالية والديمقراطية لا يمكن الجمع بينهما بسهولة ليست جديدة على الإطلاق. فمنذ القرن التاسع العشر، وكذلك في القرن العشرين، كانت البرجوازية وقوى اليمين السياسي تخشيان من أن حكم الأغلبية، الذي بدوره سيرسي حكم الفقراء على الأغنياء، سيقتلع الملكية الخاصة ويتخلَّص من الأسواق الحرة.

وولفجانج ستريك