لا أحد ينام في القاهرة

أفكار

11  يوليو  2017

يتصل الناس ببعضهم، يكتبون في صفحات الفيسبوك، يشتكون في العيادات: لا ننام.

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت أو سمعت فيها عن هذا. لا أقصد أولئك الناس، الطيبون والأشرار، المسالمين والعدوانيين وغير المكترثين، الذين توقفوا آلافا في كباري مصر وميادينها في ليال العيد، أو المئات في غير ليال العيد، أقصد أناس تأكلهم أدمغتهم حد مقاومة السلطان الأعظم سلطة في تاريخنا البشري، سلطان النعاس والنوم.

في غيبة النوم تضيع الأحلام، والحق أنها قد غادرت قبل سنوات، الأحلام الكبيرة أولا، ثم تبعتها الصغيرة بخفة الهواء، الهواء الذي أفسح مكانه لأدخنة النيكوتين والعوادم، وذرات الغبار، والرطوبة التي تكاد تنشع من كل شيء، تكاد تتساقط قطراتها من الكلمات ذاتها. اختفت الأحلام الصغيرة في أسعار ترتفع، وأموال تشح، وامتدت صحاري الوحدة واليأس لتأكل مشاعر التقدير والتحقق، في وقت من حيواتنا تضاعفت فيه الطباع المعتادة في تقدير المادة ووزن الأشخاص على أساسها. وقت من حيواتنا صار فيه قول الحق، أو ما يتصوره المرء حقًا، يعني الحرمان من المادة: إن لم تكن عضوا في الحفل، مسامرًا لطيفًا ودمثًا، ومصفقًا متحمسًا مؤمنًا بغيبيات القدرات الرئاسية التي جبت كل شيء، فأنت وحدك، أنت وأولادك وعائلتك، في مهب ريح فيها الخبز صار يأكلك كما تأكله. في الستينيات، في ذروة ما تخيلناه غشما مطلقًا، كان الثمن محبس أو منفى، قيزيقي أو شعوري، لكن كانت هنالك بطاقة تموين، كانت هناك مدارس، كان هناك حبال للنجاة وللشنق في آن، ننقذك وهو حق لك، وعليك أن تصمت فهو حق لنا. الآن يجب عليك أن تصمت، وإلا أكلك القوت. استحال الحبل شنقًا فحسب.

اختفت الأحلام، واستحالت قبلها أحلام اليقظة لمخاوف وكوابيس، وتبعهما النوم.

وفي غياب النوم تترنح الأجساد ماشية كالجثث، وتترنح العقول لتتكلم كالجثث: أحدهم يقول لك أن ما فٌعل بتيران وصنافير لهو حكمة لا يعرفها إلا القائد والدولة. أحدهم يبدأ في الصياح بأن ما فعله كمال خليل بالاعتراف الطوعي، تسجيلا لقضية وموقف، لهو موقف “الثائر الحق”، وأن هؤلاء من يتجنبون السجن ويبتغون الحرية بالدفاع القانوني عن نفسهم لهم ثوار منتحلون. أحدهم يبدأ في الصياح داعيًا بلعنة علينا جميعًا كما يفعل الانبياء التوراتيين، وأحدهم يبدأ في شتيمة محمد صلاح لأنه يرتدي بنطالا ممزقًا، وينبري احدهم للدفاع عن صلاح قائلا أنه، وبالطبع، لا يرضاه لاهله، ولكن كذا وكذا. يصدر مسئول الأوقاف نفيًا رسميًا لواقعة إمامة بطوط للمصلين بدمياط. أحدهم يرى “تجديد الدين” جريمة لأنه الدين لا هو بالقديم ولا هو بالجديد. أحدهم يجوب الشوارع كالمجذوب، ليدفع من دمه الحي ثمن مخدر مخلوط بكل انواع السموم. أحدهم يبدأ في تحسس الكلمات في القهوة عندما يلمح هيكلا معتادًا لحد الكاريكاتور: الجسد الضخم قليلا والشوارب المشهرة، ونحن لا نبدأ في التفكير في عرض نفسي قد انتابه – مثلما كنا سنفكر قبل سنوات قليلة – وإنما صرنا نرى ما يفعله معقولا. يمسك أحدهم برقبة هذا، يسب أحدهم ذاك. يتوقف أحدهم أمام الأسئلة الوجودية التي سوف يسأله عنها ابنه الصغير ويجد نفسه يتمتم: ماذا سأقول؟!

عشرات من الوصفات تلقى على صفحات الفيسبوك أو عبر الهاتف: جربوا الميلاتونين، نصحني به طيار. أو هي الاقراص المتخلصة من نبات البالدريان، أو هي الجالونات من الينسون بالنعناع، أو هي ممارسة الجنس (أو العادة السرية) حد الانهيار، ومن لم يستطع مشي المسافة ما بين العتبة والهرم، ومن لم يستطع فعليه استئجار شقة في دور مناسب، وتطويح نفسه من شرفاتها. قد يتورط أحدهم فينصح بمنوم، فترتعش الشفاة، وتجحظ الأعين، وتنطلق جملة “نريد شيء طبيعي.. نريد شيء طبيعي”، مكررة عادة مرتين، من عقول مترنحة قد جشت قبلا بمقولات “البيو” و”البيئة” و”البي بي دي”. قد يحاول أحدهم أن يكون عقلانيًا فيقول “مثل هذه الاشياء تجلب الاكتئاب.. أتعرف؟”.

تكاد تجيبه بألا يمزح، هل يظن أنه غير مكتئب؟!

لكن لديه حق، مثل هذه الظروف لا تجلب أي وعي، والمرايا تخبرنا بما نوده غالبا. يجب عليك أن تتفهم حاله، حين يقف الديكتاتور المٌسهد ذاته، تحت تأثير رعب المؤامرات ومشاهد الحساب العسير، ليسأله شعبه إن لم يكن قد شاهد شرفاء من قبل.

 

اضافة تعليق جديد