النقابات والسياسة: تجربة الصحفيين نموذجا

أفكار

10  يوليو  2017

التقاطع بين النقابي والسياسي في كل معركة تشهدها النقابات المهنية تزداد وتيرته يوميا.

فهناك تيار نقابوي.يعتبر المعارك التي تخوضها النقابات دفاعا عن مصالح أعضائها وفي مواجهة التشريعات التي تسنها السلطات يوميا أمرا لا يخص سوى أعضائها فقط ولا ينبغي أن يخرج خارج نطاق لنقابة ويسعى عادة هذا التيار الى تقوية وشائج العلاقات مع النظام، وليس ذلك بالضرورة قاصر على النقابيين التابعين للسلطة والذين يتقربون منها عادة، ولكن الأهم هم هؤلاء النقابيون الإصلاحيون، ولا ينقصهم لا الإخلاص ولا النزاهةويرون أن وجود قنوات اتصال مع النظام سيسهل تحقيق مكاسب للأعضاء.

وتيار اخر “سياسوي”  يسعي لأن تلعب النقابة دور الحزب السياسي في معارضة النظام دون أدنى اعتبار لسياقات المعارك ولا لمدى التفاف الجمعية العمومية حول مجلسها المنتخب، ولا وجود لجان قاعدية داخل المؤسسات من عدمه.باختصار بات، بالنسبة لهذا التيار، مصدر كل الفشل هو عدم التسييسس وخيانة عضوية مجالس النقابات وتبعيتها للنظام.

بالطبع لا يوجد موقف محايد في الصراعات النقابية والسياسية، فإما أن تكون مع صاحب العمل أو مع العامل، وإما أن تعلن معارضتك لهجوم الحكومة على مصالح أعضاء نقابتك أو أن تتواطأ مع النظام.

غير أن هناك أمور أخرى ينبغي وضعها في الاعتبار تضعف موقف القوى النقابية الإصلاحية المقاتلة والثورية في أي معركة وهي العيوب الهيكلية في النقابات المهنية التي تضم الملاك إلى جانب الاجراء واعتمادها على دعم الدولة مما يجعلها غير مستقلة.بالإضافة إلى ذلك هل توجد لجان قاعدية في المؤسسات المختلفة. ومدى المشاركة الفعلية في الجمعيات العمومية لهذه النقابة او تلك.هذا فضلا عن دور البيروقراطية النقابية التاريخي ككابح للصراع الطبقي حفاظا على مصالحها. وأخيرا الموقف السياسي للأعضاء المنتخبين. .ومدى علاقتهم بالنظام السياسي.

لقد أدت التطورات الاقتصادية التي شهدتها مصر خلال السنوات الثلاثين الأخيرة الى تغيير علاقات العمل والتشريعات العمالية لتنضج الظرف الموضوعية الداعية إلى تغيير دور النقابة المهنية من مجرد تنظيم المهنة، كما أريد لها، الى نقابة للإجراء تدافع عن مصالح اعضائها ضد الملاك.

وإذا كان النظام الناصري أراد تجزئة الطبقة العاملة وفصل العمال الذهنيين عن العمال اليدويين لإضعاف كفاحية الطبقة العاملة، فقد أدى هجوم الليبرالية المتوحشة على المهنيين إلى تقارب كبير في القضايا ومستويات الأجور والمعارك وطرق نضال العمال اليدويين وعمال الخدمات مع المهنيين، وباتت اقسام أكبر وأكبر منهم  تنخرط في صفوف الطبقة العاملة مع تراجع الحلم التاريخي بالصعود الاجتماعي والانفصال الكامل عن العمال..

أردنا بهذه المقدمة أن نركز على أننا يجب أن نقرأ دروس كل معركة على حدا ونقيمها انطلاقا من أن النقابات، خاصة في ظل الانظمة الاستبدادية التي تريد القضاء على أي تنظيم نقابي أو سياسي، تجد نفسها مباشرة في خضم صراع متعدد الابعاد. .ينبغي أن تخوضه منفتحة على قوى المجتمع السياسية والنقابية لكي يكون لها فرصة حتى في تحقيق مطالب أعضائها هي بالذات.

والانفتاح على القوى السياسية والاجتماعية لا يعني بالطبع تحول النقابة إلى صوت لهذا الحزب أو ذاك التيار،خاصة أن تأميم النظام العسكري للسياسة يجعل القوى السياسية تسعي لاستغلال النقابات باعتبارها ساحة للصراع الحزبي مع النظام الحاكم.

ولعل ما شهدته نقابة الصحفيين الفترة الماضية من معارك مع النظام، اختلط فيها بوضوح النقابي مع السياسي في معركتي الارض والعدوان على استقلالية النقابة (اقتحام قوات الأمن لأول مرة في تاريخها)  يمكن أن تعطينا بعض الدروس المستفادة.

وهي معركة تستمد أهميتها أيضا من كون النقابة رغم هيمنة الموالين للأمن والنظام على مقاعد النقيب والمجلس في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في مارس الماضي كانت أحد البؤر القليلة التي انتفضت الشهر الماضي، يونيو، في مواجهة موافقة البرلمان على اتفاقية بيع الجزر للسعودية وفتح نشطاءها ابواب النقابة امام الرموز السياسية والنقابية ودعوا إلى تشكيل جبهة وطنية.

نسعى في السطور التالية للتعرف على الأخطاء التي وقع فيها تيار الاستقلال النقابي في نقابة الصحفيين  وتحديد الدروس المستفادة، وكيف أدت الروح المحافظة للبيروقراطية النقابية إلى المساهمة في خسارة المعركة وأدت لفوز الموالين للسلطة في الانتخابات النقابية الاخيرة.

ولكن قبل البدء ينبغي الإشارة إلى أن تيار الاستقلال النقابية يضم في صفوفه قطاع مهم من الناصريين واليساريين يتبنون رؤى تقليدية ومحافظة للعمل النقابي للأسف ما يسمون برموز تيار الاستقلال ومنهم يحيى قلاش ارتكبوا أخطاء عديدة، ولم ينجزوا ما وعدوا به وبخاصة لائحة أجور عادلة، ولا يقلل هذا بالطبع من الإخلاص الاستثنائي الذي تميز به رموز تيار الاستقلال، فقلاش نفسه هو النقيب الذي كان مستعد للسجن دفاعا عن استقلال النقابة.كما أن غالبية هؤلاء اتخذوا مواقف وسطية في مواقفهم من انتهاكات حرية الصحافة، ونهاية بالتراجع عن تنفيذ مقررات اجتماع 4 مايو الماضي.

هزيمة تيار الاستقلال

كان المشهد الختامي لمعركة الصحفيين الأخيرة صادما، حكم بحبس نقيب ووكيل النقابة السابقين (يحي قلاش وخالد البلشي) وعضو مجلس النقابة الحالي، جمال عبد الرحيم لمدة عام مع إيقاف التنفيذ في قضية وهمية وملفقة أطلق عليها “اقتحام النقابة”، بينما أسفرت انتخابات النقابة عن تبوأ حاتم زكريا منصب السكرتير العام وهو الذي تقدم ببلاغ ضد زملائه للأمن الوطني في القضية، كما نجح في الفوز بمقعد النقيب عبد المحسن سلامة وهو واحد ممن قادوا عملية تخريب قرارات الجمعية العمومية التي انتفضت ضد اقتحام الداخلية وطالبت باعتذار السيسي واقالة وزير الداخلية.

ويزيد من أهمية نتائج معركة انتخابات الصحفيين أنها ارتبطت بقضايا سياسية ووطنية واجتماعية مهمة، فاثنين من رموزها الذين خسروا مقاعدهم  ارتبط اسمهما بواقعتين تاريخيتين، الأولى مظاهرات الأرض في  15 ابريل، التي استضافها سلم النقابة والتي فتحت أبوابها أمام من تحدوا السيسي وهتفوا “الجزر مصرية”، إلى جانب جمعية عمومية تاريخية مهيبة احتشد فيها الالاف من الصحفيين يوم 4 مايو، ردا على اقتحام غير مسبوق لقوات الأمن لمبنى النقابة، للقبض على زميلين اتهما بالتحريض على التظاهر ضد بيع الجزر للسعودية، وتبنت الجمعية التي هيمن عليها الشباب عدة مطالب أهمها، اعتذار السيسي وإقالة وزير الداخلية، وذلك من قبل جمهور، كان معظمه من مؤيدي30 يونيه وانقلاب 3 يوليه.

للنقابة كانت لحظة فارقة بالنسبة للنظام، الذي كان قبل أيام قليلة قد منح النقيب السابق يحي قلاش دعما سخيا ينعش ميزانياتها، ليقرربعد ذلك إعلان الحرب على النقابة، خشية أن تشكل مع نقابة الأطباء حالة معدية للقوى العمالية والمهنية، وهي خطوة غير معزولة عن سعيه للقضاء على النقابات المستقلة، ومنظمات المجتمع المدني، واقتحامه للإضرابات العمالية والقبض على قياداتها وإحالتهم للمحاكمة.

خطة الهجوم 

    وتمثلت خطة الهجوم في تخريب الجمعية العمومية وشق الصف مستعينا بأذرعه داخل النقابة من ملاك صحف ورؤساء مجالس إدارات سابقين وحاليين ورؤساء التحرير في المؤسسات القومية، والخاصة، إلى جانب عدد من أعضاء المجلس المحسوبين على هذا التيار الحكومي.

 ولم يكتف بذلك بل عقد جهارا نهارا، اجتماعات بدأت في مؤسسة الأهرام تحت اسم جبهة “تصحيح المسار” عارضت علنا قرارات الجمعية العمومية، معتبره أنها تعبرعن قوى سياسية “معادية للوطن”، وليست قرارات تعبر عن رفض الصحفيين لانتهاك نقابتهم واقتحامها للقبض على زميلين صحفيين.

 ولكن غضب الصحفيين وجلهم من الشباب الذي تجلى في جمعية 4 مايو الماضي، كان مرتبطا كذلك  بانهيار رهيب في مستوى معيشتهم، والصلف الأمني مع الصحفيين الميدانيين، ومحاصرة الصحف الخاصة، إلى جانب توقف رواتب الصحفيين عند حاجز يجعل معظمهم يحيا بالكفاف، وانتقاص مزاياهم بشكل ممنهج في مؤسساتهم تحقيقا لخطة السيسي في تخفيض النفقات، فضلا عن أن آلاف منهم محرومين من جنة النقابة.

 أخطاء تيار الاستقلال 

غير أن فوز النقيب الحكومي لم يتحقق فقط بسبب قدرات النظام، ولكن بسبب  أخطاء مهمة وقع فيها  “تيار الاستقلال النقابي”، التي سعت قياداته الاصلاحية الى الطريقة المعتادة وهي “مسك العصا من المنتصف”.

    وهكذا. فبدلا من تنفيذ قرارات الجمعية العمومية وإحالة المخالفين لها للتحقيق والتأديب، وشطب عضو المجلس الذي بلغ الأمن عن زملائه،ومد المظلة النقابية لشباب المحررين (وهم أصحاب الأوضاع الاقتصادية الأكثر بؤسا)، وتعزيز التنسيق مع النقابات والقوى السياسية، لتصبح طرفا في معركة الديمقراطية، كان تكتيك النقيب والمجلس هو السعي لجمع الشمل مع المخربين وتجميع “الصف النقابي”، مرورا بـ “تبريد القضية”، انتهاء بـ “لن نسمح بتسييس النقابة وخطفها”.

   هذا الأداء المتذبذب للنقيب والمجلس، كان له وقع السحر، فانعش عملاء الحكومة وأشعرهم بقوتهم، بينما أدخل قطاع كبير من جمهور جمعية 4 مايو في دوامات الإحباط والإحساس بالخذلان الصريح.

وبالطبع لم يكن الانتصار حتميا لو تبني النقيب ومجلسه قرارات تصعيدية، ولكنه كان على الأقل سيبلور تيارا نقابيا يستطيع خوض معارك مهمة في الفترة المقبلة، وفي مقدمتها معركة الانتخابات التي جرت بعدها بشهور بهمة عالية وبروح مرتفعة.

      ولذلك وبالرغم من كل المحاولات التي جرت قبيل الانتخابات من تيار “الاستقلال النقابي” لاستعادة هذا الجمهور كانت اللحظة المناسبة قد مرت، وتمكن الطرف الحكومي مصحوبا بالإمكانيات الرهيبة للدولة، التي احتشدت لإرضاء السيسي، إلى جانب الأزمة الاقتصادية الخانقة، التي تعصف بأغلبية الصحفيين من تغيير واجهة التصويت لصالح مرشحي الحكومة، وعلى رأسهم مرشح الوطني السابق.

 كما كشفت الانتخابات عن انقسام الاسلاميين بالنقابة الى كتل متعددة ( وهو صدى لانقسامات التيار الراهنة) فهناك من صوت للمرشح الحكومي وهناك من أبطل صوته، وهناك من صوت لمرشح تيار الاستقلال.وهو ما أكدته قيادات لجماعة الاخوان المسلمين في الخارج ورموز لهم بوضوح، ولم يتم نفيها رسميا.

  ضوء في نهاية الممر

      ولكن الصورة ليست كلها قاتمة، فلم تمنح الجمعية العمومية للصحفيين تأييدها في انتخابات مجلس النقابة سوى لاثنين فقط من المرشحين المحسوبين على الحكومة من أصل ستة مقاعد، كما ظهر جيل جديد  في جمعية  4 مايو، جيل منتصر للحرية والوطنية والعدل، هذا الجيل هو الذي نجح له اثنان من المرشحين من بينهم عمرو بدر الذي اقتحم الأمن النقابة للقبض عليه، وهو انتصار معنوي مهم جدا، الى جانب انتصار محمد سعد عبد الحفيظ أيضا من تيار الاستقلال وكلاهما من الشباب.

 كما نجح أحد المتهمين في قضية اقتحام النقابة السكرتير العام السابق جمال عبد الرحيم وحصل على أعلى الاصوات.

ولم يكن خالد البلشي،رئيس لجنة الحريات، الذي كان سقوطه هدفا رئيسيا  للأمن،بعيدا عن الفوز، فقد نجح في زيادة عدد الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات الماضية، من 700 صوت تقريبا الى 1100 صوت، بأقل من 80 صوتا فقط عن المرشح الذي فاز، وهو رقم دال ونستطيع اعتباره الرقم الاكثر تعبيرا عن وزن تيار الاستقلال النقابي الراهن.

   بينما يحي قلاش الذي كان محل هجوم ليل مساء على الفضائيات، التى يديرها الأمن الوطني  قبيل الانتخابات فقد حقق 1900 صوت، وهو رقم مساو تقريبا لما حصل عليه في الانتخابات الماضي، ولم يفرق عن منافسه الحكومي الذي فاز سوى بخمسمائة صوت فقط.

   وهي نتائج تعد ايجابية، في ظل الحشد غير المسبوق حيث حضر نحو 60 بالمئة من الجمعية (حوالي 4500)،ومن بينها أصوات عديدة جاءت محمولة جوا وبرا وبحرا، في حين تم زغللة عيون آخرين بمناصب ضمن التغييرات في المناصب في الصحف القومية، وهو ما تم لاحقا بالفعل،  الى جانب إغراءات بزيادة البدل والخدمات في ظل واقع معيشي طاحن.

المقصود أنه كانت هناك مقاومة معتبرة من قوى التيار استقلال النقابة للزحف الحكومي، ولكنها هزمت بداية من أداء قيادات هذا التيار، ومسكها للعصا من المنتصف، وكذا لوقوف أجهزة الدولة صفا واحدا لإنجاح الحكوميين، فضلا عن العيوب البنيوية في نقابة الصحفيين التي  تمنع الآلاف من شباب الصحفيين من الانضمام إليها، بينما تضم في عضويتها المئات من الإداريين والموظفين وملاك صحف وسكرتارية على مدار فترة طويلة، وهم جاهزون دوما للاستدعاء ورهن الإشارة إلى جانب عدم وجود لجان نقابية بالمؤسسات تستطيع الحشد والتعبئة.

نعم خسرنا جولة، ولكن المعركة ضد استغلال وبطش الملاك ورؤساء مجالس الإدارات من جهة وضد الاستبداد الحاكم الذي يعتبر حرية الصحافة جريمةمستمرة لفترد طويلة مقبلة، وخلال تلك المعركة سيبرز تيار مكافح داخل الجمعية العمومية إلى جانب قطب معارض داخل المجلس والجمعية العمومية ينبغي أن يركزا على القضايا الرئيسية للصحفيين سواء في علاقات العمل أو في مجال الحريات، ومنفتح في ذات الوقت على قوى المجتمع النقابية والسياسية. وفي ذات الوقت هناك ضرورة حقيقية لتقوية الإطار الجامع لمن يتبنون رؤي نقابية راديكالية في جبهة واحدة، وهو الدور الذي حاولت القيام به جبهة الدفاع عن الصحفيين والحريات والتي عليها أن تضع على رأس جدول أعمالها تشكيل لجان نقابية قاعدية في المؤسسات، والدفاع عن أن تكون النقابة لكي ممارسي المهنة بغض النظر عن التعيين حتى تكون نقابة قوية تسطيع التأثير على إدارات الصحف إلى جانب أن تمد يديها للتنسيق مع عمال المطابع، وجميع العاملين بالمؤسسات الصحفية.

 

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

ماذا لو لم تكن ” آخر أيام المدينة”؟ يعني إيه صانع فيلم يقرر يشتغل بره السوق؟ يعني يبقي لوحده ضد الكل. من أول سيناريو غالبا هترفضه الرقابه، فيضطر إما يخوض معركة دستورية وسياسية في مواجهة الدولة بلا غطاء نقابي.

عايدة الكاشف

ذكريات أغسطس: عن الزنزانة والجلاد ومحمد السيد سعيد لم يمضي أكثر من أسبوعين إلا وأصبحنا مطلقي السراح تحتفل بنا نقابة الصحفيين وجمعيات حقوق الإنسان والأحزاب، بينما تمت إقالة زكي بدر بعدها بشهور.. لنواصل نحن الاجتهاد دفاعا عن حق الشعب، بينما يحفظ له التاريخ، و لامثاله، لقب الجلاد!

مدحت الزاهد