مائدة مستديرة: “30 يونيو” بعد أربع سنوات

خبرات

09  يوليو  2017

تقدم “بالأحمر” أعمال المائدة المستديرة التي عقدتها بمناسبة حلول الذكرى الرابعة لـ30 يونيو 2013، والتي حاولنا فيها النظر من عدة زوايا للحدث الذي مثل تحولا لمجرى الأحداث في مصر. وإذ شهد اللقاء نقاشا ثريا بين مختلف وجهات النظر، فإننا نأمل أن يسهم نشرنا لأعمال المائدة المستديرة في استكمال هذا النقاش.

شارك في اللقاء: هاني شكر الله، علي الرجال، عمرو عبد الرحمن، محمد عثمان، سامح نجيب، سالي توما، عماد عطية، عادل المشد، يحيى فكري، عمر الشافعي.

وأدار اللقاء/ مصطفى بسيوني

وأشرف عليه فنيا/ حازم عبد الحميد

تقديم

شهدت ميادين وشوارع القاهرة ومدن مصرية عديدة في 30 يونيو 2013 ما يمكن وصفه بقدر كبير من الثقة بأنه، من حيث الحجم، أكبر حشد شعبي في يوم واحد في تاريخ البلاد، بل ربما في التاريخ العالمي. غير أن المغزى السياسي لهذا الحشد في ذلك اليوم يظل بالغ التعقيد وموضع جدل واستقطاب شديدين في صفوف مناصري ثورة يناير المصرية.

وبعد مرور أربع سنوات على ما حدث يمكن القول أن الكثير من التعقيدات التي ارتبطت بمشهد 30 يونيو قد زالت، وأصبح الاستقطاب حول طبيعة ما حدث واتجاهه أقل حدة، كما أصبحت النتائج أكثر وضوحا، وفي الوقت نفسه قد تكون تعقيدات جديدة قد أضيفت تتعلق بطبيعة الوضع الراهن واحتمالات وآليات تغييره.

لذا فإنه من الضروري والممكن أيضا اليوم إعادة فتح الحوار حول ما جرى في 30 يونيو 2013 ونتائجه وما يمكن القيام به إزاء تلك النتائج.

لذا فإننا نسعى لفتح ملف 30 يونيو بعيدًا عمّا تثيره ذكراه في الأوساط الثورية المصرية من مناحة جلد الذات وإعلان التوبة من جهة، أو النزعة التبريرية من الجهة الأخرى. وتسعى مجلة بالأحمر اليسارية، انطلاقًا من شعارها “نفهم العالم لنغيره”، إلى نقل النقاش العام لـ 30 يونيو إلى مستوى أعلى يحاول فهم المغزى والسياق السياسي لذلك الحدث على نحو يكشف عن طبيعته المركّبة، وموضعه ضمن السيرورة الثورية المصرية الطويلة الأجل، المستمرة بالرغم من انكسارها الراهن، ودروسه التي يتعيَّن على المناضلين المهمومين بمشروع التغيير الجذري في بلدنا ومنطقتنا وعالمنا استخلاصها في نضالهم المستمر اليوم وغدًا.

هل كان 30 يونيو 2013 حراكًا شعبيًا أصيلًا أم تدبيرًا تآمريًا وراءه أصبع في الأجهزة الأمنية والمخابراتية للـ”دولة العميقة”؟ وبقدر ما أن 30 يونيو كان حراكًا شعبيًا أصيلًا، بغض النظر عن محاولات التلاعب به وبمساره، فهل كان “ثورة ضد الثورة”، أي حركة شعبية مناهضة لثورة يناير، أم أنه شكَّل امتدادًا لثورة 25 يناير 2011 أو موجة ثانية منها اختطفها الجيش بعدها بأيام في انقلاب مضاد للثورة؟ وبصورة ملموسة أكثر، هل ثار المصريون على “حكم” الإخوان المسلمين بوصفه انحرافًا عن ثورة يناير ومُثلها ينبغي تصحيحه من أجل استمرار هذه الثورة وتعميقها، أم بوصفه (أي “حكم” الإخوان) تعبيرًا عن تلك الثورة ينبغي القضاء عليه وعليها معًا؟ وكيف نفسر المزاج الشعبي المناهض للسياسة في 30 يونيو 2013 وما بعده، إن صح وصف هذا المزاج بتلك الصفة؟ هل يعود الأمر إلى الإنهاك الثوري أم إلى الذعر من “الفاشية الدينية” أم الخوف من “سقوط الدولة”، أم خليط من كل ذلك، أم ربما إلى أوجه ضعف متأصلة في الحراك الثوري المصري؟ وهل كان تدخُّل الجيش في 3 يوليو 2013 جزءًا من “ثورة 30 يونيو” واستجابة لمطالبها أم انقلابًا لا على “أول رئيس مدني منتخب” فحسب لكن على الثورة المصرية ككل؟

هذه الأسئلة وغيرها مما قد يراه المشاركون مناسبا تسعى “بالأحمر” إلى مناقشتها بصورة معمقة في أولى موائدها المستديرة، التي نطمح أن تصبح تقليدًا منتظمًا للمجلة يثري الفكر السياسي النقدي في البلد والمنطقة.

هاني شكرالله:

لا أعتقد إننا شهدنا مناقشة حقيقية وبالعمق الكافي لتجربة الثورة المصرية بعد أن مر عليها أكثر من ست سنوات. انا شخصيا شوفت نصين، واحد لعلي الرجال والأخر لمحمد نعيم، وانا ساهمت مؤخراً في المناقشة ولكن مازال لا يوجد نقاش حقيقي. وهذه دعوة مني لكم جميعا، وعندنا طموح شديد -وهو الهدف الأهم ل”بالأحمر”- احنا مش بنعمل مجرد مجلة جديدة، ولا هي مجلة اكاديمية، ولا احنا مجلة معنية باليومي والراهن، احنا عاملين منصة للنقاش في الأشمل والأعمق والأطول مدى، وإن النقاش دائما يبقى نقاش محترم – بس، دا هو الشرط الوحيد ان يبقى نقاشا محترما.

مش هدخل في موضوع اللقاء دلوقتي، لكن أدعو الناس للمشاركة في إطلاق مثل هذا النقاش اللي إحنا في أمس الحاجة له. أن احنا نتكلم مع بعض، مش نتكلم في مواجهة بعض، يعنى اقصد إننابقينا بنوجه كلامنا للدنيا لكن دون نقاش. ودلوقتي بقت اللايكات على الفيس بوك بديلا للمناقشة، فبدل ما تناقش حد تعمل له لايك، وأنا شخصياً بحس ان كتير من اللايكات مجاملات، يعني بيعملي لايك عشان بيحب هاني شكرالله.

هذه إذن دعوة للنقاش، وهدفنا من انشاء المائدة المستديرة كتقليد جديد ل”بالأحمر” هو تحفيز المناقشة، وأن يطرح النقاش على صفحات بالأحمر. السائد والشائع بيننا للأسف هو التشاتم والتفضيح لبعض، وأن لا تناقش أفكار الآخر، ولكن نهاجمه هو شخصياً. إحنا عايزين نجحد هذا التراث، ونخلق تقاليد جديدة في النقاش. اختم تقديمي بعبارة للينين أعتقد انها من المفروض تبقى مرشد لأي جدال جاد، وفحواها أن الطريقة الأصح والأكثر فائدة عندما تجادل شخصا أن تجادل أقوى ما في اطروحته، مش اضعف ما فيها.

أتمنى أن تكون هذه المائدة المستديرة مقدمة تقليد مستمر في عمل “بالأحمر”، حتى نوصل منه لنقاش حقيقي بين قوى الثورة المصرية. نختار قضية نتفق على أهمية نقاشها ونعقد حولها مائدة مستديرة تضم مجموعات محدودة من الناس المهتمة بالموضوع اللي بناقشه في لحظة معينة وبيتعرض من خلال بالأحمر. المهم أن نختار إطار جديد وطريقة جديدة في المناقشة. إحنا ابتدينا في “بالأحمر” لأننا نشعر بفجوة كبيرة في بلورة نقاش نظري بيننا، فالسائد عندنا من سنوات هو تفضيل الموقف على الفهم، تفضيل ان ناخد موقف من ظاهرة ما على أن تحاول فهمها وايه اللي وراها، وما قد يترتب عليها. وده بيخللي علاقتك بالحدث هي الرد المباشر عليه، من غير بذل الجهد الضروري لفهمه في سياق تاريخي معين، وده اللي يمكنك من الخروج برؤى استراتيجية. والمعتاد بيننا هو الشجار حول الموقف، حول التاكتيك والقليل جدا من النقاش حول الاستراتيجية.

على الرجال

من فترة طويلة على مدار السنين اللي فاتت والواحد بيحاول يفهم شوية الحدث ويتأمل العدد الضخم والقطاعات شديدة التناقض والتنافر اللي تضافرت معه واشتبكت في الصراع مع الإخوان ومن على يمينهم من الإسلاميين. والحقيقة في خلال الـ 3 سنين اللي فاتوا حاولت أبص على الحدث من كذا زاوية. طبعاً الأجواء لم تساعد وكان فيه جزء كبير منه تقصير من جانبي.

إنما الحدث بدأ يتبلور لي بشكل أفضل شوية والواحد بدأ يفهم أكثر بعد بعض الشغل الميداني خارج وداخل مصر ومن خلال زاويتين:

1- التفاعل بين ما هو إقليمي وداخلي

2- سؤال التعايش السلمي للمجتمع المصري في ظل غياب الدولة البوليسية.

بعد ما روحت في خريف 2015 أو 2014 زيارة طويلة للبنان وأثناء قيامي ببعض الشغل الميداني حول الأمن والبلطجة، وبدأت استعيد المشاهد والأحداثاللي كنت منخرط فيها وبقوة أثناء إقامتيبالإسكندرية. كنت قريب جداً تنظيمياً واجتماعياً من تحركات الناس في الإسكندرية، وكان بالنسبة لي الشيء المبهر، بغض النظر عن تقييمنا له، هو كيف آخذ الصراع بين الإخوان والقوى الاجتماعية والسياسية المختلفة في التصاعد بشكل حاد وصفري؟ ومشكلتي اللي أشارإليها هاني هنا في بداية كلامه وتقديمه للمائدة هي فكرة إن احنا دائماً واخدين موقف أخلاقي من الحدث ومافيش محاولة للفهم، والمحاولات اللي اتقدمت للفهم كانت بالنسبة لي غرائبية شوية؛ ياإما محاولات أخلاقية تهين وتدين الحدث أو محاولات كلها بتركز على الإعلام والفلول أو  بعض مقولات من الإسلاميين انه الشعب طلع مش متدين بطبعه وطلع كافر بطبعه، وازاي الإعلام ضحك على الناس وكده. وأنا كمان عندي مشكلة من البداية مع مدرسة فرانكفورت وتضخيم دور الإعلام وقدراته المهولة على تغييب الوعي، وطبعاً آه الإعلام قادر انه يشكل جزء كبير من الرأي العام وقادر يبقى مؤثر، إنما مستحيل يبقى “النقطة المركزية والنهائية” في أي تحليل اجتماعي وسياسي لحدث جلل وفيه صراع قوى داخلي وخارجي.

كمان بشكل فلسفي ده بينفي أي إرادة أو حرية أو قدرة على الفعل عند الإنسان. ففي التحليل الأخير هناك قرابة ال20 مليون بني آدم نزلوا طبقاً لبعض التقديرات، وحتى لو استبعدنا لعبة الأعداد بالكلية من التحليل، فلا شك أن هناك عدد ضخم  جداً و أكتر من 25 يناير، ومستحيل تكون الناس دي نزلت عشان خاطر باسم يوسف أوالإعلامأو الكلام دا، بالأخص إن الإخوان هم الآخرون كانوا يمتلكوا ماكينة إعلام قوية، وتمويل ضخم خارجي وداخلي، وتنظيم قادر على تسريب أفكاره داخل الأنسجة الاجتماعية.

الإجماع المستحيل

نحن أمام حدث ضخم جداً حصل فيه تضافر تاريخي لمواجهة الإخوان، أنا بحب أسميه “بالإجماع المستحيل” على المستوى الإقليمي وعلى المستوى الداخلي. نبدأ مثلا بمشاهد الاتحادية لحد ما نوصل لـ 30 يونيو. ونبتدي من إسكندرية. ازاي اتجمع كتل كبيرة جدا من الفلول ومن البرجوازية سواء كانت مرتبطة بشكل عضوي بنظام مبارك السياسي أو الدولة ذاتها والاقتصاديات الموجودة منذ مطلع 2000 تحديداً. من المؤكد أن شبكات الثوار هي من بدأت في التصادم مع الإخوان قبل دخول أي فاعلين آخرين. واغلب الثوار أنخرطوا لحد لحظة 30 يونيو بكثافة، بعدها بدأت بعض الشبكات الثورية تاخد موقف أخلاقي وتشعر انه فيه مشكلة كبيرة وإنهم بيفقدوا مساحات كل يوم لصالح الدولة وخطاب الثورة المضادة. لكن الناس دي كلها كانت منخرطة في الصراع في كل محطاته وتحولاته المختلفة. وبشكل تدريجي بدأت بعض شبكات البلطجة هي الأخرى تنخرط في الأحداث سواء مع الإخوان أو ضدهم في مراحل لاحقة.

ومنذ لحظة الاتحادية بدا أن السياسة قد بلغت منتهاها وأنه صيف الحرب في مصر. فحالة الانسداد لم يكن من الممكن بها أن تستمر بهذه الدرجة من التعقيد والتناقض فضلاً عن التناحر. فتعقد الأمور بهذا الشكل وعدم قدرة طرف على الحسم أو التسوية السياسية بالضرورة يستدعي الحرب/الثورة. وهنا سأحاول تحليل أهم ثلاثة فاعلين، في نظري، على المستوى الميداني واستقراء لدورهم وملامح الحرب السابقة والتي ما زالت أصدائها.

 في تلك الأجواء ظهرت حركة تمرد لتلقى رواج شعبي ضخم. وهناك اتهام دائم لحركة تمرد بأنها صنيعة أمنية بامتياز. وهنا يجب التمييز بين ثلاث مستويات من التحليل. 1- الفرق بين الاختراق والاستخدام وتحويل الأهداف 2- الاختلاف بين مستويات الحركة المختلفة (فالحركة اتسمت بقدر كبير من السيولة) 3- تباين الأهداف والتوجهات.

انتشرت الحركة وضمت بداخلها أطياف ثورية وأيضاً بعض فلول النظام السابق دونما تنسيق بينهم. وعلى المستوى الميداني كانت تمرد فرصة مهمة لانخراط أعداد جديدة من الطامحين في المشاركة في الأحداثوإيجاد موقع قدم لهم، وأحياناً ارتبط الأمر بمحاولة الحراك الاجتماعي داخل المناطق الشعبية وتطلع بعد الشباب لوضع نفسه في معادلة الواجهة والتأثير في حيزه – وهو أمر مشروع جداً، بالأخص أن كثير من هذه النماذج ظل ولائه لأفكار الثورة وطموحاتها حتى اليوم. وبالطبع ضمت عدد لا بأس به أيضاً من الانتهازيينالسياسيين، وهو أمر يحدث في أي صراع اجتماعي وسياسي كبير ولا يختلف كثيراً عما شاهدناه في ثورة يناير نفسها وفي أحداثها المختلفة. فالموضوع لا يحتاج أكثر من طباعة أوراق الحركة والنزول إلي الشارع لتحفيز الناس للإمضاء عليها. وبالتالي كنت ترى وأنت تمر في شوارع القاهرة ومصر أفراد يتباكون على رحيل المخلوع مبارك أو خسارة شفيق، وكنت ترى آخرون ممن خاضوا أشد وأشرس معارك الثورة دموية وعنف. وقامت باستدعاء مسألة تاريخية غاية في الأهمية في تاريخ الوجدان الشعبي والسياسي في مصر وهى عمليات الإمضاء الشعبي والتفويض التي تعود جذورها لثورة 1919 وتفويض سعد زغلول لمواجهة الاستعمار- بالطبع المقصود هنا مش مقارنة أو إسقاط نفس السياق التاريخي على 30 يونيو والصراع مع الإخوان. ولكن هذا الصراع تزامن مع مستويات من شعور عام يرى الإخوان كطائفة حاكمة ليست من رحم النسيج الاجتماعي المصري. ومشكلة الطائفة أنها قطاع من السكان يجمعهم خصائص ثقافية وسياسية تعزلهم عن المجتمع وتكون بمثابة مجتمع داخل المجتمع. وهو ما يستدعي شعورين على المستوى الاجتماعي. فإما تستدعي التعاطف أو الكره والعزلة. وبالفعل مع تصاعد حدة الصراع السياسي منذ الإعلان الدستوري للرئيس المعزول مرسي وهناك حالة من الكره تنمو تدريجياً للإخوان ليست كحزب حاكم أو جماعة حاكمة ولكن كطائفة مستعمرة للمجتمع. وهنا لعب الإعلام المضاد للإخوان دور مهم في تأطير وبلورة هذا التصور وهذا الشعور.

ولكن أيضاً الإخوان أنفسهم وإعلامهم كانوا أبرز الفاعلين الذين قاموا بتأجيج هذا الشعور عبر نزعاتهم الاستعلائية والإقصائية والاستقواء بالتنظيم وقوتهم والتباهي بامتداداتهم الإقليمية والعالمية.

الإخوان والفلول: مستويات التصالح والصدام

أود تقسيم الفلول لنوعين تحديداً: كبار رجال الحكم والأعمال ومن هذه العينة رجال مثل أحمد عز وساويرس وأبو العنين وآخرون، والشبكات الصغرى الممتدة في عائلات ومصالح تجارية واقتصادية واسعة في كل من الأحياء الشعبية بالمدن أو عائلات الدلتا والصعيد على سبيل المثال. فلا ينبغي أن ننسى إن جزء كبير من نظام مبارك كان مكون من رجال أعمال في حكومة نظيف يمثلون النيوليبرالية الجديدة، وعلاقات زبونية من خلال رجال الحزب الوطني ونوابهم في مجلس الشعب على المستويات الأصغر في الأحياء والقرى والمحافظات المختلفة.

والنوعية الأولى انقسمت؛ جزء منها كان قابع في السجون مثل أحمد عز في ذلك الوقت، وآخرون تم الإفراج عنهم مثل صفوت الشريف وفتحي سرور، وآخرون تمت المصالحة معهم من قبل الإخوان مثل أبو العنين صاحب مصنع سيراميكا كليوباترا الشهير الذي ظهر في كل الرحلات التجارية لحسن مالك القيادي ورجل الأعمال الإخواني الشهير. وهو أمر ليس بسر أو خفي على أحد، فهو متناول في الصحف والأخبار اليومية. وهناك آخرون يحرضون بصراحة ضد نظام الأخوان مثل المرشح السابق للرئاسة أحمد شفيق. ويوجد من هم مثل طارق طلعت مصطفى وعائلته أصحاب واحدة من أكبر مجموعات الإنشاء والبناء في مصر، ومثل هؤلاء لا يبدو لهم دور واضح في الصراع القائم الآن إلا إبداء بعض التململ من حكم الإخوان، ولكن استقرار وضعهم الاجتماعي والاقتصادي يحول دون الدخول في صدام حاسم. وبشكل عام وفيه قدر من التعميم، يمكن القول أن المستويات العليا من الفلول، وبالأخص الجانب المعادي للإخوان لدي ارتباطات واسعة بالخارج، بعضها قد يكون مرئي وجلي وبعضها الآخر في الخفاء. فدول مثل السعودية والإمارات أبدوا عداء واضح للثورة منذ اليوم الأول ثم عداء بدرجات أقل للإخوان المسلمين باستثناء الإمارات التي أعلنت رفضها الكامل للمساعدة بأي شكل من الأشكال حيث باءت زيارة خيرت الشاطر القيادي الإخواني الأبرز على الساحة المصرية بالفشل الكامل حيث لم يقدم معونات أو وعود بمشاريع استثمارية، بل في المقابل كان هناك تضييق واضح على المصريين المقيمين هناك في ذلك الوقت. ولا يجب أن ننسى ارتباط مصالح كثير من أعضاء النظام السابق بإسرائيل وبالأخص منذ اتفاقية الكويز الشهيرة.

لا شك أن تلك الفئة من المعارضين لنظام الإخوان بشبكات علاقاتهم المحلية والإقليمية والدولية لعبت دور خطير في 30 يونيو، بالأخص أن بعضهم مازال لديه نفوذ قوي داخل مؤسسات الدولة. إلا أن دورهم في اعتقادي لم يكن الحاسم أو القاطع في ذلك الحدث. فالتحريض والتمويل لا يكفي لإحداث ثورة كاملة كي تطيح بالإخوان، فلابد لأسباب موضوعية وذاتية أكثر شراسة وحدة لهذا الفعل، ثم إن التحريض والتمويل يكفي لتحريك بعض المجموعات على الأرض، ولكنها ليست كفيلة لتحريك الجموع في فعل ثوري كامل.

الخطورة الحقيقية هي في شبكات الفلول السفلى وذلك لعدة أسباب. أولها أن هناك حرب مواقع على أشدها وصلت إلي معركة وجود بين الإخوان وبينهم في 30 يونيو. فالإخوان لم يمسوا أي ركن من أركان النظام السابق لا على مستوى البنية ولا الممارسات ولا حتى نمط السلطة، ولم يقوموا بأي تغيير في علاقة الدولة بالسكان. ولعل الشاهد على ذلك هي قضية رملة بولاق (معركة بين تجمع من الأهالي في منطقة مصنفة عشوائية وبين رجل الأعمال ساويرس الذي يحاول بشتى الطرق الاستحواذ على الأرض لاستكمال مشروعه السياحي والخدمي، حيث تقع المنطقة مباشرة خلف أبراج النيل تاورز وتشبه معارك ضخمة بين أمن هذا الفندق، ثم أنضم معه قوات الشرطة والأمن المركزي وقتل عدد من الأهالي واعتقل أفراد كثيرون منهم حتى الآن)، حيث تركت الجماعة الأهالي لبراثن النيوليبرالية والتوحش الأمني. أضف إلي ذلك عدم المساس بجهاز الداخلية على الرغم من كل مطالبات التطهير وإعادة الهيكلة وتغيير عقيدة وممارسات الشرطة.

إلا أن الإخوان قاموا بعمليات اجتثاث حقيقية واسعة النطاق لتلك الشبكات متمثلة مثلاً في سيطرة الإخوان على توزيع اسطواناتالبوتجاز في الأرياف ومحافظات الدلتا، محاولات السيطرة الكاملة على الخدمات في المحافظات والمجالس المحلية وهى ضرب لأواصل تلك الشبكات مع جهاز الدولة، وما إلي ذلك. ولا يجب أن ننسى أن المعركة مع تلك الشبكات قديمة منذ عهد مبارك وكانت دوماً تنفجر في انتخابات مجلس الشعب، إلا أن جهاز الدولة كان هو الفاصل والحكم في ذلك الصراع وكان دوماً ما ينتهي إما بتشارك بعض المساحات مثل انتخابات 2005 أو الاكتساح الكامل لصالح تلك الشبكات لإطباق الهيمنة لها مثل ما حدث في 2010. من خلال تلك الحرب حاول الإخوان إحلال تلك الشبكات وإزاحتها لصالحها، وهى في ذلك قد أفقدتها أهم عنصريين لاستمرارها: المكانة الاجتماعية والمصالح الاقتصادية المتشابكة من خلال جهاز الدولة. فهذه الشبكات وبالأخص في مدن الدلتا كانت تقوم بعمليات زبونية كاملة مثل تقديم الأمن والوظائف وحتى الخدمات التحتية من خلال جهاز الدولة. المشكلة الحقيقية أن هذه الشبكات لها تجذرات اجتماعية قوية في مساحتها وهى شبكة متصلة بشكل عضوي أيضاً مع جهات أخرى مثل القضاء والداخلية من خلال النسب أو التجارة أو الحيازات الزراعية. وهذه الشبكات أيضاً تمتلك سلاح متنوع. بل إن بعض الشرائح داخل هذه الشبكات لها مصلحة اقتصادية خالصة في تأجيج الصراع وذلك لامتلاك بعضها ورش صغيرة ومتوسطة الحجم لتصنيع السلاح الخفيف مثل “فرد الخرطوش” ولها شبكات من البلطجية يتم الدفع لهم لدخول مثل تلك المعارك. وفي كثير من المناطق الشعبية وحتى البرجوازية داخل القاهرة والإسكندرية شوهدت تحركات قوية لتلك الشبكات للحشد والتعبئة ليوم 30 يونيو.

الثوار والأهالي والإخوان: أفاق الغضب والثورة

إن ثمة تحول خطير آخذ في التحقق على المستوى الجماهيري وداخل الأوساط المحافظة سياسياً والداعمة لخطاب الأمن والاستقرار وهو: التثوير وإن كان معادي للثورة. فأغلب القطاعات التي كانت رافضة للتحرك الثوري وترى فيه تعطيل لمصالحها ليست فقط متململة من وضع الإخوان، ولكنها بدأت في التمرد الصريح وغير المنظم سياسياً. ففي منطقة مثل عابدين التي تتسم بطابع محافظ للغاية ومعادي للتجمع أياً كان طرفه، قام الأهالي بها بمنع سوق خيري حاول الإخوان تنظيمه وتم طردهم خارج المنطقة. بالإضافة إلي ذلك ولأول مرة منذ قيام الثورة استقبلت عابدين حملتي تمرد وإخوان كاذبون بترحاب شديد ووسط تجمع وزخم كبير. وأغلب قاطنيها كانوا قد استعدوا للخروج في 30 يونيو. ومنطقة مثل شارع سوريا بالإسكندرية والتي تتسم بطابع برجوازي محافظ، ولم يخفي أغلب سكنها بالأخص من هم خارج شريحة الشباب ضيقهم من الثورة منذ اليوم الأول، خرجت في مظاهرتين قاطعة طريق الترام وأبو قير. وفي مناطق عديدة في عموم الجمهورية خرجت كثير من المظاهرات ساخطة على تردي الأوضاع مثل المياه والكهرباء والصرف الصحي وارتفاع الأسعار. بالإضافة إلي ذلك فمرسي لم يعد مقنع بالنسبة لهم وليس هناك أي شواهد تجعلهم يقبلون بخطاب الانتظار والصبر، بالأخص مع اشتداد أزمات الخدمات وفضائح وعجز الرئاسة مثل أزمة نهر النيل وأثيوبيا وفضيحة اللقاء السري المذاع على الهواء مباشرة. ولقد سمعت كثيراً في مناطق مختلفة لأغراض بحثية تعليق متكرر يستحق الوقوف عنده: “احنا حنخرج علشان نعدلها والبلد توقف على حالها شوية بقه”. وهذا ينم عن أن السحر قد أنقلب على الساحر. فخطاب الاستقرار والفزاعة الأمنية الذي انتهجته الجماعة خلفاً لمبارك أتى بمفعول عكسي. فالناس ستثور للدفع باستقرار الأوضاع والإطاحة بعناصر الاضطراب التي صارت متمثلة في الجماعة.

منذ بداية الثورة والثوار يعانون من رفض المناطق المختلفة لحضورهم بها وفعالياتهم الثورية، وكثيراً ما تعرضوا للطرد وأحياناً الضرب. إلا أن الشبكات الثورية وحملة تمرد في الشهور الأخيرة قبل 30 يونيو لم تواجه أي احتكاك شعبي أو صدام مع الأهالي إلا مع قطاعات الإسلاميين. وفي الإسكندرية صار التحرك الثوري في مناطق ذات أسواق كبيرة مثل باكوس وأبو سلمان أمر مرحب به من قبل الأهالي وليس مستهجن أو مرفوض مثل ذي قبل.

أما جانب الثوار المحض، وهنا أعني تلك الشبكات والأفراد التي ثارت من اليوم الأول ضد الجميع: مبارك والداخلية والفلول والعسكر ثم الإخوان، فهم يشعرون بالخيانة والمرارة معاً. فهناك جرح وشعور بتخلي الإخوان عن دمهم منذ محمد محمود وصعوداً، ثم إهدار دمهم بعد الوصول إلي الحكم. أضف إلي ذلك خيبة الأمل الكبرى في إسقاط النظام السابق من خلال مرسي الذي دفعوا به للحكم لاستكمال المسار الثوري في مواجهة شفيق رمز الثورة المضادة. والأنكى من ذلك بالنسبة لهم هو تخوين الجماعة لهم وتمجيد الرئيس لعدوهم اللدود الداخلية وتكريمه للعسكر الذي بينه وبين الثوار الكثير من الدماء.

ثم استهدفت الجماعة الكثير من النشطاء وزجت بهم في السجون، بل حرضت عليهم مثل اعتقال ماهينور المصري ومحمد سمير وإسلام الحضري بالإسكندرية، أو أحمد دومة من القاهرة، بالإضافة إلي مئاتالاستدعاءات والتحقيقات مع آخرين. ولم تحرك الجماعة ساكناً في قضية مثل قضية الثائر حسن مصطفى بالإسكندرية. ويحمل الثوار الجماعة مسؤولية مقتل الحسيني وجيكا وآخرون. وهناك الكثير من الأسباب الموضوعية التي تجعل الثوار ناقمين لأقصى درجات الغضب على الإخوان. إلا أن الأخطر هو الشعور الذاتي والفردي لدى أغلبهم وهو الإحساس بالخيانة والخذلان؛ فهناك دم قد أريق وثأر لم يؤخذ ومنظومة لم تتغير بل على العكس تترسخ. وهنا اتهام الإخوان لهذه الشريحة بأنها تحالفت مع العسكر في 30 يونيو غير صحيح. فحتى يوم 2 يوليو كان الإخوان يهددون تلك الشبكات بقمع الجيش لهم، وأن السيسي يحمي الشرعية. كما أن تحركات هذه الشبكات ظلت محافظة على شعاراتها ومطالبها وتحديدها لأعدائها. وليس الغرض هنا تبرئة طرف أو تطهيره، ولكن هذا من باب التوصيف.

وهنا أحب أن أورد ملاحظة ميدانية أخرى من الإسكندرية وهى أن هذه الشبكات الثورية كانت تقوم بطرد الفلول من فعالياتها كما كانت تتصدى لبعض المظاهرات التي تستدعي الداخلية وتمجدها قبل اقتراب حدث 30 يونيو. وجدير بالذكر أيضاً، أن الداخلية في عدة محافظات حتى شهر ابريل 2013 تقريباً، كانت تتشارك هي والإخوان في قمع المظاهرات والاحتجاجات الثورية والإضرابات مثل إضراب مصنع الاسمنت في وادي القمر والهجوم عليه بالكلاب البوليسية. ولا يمكن القول بأن الداخلية كان موقفها معادي للإخوان منذ اللحظة الأولى للأسباب والأحداث التي ذكرتها. وهناك مثال ضمن أمثلة أخرى ولكن لعله أشهرها وأبرزها في الإسكندرية مثل اللواء ناصر العبد، رئيس مباحث الإسكندرية في ذلك الوقت والمشهور بكرهه الشديد للثورة كان حليف راسخ للإخوان إلي أن أنقلب عليهم أثناء 30 يونيو نفسها.

العنف الثوري بين والهدف وطبيعة التحرك

يرى الكثيرون أن العنف هو عمل غير عقلاني في ذاته ويتسم بقدر كبير من الجنون والحمق. وفي حالات الثورة أو التجمعات تجعل من اشتعال أقل قدر من العنف حالة هستيرية لا يمكن التنبؤ بمداها ونطاقها. وربما يكون الجزء الأخير صحيح إلي حد كبير، إلا إن ثمة منطق ونطاق للعنف سابق على وقوعه. فالثورة المصرية صارت تكتشف أن نطاق العنف الثوري والعنف القمعي ومداهما يرتبطان بشكل كبير بالهدف والغاية من وراء التحرك ذاته. ولا يعني وضوح الهدف واستخدام العنف بالضرورة نجاح التحرك الثوري. والشواهد على ارتباط العنف الثوري بالهدف كثيرة: فمثلاً في الخامس والعشريين من يناير 2011 لم يكن هدف إسقاط النظام قد تبلور بشكل حقيقي وواسع على المستوى الشعبي، ولذلك لم يتكثف العنف في ذلك اليوم باستثناء سيناء والسويس. وبوضح الهدف في الثامن والعشرين إنه إسقاط النظام وكسر ذراعه الأمني والاستعداد لمواجهة جهاز الداخلية بأكمله اتسعت رقعة العنف وحرقت الأقسام وسقط الآلاف من الثوار وقتل وجرح العديد من الضباط والعساكر وحرقت المدرعات. ولنقيس علاقة العنف بهدف التحرك الثوري في المواجهات الأخيرة. ففي أحداث قصر الاتحادية كان الهدف الحقيقي من وراء استخدام العنف هو الرد وردع الإخوان وبعض الإسلاميين بعدما أزاحوا خيم المعتصمين وأوغلوا في استخدام العنف. وكانت أغلب التعليقات تنحصر في ” إحنا حنربيهم، حنعرفهم إزاي يستفردوا بشوية المعتصمين اللي في الخيم” وما إلي ذلك. إلا أن هدف الإزاحة أو القضاء والحسم الكامل لم يكن قد تبلور بعد. وفي معركة المقطم لم يكن هدف التحرك هو حرق مقر الإخوان، ولم يكن أيضاً القضاء عليهم وإسقاطهم بالكلية، بل كان كما جاء على لسان التعبير الشعبي “نازلين نعلم عليهم”. فالموضوع لم يكن أكثر من رد القلم الذي ناله بعض النشطاء وبالأخص الناشطات في مظاهرة سابقة أمام مقر المقطم. وكذلك موجة حرق المقرات بالإسكندرية، فهي لم تكن أكثر من الرد العنيف والمباغت لهجوم الإخوان وبعض الإسلاميين على الثوار خارج مسجد القائد إبراهيم. ولكن قبل 30 يونيو اختلف الوضع كثيراً. فالهدف صار واضحاً لأقصى درجة، والفاعلين تنوعوا داخله ومجمعين عليه، والظروف الموضوعية تشير إلي إمكانية تحقيقه، وأطراف المعركة جميعاً مسلحون ولكن بدرجات متفاوتة، فالإسلاميين لديهم الكثير من السلاح وكذلك شبكات الفلول، والثوار والأهالي صاروا يمجدون المولوتوف عن أي سلاح آخر، وكلاهما اكتسبا خبرات قتالية واسعة في السنوات الأخيرة. إن الشيئين الوحيدين اللذين من الممكن أن يجنبا الإخوان شر هذه الثورة هما شدة حرارة الطقس ودخول شهر رمضان.

ومع أقل مقدار للعنف داخل ساحات الاحتجاج أو خارجها، امتدت الموجة من معركة ساحات إلي معركة مواقع داخل المدن المختلفة. ويبدو أن أغلب خطوط التراجع والمناورة للإسلاميين–أي الأحياء والمناطق السكانية-مقطوعة شعبياً. بل إن الشواهد تقول أنه مع أقل استخدام للعنف من قبل الإسلاميين سواء للدفاع أو الهجوم، يكون الهجوم المضاد شعبي وضد مقراتهم وأماكن تمركزهم. ففي 12 يونيو الماضي قام بعض أفراد الإخوان المسلمين بالتعدي على أفراد حملة تمرد بالإسكندرية في إحدى المناطق الشعبية –أبو سليمان- والتي تعد إحدى أهم معاقل الإسلاميين بالمدينة. وتقول رواية الإخوان أن حملة تمرد هي من قامت بالتحرش بهم. أياً كانت الرواية الصحيحة عن الأحداث، فالمثير هو رد الفعل الشعبي. حيث قام الأهالي بالهجوم على هؤلاء الأفراد  ثم أمتد الأمر إلي تكسير المقر بالكلية وأمتد أكثر إلي منطقة شعبية أخرى وهى باكوس ليقوم الأهالي هناك بنفس الفعل.

فيه حاجة مهمة أيضاً حدثت في 28/ 6 وربما لم تحدث إلا في الخمسينات وهى إن الناس تقرر تروح تشتبك مع الإخوان عند مقراتهم وان دا بيوصلنا لشفى حرب أهلية. وكان فيه ناس بدأت تتكلم إنهم يستميلوا الدولة البوليسية عشان تحجز ما بين أطراف النزاع، وبالفعل الجيش كان نزل وفرش قواته يوم 25 تقريباً،  وكان واضح إن هذه الفرشة ليست معنية بقمع المتظاهرين، ولكن عشان يسيطر على مفاصل الدولة، وكان أي حد عنده تمييز عسكري أو سياسي يعرف هذا الأمر. ولكن الإخوان وحدهم هم من رأوا مهلة الجيش كإنذار للمتظاهرين.

وهنا يجب العودة لنقطة البداية. فوصول الإخوان للحكم كان ضمن شرط مهزوز وهش جداً. تاني  حاجة مهمة  إنهم جم في لحظة، ودا كان مربط الفرس، لحظة اجتماع الناس كلها وقلقها الشديد حول سؤال: ازاي حنقدر نتعايش مع بعضنا سلمياً، في ظل شروط وأوضاع جديدة سواء على مستوى المجال السياسي والمجال العام، وكل الأسئلة المتعلقة بالحقل العام وإدارة التعايش وإدارة وتشارك الحياة بشكل واسع مع اختلاف الأنماط والتنوع داخل الاجتماع المصري.

والإجابة على الحقل السياسي كانت من الأول مضطربة. يعني احنا من 2011 كان الإجماعالأول عايزين ديمقراطية تمثيلية وإنها ستكون  كفيلة بان توصلنا لتداول سلمي للسلطة وتعايش سياسي مشترك من خلال أشكال التنافس السياسي. طبعا احنا بعد شوية اكتشفنا إن المشكلة أعمق بكتير من كده. فيه سؤال حوالين إعادة توزيع الثروة، وسؤال حول الموارد ومين هيقدر يتحكم في الشارع ويسيطر عليه. ومن هنا هتحصل الأزمة. لان الحقيقة لم نكن نمتلك أي إجابات على هذه الأسئلة. وكمان الإخوان مع تصعيدهم للصراع عززوا حالة الفزع والمطالبة بعودة الدولة البوليسية كفاعل يقوم بالتحجيز بين أطياف الاجتماع المصري المختلفة، ويضع كل واحد في حجمه ويدي لكل واحد مساحة من الأدواروإعادة توزيع الثروة.

الحقيقة النسخة اللي طرحها الإخوان المسلمين في فترة التسعينات كنسخة مضادة للإسلام المتطرف كان لها أرضية خصبة وتم تقبل الخطاب ده مع ظهور الأشكال المودرن شوية في فترة الألفين، وكمان استغلوا التطور التقني للتغلغل في الأنسجة الاجتماعية. ولكن مع وصولهم للحكم بدءوا يجمحوا أكثر يميناً حتى انتهى بنا المطاف للوصول لمشهد الإستاد وجميع أبطال التكفير وغلاة اليمين الإسلامي ويتوعدون لكل مخالفي الجماعة ومعارضيهم.

هنا احنا لازم نبص شوية من زاوية الحركات الاجتماعية. أنت هنا عندك كذا قوة ظهرت منذ نهايات التسعينات ليومنا هذا عندها قدرة على التعبئة والحشد منهم الإسلاميين، القوى النيوليبرالية، الشبكات الزبونية للحزب الوطني ومن استفادوا من حقبة الانفتاح، والداخلية بعد انتصارها في الحرب على الإرهاب، وسابق عليهم البيروقراطية الأمنية والعسكرية (والجيش كان بدأ يشعر منذ ال 2000 أن دوره يهمش لصالح جمال مبارك ونخبته الجديدة)، وأضف إليهم أيضاً منذ التسعينات الشبكات الخاصة بالبلطجية، والغريبة جدا إنهم عندهم وعي بذواتهم، طبعا مش كلهم ومش المقصود شوية أشقياء في حي شعبي، دول اصغر من إنهم يعرفوا موقعهم من السلطة ومنظومتها في مصر. إنما هناك قطاعات على وعي شديد جدا بموقعها ومن أعظمالأمثلة حد زى نخنوخ.إنما في كل في محافظة هتلاقي كوادر من المؤسسات الكبيرة (تعبير البلطجية عن نفسهم) دي مشهورة بتعرف تنظم صفوفها وعندها مؤسسات حقيقية . كل دول عاشوا في لحظة ترقب مع سقوط مرحلة الدولة البوليسية، وبدأت تحصل أزمة كبيرة جداً إن السؤال زى ما شرحت سابقاً هو التعايش ده هيبتدي ازاي؟ وهنا جت لحظة التصادم بتاعة الاتحادية لتعلن فشل التعاون أو الترقب، لأن في المرحلة دى تقريبا كل القطاعات انخرطت تماما في العنف.

هنا انا مش مهتم أوي أقول مين الصح ومين الغلط. بس المعارك كانت بتنتهي بشكل مأسوي وكل معركة منهم كانت بتجذب عدد جديد من جمهور مختلف للانخراط في الصراع.

كنت أتمنى إني أتطرق أكثر للإجماع الإقليمي الذي تشكل ضد الإخوان ولكن أنا أطلت بما يكفي. ولذلك سأكتفي بالإشارة إلي أن حلف السعودية- الإمارات وحلف إيران وسوريا، كلاهما لم يتفقا على أي ملف، ولكنهم اتفقوا على إزاحة الإخوان وكلا الحلفين قدما التهنئة والمباركة للدولة المصرية بعد الإطاحة بالإخوان بل وبعث إيران ممثل رسمي عنها لحضور حفل ترسيم السيسي. وكان رهان الإخوان على مباركة الولايات المتحدة الأمريكية وحليفها مع قطر وتركيا خطأ إستراتيجي كبير، لأن ظنهم أنهم قادرون على حمايتهم والتصدي لأي محاولة للإطاحة بهم كان على أسس واهية. وتكرر الأمر بعد 30 يونيوحيث ظنوا أن العالم لن يعطي شرعية لحكم السيسي والعسكر، وكان هذا تغافل كبير عن حقائق وتجارب سابقة ومذابح مختلفة وقف المجتمع الدولي عاجز أمامها ومنح شرعية سياسية ودولية لحالات مختلفة أكثر فجاجة من ما حدث بعد 30 يونيو. وتناسوا أن ثمة تداخل كبير بين ثورة وثورة مضادة وانقلاب عسكري كلهم تضافروا لتشكيل حدث وصيرورة 30 يونيو وما تبعها من أحداث.

الأفق أنذرت بحرب مواقع شديدة العنف داخل المدن. وهذا ما قد حدث بالفعل. ولم تتخذ السلطة الإخوانية أي إجراءات جذرية لمصالحة الثوار والجماهير وإشراك المعارضة في الحكم. وكان النداء لجلسات الاستماع الوطني التي تتسم بالمراوغة السياسية فاشل وغير مواكب للتطورات الثورية والمجتمعية. وبدلاً من التراجع، أصرت الجماعة أن تأخذ الصراع إلي نهايته. وبالفعل سقط الإخوان عن سدة الحكم. ودخلت بعدها البلاد في حالة استثناء وتوحش غير مسبوق للدولة.

عمرو عبد الرحمن:

في البداية أريد أن أنبه لوجود مستويين للمناقشة. هناك مستوى خاص بمحاولة فهم الحدث والإجابة على سؤال ماذا حدث وكيف انتهينا إليه. وهناك مستوى ثاني يخص تقييمنا نحن وموقفنا من الحدث. وعندما أتحدث عن مواقفنا فأنا لا أتكلم عن المعسكر الفضفاض المسمى بالقوى المدنية (وهو مصطلح عام لامم الشامي على المغربي)، ولا أتحدث كذلك عن “قوى ديمقراطية”، وهو مصطلح أضيق. ولكن أتحدث عن مجموعات اليسار الجذري التي كانت موجودة قبل 2011وسمحت لها ثورة يناير أن تتوسع بشكل طفيف جدًا وأن تتصل للمرة الأولى من زمن بعيد جدًا مع ما يفترض أنه حاضنها الاجتماعي بحرية أكثر. ومن هذا الموقع أقيم مواقف الجميع بما فيها ما يعرف بالقوى المدينة كالحزب الديمقراطي الاجتماعي أو حمدين صباحي والمجموعات القومية المتحلقة حوله وهكذا.

ملاحظة ثانية أحب أن أنبه لها وهي ضرورة تجنب الثنائيات المفاهيمية قدر الامكان عند الوصف والتحليل، ثم العودة للمفاهيم عند التقييم. فإذا بدأنا مثلًا بسؤال هل ما حدث يعد انقلابًا من عدمه وكانت الإجابة أنه انقلاب، اذا نحن ضد الانقلاب. وكذلك، هل ما حدث ثورة مضادة؟ إذا كانت الإجابة بنعم اذا نحن ضد الثورة المضادة. هذه الطريقة في النقاش لن تصل بنا إلى شئ وتصادر على الفهم والتحليل. طبعا الفصل التام بين المستويين مستحيل، ولكن على الأقل نحاول تحري الدقة في الوصف ثم ننتقل لمستوى تسكين ما نصفه في إطار مفاهيمي.

ندخل في الموضوع ماذا حدث  في الثلاثين من يونيو؟

لا يمكن فهم ما حدث في 30 يونيو بدون فهم ماحدث في 11 فبراير 2011. التاريخين غير منفصلين عن بعضهم البعض. 11 فبراير 2011 كان تدشين لشراكة عميقة ما بين الجيش وما بين جماعة الإخوان المسلمين على أجندة واضحة ومحددة وهي احتواء ثورة يناير ووأد طموحها الديمقراطي والاجتماعي. الجيش تدخل لإزاحة مبارك تحديدًا من حيث هو ضامن رئيسي لكل علاقات الكتلة الحاكمة مع سياقها الاجتماعي والإقليمي وممارسات حكمها التي غُزلت طوال زمن مبارك. بمعنى أن تدخله كان بهدف الحفاظ على التحول النيوليبرالي، ونفس منظومة العلاقات الاقليمية (يعني مثلا ليس بالصدفة انه تاني بيان بعد تنحي مبارك كان بخصوص التعهد بضمان كامب ديفيد، لا كان بخصوص مظاهرات ولا دستور)، وضمان العلاقة مع الخليج تحديداً، وكذلك ضمان المواجهة مع الاسلام السياسي المسلح أو الراديكالي. بماذا ضحى الجيش في المقابل؟ الجيش ضحى بجمال مبارك ومجموعته التي كانت عموما ملحقة، أو بمثابة جسم زائد أو دخيل، على هذه الكتلة الحاكمة من 2005 او 2004. هؤلاء ضحى بيهم الجيش وكذلك ضحى بأتباعهم الصغار، أو كما يقول الشوام “ازلامهم”. وهذه التضحية كانت تعني بالتبعية التضحية بكل الشبكات المشكلة لجسم الحزب الوطني والتي كانت تعتمد عليها الكتلة الحاكمة لتؤمن لنفسها مايشبه التمثيل السياسي. وفي الطريق اضطر لتحجيم جهاز مباحث أمن الدولة، أو وضعه في حجمه تحت قيادته المباشرة. ولكن مرة أخرى أشدد على احتفاظه بتحالفاته مع البرجوازية الكبيرة وعلى التزاماته الامنية مع اسرائيل وكذلك على التزامه بأمن الخليج. هذا هو سقف التغييرمن وجهة نظر مشروع الشراكة ذاك في 2011.

في المقابل اندفع الإخوان لشغل موقع الحزب الوطني كممثلين سياسيين لنفس تركيبة المصالح والالتزامات الإقليمية. ومن ثم اقتضت صفقة فبراير ٢٠١١ استيعاب الإخوان المسلمين داخل نفس تركيبة المصالح وهكذا يتم احتواء الثورة، بمعنى وقف مفاعيلها الجماهيرية ومواجهة مكونها الديمقراطي والاجتماعي ولو بالعنف.

هذا العنف بدأ بشكل مبكر جدا في 26 فبراير 2011 عند فض اعتصام لعشرات النشطاء أمام مجلس الوزراء واشتد عوده في 8 ابريل 2011 عندما انفضت مظاهرات أكبر بالقتل واستمرت وتيرة العنف الرسمي في تصاعد من حينها.

هذا هو الإطار العام الذي يمكن فهم مواقف الفاعلين المختلفة خلال هذه الفترة بالإحالة إليه.

مثلًا، أين كان الإخوان وماهي مواقفهم؟ كان الإخوان يباركون خطوات  الجيش بوضوح بل والمشاركة في هندسة المسار السياسي بما لا يتجاوز هدف إحلال الإخوان المسلمين محل الحزب الوطني. قانون الاحزاب السلطوي الذي تعاني منه الأحزاب المدنية أو الديمقراطية اليوم لم يقر بعد 3 يوليو ولكنه كان جزء من حزمة قوانين أعدت تحضيرًا لاستفتاء ١٩ مارس ٢٠١١.استفتاء مارس نفسه وقانون انتخابات الرئاسة وقانون انتخابات البرلمان وغيرهم الكثير كلها كانت خطوات تصب في إعادة هيكلة المجال السياسي لاستيعاب الإخوان وفقط وتدشين لهذه الشراكة العسكرية الإسلامية.

ولكن هذه الشراكة بطبيعة الحال كانت غير مرشحة للاستمرار إلا بتضحيات كبيرة من جانب الإسلاميين تحديداً، لأن ميزان القوة مختل بشكل غير مسبوق  مابين الجيش ومابين الإسلاميين وهذا مالم يفهمه الإخوان. الإخوان تخيلوا ان هذه شراكة بين أنداد ولهذا تلاعب بهم الجيش طوال مدة الشراكة القصيرة تلك. وأداء الجماعة في مواجهة هذا التلاعب كان بالغ التواضع والتخبط.هذه جماعة تحولت قبل الثورة بكثير لجماعة ريفية، أي تكوينها بالمجمل من الريف، ولا أعني أنهم فلاحين بالضرورة ولكن ينتمون للمراكز الحضرية خارج القاهرة. وكذلك هيمن عليها المكون البيروقراطي وليس السياسي. فعضوية  مكتب الإرشاد مثلًا كانت بمجملها من التنظيميين وليس السياسيين، وأقوى كادر سياسي فيهم، كأبوالفتوح مثلًا، تم استبعاده من المكتب قبل الثورة بحوالي عام. بعبارة أخرى، الجماعة كان يقودها مجموعة من الموظفين الريفيين. وبالتالي فأدائهم المتواضع وحساباتهم الخاطئة ليست مستغربة بالنسبة لي.

سؤال آخر حتى يكتمل فهمنا، ما هي مصادر القلق في هذا الشراكة ؟ أحد مصادر القلق الرئيسية تتعلق بما يمكن وصفه بيمين الإخوان المسلمين ويسارهم. الإخوان المسلمين جماعة ضخمة جدا تمتد عضويتها من أول رجال الأعمال حتى أدني درجات السلم الاجتماعي وبالتالي قابلة للضغط عليها من يسارها ويمينها، يمين جماعة الإخوان المسلمين يمين سلفي بالأساس وبعضهم سلفي جهادي وبينه ومابين أجهزة الدولة ثار. وما قام به الإخوان لاحتواء يمينهم هذا وطمأنة أطراف الشراكة ومن خلفهم القوى الإقليمية كان غير مقنع للجيش.

الجيش في المقابل من جانبه أدار علاقته مع الإخوان بهدوء أعصاب. الجيش كان واعيًا تماما ان ميزان القوة مختل لصالحه ولا يدفعه للتعجل في مواجهة الإخوان، بل ترك المجال للجميع يلعب.الإخوان مثلا خاضوا انتخابات 2011  واكتسحوا بتحالفاتهم والجيش ضمن العملية برمتها.الجيش كذلك سمح لمحمد مرسي بالفوز بانتخابات الرئاسة ولو كان في نيته التزوير لكان له ما أراد بسهولة نسبية. الجيش كان مرتاحًا في هذه العلاقة محتفظًا بكل مراكز قوته و مسيطر على الاجهزة الامنية ،لا شئ يضغط على أعصابه.

كيف أدارات القوى المدنية في المقابل علاقتها مع الجيش؟ نعود هنا لضرورة التمييز داخل هذا المعسكر الغامض بين جماعات ديمقراطية وبين جماعات او نخب كانت غير مستوعبة في التركيبة العصبوية للطبقة الحاكمة خلال عهد مبارك ومنتهى طموحها هو أن يجري استيعابها على قدم المساواة مع الإخوان، هذا طبعًا بخلاف العناصر القديمة من الكتلة الحاكمة والتي كانت الخصم الرئيسي لمحاولة إدماج الإخوان في الكتلة الحاكمة كما سبق الذكر. المحصلة كانت تسابق الجسم الأكبر من القوى المدنية لطمأنة الجيش ومنحه كافة الضمانات التي أرادها في مرحلة مابعد انتهاء فترة الانتقال. وكلما زادت العروض من قبل القوى المدنية ارتفعت قيمة عروض الإخوان كذلك… فما حصل عليه الجيش مثلًا في وثيقة السلمي حصل عليه في دستور 2012بحذافيره  بدون ما ينقص عليه كلمة. وبالتوازي، وأتفق هنا مع ما قاله علي الرجال، حاولت أطراف معتبرة داخل المعسكر المدني لمحاولة “جرجرة” الإخوان للعنف لإثبات انهم، أي الإخوان، طرف غير موثوق فيه.

والإخوان في المقابل وتحت ضغط هذه المزاحمة كانوا يتجهوا يميناً بإيقاع متسارع وثابت، بما يضيف لهواجس الجيش في حلقة مفرغة في الحقيقة. وكانت هذه الديناميكية القاتلة نموذج للغباء في الحقيقة. عندما تكون متورط في شراكة قلقة مع الجيش وتواجه ضغط رهيب من القوى القديمة والجديدة وبعضها يحاول جرك للعنف كما قال علي يجب أن تأخد خطوة للخلف  وتبدأ تقنع بحجمك خصوصًا أنك لا تملك أوراقًا كثيرة في حالة التصعيد نتيجة خلل ميزان القوى السابق الحديث عنه. ولكن المذهل أن الإخوان بدلًامن اتخاذ خطوة للخلف اندفعوا خطوات للأمام في اتجاه مشاكسة الجيش والتحالف مع يمينهم الاسلامي. تجييش اليمين الاسلامي بدأ في الحقيقة مع معركة دستور 2012. هذه المعركة كانت مفعمة بالدلالات لأن بدائل الإخوان هنا كانت لازالت متعددة. كان بإمكان الإخوان مثلًا تعليق هذا الجدل المسموم برمته لمده زمنية أطول والعملبدستور 71 معدلًا بالاعلان الدستوري والتحجج مثلًا بضرورة التفرغ لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية وهكذا. إلا أن الإخوان أظهروا إصرارًا غريبًا على تمريغ أنف الجميع في التراب، من قوى قديمة أو قوى ديمقراطية وثورية، والتسيد منفردين على المجال السياسي الهش والوليد.وظني أن هذا الاندفاع الإخواني كان أحد العوامل الحاسمة لميل الجيش للانقلاب على الإخوان بعد أن كان له كل ما أراد.

ما حدث عملياً من يناير 2013 هو ان سيناريوا الانقلاب اصبح حتمياً إذ بدأ الجيش يميل شيئا فشيئاً لرؤية القوى القديمة وغالبية القوى المدنية في حين أصبح الإخوان أسرى يمينهم الاسلامي ودخلوا استراتيجية انتحارية في الحقيقة. ما فعله الإخوان بقانون الانتخابات البرلمانية مثلًا مؤشر على تبني هذه الاستراتيجية الغريبة. مرسي كان يدعو خصومه للتركيز على الانتخابات البرلمانية ويرى فيها حلًا للأزمة السياسية فما الذي كان يمنعه مثلًا من الإسراع بالذهاب لهذه الانتخابات؟! بالعكس، دفع الإخوان بمشروع قانون هم قبل غيرهم موقنون تمامًا أنه سيحظى بالرفض من قبل المحكمة الدستورية العليا (وعرض القانون بشكل قبلي بالمناسبة على الدستورية كان نصًا في دستور ٢٠١٢ أصر عليه الإخوان بهدف تلافي حل المحكمة لأي برلمان جديد في المستقبل). وعاد القانون مرة أخرى لمزيد من النقاش الذي بدا بلا نهاية. هذا ليس غباءًا فحسب، هذا “استعباط” كما يقال ويصعب التكهن بمنطقه أو غرضه. ما أود التشديد عليه مرة أخرى أن الانقلاب في هذه الأجواء قد أصبح حتمياً. والتشديد هنا مهم لمواجهة الرواية التي تعيد بناء حدث ٣٠ يونيو كما لو كان قد هبط من السماء فجأة على دماغ رئيس منتخب.  تصوير الأمر على هذا النحو هو ببساطة كلام فارغ!

نعود الآن لحديث التقييم. والتقييم كما أشرت في البداية هو من وجهة نظر الجماعات اليسارية المبعثرة. عندما طالبنا في هذا السياق المأزوم بانتخابات رئاسية مبكرة كان هذا مطلب عقلاني لانقاذ الإخوان أنفسهم وانقاذ المسار السياسي والبلد ككل. كأننا كنا نقول للاخوان: “ارجعوا لحجمكم لأنكم مش أد اللي بيحصل لانه لو استمرت دايرة الانسداد والعنف دي الجيش هايجي يشيلك بمنتهى السلاسة”. مطلب الانتخابات الرئاسية المبكرة، من وجهة نظري، كان يهدف لأمرين: عقلنة مسار إزاحة الإخوان الحتمي وحجز مكان لأنفسنا في مابعد هذه الإزاحة. ولم يكن من الطبيعي معارضة هذا المسار مجاناً لصالح الإخوان المسلمين، أو أن نضحي بأنفسنا حتى يعود خيرت الشاطر للتفاوض مع الجيش مرة أخرى. وبالتالي كانت الدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة والمشاركة في ٣٠ يونيو قرارات منطقية في حينها.

هل كان هناك بديل لما حدث في 30 يونيو ؟؟ بالطبع كان هناك بديل ولكن كان تفعيل هذا البديل  في يد الإخوان وليس في أيدينا.

هل ماحدث في 30 يونيو كان انقلاب ؟؟ بالطبع ما حدث كان انقلاب و لكنه كان حتمي في ضوء استراتيجية الإخوان المسلمين وهم من كان في يدهم فرملة هذا السيناريو في مهده.

هل تحالفت القوى المدنية مع الجيش ؟؟ طبعاً ، ومن يريد أن يدين مواقف تلك القوى فليدينها ولكن الغريب أن تتوجه الإدانة لمن قال أن الانقلاب حتمي وسعى لفرملته.

هل ماحدث كان موجة ثورية كما قلنا أو قال بعضنا وقتها؟؟ لا لم تكن ٣٠ يونيو موجة ثورية. وما قيل في هذا الصدد كان تحت وطأة مشهد الحشود غير المسبوقة والتي أسكرتنا.

هل كان امام قوى اليسار الجذري المتفرقة خيار إلا الاشتباك مع هذا الحدث ومحاولة عقلنته ؟؟ انا رأيي لا. وبالتالي لو كان الإخوان المسلمين فتحوا لنا اي مساحة تحرك مستقلة عن حدث 30يونيو كنا حاولنا استغلالها. ولكن عملياً تم اغلاق كافة المنافذ الحركات المستقلة ولم تترك لنا أي فرصة إلا للحاق بالحدث.

محمد عثمان:

هناك مشهد قبل 30 يونيو أتذكره.  قبل نتيجة مرسي أو شفيق بيوم، أنا روحت المنصة عند مؤيدي شفيق، كان فيه حشد موجود في ليلة الإعلان عند المنصة. ماكنش حشد قليل. أنا عايز اطلع من فكرة أصل وصول الإخوان للسلطة انها لحظه انتصار. أعتقد أنها لحظة انتصار زائفة يعني 51% في مقابل 49% في تصويت شارك فيه 27 مليون مصوت. إحنا هنا بنتكلم عن لحظة مختلفة كانت مفروضة على الجميع طبعا وفي القلب الإخوان هنا لإن هما اللي مسكوا الدفة زي ما بيقولوا. لكن حتى القوى المحسوبة على الثورة يجب ان تلتفت لكده.  أنا بحسب نفسي إني اشتبكت مع الثورةمن داخل تنظيم الإخوان، سبته بعد الثورة لكن تقلبت مع كل التقلبات ونزلت في يونيو وكنت شايف  بروح خالية من تصورات كبري مسبقه لكن هي ملتحقة بالقطاع الاوسع من الجماهير اللي هي اتحركت من يناير ومع تقلبات موجات الثوره في اللحظة. نتيجة مرسي وشفيق اللي كان فيها حشد لشفيق دي كانت المفروض انها كانت تبقى نقطة محورية في تكاتف القوى كلها اللى موجودة.

في إشكاليةأو تساؤل ليه الإخوان وصولوا لتلاتين سته احنانا بنشوف ان الإخوان الموجودين في السلطة، ودي مسألة محتاجة مناقشة، ان بعد  فترة ومع الاعلان الدستوري واقرار الدستور كان عندهم حسبة مرتبطة بإن الدولة دي بالمؤسسات دي مش هينفع تعمل معانا إجراءات اعنف من اللي ممكن إحنا نتوقعها وانهم مهلهلين من الداخل واننا نحتاج الي اكتساب مساحات بسرعه قبل عودة المؤسسات ولكن تقريبا ما حدث العكس. ده سرع من عوده المؤسسات واستعاده عافيتها وكانت ذروة دا في تلاتين يونيه وفيه شواهد كتيرة علي ده.أي  حد في الرئاسة كان بيتكلم على فكرة المؤسسات نفسها، ان الدنيا في الداخلية ماحدش بيعرف يكلم حد، أصل الدنيا جوا مش مظبوطه ومبعثره خالص،  فكان فيه تصور وهمي انه إحنا نطول المرحلة بتاعة الصدام دي على أد ما نقدر وان إحنا ناخد مكتسبات أوسع من الموجودة.

التعاون مع القوى الثورية والمدنية نحطهم في شقين. مانقدرش نصنفهم كلهم تصنيفة واحدة. فيه قوى من أول لحظة اختارت تبقى في أي حاجة مضادة للإخوان. دا واضح من فكرة شفيق ومرسي. فيه ناس قالت بشكل واضح زي سعد الدين ابراهيم ود.أبو الغار قبل حتى دخول الجولة التانية، انه هي مش هتقبل بفكرة وجود الإخوان. القوى دي، بعد وصول مرسي نفسه  ومع تصرفات الإخوان بشكل كبير جدا، الكتلة دي بدأت تكبر المشكلة الأساسية. في رأيي ان إحنا القوى المرتبطة بالثورة كتير قعد منا في السنة دي كلها يتخبط مابين إنه يدخل في جبهه الانقاذ ويتفاعل مع أنشاطتها، وكان فيه شخصيات معروفة بتوجهاتها الأمنيةأو موقفها أصلا من الثوره داخل الجبهة، وهما بقوا في الصدارة مع الوقت. وفيه كتله زي مصر القوية والاشتراكيين و٦ابريل مدخلوش الجبهه ومتحالفوش مع الإخوان واصبحوا في نيران المزايده والتخبط من الطرفين.

في رأيي ان إحنا في السنة دي الامكانيات اللي كانت عندنا إحنا كقوى ثورية كانت ينفع تأخر الصدام  ونشتبك في الضغط بدون الالتفاف للمزايدات،وكان ممكن نعيد تشكيل جبهه إنقاذ بشكل أكثر ثوريه بالتمسك ببعض الحاجات.

أنا فاكر حدث صدام في الحزب ومع دكتور عبد المنعم نروح جبهة الانقاذ ولا مانروحش جبهة الانقاذ. يعنى فيه مجموعة خرجت على فكرة انه ليه إحنا مانروحش جبهة الانقاذ وفي نفس الوقت حتى لو انت ليه  ماعملتش حاجة تانية أو مااشتبكتش. طبعا الوضع كله كان بائس، الناس كلها بتتخانق على قصة الدستور،  وفيه فاعلين، حقيقي فاعلين، راحوا اتفقوا مع الجيش،أو فاعليين راحوا تحالفوا مع الإخوان وجبهةالضمير وقصص مالهاش معني  بشكل واضح جداً. وفيه قوى نفضت ايديها وبقت بس بتقول الكلام المثالي.

 أنا في رأيي ده جزء مهم في المناقشة نفسنا فيه.

أنا فاكر كويس جداً قبل انتهاء الجولة الاولى من الانتخابات أنا قابلت حد قالي شفيق خلاص، وعمل تربيطة جامدة جدا من امن الدولة،  معاه شبكة كاملة اتعملت، كانت بدايتها الحقيقية انتخابات شفيق. كملت بعد كده بعد الاعلان الدستوري. الشبكة دي خلاص، بقت شبكة هي عارفة هي بتعمل ايه. إحنا لحقنا بيها أو في قوى ثورية لحقت بيها واشتبكت معاها. الشبكة دي اتجمعت وكانت فيه لحظة زي ماكانت لحظة التنحي أو لحظة عمر سليمان لما طلع كده، دي كانت لحظة تقدم للثورة، طبعا فاللي طلع في ٣يوليو بزي عسكري أكيد مش هيعلن خطوات جذرية للديمقراطيه وتمكين للناس.

 آخر نقطة، ودي لازم نقول فيها لنفسنا ونراجعها، الأطراف اللي كانت في تحالف مع الجيش، الطرف اللي جاب المؤسسة العسكرية واتحالفت معاه وفي 30/6 استدعاه طبعا، فيه ناس بتقول الجيش كده كده كان داخل بس اللي عمل الاتفاق معاه ودخل شكل حكومة وبعدين اتخانقوا مع بعض. يعني انت المفروض داخل طرف مع المؤسسة العسكرية بإيه؟ المفروض بجماهيرك وباعلامك. طبعا كل دا انتهي  مع التفويض اللي خللا الجماهير مع صاحب الزي العسكري والإعلام بقى حاجه مسخرة حقيقيةإن الأطراف الداعمة للأطراف المدنية هي اللي بتزايد. نشوف إبراهيم عيسي بهدل وزاره الببلاوي إزاي، وزي  ما إحنا بنلوم على الإخوان في تعاونهم بعد يناير مع الجيش، على الاقل الإخوان اتحالفوا مع الجيش وخدوا الحكم، لكن الناس دي جابت القائد العسكري  يقول البيان ومشيوا اتخانقوا مع بعض وزايدوا علي بعض وبيطلعوا يعلنوا الفض اللي هو لحظه النهاية ليهم، لأن الحل الأمني هو ببساطة نهايه لأي دور سياسي وفقدان لأهميته في العملية

وبعدها تلاقي  البرادعي بيسيب الدنيا ويسافر.. حتى في عرف الانتهازية السياسية حاجة فضيحة وغباء اكثر من موقف الإخوان نفسه>

سامح نجيب:

بعد أربع سنوات من أحداث 30 يونيو و سبع سنوات من أحداث ثورة يناير فنحن محتاجين فعلا ناخد رؤية تاريخية شوية ومش مجرد تحليل الأحداث يوم بيوم.

السؤال الأول: هل بنتكلم عن حدث ولا عن عملية ولا تفاعل مابين سلسلة أحداث وعملية طويلة المدى؟ السؤال الثاني ما هو تحليلنا لتلك الأحداث؟ وهنا في رأيي أنه مفيد جداً المقارنة بين 11 فبراير٢٠١١ و30 يونيو ٢٠١٣. لأنه شكلياً يبدو أن هناك تشابه ما بين الحدثين والعمليتين. ففي الحالتين هناك حركة جماهيرية والجيش بيشيل رئيس جمهورية ويتولى الحكم بشكل مباشر. وفي الحالتين هناك مظاهرات واعتصامات، المرة الأولى بتنتهي بتحالف بين الجيش والإسلاميين والمرة الثانية بتحالف بين الجيش والقوى المدنية. ولكن نقاط التشابه الشكلي بتخفي ورائها اختلافات جوهرية.

الفرق الجوهري هو في اتجاه الأحداث ومعناها، ففي ١١ فبراير ٢٠١١ نحن أمام قيادة جيش في حالة تراجع وتنازلات أمام ضغط جماهيري كاسح وحركة ثورية تتقدم. في 11 فبراير لم تكن نهاية الثورة. ولو اعتبرنا الثورة عملية وليس مجرد حدث فالـ 18 يوم كانت بداية عملية ثورية.  علشان كده الكلام عن المقارنة في الحجم في الحشود بين 30 يونيو ٢٠١٣ كيوم و25 يناير٢٠١١ كيوم، كلام مالوش قيمة حقيقة.

ليه مالوش قيمة حقيقية؟ لأنه لو اعتبرنا ثورة 25 يناير بداية عملية أو سلسلة أحداث، فعلينا نحسب كم الحشود المتتالية خلال الأيام ال١٨ وخلال الموجات الثورية التالية في مختلف أنحاء الجمهورية وكم التراجعات والتنازلات من قيادات الجيش، وفي الحالة دي فبعد ١١ فبراير قيادات الجيش في تحالفها مع الإخوان كانت في مواجهة حركة جماهيرية بتتقدم. ودا سيناريو مختلف نوعياً عن 30 يونيو. فلو حسبناها بالنتايج فنتيجة سقوط حسني مبارك يوم 11 فبراير كانت بداية موجة ثورية، أما نتيجة سقوط مرسي في 30 يونيو كانت الكابوس الذي نعيشه اليوم.

هناك فرق نوعي بين الحالة الأولى والحالة الثانية. الحالة الثانية (3٠ يونيو٢٠١٣) كانت نتيجتها مذابح وقهر وقمع لحد النهاردة، والحالة الأولى (١١فبراير ٢٠١١)  كانت نتيجتها انفتاح ثوري غير مسبوق سياسياً وجماهيرياً وعمالياً وعلى كل المستويات، وهنا موضوع التوصيف مش توصيف أخلاقي. فالأولى جزء من عملية ثورية والثانية جزء من عملية ثورة مضادة. والمفاهيم والتعريفات دي والتمييز ما بينها ضروري وهام. الثورة المضادة مش مجرد يوم أو حدث ومش مجرد مؤامرة. الثورة المضادة عملية ممتدة زي الثورة، بتستدعي تعبئة أيديولوجية وتنظيمية وجماهيرية وبتستدعي كافة الأسلحة الجماهيرية من إضراب واعتصام ومظاهرات، مثلها مثل الثورة.

ولو عدنا لتاريخ الثورات وتاريخ الثورات المضادة هنشوف ده بيتكرر طول الوقت. يعني على سبيل المثال اكبر مظاهرات في ١٩٦٨ في فرنسا كانت مظاهرات اليمين مش مظاهرات اليسار، وكانت لتأييد ديجول في مواجهة اليسار والعمال (ساركوزي كان واحد من قياداتها الطلابية)، وفي تشيلي في فترة ١٩٧٠-١٩٧٣ اليمين نظم مش بس مظاهرات ولكن كمان إضرابات عمالية كبيرة في مواجهة سلفادور الليندي، والمظاهرات والإضرابات دي كانت مع تدخل الجيش. فلو احنا نعتبر٣٠ يونيو موجة ثورية أو حاجة ايجابية أو خطوة للأمام لمجرد أن هناك حشد وجماهير فده خطأ كبير.

كمان فيه نقطة ثانية تتعلق بحاجة اسمها الإبهام الأيديولوجي أو عدم الوضوح الأيديولوجي، فعلى سبيل المثال لما تبقى الأدوات المستخدمة في الثورة والثورة المضادة متشابهة ولما تبقى الرايات المرفوعة مشتركة، ده بيساعد على الخلط الكارثي بين الثورة والثورة المضادة. فعلم مصر على سبيل المثال كان رمز كلنا بنستخدمه في الثورة بس هو نفسه برضه اللي كان بيستخدمه الجيش والثورة المتضادة في عكس الاتجاه.

الشعارات حول “الشعب” أيضاً مبهمة ومتناقضة: “الشعب اتحرك وشال مبارك.. الشعب اتحرك وشال مرسي”. مرة ثانية التشابه الشكلي بين الموجتين والإبهام في الرموز والشعارات والأدوات بيخفي فرق جوهري في اتجاه الحركة . فمثلا ثورة 25 يناير كانت موجهة ضد الدولة وأجهزتها أو على الأقل جزء من الدولة وأجهزتها. في الـ 18 يوم كانت ضد الداخلية وفي المرحلة اللي حصل فيها تعميق للثورة  بعد ١١فبراير أصبحت في مواجهة حكم الجيش والمجلس العسكري. أما 30 يونيو والتعبئة السابقة لـ 30 يونيو والانقلاب ففي عكس الاتجاه. ماكنتش ضد الداخلية وماكانتش ضد الجيش وماكنتش ضد أجهزة الدولة.وهنا لازم يبقى في وضوح نظري وعلمي لتعريفنا للدولة. هل ممكن يكون فيه ثورة مش ضد الدولة الموجودة بس ضد شخص الرئيس الموجود والتنظيم السياسي اللي هو منه فقط؟ هل فيه ثورة دون أي مواجه لأجهزة الدولة على الإطلاق بل بالعكس ثورة تشارك فيها الشرطة ويشارك فيها الجيش ويحميها الجيش؟ أيضاً على مستوى التحليل فيه مشكلة كبيرة في المقارنة بين الإخوان والجيش او الإخوان والعسكر، والفكرة الساذجة بتاعة “الإخوان والعسكر جناحي للثورة المضادة” بيتخانقوا مع بعض.الكلام ده على المستوى النظري غريب جدا. إحنا بنقارن إيه بإيه؟ حتى لو الإخوان تنظيم برجوازي يميني انتهازي رجعي إلخ، هل ممكن مقارنته بدولة رأسمالية بأجهزتها؟ وحتى على مستوى العنف، هل ممكن نقارن جهاز دولة مسيطر على كم هائل من أدوات العنف بحركة ممكن يكون فيها بلطجية؟ أنا في رأيي دا تخبط نظري مضر جداً.

أما المقارنة الأكثر منطقية هي بين المعارضة المدنية اللي راحت نطت في حجر الجيش والمعارضة الإسلامية اللي برضه راحت نطت في حجر الجيش. مقارنة بين القوى المدنية الإصلاحية اللي بتخون الثورة في تحالفها مع الجيش والقوى الإسلامية الإصلاحية اللي بتخون الثورة وتتحالف مع نفس الجيش. الجانبين كانوا بيتخانقوا على إذن نفس الجنرال وعلى رضاء نفس السلطة الحقيقية للدولة بأجهزتها القمعية. ولو عدنا ل٣٠ يونيو، فهل فيه موجة ثورية يشارك فيها ويعبئ لها الإعلام البرجوازي تعبئة أيديولوجية مكثفة؟ إعلام برجوازي وتمويل خليجي وتخطيط مخابراتي ومشاركة وحماية شرطة وجيش، دي كلها مكونات ثورة مضادة كلاسيكية. وهي كمان ثورة مضادة بحكم نتايجها اللي إحنا عايشنها لغاية دلوقتي. الكلام عن مقارنة ما بين ثورة ٢٥ يناير باللي حصل في 30 يونيو باعتبار الحدثين أو العمليتين ثورتين أو موجتين من الثورة فيه خطأ فادح وإساءة كبيرة لثورة يناير ٢٠١١.

هناك نقطتين أخيرتين للتوضيح وحتى لا يكون هناك لبس أو سوء فهم حول المواقف وحول التاريخ. أولاً الاشتراكيون الثوريون وأنا منهم شاركوا في إحدى مظاهرات 30 يونيو وكانت المشاركة بهدف تعميق الثورة ضد مرسي والإخوان وضد العسكر والفلول. تلك المشاركة في تقديري كانت خاطئة وكانت قائمة على تحليل خاطئ لتوازن القوة في تلك اللحظة. فالمعارضة الثورية كانت اضعف واصغر حجماً من أن يكون لها تأثير حقيقي على النتيجة. والمشاركة أدت إلى حالة من التخبط في المواقف وتسببت في تأخير بلورة المعارضة للانقلاب والحكم العسكري سواء على مستوى فهم طبيعة الحدث وحجم الهزيمة التي مثلها الانقلاب وحكم السيسي والتمهيد الجماهيري لذلك الانقلاب والحكم في ذلك اليوم الأسود في تاريخ مصر ٣٠يونيو ٢٠١٣.

سالي توما

أنا عشان ما اعيدش كتير أحبأوضح كام نقطة. إحنا بنحاول نفهم الجماهير، مش بس نقارن ثورتين وان كانت ثورة واحدة فقط وهي يناير. إحنا بنحاول نفهم إيه اللي حصل فنفهم ليه الجماهير عملت كده. فمع احترامي لكل التحليلات ككل بس حاسة إننا بنغفل شق مهم جدا لما بنيجي نحلل أو نحاول نفهم اللي هوالشق النفسي الاجتماعي لأي حاجة. فأنا أحب نتكلم فيه ونكتب فيه اكتر. أنا قعدة بدرسه وبذاكره بقالي سنة تقريبا.

لوعايزة  أبص ع الثورة المصرية أو الست سنين اللي فاتوا، هشتبك مع الكلمات عن طريق الفكرة دي. علي كان بيقول عن الشعب إنه متدين بطبعه. ولوهبص فيها من ناحية التحليل إيه اللي حصل؟ طيب، شعب متدين بطبعه ده إحنا اعتقدنا اللي جاب الإخوان وهيبقى مبسوط بالإخوان، ومع ذلك اللي نزل في 30 يونيو علشان يطيح بالإخوان، هل هوكده طلع مش متدين بطبعه والموضوع بالوضوح ده؟ لأ طبعا، هومركب حتى لوهومتدين بطبعه… السيسي نفسه متدين بطبعه، يعني هومختارش السيسي ولا جابه عشان هورافض للإسلام.هوممكن يكون رافض إسلامالإخوان ودا لاحظناه في الناس الكتير اللي بتتكلم عن السيسي انه كان رافض الإسلام السياسي، الشكل اللي عمله الإخوان المسلمين. لكنه كان مع أسلمة جيش وأسلمة شرطة، وكان بيقول أنا موجود هنا عشان الأخلاق.

يوم 3 يوليو طلع حزب النور عشان يقول رسالة واضحة وصريحة انه الإسلام وانه أنا مش قايم بثورة ولا انقلاب ضد الإسلام لكنا إحنا بنتكلم عن الإخوان المسلمين نفسهم فدي كانت حاجة مهمة جدا انه إحنا ممكن نفهم ده من الجماهير لأنها مشببساطة هوانهي نوع من التدين كان عاوزه. هوكان عايز عبد الحليم حافظ بالمسدس. علي، أنا اختلفت معاك في حتة الإعلام مش هوالمسئول : اورويل في 1984 وصف وزارات السيطرة على الجماهير:انه في الوزارة بتاعة تزييف الحقيقة اللي هي الإعلام وبيقوم بكل البروباجاندا لتزييف الحقيقة، وفي وزارة الحب والتعذيب، انه أنا أعذبك لحد ما تحبني، وبعدين في خلق العدو إنه أخلق عدوالشعب. لما اخلق عدوالشعب يبقى سهل انه أنا اتحكم فيهم. كل ده اللي كان بيحصل وبيخلق عدوالشعب اللي هي الثورة، وفي الآخر اربطه بالإخوان. وبعدين شوفت انه الوقعة اللي حصلت ماكنتش ضربة للإخوان كانت ضربة للثورة 25 يناير عن طريق الإخوان.

من وجهة نظري الشعب المصري بياخد معظم معلوماته من المسلسلات. يعني دلوقتي شغال مسلسل الجماعة عشان شكله كده عشان يؤكد انه اللي حصل مع عبد الناصر بطريقة سطحية، بس ده عشان يؤكد انه هوده التاريخ.

علي كان برضه بيقول حصل تحالفات مع الإخوان مع يمينهم، وبعدين يمينهم هواللي باعهم. أنا كنت شايفة العكس. كنت شايفة الإخوان باعوا يمينهم، ودا بدأ بدري. أنا شايفة انه السلفية اتباعت قبل ده بكتير. إحنا كان عندنا فيه اشتباكات العباسيةفي القاهرة، كان واضح انه الإخوان بدئوا الحتة دي. أنا معتقدة إننا مهم جدا ندرس حالة شباب الإخوان نفسهم هما موقفهم كانوا فين. الناس اللي اشتبكت مع الثورة دي جوه الإخوانالأول وبعدين خرجت بره الإخوان.. العلاقة المضطربة شوية مع الإخوان اللي هي واضحة من الأول.

إعادة هيكلة الشرطة كان مطلب من أول خالص من الثورة من قبل ماييجي مرسي، من وقت ما الإخوان كانوا في البرلمان ودي من الحاجة اللي اتشطب عليها من أولها تماما،ً اللي هوده مش الاجندة بتاعتنا كإخوان.. فأنا كقيادة إخوانية أجندتي مش ثورية أصلا ولا ضد مؤسسات الدولة وعشان كده أنا بشوف إننا كيسار ثوري وشعب عملنا نص ثورة كانت هتكمل.. الإخوان هاعتبرهم نصف ثورة مضادة، مش على القدر الكافي من التضاد عشان يكونوا ثورة مضادة كاملة، والجيش أطاح بيهم، فبقى ثورة مضادة بالكامل،فإحنا بقينا سالب ثورة.. يبقى حتى الثنائيات دي أنا مختلفة معاها شوية. لكن مهم حتة ثورة وثورة مضادة نقعد نبص عليها بس نبص عليها من مفهوم نفسي اجتماعي..

عمروكان بيقول الجيش تعامل معاهم بهدوء أعصاب. هومش بس كده هواستخدم ضلالات الإخوان ضدهم. هما كان عندهم ضلالة عالية جدا وافتكروا نفسهم أعلى من الحقيقة وهواستخدم الضلالة انه هويوقعهم. يعني كانت إستراتيجية سيكولوجية برضه ودا تأكيد اكتر لأهمية الشق النفسي الاجتماعي اللي كنت بتكلم عليه، لانه هي الضلالة دي اللي وقعتهم ووقعتنا، بدليل إننا في 30 يونيواتحطينا في موقف انه كنا نازلين ضد الإخوان. أنا عن نفسي نزلت ضد الإخوان من أول ما الإخوان مسكوا الحكم، مش عشان أنا مسيحية أو غلاسة لكن عشان أنا شايفاهمإنهم على يمين كل حاجة كنا مؤمنين بيها.. كنت شايفاهم ثورة مضادة جديدة عشان تحتوي 25 يناير وملخص كل حاجة، والميدان هما تفاوضوا بيه ومكانوش هيدوا للثورة حاجة ولا استمرارية، بس كان فيه حاجات بنقدر نعملها ونقدر نتحرك، لكن فيه قوى اكبر مننا. ولوافتكرنا قبل 30 يونيوشح البنزين فكان فيه سواقين التاكسي وانه مرسي كان بيودي الكهربا لغزة وهوجزء وكنا بنفكر إيه التحركات اللي على الأرض اللي ممكن نعملها غير إن أنا أتظاهر ضد الإخوان، كانت الفكرة فاشلة جدا عندنا انه إحنا لما الشعب كان عنده غليان من الإخوان إحنا برضه  ماعندناش نشتغل فيها أو نظبطها اكتر، ولما جه الجيش وهيأ كل شيء.

أنا مش من الناس اللي نزلت 30 يونيو. أنا قايلة من قبلها انه ده انقلاب وانه الجيش عايز يعمل ده. كلمة تمرد نفسها كانت تكفي لأنها كلمة عسكرية بحتة لا يعنيه الجماهير، الشعب عايز إيه. لكن 2 يوليواعتقد انه إحنا نزلنا عشان أخلاقيا مش عشان كان في حد قال في الكلمات عشان كان في فرصة انه الثورة بتاعتنا، لا إحنا ماكناش شايفين فرصة إحنا كنا نازلين نقول ضد العسكر وضد الإخوان وكنا قليلين جدا جدا ولما نزلنا ووصلنا الاتحادية أنا نفسي عيطت من المنظر اللي حاصل، اللي بيرقصوا لها دي أكيد مش ثورة..  الثورة اللي الشرطة بتوزع ورد أكيد مش ثورة.. المنصة اللي مصروف عليها من القوة الحقيقية الموجودة دلوقتي اللي هي السعودية والإمارات واللي ممكن نركز فيها زي ماقطر لعبت فينا برضه فالسعودية والإمارات هي المسئولة تماماً عن دعم الثورة المضادة، وتيران وصنافير فاتورة اندفعت لدعمهم الثورة المضادة.

مع عثمان لازم نبص على الشباب الإخوان راحوا فين بالظبط وانه إحنا نبص على الصدامات بينا.أول صدام حصل في الدستور. إحنا كنا مع الدستور أولا. الإخوان كانوا مش الدستور أولا وكان بدل الخناقة انه إحنا نتعامل فيها ونقيمها عن كده. دي من الحاجات اللي لازم نبص عليها. إحنا اشتركنا امتى وقت خناقة الإخوان، شباب الإخوان كان عامل فيها إزاي. فيه موقف يحضرني اني لما جيت الاتحادية فيه زميلة اتاخدت هي وزميل تاني وكانوا اتضربوا من الإخوان في الكشك،والإخوان إحنا كنا بندور عليهم وعارفين انهم بينضربوا جوا. أنا اللي قدرت عليه اني اتصلت بشباب الإخوان أصحابي اللي هما خارجين من الإخوان كان منهم القصاص وانزلوا حالا هاتوهلنا ودوروا عليها وأول ما شوفته بستفته بستفة السنين على الثورة والمزايدات، ومش هنسى انه القصاص عيط يومها، وقال انه سالي خلصت علي لأنها هزتني الهزة بتاعة الموقف. من كل ده هل أنا رفيق الثورة ولا أنا المسئول عن اللي بيحصل جوا. واظن دي حاجة مهم المفروض ندرسنا في سياقنا مع بعض. أنا مع فكرة الثورة لسه ومش فقدت أمل ..مهم جدا علينا أو الناس اللي في بالأحمر انه في مجالات كتير مفتوحة علينا وانه إحنا نقدر نكمل ونلاقي حاجات نشتبك منها ومنها الملفات اللي بنسميها جزئية واللي تغافلنا عنها الـ 6 سنين اللي فاتت زي ملف المواطنة وملف المرأة والعمال وكذا كذا بحجة كلها جزئية.  يمكن ده اللي نقدر نكمل فيه مرة. بجد اننا نشتغل على الملفات الجزئية دي. لأن 30 يونيومحدش قال عيش حرية كرامة إنسانية. الناس كانت بتقول بس يسقط مرسي، عشان كده منقدرش نقول إنها كانت ثورة أو حراك مكمل أو شبيه ب 25 يناير .. لازم نبتدي نكتب في تحليلاتنا الجزء الاجتماعيوالنفسي شوية. يعني في نظرية الجنون الجمعي مثلا دي هتلاقيها دي اتكتب في كتب كتير، ان الشعب كله فجأة يصيبه نفس الضلالة وانه كلنا نصدق نفس الحاجة. فدي نظرية مهمة جدا في الثورات. المهم إني هكتب في الحاجات دي وتتنشر ..مهم جدا نحلل من المنظور ده وحابة ابدأ بمصر الاورويلية وتحليل سيكولوجية الجماهير.

عماد عطية

انا مش عايز ادخل في ثورة وانقلاب وثورة مضادة كمحاولة لتوصيف الحدث.. لكن انا شايف كل الروايات على تناقضها فيها جوانب موجودة في هذا الحدث المركب والمعقد اللي ممكن نشوفه كنتاج فشل لعملية طويلة بدأت من اول يوم في الثورة.. عملية دمج الإخوان مع الكتلة الحاكمة.. واللي وصلنا لـ 30 يونيو انه عملية الدمج دي فشلت ، فشلت بأه نتيجة للممارسات من الطرف دا او دا موش مهم.. لكن الأكيد ان الاخوان لعبوا الدور الأكبر في إفشال عملية الدمج دي زي مالعبوا الدور الأكبر بعد كده في إفشال كل عمليات انقاذهم.

وهنا هاتكلم في شوية حاجات بالتفصيل.

مسألة الانقلاب، الانقلاب كان حاضر دائما منذ 11 فبراير 2011 بس اللي عاش انقلابات الستينات والسبعينات بتاعة نصحي الصبح نلاقي العقيد فلان استولى ع الاذاعة وطلع البيان الأول.. يميل لاستعمال كلمة انقلاب في 11 فبراير و30 يونيو، بصرف النظر عن الفروق بينهم، بتحفظ شديد. واذا ما كنش فيه كلمة في العلوم السياسية تميز بين ده وانقلابات الستينات والسبعينات في المنطقة العربية وإفريقيا خصوصا، يبقى فيه مشكلة في العلوم السياسية يحلوها ونشوف كلمة تعبر عن اللي بيحصل دا.

الانقلاب بتاع 30 يونيو مش كان معلن عنه قبلها بمعاد  وبس، لأ دا كان معلن عنه من بدري جداً جداً وأي حد كان عاش الفترة دي كان شايف، وانا حضرت لقاء مع مجموعة من السياسيين، وقعدنا ندردش قبل 30 يونيو بأربع أو خمس أيام، كنت بقولهم بضحك انه تقريبا جميع القهاوي في مصر الناس بتتناقش في سيناريو الانقلاب الجاي، يعني هو هيحصل هيحصل. الناس كلها عارفة انه هيحصل مش السياسيين الواعيين بس، ازاي هيحصل والسيناريو أيه الناس كانت بتتناقش.

مافيش جدال أنصار الدولة القديمة لعبوا، إنما لازم نقف شوية على حاجتين ممكن الناس ماتكلمتش عنهم في المداخلات اللي فاتت. الحاجة الأولى حكاية الدولة العميقة دي ودورها في 30 يونيو وفي الحشد اللي مابننكروش، بس لازم نقول انه هذه الدولة العميقة كانت في حالة بائسة من التفكك والانحطاط وكانت منقسمة على نفسها وحالتها بالبلى وجزء من انقسامها انه الإخوان من أول يوم وصلوا للحكم الحقيقة ماتعاملوش بعنف غير مع قوى الثورة اللي هي بدأت بمعارضتهم، بصرف النظر عن محمد أبو حامد والمظاهرة الهزلية اللي دعا لها ومحدش نزل. انما اللي بدأ معارضة الإخوان هي قوى الثورة وتقريبا كانت البداية من 100 يوم على حكم مرسي واستمر المسلسل بعد كده. وفي الوقت اللي كان فيه الإخوان بيقمعوا قوى الثورة كانوا في نفس الوقت بيتوددوا لكل عناصر الدولة القديمة بالرشاوى والتطمينات وأظن كلنا فاكرين رجال الأعمال العظام دول اللي حشدوا أجهزة الإعلام بعد ما راحوا مع مرسي الصين ولفوا معاه ومكانش عندهم أي مشكلة في إنهم يتعاونوا. هو بصراحة ما إداهمش فرصة. كان فيه ميل شديد عند الإخوان للهيمنة والسيطرة على كل شىء بشكل بالغ الغباء. بس كلمة غباء دي بأعتبرها بصراحة مش غباء فلان أو علان، لكن أقصد بيها غباء المؤسسة. هما مش اغبياء لكن المؤسسة تركيبتها كده ماينفعش يطلع منها غير اللي طلع ده.

 موضوع الدولة العميقة دا، عشان احد الدلالات اللي كان موجود عليه في الأسابيع اللي قبل 30 يونيو، كنا احنا عاملين عندنا في الحزب غرفة عمليات لمتابعة الأحداث والاشتباكات اللي بتحصل في مواقع مختلفة من مصر. أنا أتذكر في يوم قبل 30 يونيو قبلها بـ 3 أسابيع وإحنا قاعدين في غرفة العمليات جالنا تليفونين من مكانين مختلفين بينهم وبين بعض اقل من ساعة. التليفون الأول جالنا من الإسماعيلية، إيه بتعملوا إيه؟ قال احنا في مقر الحرية والعدالة في الإسماعيلية. طب وبعدين؟ قالك لأ ما هو البوليس فوت ودخلنا مافيش حد. وإحنا في المقر مافيش ساعة كان بيجلنا تليفون تاني من زملائنا في المنيا أمام مقر حزب الحرية والعدالة. دخل البوليس قمعهم بعنف وقبض على مجموعة كبيرة جداً وعمل فيهم ايه؟ سلمهم للإخوان. مش خدهم قسم ولا عمل بيهم حاجة لا دا سلمهم للإخوان. 48 ساعة بيتعذبوا جوا مقر الإخوان في المنيا لحد ما طلعوا. دي الدولة العميقة أو احد أجهزتها القمعية.

الحاجة التانية اللي أنا شايفها والناس بتتكلم عنها بصورة نمطية شائعة، أنا شايف إنها مش دقيقة، هي جبهة الإنقاذ، وبرضه بدون محاولة للدفاع عن جبهة الإنقاذ، إنما فعليا لازم نعرف إيه اللي حصل. زي ما قال محمد انه كان فيه محاولة لضم مصر القوية لجبهة الإنقاذ، وعمر ما كان فيه خلاف حوالين الموضوع ده. ولما عمرو خالد قرر في وسط الهوجة انه يعمل حزب تم الترحيب بيه في جبهة الإنقاذ بس الحزب بتاعه ما ظهرش. هل كان فيه اتصالات بين جبهة الإنقاذ والجيش؟ طبعاً. بس لما نقول جبهة الإنقاذ ما ينفعش نقول رفعت السعيد وسامح عاشور، لأن دول في الحقيقة ماكنش ليهم أي وزن في الجبهة. لما نقول جبهة الإنقاذ هنقول بالترتيب والأوزان في اتخاذ القرار إيه آه وإيه لأ: كان بالترتيب البرادعي ـ حمدين ـ الوفد ـ الديمقراطي الاجتماعي ـ وعمرو موسى. انا شاركت في جميع اجتماعات جبهة الإنقاذ من يوم ما تأسست لحد ما روحت أول اجتماع ليها بعد 30 يونيو. قلتلهم الجبهة دي لازم تتحل وملهاش أي لازمة. دي كانت القوى الرئيسية اللي بتقول للناس نعمل ايه ومانعملش ايه. كان فيه اتصالات مع الجيش؟؟ طبعا مع أطراف في جبهة الإنقاذ. ولكن هذه الاتصالات ظلت سرية إلى ما قبل 30 يونيو بأسابيع. سرية بمعني انه فلان ليه لينك بيتصل بعلان ولما الموضوع ابتدا يبقى مكشوف قوي وان الحكاية ماينفعش تستمر كدا اتفتح الموضوع، وبشكل مختصر جداً وسريع جداً اتاخد قرار من جبهة الإنقاذ انه اللي عايز يتكلم مع جبهة الإنقاذ يتكلم مع محمد البرادعي .. ونقطة. وأي حد يقول غير كده متلزمنيش. ودا اللي بيفسر وجود محمد البرادعي في مشهد 3 يونيو مش أي حاجة تانية. والناس وهي بتاخد القرار ده عارفة انه دا ليس الاختيار الأفضل للجيش. الجيش مش حابب قوي يعني يتكلم مع البرادعي، انما ده كان الوضع.

الحاجة التانية المهمة جدا انه الحقيقة على مدى 3 او4 شهور جبهة الإنقاذ قدمت عدة مبادرات لا يمكن إدراجها الا تحت عنوان محاولة إنقاذ حكم الإخوان، بصرف النظر عن النوايا طبعا. جميع الاقتراحات اتقدمت سواء خاصة بقانون الانتخابات البرلمانية. ليه يا أخونا؟ عشان نعرف ندخل الانتخابات. اللجنة التأسيسية للدستور عشان نشارك في عمل الدستور. طب وزارة محايدة عشان نعمل كذا وتشرف ع الانتخابات لأنكم زورتم الاستفتاء بتاع الدستور.

كل الاقتراحات دي لو عايز تشوفها بجد مش هتشوفها إلا في إطار انتوا يا عالم يا بقر اللي انتوا بتعملوه دا ماينفعش. وفي نفس الوقت اللي كان فيه اتصالات سرية بين الجيش وجبهة الإنقاذ كان فيه اتصالات سرية بين جبهة الإنقاذ والإخوان ودا  كان مستمر. وقبل عمرو موسى كان فيه حاجات تمت بشكل فردي وفيه حاجات تمت بشكل جماعي. كان فيه محاولتين مشهورين بشكل فردي. الأولى عمرو حمزاوي والتانية عمرو موسى. طب كانت إيه نتائج الاتصالات دي، بصرف النظر انه عمرو موسى اتهزق  في اجتماع الجبهة بعد الاجتماع مع الشاطر. الصفاقة اللي تعامل بيها مع عمرو موسى الشاطر قاله كده اجري يللا العب بعيد واللي تعرفوا تعملوه اعملوه. دا كان خلاصة اللي قاله الشاطر لعمرو موسى

مقاطعة لعمرو عبد الرحمن “يقال انه الشاطر قال لعمرو موسى احنا اللي هينزل يتظاهر ضدنا هنرد عليه بالسلاح” ده اتقال علناً على منصة الإستاد وهما فضحوا اللقاء وعمرو موسى لسه نازل من بيت أيمن نور بالرغم من إنهم متفقين انه اللقاء سري وعلى طول سربوا الخبر للإعلام على أساس انه ده يدي إسفين لجبهة الإنقاذ والحركات إياها”.

استكمال عماد عطية:

كمان عايز اقول في السكة وإحنا بنتكلم عن الأحداث دي انه أي كلام عن الطريقة اللي قاد بيها الإخوان المسلمين الأحداث ناحية العنف من قبل 30 يونيو وصولا لما بعد 30 يونيو ماينفعش يتجاهل محاولات الإخوان لجر البلد لحرب طائفية .. التحريض العلني على منابرهم الرسمية. فيه فرق كبير قوي بين إن البلد كله طائفي وفيه طائفية بالهبل وبين انه كبار المسئولين في الدولة يطلعوا يعملوا تحريض طائفي علني في مناسبات رسمية زى اللي حصل مع الشيعة واللي حصل مع المسيحيين، بعد الاتحادية طلع على محطة التليفزيون بتاعتهم المذيع بتاعهم المشهور قال كل اللي في الاتحادية بيتكلموا مسيحي.

احنا بنعيش عملية ثورية ممتدة منذ يناير 2011 والعملية لازالت مستمرة وجوهرها تفكيك دولة يوليو وبالتالي تفكيك ثنائية العسكر والإسلاميين، وبالمعنى دا وبرغم كل السواد اللي احنا شايفينه إلا انه في شىء ايجابي حصل على هذا المستوى. الهزيمة الشعبية اللي لحقت بالإخوان في 30 يونيو هزيمة غير مسبوقة لمشروع الإسلام السياسي في المنطقة كلها، الهزيمة دي أنتجت بعد 30 يونيو مباشرة صعود الإسلام الجهادي والعنف وده مالوش اي مستقبل، وهيبقى انه الهزيمة دي كانت أحد الشروط الضرورية عشان يبقى فيه حاجة اسمها إسلام ديمقراطي بعد شوية، لأن مافيش حاجة اسمها البديل هو قمع الإسلاميين. مفيش حاجة اسمها كده، مش هيبقى فيه ديمقراطية غير كده. وعلى الطرف الآخر برضه، بصرف النظر عن ما يبدو من هيمنة الدكتاتورية العسكرية، إلا احنا لما بنقارن الناس كانت شايفة الجيش ازاي قبل 2011 والناس شايفة الجيش ازاي النهاردة على جميع المستويات الجيش، عمر ما الناس شافته قبل كده كأداة قمع. دلوقتي الناس موش هينفع تتجاهل ده. الجيش بينزل يقمع الناس ويضربهم بنفسه في عشرات المواقف، وعلى مستوى الفساد الاقتصادي وعلى مستوى الأدوار اللي بيلعبها والخراب الإداري مكانة الجيش اتهزت بعمق في وسط الشعب المصري وده بيمهد لهزيمة حقيقية للحكم العسكري. أنا رأيي العملية لسه ما انتهتش وانه الطرفين اللي بيشكلوا  جوهر دولة يوليو الحقيقة في أسوأ حالاتهم، والحكم لم يستقر على كل المستويات وأنا شايف انه العملية دي لازالت مستمرة ولن تنتهي فعلا إلا بموت دولة يوليو .

عادل المشد

لي ثلاث مداخلات.. الأولي تتعلق بكيف أسأنا تقدير30 يونيو في لحظتها؟.. تقريبا كل القوى الديمقراطية أساءت التقدير.. ليه اتقال من البعض تعبير الموجة الثانية للثورة؟.. ليه اتقال اكبر ثورة في تاريخ مصر؟.. على أساس انه كان اكبر عدد من الناس نزل في تاريخ مصر؟!!.. ده مهم لأن له علاقة برؤيتنا لـ25 يناير.

في ظني إن الخطأ جه مما يمكن تسميته تقديس العفوية. ثورة 25 جت من خارج كل المؤسسات أيا كانت .. بسبب من طبيعة الأحزاب اللي كانت قائمة قبل الثورة، فإنها ما كان لها أن تساهم في 25 يناير.. المنظمات الثورية الصغيرة لم تساهم بدور ذو شأن في 25 يناير.. ولكن الثورة كان ليها طابع تلقائي واسع.. كان من الطبيعي انه يتولد لدينا إحساس كبير بقيمة العفوية بل وتقديس لها. ليه لم تكن هناك محاولات لبناء تنظيمات جماهيرية حقيقية في غضون الانتفاضة بعد 25 يناير؟ بدلا من ذلك رحنا نعمل أحزاب علنية ورحنا نعمل توكيلات لهذه الأحزاب، مع انه أجنة التنظيمات اللي كان لازم نلتفت إليها في ثورة 25 يناير كانت واضحة جدا ممثلةً في النقابات المستقلة وقتها. ده من ناحية، واللجان الشعبية في الأحياء من ناحية أخرى وفيه لجان شعبية اتعملت في حتت تانية غير الأحياء زي بعض أماكن العمل.. فيه لجان شالت مديرين ووقفت مع ناس وعمال.. مش عارف ازاي الأعين ما تِّجهتش للأشكال التنظيمية دي.. والغريب كنا واقفين في الميدان وسط آلاف من الناس شأننا في ذلك شأن الناس غير المسيسين بدلاً من عمل أشكال تنظيمية ممكن تدفع الثورة للأمام..

وبالنسبة لـ 30/6 وبسبب منتقديس العفوية اللي أصابنا جميعاً أصبح لدينا إحساس انه الجيش مش هيقدر يكسر الحركة الجماهيرية دي… احنا شاركنا في ٣٠ يونيو، صحيح كانت لينا هتافات خاصة بينا، لكن الحقيقة ما كانش ليها قبول عند جمهور كتير .. كنا بنقول يسقط حكم العسكر والإخوان… القضية كلها ان إحنا مكناش مقدرين ضعف الحركة التلقائية للجماهير بدون منظمات جماهيرية تحميها وتزقها للأمام..

25 يناير ألهمتنا كلنا وخلتنا نقدس العفوية، ومحدش كان متخيل ان الجيش هيكنس الحركات اللي في الشارع دي.. وكنا متخيلين إن احنا نقدر نفرض على العسكر شروط ما .

المداخلة التانية… فيما يتعلق بكلام علي الرجال حول شبكة البلطجية السفلى واللي شايفها كان ليها استقلالية خاصة .. أنا شايف انها كانت جزء من الإعداد للانقلاب وليست منفصلة أبدا عن مشغليها الحقيقيين من ضباط الأقسام.

المداخلة التالتة.. عن ما قاله سامح نجيب عن أن البعض منا ساوي بين العسكر والإخوان واعتبرهم الاتنين جناحين للثورة المضادة..طبعا سامح مش موافق أبدا علي الفكرة دى، ورأيه إنه مش ممكن نساوي بين تنظيم إصلاحي محافظ، وبين جهاز القمع الرئيسي للطبقة الحاكمة… وأنا في رأي إن التواريخ هنا مهمة جداً.. الإخوان فيما قبل 30 يونيو شىء وما بعد 30 يونيو شئ أخر ، ماقبل 30 يونيو الاخوان كانوا في السلطة.. دعك من كلام انهم ما كانوش مسيطرين على الدولة… دا مش مهم.. هما كانوا بيسعوا لده وكانوا بيسعوا للسيطرة على الدولة العميقة… هما كانوا عايزين يسيطروا سيطرة حقيقية..طبيعي ان انت في عدائك لتيار بهذا الشكل بيتحد مع الدولةالعميقة مش هتعامل معاهم باعتبارهم مجرد تنظيم سياسي..

بعد 30 يونيو دخلنا في مرحلة ثانية.. يعني الناس (الإخوان) بتتضرب وتتسحل وتتقتل بالآلاف ومع ذلك يظل المحرك الرئيسي لأشخاص كثيرين من” اليسار” هو عداؤه للإخوان!!.. يعني عمي ألوان بعيد عنك… نمرة واحد.. التعاطف الإنساني والوقوف ضد المظالم لازم يبقى موجود من أول يوم…نمرة اتنين.. لازم تتحل المشكلة مع الإخوان..

إذا عايزين نسقط هذه الدكتاتورية لازم نطرح رؤية لحل المشكلة مع الإخوان… إزاي هتفتح نقاش مع الإخوان؟.. وإزاي نقنع باقي التيارات الأخرى؟… وإزاي هما يطرحوا نفسهم من أول وجديد؟.. وإيه حجم النقد الذاتي المطلوب منهم؟.. وإيه هي الضمانات اللي تطمئن الناس لعدم تكرار محاولاتهم للإنفراد مرة أخري؟ دي أسئلة محورية للوضع القادم. 

يحيى فكري:

المعضلة الرئيسية من وجهة نظري في السجال حول حدث 30 يونيو هي في تقييم الحدث من وجهة نظر ما ترتب عليه من أمور، أي من وجهة نظر نتائجه واستحقاقاته. هذه الطريقة في التقييم هي في تقديري صحيحة وخاطئة في ذات الوقت. صحيحة لأن أي حدث هو في النهاية جزء من عملية تاريخية، ولا يمكن فهمه أو تقييمه دون الأخذ في الاعتبار ما سبقه من مسببات وما تلاه من نتائج. وخاطئة لأنه لا يمكن تقييم مواقفنا داخل أي حدث بـ”الراجع” أي طبقا لما أسفر عنه هذا الحدث في مستقبل الأيام. فالمواقف السياسية تحكمها دائما ضغوط وتوازنات اللحظة. فرأيي باختصار أنه: لا يمكننا تقييم 30 يونيو بشكل صحيح دون الأخذ في الاعتبار نتائجه الكارثية، وأيضا دون أن يعني ذلك عدم استقامة مواقفنا ساعتها التي لم تقدر تلك النتائج من الأصل.

أنا الحقيقة مختلف مع وجهة نظر عمرو اللي بتشوف إن نتائج 11 فبراير 2011 تشبه نتائج 30 يونيو 2013، لأنه في الحالتين كان فيه إزاحة لرئيس الجمهورية واستلام للسلطة من قبل المجلس العسكري بالتعاون والتواطؤ مع بعض أطراف المعارضة السياسية، ودون أن يقدم الجيش أي تنازلات ذات شأن. هذه النظرة للأمور تتجاهل حالة الصراع السياسي والاجتماعي من أسفل، وكأن الإجراءات الفوقية تحدث في فراغ. في 11 فبراير الجماهير الثورية كانت في حالة هجوم والطبقة الحاكمة في حالة دفاع والنظام يتعرض لكسر حقيقي. وكانت قيادات الجيش مضطرة تحت ضغوط الشارع أن تجلس مع “شباب الثورة” وتتفاوض معهم حول الأسماء المقترحة لرئيس الوزراء والوزراء. الدولة والطبقة الحاكمة كانوا في حالة رعب من الثورة وهجومهاوما تحمله من إمكانيات، رغم إن جماهير الثورة كانوا أقلية وسط عموم الجماهير الشعبية، لكن هذه هي طبائع الأمور، وفي أكبر الثورات في التاريخ –فرنسا، أو روسيا، الخ- كانت دائما الجماهير الثورية أقلية ضمن عموم الشعب، لكنها أقلية معتبرة تخوض معركة هجومية، كما حدث في مصر في 2011. إلا أن الوضع اختلف تماما بعد 30 يونيو. أصبحت الجماهير الثورية في حالة دفاع، بينما الطبقة الحاكمة والقوى الرجعية صارت في حالة هجوم وتقوم بتصفية الثورة. أصبح الثوريون في حالة عزلة يتعرضون للعصف والاعتقال والأحكام الجائرة، ناهيك عن الهجوم الشخصي والسباب والشتائم على ألسنة عامة الجماهير في الشوارع. لذا فلا شك أن 11 فبراير 2011 كانت انتصار للثورة، بينما 30 يونيو 2013 كانت انتصار للثورة المضادة.

أنا كمان مختلف مع سامح في رفضه لفكرة جناحي الثورة المضادة، التي أتبناها تماما.فما حدث بعد 30 يونيو ولفترة من الوقت تلتها، أن الشارع في مصر كان يحمل مشروعين سياسيين متناقضين ومتصارعين، الأول هو المشروع الذي جسدته مظاهرات 30 يونيو، والثاني هو المشروع الذي جسدته الاعتصامات الحاشدة في رابعة والنهضة وبعض المواقع الأخرى. وفي تقديري أن المشروعين كانا يعبران عن الثورة المضادة، وأننا –كثوريين- كنا في حاجة إلى طريق ثالث في مواجهة المشروعين. والإدعاء بأن اعتصامات رابعة والنهضة لم تكن ثورة مضادة يعني بشكل مباشر ضرورة الانحياز لها والانضمام إليها في مواجهة المشروع الآخر، وهذا في رأيي خطأ فادح لا يقل في كارثيته عن دعم الانقلاب.شق طريق ثالث في تلك اللحظة كان أمرا في غاية الصعوبة، ورغم صعوبته الشديدة إلا أننا كثوريين حاولنا بالفعل، بدءا من يوم 30 يونيو. فالمظاهرة التي ضمت قوى الثورة التي شاركت في 30 يونيو كانت تسير بشكل مستقل وتهتف: “يسقط حكم العسكر .. يسقط حكم المرشد”.باختصار لا شك من وجهة نظري أن المشروعين السياسيين المتصارعين اللذين شهدهما الشارع بدءا من 30 يونيو –ولفترة تلتها- يمثلان جناحين للثورة المضادة، وكان كل منهما يسعى إلى تصفية الثورة والقضاء عليها.

وجدير بي أن أقر هنا أني أخطأت في التقدير –مثل كثيرين غيري- على الأقل مرتين خلال أحداث الثورة. الأول كان الخطأ في تقدير السياسة التي سيتبعها الإخوان بعد 11 فبراير. لم يكن لدي أدنى شك في انتهازية الإخوان، أو في توجههم للتواطؤ على الثورة والثوريين وخيانتهم. إلا أنني كنت أتصور أنهم سيسعون للاندماج سريعا مع الطبقة الحاكمة القديمة والقوى الليبرالية سياسيا واقتصاديا. وهو ما فعله إخوانهم في تونس والمغرب وتركيا وإندونيسيا وماليزيا وغيرها. لكنهم في مصر قرروا تصفية الثورة بطريقة مختلفة، عن طريق إشعال صراع الهوية، وإذكاء الصدام الطائفي، وتصدير شعار “الشريعة” في مواجهة شعار “الإصلاح السياسي” الذي خاضوا معركة التغيير من أجله وانقلبوا عليه في النهاية.

أما خطأ التقدير الثاني الذي وقعت فيه فكان تصوري –الخاطئ تماما أيضا- لمدى قوة ونفوذ قوى المعارضة الليبرالية (القوى المدنية) عشية 30 يونيو. الحقيقة أنني لم أكن أتصور أنهم سيكونوا على هذا القدر من الضعف والهشاشة، والاستعداد السريع للانسحاق أمام الجيش. حمدين صباحي كان قبلها بعام قد حصل على 5 ملايين صوت في انتخابات الرئاسة، والبرادعي كان صاحب شعبية طاغية وسط جماهير الثورة، وكمال أبو عيطة كان قائدا عماليا بارزا، هذا غير أبو الغار وشاهندة وحسام عيسى وغيرهم.. ممارسات هؤلاء جميعا بعد 30 يونيو كانت بالفعل مفاجئة لي بشكل كامل، والأمر هنا لا يتعلق أيضا بانتهازيتهم أو تواطؤهم على الثورة والثوريين، وإنما يتعلق بهشاشتهم وانسحاقهم، وانقلابهم هم أيضا على شعار “الإصلاح السياسي”.

عايز أقول حاجة أخيرة عن مَثل مهم للقوى لانتهازية، هو ممارسات الاشتراكيين الديمقراطيين الألمان خلال الثورة الألمانية سنة 1919. هم أيضا خانوا الثورة والثوريين وتواطؤا عليهم، لكنهم فعلوا ذلك عن طريق خداع الجماهير وليس الانقلاب عليها. هم مثلا فرضوا ضريبة على الثروة لانتزاعها من أصحاب الثروات، وقاموا بتوزيعها على العمال الألمان. أما الإخوان فواجهوا إضرابات العمال بكسرها ورفع شعار “شغلني شكرا”. والقوى المدنية فعلت نفس الشيء خلال وجودهم النسبي المؤقت في حكومة الببلاوي بعد 30 يونيو. أقصد من هذا المثل إظهار أننا واجهنا خلال الثورة المصرية ممارسات من القوى الانتهازية (الإخوان والقوى المدنية على حد سواء) لها طبيعة شديدة الرجعية ومعادية للجماهير،ومختلفة عن أغلب أمثلة التاريخ والعالم المعاصر.

*تعقيب سالي توما:

الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي كان أول حزب يتأسس بعد الثورة مباشرة ورضيت أكون من مؤسسيه والمتصدرين لهدف واحد بس وان أنا كنت فهمت خطأ انه مشكلتنا مش الديمقراطية التمثيلية بس وان إحنا ننزل الانتخابات. المهم خلعت بعد كام شهر وأسسنا”كاذبون” ودي اكتر حاجة عملتها حلوة في حياتي …في “كاذبون” إحنا كنا 6 من المؤسسين واحد منهم في حزب مصر القوية أنا شوفت تغيرات فيه، وهوكان بيتكلم على فكرة يسار إسلامي واقعد أهزر معاه وأقول له مافيش حاجة اسمها كده، لكن هوالوحيد اللي عايز يرجع “كاذبون” لحد دلوقتي.

بمناسبة “كاذبون” والتنظيم. يوم 25 يناير 2012 كان في فرصة إحنا ضيعناها ان حملة كاذبون اشتغلت شغل جامد جدا لدرجة انه قبلها ماكنش في حاجة اسمها يسقط حكم العسكر وحصل في التاريخ ده انه في ناس كتير في مناطق كتير تهتف يسقط حكم العسكر مع اشتباك إحنا كنا بنهتف في الميدان وحصل اشتباك مع الإخوان وهما بيحتفلوا في الميدان ومع ان ما عرفناش ننظم الناس دي والناس دي جم وروحوا بدون اي خطط لدرجة بيسألوا انتوا عايزين مننا إيه واحنا نعمله. انتوا منظمين وعارفين عايزين إيه.  ده كان اكتر الأيام المحبطة بس إن شاء الله مكملين.

*تعقيب هاني شكر الله:

انا استفدت جدا من كل المداخلات، وما ألقته من ضوء على الطبيعة المتناقضة والمعقدة لـ 30 يونيو. وبشكل خاص إلقاء الضوء على الخصومة المتنامية عند قاعدة الطبقة الحاكمة أو قواعد الحزب الوطني على حكم الإخوان خوفا من طموحهم للسيطرة السريعة والشاملة على أجهزة الدولة بمختلف مستوياتها إلى حد أصبح يهدد أرزاق هذه الفئة الطبقية مباشرة. استفدت جدا من توضيحاتكم لهذا الجانب، وشايف انه يضيف عنصر مهم جدا لفهمنا لـ 30 يونيو، وكل ما تثيره من حيرة.

لكن عايز ألفت النظر لجانب آخر أعتقد إنه مهم. الكل تكلم عن أن الثورة مهياش حدث ولكن عملية تاريخية. صحيح لحظة اندلاع الثورة يستحيل التنبؤ بها، فيها شئ سحري، ولكن ما أن تندلع حتى يكون لها زخم يستمر لوقت طويل، وعندنا نماذج لكل الثورات في العالم وعبر التاريخ تبين أن الثورة ما أن انفجرت لازم هتكمل حتى تنتصر أو تنهزم. البلاشفة لم يتوقعوا ثورة فبراير 17، ولكن وصلوا بها لأكتوبر ثم حرب أهلية وحروب تدخل.

لكن رغم حديث سامح وبقية الزملاء عن أن الثورة process شعرت بأن الحديث يركز على تعقيد 30 يونيو وما أخدش في الاعتبار بما يكفي السياق التاريخي للحدث. أنا شخصيا ومن يوم 28 يناير قلت أن ثنائية الدولة البوليسية والدولة الاسلامية انتهت تاريخيا. ده كان تقديري وقرايتي للمشهد. التوقع الشائع عند الجميع تقريبا – شرقا وغربا – كان انه يوم ما تحصل تمردات أو اضطرابات في دولة عربية مسلمة، هتكون بتقول تطبيق شرع الله والحكم بما أنزل؛ ولكن جاءت الثورة المصرية تقول: عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة انسانية. دي بينت ان هذه الحقبة انتهت تاريخياً، وبشوف اللي بيحصل دلوقتي من جنون الطرفين – الحكم البوليسي بيوصل لمنتهاه وذروته في سوريا، ان واحد بيدبح شعبه ويضربه بالنابالم، واللي بيحصل عندنا في مصر. والحركة الاسلامية من ناحية أخرى بتتحول لدواعش وأشباههم.

تاريخياً دا اسمه إفلاس، ودي نهاية حقبة تاريخية، رغم ان سكرات موتها ممكن تموتنا كلنا معاها. طبعا انتوا اأغلبكوا كنتم في قلب الأحداث، أنا مكنتش في قلب الأحداث،ولم أدعيإني كنت في قلب الاحداث، لكن انا شايف انه فيه زخم ثوري مرتبط بهذا التوق الى الحرية والعدالة يشمل مئات الآلاف أو الملايين من البشر في هذا الوطن، تعلقوا بهذا الحلم وشعروا بقوتهم وقوة توحدهم وعرفوا قوة احتجاجهم اللي مكنتهم منإسقاط رئيس الدولة والشلة بتاعته، وبقى البوليس قاعد بعد ما كان بيعذبهم في اقسام الشرطة يوميا، قاعد بيستخبى، والجيش بيتراجع امام قوتهم.

محدش يقدر يفصل – ما أقدرش أفصل – ده عن العملية اللي حصلت بعد وصول الإخوان للسلطة، أو أفصل تماما بين 25 يناير و30 يونيو، وأقول أن الأولى ثورة والتانية ثورة مضادة.  الثورة والثورة المضادة – زي الحزن والبهجة – يولدان تؤمين. الثورة المضادة معنا من اول لحظة، والصيغة اللي اخدتها في البداية هي تحالف المجلس العسكري والإخوان. وأظنكم أغفلتوا في حديثكم ان فيه قوى دولية كبرى كانت واقفة ورا مشروع الثورة المضادة هذا، وان صيغة تحالف العسكر والإخوان يُنظر لها على الأقل من 2001، وانه من ذلك التاريخ تبلورت عقيدة ثابتة في الولايات المتحدة والغرب عموما – وعبر عنها الكثير من الخبراء وصناع القرار- وهي إن هذا العالم العربي الإسلامي لن يستقر إلاإذا توصلوا إلى الصيغة التركية أوالباكستانية، أي تحقيق مشاركة في السلطة بين الجيش والإسلاميين. وإذا كانت الثورة المضادة كانت موجودة من أول لحظة، فمقاومتها أيضا مستمرة من أول لحظة، في مرحلة تحالف المجلس العسكري مع الإخوان، وتتواصل مع وصول الإخوان للحكم.

أنا مشفتش الصيع اللي انضموا في الآخر أو البهوات اللي كانوا بيمشوا في المسيرة يفسحوا كلابهم بالمرة – ده كله ما ظهرش إلا في اللحظات الأخيرة، وأنا شخصيا مازلت محتار في متى بالضبط أخذ الجيش والسيسي بالذات قرار الانقلاب على الإخوان. متفق مع القولبأنالانقلاب كان محتم من أول فبراير2011، لكن قرار الانقلاب معرفش جه امتى، لكن أغلب ظني أن قرار الانقلاب جه متأخر.

متفق أيضا، وبقوة، مع ما قيل عن أن الشرائح العليا من  البرجوزية كانت مستعدة تمام الاستعداد للتعاون مع الإخوان. الدولة البرجوازية زي الصفائح التكتونية، دائما بها انشطارات وتشققات، دي طبيعتها في كل مكان وزمان، لكن بتقدر تتعايش طالما مفيش براكين من تحت. لما بيكون فيه براكين الدنيا بتتهد والانشطارات والتشققات بتتسع لفجوات عميقة. أنا اعتقد أن الضغط الشعبي من أسفل، هو الليأدىإلىإسقاط المجلس العسكري، وهو اللي لعب دور في مفاقمة غباء الإخوان، لانه لما لقوا انه الحليف بتاعهم متبهدل في الشوارع، وانتشار الجرافيتي وعسكر كاذبون، وطنطاوي وقيادة الجيش بتتبهدل، طمعوا وقال لك “إذا كان حليفنا بقى ضعيف وشعبيته منكسرة، ليه منبقاش احنا الشريك الأقوى في الحلف؟”

مقدرش افصل بين حلقات الـ process، وأستنتج انه كل اللي بيحصل دا كان ثورة وييجي في 30 يونيو يتقلب ثورة مضادة. ولكن احنا أمام ظاهرة ولحظة فيها تداخل شديد جدا بين الثورة والثورة المضادة.

ويهمني ألفت النظر لعنصر آخر أعتقد انه شديد الأهمية في تفسير ما حدث، وهو الإرهاق. مش عندنا بس ولكن في تاريخ الثورات عموما، بتيجي لحظات تصاب فيها الشعوب المنتفضة بالإرهاق، بالذات من ثورة متواصلة لأكثر من عامين ونصف ولا تحقق مكسب واحد، فينقلب الأمل في مستقبل جديد لاحباط ويأس بل ونقمة على ثورة شاركوا فيها ولكن شعروا في نهاية الأمر إنها ما جلبتش غير الفوضى والدمار.

اسمحوا لي أختم بحاجة خارج الموضوع، وهي ظاهرة حزب مصر القوية. أنا شخصيا فوجئت بأن النقد الأهم والأكثر ديمقراطية لدستور الاخوان كان من حزب مصر القوية، وهو ما يطرح تساؤل مهم ربما تناولناه في مائدة مستديرة مقبلة: هل هناك امكانية لنشأة تيار اسلامي تحريري، مشابه لما يسمى بلاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية؟

عمر الشافعي:

انا هكتفي بإبداء ملاحظة وجيزة عاوز آخذ الخيط فيها من آخر جملة قالها هاني وهي ان الشعوب بترهق وإنه فيه حاجة اسمها التعب أو الإنهاك الثوري. يعني الحقيقة اتقال كلام اغلبه قيم جدا في المائدة المستديرة دي على مستوى اننا نفهم جوهر 30 يونيو باعتبار انها مضادة للثورة. وفيه كلام اتقال كتير حوالين الطبيعة والاسباب قيم جدا. كلام على الرجال كلام كويس جدا عن الإخوان كطائفة وعن نشوؤ حالة كراهية لهم وده سمح ان الاخوان يتاخدوا ككبش فدا. وعمرو تحليله عن الثورة والاخوان ومقارنته بين الانقلابين في 11 فبراير 2011 و3 يوليو 2013 كلام كتير بالغ الأهمية. ودول مجرد مثالين. لكن أغلب اللي اتقال في تقديره فايته نقطة مهمة وهي خصوصية 30 يونيو كحركة اجتماعية. احنا هنا قدام حشد جماهيري هائل بكل المعايير. أنا متفق مع كلام عمرو عن الللي حصل في 11 فبراير 2011 هو تحالف ما بين الاخوان والجيش على ترويض الثورة، لكن في نفس الوقت كان فيه عملية ثورية في الشارع ودا خلق زخم، خلق حيز سياسي كبير وضخم كان مطلوب ترويضه، وترويض هذا الزخم خد وقت كبير. ده شيء بيحصل في كل الثورات، لكن هنا لازم نضع في الاعتبار خصوصية مهمة للثورة المصرية وفي الحقيقة نقطة ضعف بارزة فيها. أظن إننا ممكن نقول ان ثورة يناير، مع كل عظمتها وجلالها، افتقرت في العمق، سواء تنظيميًا أو فكريًا، لما يوازي عظمتها من حيث الاتساع. هرجع لده حالًا. لكن تعالوا نفتكر إن أي ثورة كبرى فيها جانبين: الثورة كحركة، والثورة كتغيير. ومن خصوصيات العملية الثورية المصرية على مدى تلاتين شهر إن جانب الثورة كحركة طغى فيها على الثورة كتغيير. بمعنى ان الثورة المصرية ما انتزعتش في الحقيقة أي شيء تقريبًا من مطالبها في التغيير، مطالبها في العيش والحرية والكرامة والعدل، هي انتزعت بس الحيز بتاع النزول للشارع وخلقت حيز سياسي كانت الثورة المضادة حريصة على القضاء عليه. ولو سلمنا بإن 30 يونيو جزء من ثورة مضادة، فالخصوصية إنها كانت ثورة مضادة واخدة ثوب حركة جماهيرية كبرى. وزي ما قال سامح نجيب، التاريخ فيه نماذج لثورات متضادة تحت غطاء جماهيري واسع. لكن الحقيقة مش هو ده النموذج الوحيد ولا الأساسي للثورة المضادة. وإحنا دايمًا بنفكر في الثورة والثورة المضادة كحاجتين متضادتين ومتناقضتين، وده صحيح، لكن كمان زي ما قال هاني فيه تشابك بمعنى إن الثورة بتولد وبيولد معاها بهجتها وحزنها، يعني بتولد معها الثورة المضادة. تعالوا نبص باختصار لثورة يناير في منظور تاريخي مقارن. بعض الناس اللي حللت نظام يوليو، وصفوا الناصرية بشعار “من أجل الناس ولكن ليس بالناس” (For the People but not By the People). وممكن نقول إنه ثورة يناير كانت بشكل ما عكس ده: “بالناس ولكن ليس من أجل الناس” بمعنى أنها ما نجحتش في انتزاع التغيير المنشود. خليني أرجع لملحوظتي بتاعة افتقار ثورة يناير في العمق لما كان لها من اتساع. ثورة يناير في تقديري كانت ثورة شديدة الاتساع وبمعايير الثورات الكبرى حجم المشاركة كان كبير جدا. بس الحقيقة على التوازي مع حجم المشاركة الكبير ما كنش فيه حركة في العمق على نفس المستوى. كان فيه عملية تجذير جارية لكن تم احتوائها. يونيو بقى كانت هي أوج هذا الاحتواء. ممكن نقول إن تلاتين يونيو شاف مد موضوع التوتر بين الاتساع والعمق ده إلى أقصى استقامته. يعني الاتساع زاد حتى عن حشود يناير، لكن العمق تقلص إلى حد خلط الرايات بين الثورة والثورة المضادة. بالمعنى ده فيه تناقض ما بين يونيو ويناير بس هما كمان متشابكين مع بعض. والمفارقة الكبرى اللي ما وقفناش عندها كفاية هي إننا شفنا في الأسابيع المفضية إلى 30 يونيو وبعدين في 30 يونيو نفسه حشد جماهير كبير مسيس جدًا بامتياز، لكنه في نفس الوقت يغلب عليه مزاج كاره للسياسة وكافر بها. كإن لسان الحال بيقول احنا بنعمل أقصى درجات التسيس علشان نلغي السياسة بعد كدة، وبنعمل أكبر مظاهرة في التاريخ علشان ما ننزلش نتظاهر بعد كدة. ده شيء محتاج يتحلل تحليل نفسي اجتماعي زي ما قالت سالي. محتاجين نبص لـ 30 يونيو من زاوية سيكولوجية الجماهير. في تقديري ان الجماهير في 30 يونيو وما بعده كانت منهكة وقربت تكفر بالثورة بسبب ان مطالب الثورة لم تحقق وانه مش طبيعي ان الجماهير تفضل في حالة زخم ثوري لمدة سنين من غير تحقيق أي تغيير. المفارقة الكبرى في 30 يونيو بعبارة أخرى هي انها واخدة من يناير سمة الاتساع بل وأوسع من يناير، لكن العمق كان مضاد لثورة يناير: مش بيفتح حيز سياسي، لكن على العكس بيطلب قفل الحيز السياسي ووقف الزخم السياسي. وهنا مهم جدًا في تحليل وضع كهذا الالتفات لشغل مدرسة فرانكفورت وجمع بعض أبرز أقطابها بين التحليل الاجتماعي الماركسي والتحليل النفسي الفرويدي. وعايز بس أُذكِّر بإن المدرسة دي ما بدأتش في سياق أكاديمي بل سياسي نضالي بامتياز. ويكفي إننا نفتكر ان رائد المدرسة دي الحقيقي كان ويلهلم رايخ، وانه كان قبل ما يصبح ماركسي الرجل الثاني في حركة التحليل النفسي بعد فرويد، وبعد كدة في ظل تحوله للماركسية كان زعيم لتنظيم جماهيري كبير داخل الحزب الشيوعي الألماني قبل هيمنة الستالينية عليه، تنظيم واعي بالصلة الوثيقة بين الاستغلال الطبقي والمرض النفسي، والصلة بين الثورة الاجتماعية والثورة الجنسية. ده تراث محتاجين إحياؤه، ومحتاجين فعلاً زي ما قالت سالي توما لتحليل اجتماعي نفسي عميق لـ 30 يونيو كحركة اجتماعية كبرى.

*تعقيب لعمرو عبد الرحمن:

العودة لتاريخ  11 فبراير لم يكن الغرض منها المقارنة الشكلية مع ما حدث في ٣٠ يونيو بوصفها جميعًا انقلابات، وبالطبع لم يكن الغرض منها التهوين من شأن الزخم الجماهيري المصاحب لتنحي مبارك. فقط أردت أن أوضح أن ما حدث في ١١ فبراير كان انقلاب لا يعبر عن الزخم الثوري الحقيقي بقدر ما كان يهدف لإجهاضه بالشراكة مع الإخوان. انا في رأيي مشروع الثورة المضادة بدأ يوم 11 فبراير ولم يبدأ في ٣٠ يونيو. وما تم استنفاذه مابين التاريخين كان السيناريو رقم واحد للثورة المضادة، أي سيناريو التحالف العسكري الإخواني. لا يمكن أن نفهم شئ بمجرد العودة لـ 30 يونيو والتأريخ بهذا التاريخ لبداية الثورة المضادة في مصر، وإلا كيف نفسر استمرار هذا التحالف بين العسكر والإخوان طوال عامين ونصف.

العودة لما تلا تاريخ ١١ فبراير أيضًا هو ما يفسر مشاركة كثير من القوى الديمقراطية في إزاحة الإخوان أو على الأقل عدم اكتراثهم بالانقلاب عليهم إذ رأوا فيهم تجسيدًا لسيناريو ثورة مضادة صريح. وبالعودة لمثال شيلي الذي ذكره سامح نجيب نسأل: هل كان هناك ثوري واحد او يساري غير مصطف خلف الجبهة الشعبية بزعامة ألليندي وقت الانقلاب عليه؟ هذا هو الفرق بين حكومة ثورية تتعرض لانقلاب وبين حكومة ممثلة لمشروع ثورة مضادة يتم الانقلاب عليها بعد استنفاذ أغراضها.

ما كان ينقصنا في ٣٠ يونيو هو راية مستقلة، النزول او عدم النزول ليست مسألة محورية. النقد الاساسي الذي أوجهه لنفسي ولزملائي هو غياب هذه الراية. ومن ثم فالتهاون مع جبهة الانقاذ مثلًا كان خطأ فادحًا لانه حولنا لمجرد افراد  في 30 يونيو وليس قوة منظمة.

*تعقيب  لعماد عطية

انا هقف عند كام نقطة اختزال 30 يونيو في المظاهرات الجميلة اللي احنا عملناها في وسط البلد والاتحادية تحت حماية الجيش والشرطة. كلام جميل بس كلام مبتذل جدا جدا. لأنه من قبلها بـ 6 أسابيع كان فيه معارك طاحنة مع الإخوان في أماكن كتير، ومش كل المظاهرات كانت لطيفة وحلوة كده.

الحاجة التانية إن فيه ناس كتير نزلت ضد السياسة، اعتقد انه فيه خلط ما بين اللحظة بتاعة 30 يونيو ومسار ما بعد 30 يونيو واللي لعب فيه دور كبير جدا لجوء الإخوان للعنف، وده اللي سرع وتيرة “فضوها سيرة بأه” والتفويض.

يوم 30 يونيو نفسه حصل عنف من الإخوان في أماكن كتير. أنا اعرف أماكن  كتير. حلوان اتضرب فيها نار على المعتصمين في الميدان يوم 30 يونيو. المنيا حصل فيها كده. البدرشين حصل فيها كده. السؤال اللي الناس لازم تتكلم فيه شوية: ثنائية العسكر والإخوان دي بتنضرب ودي آخرها انه ما يبقاش فيه عسكر في الحكم ويبقى فيه حركة إسلامية ديمقراطية. مش شايف لها نهاية غير كدا، دا اللي لازم يبقى فيه كلام عنه، وإحنا ليه فشلنا في انه يكون لنا مشروع.. اللي أنا مستغرب له فعلا هو إن المكون الديمقراطي انسحق في 3 يوليو بالسهولة دي.. انا كنت متخيل انه هيكون فيه صراع بس موش الهزيمة التقيلة دي بسهولة شديدة جدا.

*تعقيب لعلي الرجال

1- تشكيلة الثورة شديدة التناقض منذ البداية، ولم يستطيع طرف من الأطراف الثورية عمل بلورة للصراع، وأن يأخذ بشكل جدي. بمعني انه فضلنا في لحظة ثورية عارمة في مطالب احتجاجية. واللي فاهمه بشكل ماركسي انه أي ثورة بتسعى لانتزاع مسألتين، الثروة والتمثيل السياسي الاجتماعي. ودي حاجة احنا متخانقناش عليها بجدية. احنا إيه مشكلتنا مع الإخوان المسلمين إنهم خذلونا!! ماهو لو أنت مش بتتخانق على التمثيل الاجتماعي ولا الثروة، عشان كده هيخذلك عشان توجهاته هو. وده أمر طبيعي ومكرر في كثير من الثورات.

2ـ – أنا في رأييالإعلام مؤثر على أي حراك في الشارع.أنا مقتنع انه دور الإعلام مهم، ولكن أنت ليه لما تيجي تكلمني انه فيهإعلام للثورة المضادة، طب ما الإخوان كان عندهم ماكينة إعلامية جبارة كان فيها ملايين الدولارات، دول معاهم فلوس ودول معاهم فلوس، وبالمناسبة الماكينة الإعلامية بتاعة الإخوان تقدر تعمل تواصل وتأثير على عدد كبير من الجماهير.ده يوصلنا لنقطة انه الإعلام مؤثر ولكن له حدود مشروطة بطبيعة الصراع. نحن لا نتحدث عن إدراك مواطن أمريكي عن أوغندا، فكل معرفته عنها، إذا عرف شيئاً أصلا، سيكون من خلال الإعلام لمحبي الاطلاع. هنا يمكن للإعلامأن يكون العامل الأوحد والمركزي في تشكيل الصورة الذهنية. ولكن ونحن نتحدث عن 30 يونيو نحن نتحدث عن سلسلة طويلة من المعارك انخرطت فيها قطاعات واسعة من المجتمع المصري في ظل تناقضات واسعة ومصالح وأهداف وغايات مختلفة.

3- النقطة الأخيرةاللي عايز أقولها انه بعد 3 يوليو البلد دخلت في حالة استسلام حقيقي للعسكر، في بلد على شفى حرب أهلية، نخب مدنية شديدة الركاكة ولا تود خوض صراع حقيقي لاستلام السلطة ومحاولة السيطرة على الموارد، وبالتالي بدأت تتشكل قناعة عند قطاع كبير من الجمهور بتقول: “تختلف تتفق مش مهم وقول اللي انت عايزه، المهم الدولة ترجع، ترجع بأه مهلهلة، متقطعة، المهم ترجع نقطة”. كمان لازم نعترف وننقد معسكرنا الثوري،إن جاز التعبير، فالثورية انهزمت بسهولة، وأنا في رأيي، لأنها مش عايزة تحكم، مش عايزة تشيل تكاليف المرحلة، عشان كده لما تخش في صراع مع أي تحالف أو أي جهة أنت مش عايز تشيل، فطبيعي هتنسحق وتنهزم بسهولة أمام المؤسسات الأمنية التي تعلن بمنتهى الصلف والكذب أنها وحدها القادرة على السيطرة.

*تعقيب لسامح نجيب

أنا سعيد جداً بالمناقشة دي وبكمية الأسئلة والأفكار المطروحة حول الدولة والثورة والانقلاب وطبيعة الحركة الإسلامية ودور اليسار وغيره، سواء في إطار الماركسية أو غير الماركسية وأتمنى أن نطور هذه الحالة الإيجابية من الحوار في المستقبل، سواء بالكتابة أو بالمزيد من الندوات والحوارات.

نقطة فقط للتوضيح، أنا لم أقل أن الإعلام هو المحرك ل٣٠ يونيو. ما أقوله هو أن التحضير لذلك اليوم كان يشمل التمويل والتنظيم والتحريض والتعبئة والدعاية ومنها دور الإعلام. وما قلته أيضاً أن ما سمي “بالمعارضة المدنية” بما فيها قطاع كبير من اليسار المصري للأسف كان جزء أساسي من ذلك التحضير وتلك التعبئة للانقلاب والثورة المضادة. وما أؤكد عليه هو أن ذلك الجناح المدني للثورة المضادة كان بنفس غباء الإخوان في انه كان يراهن على التحالف مع الجيش . نفس “الغباء المؤسسي”المتكرر للإخوان تاريخياً يتسم به قطاع واسع من اليسار المصري. فمن أيام عبد الناصر وهو شابط في الدولة. هذا الغباء المؤسسي هو اللي هيجعل ثنائية “العسكر والإخوان” ترجع تاني لأنه طول ما المعارضة والقوى المدنية بتربط نفسها بأجهزة الدولة طول ما تاريخ الهزائم هيكرر نفسه، وطول ما الإسلام السياسي هيرجع للمشهد تاني. مشروع الثورة المضادة جزء منه مهد له تحالف الإخوان مع العسكر وجزء الثاني منه مهد له تحالف المعارضة المدنية مع العسكر والفلول.

الملاحظة الأخيرة هي أن الثورة عملية تتخللها أحداث محورية. والثورة المضادة كذلك عملية تتخللها أحداث محورية. نحن الآن نعيش في قلب عملية ثورة مضادة. ولو نظرنا للأمر بشكل تاريخي، فسنجد أننا أمام ثورة هزمت ونحن ندفع الآن ثمن هزيمتها من اعدامات وبطش وقتل ودماء وتجويع وإفقار.أمامنا مشوار طويل من الشغل والتنظيم عشان نقدر نواجه الثورة المضادة ونحضر لثورة جديدة.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الربيع العربي: ضد التفاؤل والتشاؤم السطحيين إن استيعاب القصة بعقدتها متعددة الجوانب لن يحمينا فقط من العواطف السياسية السطحية، بل سيوفر لنا أيضا الدروس الصحيحة المستفادة للتعامل مع صراعات المستقبل. ويعد كتاب "الأعراض المرضية" لجلبير أشقر، وكتاب "عمال ولصوص" لجويل بينين، نموذجين جيدين للتحليلات الهامة التي تهدف للفهم الصحيح لما حدث.

عاطف سعيد

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (2) النضال من أجل الديمقراطية نضال اجتماعي طبقي في المقام الأول، لا يتحقق بالعظات الأخلاقية ولا بالبغبغة حول المعادلات اللاصفرية ولا بنصح البرجوازية بأن بعض الديمقراطية مهم ومفيد للتنمية والسياحة ولجلب الاستثمار الأجنبي وكسب حب ورضاء الاتحاد الأوروبي، ولكن بالنضال ضدها وعلى حسابها.

هاني شكر الله

النقابات المهنية والسياسة علاقة التيارات السياسية بالنقابات علاقة مشبوهة، تميزت تاريخياولفترات طويلة وحتى اليوم بالإستخدام، طرف يستخدم – بالمعنى المبتذل للكلمة – الطرف الآخر. طموحات المستخدم "بالفتح" لامكان لها ولا أثر على خريطة الطرف الآخر.

سعيد عبد الفتاح أبو طالب