أفران العصر

أفكار

08  يوليو  2017

في أوائل الأربعينيات من القرن العشرين، انطلق هتلر يقيم المحارق ويصنع الأفران، مدفوعًا برغبة جنونية في التخلُّص مِن اليهود والقضاء عليهم.

ينظر التاريخ لهتلر نظرة ازدراء، اتفق الناس أو اختلفوا على جرائم أو أخطاء ارتكبها اليهود في ألمانيا، ساندوهم أو وقفوا ضد أفعالهم، رأوا أنهم سببًا في تحطيم الاقتصاد أو في احتكار بعض الأعمال والصناعات أو في تهميش الألمان من أصول غير يهودية أو حتى في التآمر بصورة أو أخرى على البلاد، يبقى اتفاق عام على بشاعة ما حلَّ بهم، ويبقى الهمُّ الإنساني قاسمًا مشتركًا يَجُّب ما عداه؛ إذ لا يُقِرّ البشر المتزنون رغبة الإبادة التي يملكها بعض المتعصبين مهما تصاعد العداءُ واحتدم الغليل.

تتكرر الرغبة في إبادة جماعة أو فئة بعينها من حين إلى حين، تختلف الوسائل والأساليب وتتباين الجماعات المستهدفة، كما تتنوع أسباب استهدافها؛ صراع عرقي ربما أو خصومة دينية، وفي عديد الأحوال خلاف سياسيّ. حاولت أنظمة استبدادية عديدة أن تبيد خصومها إبادة كاملة لا تقوم لهم بعدها قائمة؛ فعلتها بعض أنظمة شرق آسيا وبعض حكومات أمريكا اللاتينية وغيرها.

مَن يتتبع النهج الذي يتبناه نظامنا الحالي في تعامله مع معارضيه ومن بينهم بالتأكيد أعضاء جماعة الإخوان، يدرك أن ثمة إصرار على إزاحة كل صوت لا يغرد ضمن السرب مِن الساحة تمامًا؛ ماديًا ومعنويًا. مَن ينظر بعين الإنصاف للوقائع المتكررة بحق المعارضين، يدرك أن النظام يعتزم تحقيق الهدف ويعكف على صناعة أفران الغاز خاصته؛ أفران عصرية تلبي حاجته باقتدار.

الحديث ممتد وطويل عن حال السجون ونزلائها وعن أساليب التنكيل فيها، لا يمر يوم إلا ونقرأ استغاثة تأتي من هنا أو هناك؛ تطلقها أم أو ابنة أو أخت، مُستنجِدة بمن في قلوبهم بقايا رأفة، لائذة بمن في عقولهم نتفة من الحكمة، صارخة من حجم الإهمال والتكدس، ومن التعنت إزاء الزيارات ورفض إدخال الطعام وتجفيف سبل الإعاشة ومنع المعالجة والدواء والحرمان من أي رعاية طبية، حتى لتتجاوز المعاملة التي يلقاها المحتجزون أبشع الكوابيس. منهم من يلقى نحبه ومنهم من تتفاقم علله ويكاد الموت يرافقه لحظة بلحظة.

لا يتوقف الأمر على التنكيل بالمحتجزين، وبإصدار أحكام الإعدام عليهم جُملة في سابقة مريعة ستشكل صفحة سوداء من التاريخ، بل تمتد عملية الإبادة إلى الطلقاء منهم وتُحكِم الخناق حول رقابهم. أتابع منذ أشهر أو ما يزيد، قرارات الفصل من العمل التي تلحق من يثبت أنهم أعضاءٌ في الجماعة أو أن في عائلاتهم أعضاءً في الجماعة أو أن من أقربائهم أعضاءً أو متعاطفين مع الجماعة.

 هؤلاء المطرودون من وظائفهم وأعمالهم يُراد بهم الجلوس في منازلهم وانتظار المجهول. قرارات الفصل غير مفهومة ولا مدروسة وربما طالت حتى الآن المئات، والأسباب والدوافع التي يُفصَل المرء بسببها من عمله لا تتوفر في كثير من الحالات، والمؤسف أن من رجال الدين القابعين على رؤوس المؤسسات الرسمية من يصفقون ويهللون ويباركون بل ويحفزون النظام على مزيد من التنكيل. لا يطرح أحدهم سؤال: وماذا بعد التشريد وقطع الأرزاق؟ تعتريني دهشة وإن فاترة، كلما صادفت تصريحًا أو مقالا يطالب بتنقية جداول المهنيين سواء كانوا معلمين أو مهندسين، من كل مُنتمٍ إلى الجماعة، وكأنها تمثل العقبة الرئيسة أمام تحقيق التقدم في شتى المناحي، وكأن إزالة أثرها ستقودنا حتمًا إلى الرخاء والتقدم؛ لا أدري إن كان أصحاب هذه التصريحات والآراء يدركون أن الشارع أغلبه صار يتندر على إلصاق الموبقات كلها بالجماعة، وأن الناس يطلقون النكات حول اعتبار الإخوان سببًا أصيلا في انهيار قيمة العملة، وفي سقوط الطرق والجسور التي أنشأت في غمضة عين، بل وسببًا في القيظ الذي اصطلينا به على مدار الأيام الماضية؟ صرت أضحك ملء فمي كلما قرأت عن أهل الشر ومواسم الشر وأفاعيل الأشرار.

تابعت مؤخرًا قيام وزارة الداخلية بفصل طلاب من أكاديمية الشرطة، ثبت أن لهم أقرباء من جماعة الإخوان. لجأ الطلاب المفصولون للقانون ورفعوا قضايا ضد قرار الداخلية فأصدرت المحكمة الإدارية العليا أحكامها لصالحهم، لكن الداخلية عارضتها ودخلت صولات وجولات لردها. أخيرًا جاء حكمٌ نهائي بات بعودة طالب من هؤلاء إلى كليته، وذكرت الحيثيات أن تحريات الأمن الوطني لا تعدو أن تكون رأيًا لصاحبها يخضع لاحتمالات الصحة والبطلان. تحقق بهذه الحيثيات جزءٌ من العدالة المنشودة ويبقى التطبيق؛ فصدور الحكم أمر وتنفيذه أمر آخر.

على كل حال، لم تظهر جماعة الإخوان عرضًا ولا هي جماعة مُستحدَثة مُستجَدة على الساحة، بل أنها ثبتت دعائمها على الأرض منذ سنين طويلة واكتسبت شعبية واسعة لخدمات قدمتها وحلَّت بها مَحَلَّ الدولة التي فشلت في دعم الطبقات الفقيرة. سعت إلى السلطة ونالتها وارتكبت ما ارتكبت من أخطاء بعضها فادح مؤلم، وفقدت في مقابل مسلكها الأرعن أرضًا كبيرة، ولأن التاريخ يكتبه المنتصر دومًا فقد تحولت على يد النظام الحاكم إلى جماعة إرهابية، أي وُصِمَت بالتهمة التي تبيح في عرف عديد الناس انتهاك حقوق المتهم وتسويمه الذل والمهانة، بل وربما تخول للحاكمين القضاء عليه ومحوه من على وجه البسيطة.

. رغم وحشية من هم على شاكلة هتلر وبينوشيه، ورغم الإمعان في الغي والطغيان، لا يزال هناك ناجون من محارق هذا وجرائم ذاك، ولا يزال التاريخ يروي المآسي ويسرد ما وقع من بشاعات، ولا يزال القضاء الرشيد يحاسب من ارتكبوا أفعال الإبادة والاضطهاد حتى اليوم، وقد بلغوا مِن العمر أرذله ولم يبق لهم في الحياة الكثير.

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. مصطفى نور الدين

    الكلمات رصاصات قد تصيب من يطلقها
    لا تزيغ بقلمك أن دافعت عن حق وإلا فقدت مصداقيتك فالتاريخ وإن حق لنا فيه المقارنة بين وقائع علينا ألا نخلط بالكلمات ما بينها من اختلاف.
    الدفاع عن المعارضين للنظام قضية محورية حتى نقيم مجتمعا يحترم فيه الرأي الرأي المخالف وأن يكون بالحوار العقلي إن أردنا أن نبلغ مرمانا.
    إن كلمات : « أفران » أو« محرقة » أو « هولكوست » أو « التطهير العرقي » تحمل ثقلا تاريخيا وتدفعنا إلى الاقتصاد في استخدامها إلا حيثما هي بالفعل تأريخا له.
    حاولت الصهيونية الاحتفاظ بتلك الألفاظ لواقعة الحرب العالمية الثانية وما تعرض له اليهود في ظل الفاشية والنازية ورفض أن تسخدم لأي حدث تاريخي أخر. غير أن التاريخ قديمه وحديثه قدم الدلائل على إبادات جماعية منذ اكتشاف امريكا وفي الحروب الاستعمارية في افريقيا واسيا وكذلك ما قامت الدول الشمولية.
    وبعض المؤرخين الجدد الإسرائيليين لم يتورعوا عن وصف ما يقع في فلسطين بأنه « تطهير عرقي » و « إبادة جماعية » وكانت عناوينا لكتبهم.
    لو عدنا لقضية المقال الذي لا أختلف مع حق الكاتبة، بل أشاركها، أن تكون متمردة على حال كارثي يقوم فيه « النظام-الدولة » بقهر المعارضين جميعا فإن اللغة المستخدمة تهدد بعدم الإتفاق معها لأن ما يحدث لم يصل إلى درجة « الأفران الجديدة » ولا نتمنى أن تصل إليه يوما.
    اللغة سلاح خطر والكلمات رصاصات قد تصيب الهدف وقد تصيب من أطلقها. فالدفاع عن المعارضين جميعا وحقهم في التمتع بعدالة « دولة قانون » هو المطلب الجوهري إذا ما كانوا « مذنبين » أو غير مذنبين.
    الدفاع عنهم يكون بداية من « دولة القانون » ومن الإصرار على حق الإختلاف في قلب المجتمع على أساس قيم «سياسية دنيوية». أما الموقف من كيان « سياسي يعتمد الدين كايديولوجية » وخطابه الموثق بكل الوسائل خطاب هيمنة لتلك الإيديولوجية في مجتمع به تنوع عقائدي وبالتالي رافض للمختلف عنه فهي قضية بحاجة لدرجة عالية من الوعي لقياس المخاطر للقبول بها حتى في قلب مجتمع « ديمقراطي ».
    هذا ليس تبريرا لسياسات النظام واستمرار الدولة « كدولة أمنية » ولكن هو اعتراض على المقاربة بما لا يمكن المقاربة بينه من وقائع. ليس هناك إبادات جماعية .. هناك قهر ودولة بوليسية ونفي للحريات عامة وتجاوزات تصل حد الجريمة ضد الإنسان. كل هذا لا خلاف عليه وتعينه بتلك الكلمات دون اللجوء لكلمات أخرى لا تنطبق عليه، هو السبيل للنضال ضد تلك الممارسات وبشكل أكثر فاعلية. تحياتي

موضوعات ذات صلة

النقابات المهنية والسياسة علاقة التيارات السياسية بالنقابات علاقة مشبوهة، تميزت تاريخياولفترات طويلة وحتى اليوم بالإستخدام، طرف يستخدم – بالمعنى المبتذل للكلمة – الطرف الآخر. طموحات المستخدم "بالفتح" لامكان لها ولا أثر على خريطة الطرف الآخر.

سعيد عبد الفتاح أبو طالب

مائدة مستديرة: “30 يونيو” بعد أربع سنوات تقدم "بالأحمر" أعمال المائدة المستديرة التي عقدتها بمناسبة حلول الذكرى الرابعة لـ30 يونيو 2013، والتي حاولنا فيها النظر من عدة زوايا للحدث الذي مثل تحولا لمجرى الأحداث في مصر. وإذ شهد اللقاء نقاشا ثريا بين مختلف وجهات النظر، فإننا نأمل أن يسهم نشرنا لأعمال المائدة المستديرة في استكمال هذا النقاش.

وحيد حامد وجدلية الالتزام السياسي ثمة هوس كبير بين أوساط المثقفين في تصنيف الأشياء، في وضعها بين كفتين لا بد أن ترجح أحدهما كفة الأخرى وإلا فلا تبدو لعنة "الكليشيه" هنا حاضرة خاصة في تصنيفات على غرار الرجعى والتقدمي.

محمد رمضان

لماذا يفشل الإخوان دائما في التحول لجماعة ما بعد إسلاموية؟ في هذه المقالة أحاول تقديم مقاربة للسؤال الرئيسي من وجهة نظري، والذي يطرح عده أسئلة على المستويات الثانوية الأخرى المتعلقة بالممارسة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لجماعة الإخوان وعدم قدرتها التاريخية على التأقلم مع ما يمكن أن نسميه الممارسة الحديثة للسياسة.

محمد رمضان

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… اقتصر سعي هذه الورقة على إعادة تقديم وتحرير الإشكاليات المتعلقة بموقع ما تعارف الفقهاء على تسميته بالشريعة في البناء الدستوري والقانوني المنظم لعمل أجهزة الدولة الحديثة كما كشف عنها الجدل الدستوري التالي لتحولات يناير ٢٠١١ عبر منهجية ماركسية مطورة. ولم تتجاوز ذلك إلى التفكير في مخارج لهذه الإشكاليات، إلا عرضا بالطبع وفي معرض إشارتها لاجتهادات قائمة بالفعل كوثيقة الأزهر الصادرة في يونيو ٢٠١١.

عمرو عبد الرحمن