النقابات المهنية والسياسة

أفكار

06  يوليو  2017

ما زال اليسار خفيفا غير جاد في علاقته  بالنقابات، فهو مازال لا يلقى بالا لقصور النقابات العمالية عن تمثيل العتالين والعمالة العادية الغير مؤهلة، إذ ينص القانون على ضرورة إجادة القراءة والكتابة كشرط لعضوية مجالس النقابات.

كما نظر دائما ولمدة طويلة للنقابات المهنية كنتوء مرضى في جسد الحركة الاجتماعية يجب إزالته، فتمييز المهندس والطبيب والمحامى والصحفى عن العامل هو تفتيت للعمل النقابى من وجهة نظر العديد من اليساريين.

تغيرت هذه النظرة الى النقابات المهنية بعد ظهور تأثيراتها خلال فترة صراع الدولة والإخوان عليها في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضى.

الحقيقة ان هناك الكثير من العوامل التي تكبل النقابات المهنية:

  1. اختلاط مهمتى تنظيم المهنة بالدفاع عن مصالح الاعضاء.
  2.  الجمع بين عضوية صاحب العمل والاجير.
  3. السعى الدائم من السلطة والناجح غالبا للسيطرة وتاميم النقابات المهنية وكان أبرز هذه المساعى هو القانون 100 لسنة 93 والذى حكمت الدستورية بعدم دستوريته قبيل ثورة 25 يناير فى 2 يناير 2011.
  4. ظهور أدوار أكثر كفاحية لتشكيلات أخرى خارج حظائر النقابات الرسمية مثل النوادى”  نادى القضاة، نادى أعضاء هيئة التدريس”والحركات” حركة أطباء بلا حقوق، حركة 9 مارس، ومهندسون ضد الحراسة” والروابط مثل”المراقبين الجويين والطيارين”.
  5.  سيطرة الدولة على النقابات من خلال وزراء مختصين مثل وزير الرى على المهندسين.

إلا أن هناك واقع يقول أن هناك مالايقل عن 6 مليون عضو من إجمالى 23 مليون مشتغل  ينتمون للنقابات المهنية ذكر تقرير الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء أن أعضاء النقابات المهنية بلغوا 6 مليون عضو فى 2012.

انتزاع نقابتى الأطباء والمهندسين:

بعد ثورة 25 يناير نجحت أطباء بلا حقوق بعد تحالف انتخابى معاد للإخوان والدولة تحت اسم تيار الاستقلال فى انتزاع نقابة القاهرة إلا النقيب، ونقابة الاسكندرية بالكامل واقتسمت المراكز مع الإخوان فى معظم النقابات و حازت على 6 مقاعد فى النقابة العامة من 24.

وعلى العكس فاز الإخوان فى نقابة المهندسين ضد التحالف الانتخابى المسمى أيضا تيار الاستقلال إلا وصول بعض أعضاء الاستقلال إلى شعبة عمارة واكتساح نقابة القاهرة.

وبعد 30 يونيو انتزعت النقابتين كاملتين تقريبا لتيارى الاستقلال فى واقعة هى الأولى من نوعها، فلم نر من قبل ممن نادوا باستقلالية حقيقية للعمل النقابى إلا نبيل الهلالى فى مجلس نقابة المحامين وضياء الميرغنى وصلاح عيسى فى الصحفيين وأحمد الاهوانى وميرفت السعدنى وسامر مخيمر فى المهندسين قبل 25 يناير.

المؤكد أن النجاح الساحق السهل فى المهندسين جاء بعد تأييد الدولة المباشر رسميا ومن خلال رجالاتها وأجبرت تيار الإستقلال على الدخول فى تحالف مع رجالها مقابل سحب نقيب الدولة عمرو عزت سلامة تحت دعوى “لن نسمح بنقابة أطباء أخرى”، واختلف الأمر فى الأطباء فلا يمكن القول أن الدولة أحبت يوما ما أو أيدت أطباء مستقلون قادوا إضرابات شاملة ضدها من أجل مطالب تراوحت بين أجر عادل وحماية المستشفيات وصولا إلى عقر دار الدولة إلى نصيب عادل للصحة فى الموازنة.

كان الأبرز فى معركة الإستقلال- الإخوان فى المهندسين هو تحويل النقابة الى منبر سياسى للإخوان، أما فى الأطباء فكانت المعركة بسبب تقاعس الإخوان عن تنفيذ رغبات الأطباء ودعم إحتجاجاتهم ورفض الإخوان القوى لأى منافس يبرز حتى لا يضعف موقفهم التفاوضى مع الدولة.

هنا وهناك تحالف انتخابى يواجه ما يلى بعد أن وصل لمجلس نقابته:

  • تنظيم الجهاز الإدارى للنقابة الذى اعتمدت عليه المجالس السابقة فى تسيير الأمور والولاء لها مقابل أجور باهظة.
  • إيجاد صيغة ديمقراطية داخلية تتعامل مع وجهات النظر المختلفة التى تشكل التحالف الهش بالضرورة والقليل الخبرة فى العمل النقابى والتقاليد الديمقراطية، والذى جمعته ظروف معارضة سيطرة الإخوان أو الدولة أو خليط منهما على النقابات، وهى أخطر مهمة ملقاة على عاتق النواة الصلبة الأكثر كفاحية وإخلاصا بكل تحالف إنتخابى وهى سبب رئيسى للنجاح أو الفشل.
  • ترتيب الأولويات فيما يخص المطالب لتنظيم العلاقة مع الجمهور ومع الدولة التى لاترضى بديلا عن مجالس تابعة لها بشكل او بآخر حتى لو كانت مجالس إخوانية، يمكن التوصل معها لتفاهمات على حساب الجمهور ومحاولة علاج القصور التنظيمى الناتج عن عدم وجود حزب سياسى واحد خلف هذا التحالف. أيضا ضبط علاقة المجلس المنتخب بجمهوره فلا يصح أن تعلو رغبة أعضاء المجلس على رغبة الجمهور،أو تعلو رغبة قطاع واحد من الجمهور حتى لو بدت أكثر مبدأية. المهمة الأولى للمجلس هى تحويل الجمهور الخامل الباحث عن المهدى المنتظر إلى جمهور ديناميكى فعال. مهمته الثانية عدم إعتبار التواجد على الكراسى هدفا فى حد ذاته وغيره هو الفشل الذريع وعدم الإستسلام لروح المنافسة مع من سبقوه والتى ستطرح بقوة منذ اللحظة الأولى.
  • إعطاء القيمة لديمقراطية العمل النقابى وإستقلاله عن الدولة والأحزاب السياسية وإحياء الجمعيات العمومية ووضع التشريعات اللازمة للتصويت واستطلاع الآراء الإلكترونى لمساعدة المجلس على أن يكون معبرا بشكل حقيقى عن رغبات الجمهور وإلتفاف الجمهور حول مجلسه.
  • تغيير القوانين بما يسمح بنقابات المنشأة.
  • تغيير القوانين بما يسمح بالفصل بين مهمتى تصريح مزاولة المهنة والدفاع عن مصالح الاعضاء وبالتالى أن تكون إختيارية العضوية النقابية وبحث الطعن بعدم دستورية حظر التعدد النقابى.
النقابى والسياسى:

بعض الأنشطة النقابية تصل إلى حدود قد تكون أخطر على الأنظمة الحاكمة من النشاط السياسى.

فالصراع الطبقى البدائى بمختلف تجلياته من تحسين الأجور وتثبيت العمالة وتحسين شروط العمل واستخدام أدوات الإعتصام والإضراب وصناديق الدعم، تدرك الدولة بأجهزتها – كما ندرك نحن – أنها أنشطة صراع طبقى، تكثفه وهي ضرورية لإحداث تراكم يفرز الطليعة، وهى أنشطة مجمعة وذات زخم .

من هنا كان تجمهر 12000 طبيب بدار الحكمة إعتراضا على إعتداء الشرطة على طبيبين أشد وطأة على النظام من توقيع مجلس نقابة الأطباء على أى بيان سياسى كما أنه أكثر فعالية، وأيضا تكرر جزع النظام من وقفة الصحفيين ضد اقتحام مبنى النقابة من أجل القبض على صحفيين.

ما أعتقدهأن الحراك النقابى الفعال ليس أقل قيمة ولا وزنا من  المواقف السياسية، ولا يمكن اختصار العمل النقابى في وجهه الساخن فقط، فهو غنى بالتفاصيل الأقل لمعانا وبريقا لعيون السياسيين، ولكنها هامة ومحورية بالنسبة للجمهور العادى، لذا لا يصلح بالضرورة أى سياسى للعمل النقابى، أن لم يتعلم حرفة السباحة لن يعبر النهر.

تختلط هذه المفاهيم اختلاطا مزريا في عقلية الحركة النقابية والسياسية في مصر.

في لقاء مع أحد الأطباء اليساريين ابطال معركة انتخابات 1984 والتي خاضها اليسار في نقابة الأطباء بقائمة جسدت ثنائية ” القوى المدنية ضد الإخوان” وانتهت بفوز الإخوان- كنتيجة لعدم اهتمام جموع الأطباء بهذه الثنائية-، وصف إضراب الأطباء في 2014 بأنه محاولة من الأطباء الإخوان لإختلاق معركة لإحراج النظام، وأنه يجب على مجلس نقابة الأطباء المنتمى لما أسماه القوى المدنية عدم الانصياع لهذا المنحى.

لم تدهشنى رؤية الزميل، فهم خاضوا معركة 1984 النقابية بقواعد الصراع السياسى فكان نصيبهم الفشل، ويأتي اليوم ليطالب مجلس نقابة بالتخلى عن قرار جمعية عمومية بالإضراب – بغض النظر عن تقييمنا للقرار ومدى رجاحته ساعتها- وهذا التخلي من أجل نفس القواعد، قواعد الصراع السياسى.

من ناحية أخرى يلح البعض على تحويل النقابة لحزب سياسى أو جناح تابع لحزب سياسى، كما يعاملها  الإخوان المسلمون، فكيف تختار قائمة الإستقلال في الأطباء  مرشحين ليسوا سياسيين بالمرة عن مرشحين يساريين؟.

 في عام 1990 إجتمعت كل النقابات المهنية المسيطر عليها من الإخوان في نقابة الأطباء وطالبت رئيس الجمهورية بمطالب سياسية محترمة لا تعبر فقط عن رؤية تيار الإخوان المسلمين بل كانت تتطابق ورؤية المعارضة كلها، ومنها  مطالبة حسني مبارك نفسه بصفته رئيسًا للجمهورية التخلي عن رئاسة الحزب الوطني، وإلغاء العمل بقانون الطوارئ، ورفع القيود على حرية الصحافة، وإطلاق حرية الأحزاب،وإجراء انتخابات نزيهة.

السؤال هو اذا كانت هذه المطالب نقابية، فما هي المطالب التي يمكن ان ترفعها الأحزاب السياسية ساعتها؟. هل توافق الجمعيات العمومية للنقابات ساعتها على رفع هذه المطالب؟ هل كان البرنامج الإنتخابى أو الرؤية التي انتخب الجمهور ممثليه على أساسها تحوى هذه المطالب؟. كانت النتيجة المباشرة هي فرض الحراسة على كثير من النقابات المهنية وتقييد حريتها بالقانون 100 والجمهور منفض عنها كما لو كان الأمر لا يعنيه.

الحقيقة أن ما تمثله هذه الحادثة وما تمثله عديد من الأحداث التالية والسابقة هو تركيز شديد لأزمة العلاقة بين العمل النقابى والعمل السياسى.

علاقة التيارات السياسية بالنقابات علاقة مشبوهة، تميزت تاريخياولفترات طويلة وحتى اليوم بالإستخدام، طرف يستخدم – بالمعنى المبتذل للكلمة – الطرف الآخر.

طموحات المستخدم “بالفتح” لامكان لها ولا أثر على خريطة الطرف الآخر.

وطبيعى أن تسود هذه العلاقة المجتمعات الإستبدادية الدكتاتورية أكثر من المجتمعات المفتوحة الديمقراطية.

سيطرت هذه الرؤية على علاقة التيارات السياسية –حكومة ومعارضة-  بالنقابات العمالية والمهنية فى مصر.

طبيعى أن ترى المعارضة في كل النقابات مجالات صراع مع النظام، فتسعى لإضعافه على أرضها وأيضا تسعى لكسب أنصار من داخلها، لكنها ترتكب خطأ شديدا حينما تعتبر أن مهمة النقابات الأولى والهامة هى أن تكون ساحة حرب بينها وبينه متغاضية عن رغبات أصحاب الأرض أنفسهم، وتعيد وتتمثل بذلك ما يفعله الطرف الآخر.

المهمة الصحيحة لأى فصيل سياسى ديمقراطى هى خلق المناخ المناسب لكى يعبر أعضاء الجمعية العمومية لأى نقابة عن أنفسهم، مختارين مجلسا يرفع أهدافهم ويدافع عنها بغض النظر عن كون هذه الأهداف متفقة مع رؤية هذا الفصيل أو مختلفة عنه.

المؤكد أن تعبير الناس عن أنفسهم وتمسكهم بطموحاتهم هو إضعاف للسلطة الحاكمة المستبدة، فهو يحمل الصفتين النقابية والسياسية.

كان تعبير ليش فاليسيا عن أحلام الشعب “الإشتراكى” فى الحرية هى المعول الأول فى سقوط سلطة مستبدة إدعت التعبير عن الجماهير وتهاوت كورقة شجر فى الخريف.أ كان من الممكن توجيه النصيحة له بالبعد عن العمل السياسى؟.

من هنا ظهرت بعض الدعوات المطالبة بالفصل العنصرى بين العمل النقابى والعمل السياسى،وإن كنا نتفهم أسبابها  فلا يجب أن نغفل عدم دقتها ومعناها الحقيقى وهى تقصد الفصل بين العمل النقابى  وبين الإستخدام الأيديولوجى النفعى للنقابات.

ومن هنا فقط ‘نحن لا نختلف معها وإن كنا نتفهم أن العمل النقابى الصحيح المعبر عن جموع المنتمين لنقابة ما هو بالضرورة عمل سياسى يتطلب سياسات جديدة بدلا من سياسات حالية عجزت عن تحقيق مطالب واقعية للناس.

والحقيقة ان نجاح أى تيار مكافح وصل لقيادة نقابة ما، تكمن ليس في سخونته الدائمة قدر ما يجب أن تكمن في بناء مرتكزات فاعلة معبرة عن المجموع لتكون قرون استشعاره- هو أو غيره – داخل أعضاء النقابة لتنشط الجمعية العمومية وتجعلها حية  ولتكون أيضا جسوره الكفاحية. وهو ما سعى أكثر من فصيل نقابى لوضعه على برنامجه الإنتخابى في المهندسين ممثلا في “نقابات المنشأة ” الذى لم يحدث أى اقتراب منه، وفى الأطباء في “نقابات المستشفيات”.

تقدم الأطباء خطوة وشرعوا في تنفيذه في الفترة من 2011 الى 2013 على مستوى مستشفيات القاهرة و صاغ مجلس نقابة القاهرة لائحة وأجرى انتخابات ثم توقفت المحاولات تماما  بسبب مارأوه من حصاد هزيل من وجهة نظرهم واستبدلت بصيغة المندوب النقابى للمنشأة.

الحقيقة ان النقابات القاعدية هي محور النضال الديمقراطى في النقابات المهنية   بشكلها الحالي لتكون الجمعيات العمومية ذات تأثير وفاعلية ،شريطة ألا تخضع لسلطة النقابات الفرعية أو العامة وسيطرتها.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

أفران العصر مَن يتتبع النهج الذي يتبناه نظامنا الحالي في تعامله مع معارضيه ومن بينهم بالتأكيد أعضاء جماعة الإخوان، يدرك أن ثمة إصرار على إزاحة كل صوت لا يغرد ضمن السرب .

بسمة عبد العزيز

لماذا يفشل الإخوان دائما في التحول لجماعة ما بعد إسلاموية؟ في هذه المقالة أحاول تقديم مقاربة للسؤال الرئيسي من وجهة نظري، والذي يطرح عده أسئلة على المستويات الثانوية الأخرى المتعلقة بالممارسة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لجماعة الإخوان وعدم قدرتها التاريخية على التأقلم مع ما يمكن أن نسميه الممارسة الحديثة للسياسة.

محمد رمضان

عمال المحلة يطلقون نداءهم مجددًا القول بأن إضراب عمال المحلة الذي أوشك أن يكمل أسبوعه الثاني للمطالبة بالعلاوة الاجتماعية وعلاوة غلاء المعيشة وزيادة بدل الوجبة، بالإضافة لمطالب أخرى، ستكون له نفس النتائج، أي أنه سيطلق موجة من الحركة العمالية ويكسر حالة الجمود السياسي، سيكون تبسيط مخل، لا يعبر عن بذل أي جهد في فهم الحركة العمالية ومحاولة التفاعل معها. كذلك اعتبار إضراب 16 ألف عامل للمطالبة بالعلاوات وبدل الوجبة حدث عابر لا يمس الأوضاع السياسية والاجتماعية ليس سوى استمرار للتعالي النخبوي على الحركة العمالية، والذي كانت عواقبه وخيمة على مدار السنوات الماضية.

مصطفى بسيوني

أزمة قطر سيكون من الحماقة تماما أن ننظر إلى قطر أو تركيا أو إيران كممثل لنوع ما من الاصطفاف التقدمي لمجرد وقوفها -على الأقل في الوقت الراهن- على الجانب المواجه للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل. ذلك أن الصراع على السلطة الإقليمية هو ما أجج تلك التوترات وخلق كل أنواع التحالفات السياسية المتناقضة والهشة، ولكن أيا من الدول المعنية لا تمثل أي نوع من البديل السياسي يستحق دعم اليسار.

آدم هنية

إضراب الحديد والصلب أغسطس 1989 بعد أن تم الإفراج عن كل المحبوسين على ذمة اعتصام الحديد والصلب من عمال ومن متضامنين، قررت لجنة عمال شبرا الخيمة عمل حفل تكريم للزملاء قيادات الاعتصام المفرج عنهم، ولأنهم سيخرجون من أعمالهم للاحتفال في شبرا الخيمة قررت أنا وزوجتي- آنذاك- دعوتهم للغداء في منزلي،

صابر بركات