خطيئة الربيع العربي: استسهال الصدام مع الجيوش النظامية

أفكار

07  يوليو  2017

بغض النظر عن طبيعة النظم السياسية، وبغض النظر عن طبيعة الحركات التمردية التي تنشأ ضد هذه الأنظمة يمكن القول إنه قد بات هناك مسلمة في مجال علم السياسة المعاصر، تدركها جميع الحركات الثورية الناجحة. الاصطدام بالجيوش النظامية في مواجهة جبهية من قبل أي حركة تمردية لابد أن ينتهي إلى الفشل وانتصار النظام القائم. في أحسن الحالات تكون النتيجة تسوية ليست في صالح النظام الجديد أبدا. العقلية العامة التي سادت حراكات الربيع العربي مفادها استسهال الاصطدام بهذه الجيوش، واستسهال خيار المواجهة المسلحة معها تحت مسميات وشعارات مختلفة. في سوريا واليمن ومصر وليبيا…سادت الأوهام بأن التخلص من حكم العسكر مسألة وقت، وقضية منتهية. وقد انزلقت بعض بلدان الربيع العربي باتجاه الخيار الأسوأ تاريخيا (والأكثر تفضيلا من قبل أنظمة الحكم العسكرية القائمة) ألا وهو خيار المواجهة العسكرية وقلب نظام الحكم عن طريق النصر والحسم العسكري. وقد كانت النتائج واضحة، حتى في البلدان التي حصل فيها تدخل عسكري غربي مباشر لصالح القوى المتمردة (كالمثال الليبي) فإن النتائج في أحسن حالاتها أقرب إلى استنقاع عسكري، وتوازن قوى تدميري هو بالتأكيد ليس لصالح أي تغيير ديمقراطي في هذه البلدان. ومن الملفت أن هذا النوع من الأوهام ساد لدى النخب السياسية في الوطن العربي كما القواعد الشعبية على السواء. لقد تداخلت الشعارات والعنتريات مع التحليلات والمواقف لدى هذه النخب مما جعلهم يبدون بموقف “الأغرار” أمام الأنظمة تاستخباراتها وجنرالاتها وقدراتها العسكرية بحيث وجهت المعارك باتجاه الميادين التي تكون فيها هي الأقوى دوما، وقد نجحت إلى حد بعيد.

هنا بالذات خطيئة الربيع العربي بوصفه حركة تمردية تهدف إلى إسقاط الأنظمة الاستبدادية التي سادت لعقود. وهذا النوع من الأخطاء هو بالضبط ما تجنبته كافة الحركات الثورية الناجحة عبر التاريخ. بحسب الكاتب الفرنسي ريجيس دوبريه في كتابه “ثورة في الثورة” فقد كان لهزيمة “المونكادا” في كوبا 1953 دور رئيسي في الانتصار الساحق الذي حققته الثورة بعد أقل من عقد. هذه الهزيمة كانت مفتاح التحول نحو مفهوم حرب العصابات والتخلي عن كل الأوهام السياسية والعسكرية السابقة. لقد حدد فيديل كاسترو بعد تلك الهزيمة وبدقة دور الميليشيات المسلحة بمواجهة واستهداف نخب القوات العسكرية للجيش النظامي، والتجنب الكامل لأي محاولة للاصطدام بالفرق العادية للجيش. بل على العكس، تمت قيادة المعارك تحت شعارات مثل “جيش الثوار هو جيش الشعب بلباس عسكري”، و”العسكري هو الفلاح يحمل البندقية” والتأكيد دوما على تآخي الثوار والجيش وعدم استهدافهم والتركيز على الدعاية السياسية التحريضية في صفوف الجيش التي تدعوهم إما إلى ترك السلاح أو حتى إلى الانضمام إلى ميليشيات الشعب الثورية فورا وبدون أي تأخر. ولعل المبادئ التي حددها تشي غيفارا والتي اشتهر بها في تعامله مع الأسرى من قوات الجيش النظامي كانت خير دليل وإثبات على هذا التوجه الجديد. وخير عامل مسرع لانشقاق القوات النظامية وتآكل قواتها معنويا وماديا عبر انفصال قواعد القوات النظامية المكونة أساسا من قوى الشعب العامل واستمالتها لصالح الحركة الانقلابية وتأليبها ضد النظام العسكري القائم.

إن الدخول المظفر لقوات حركة 26 يوليو بقيادة فيديل كاسترو إلى العاصمة الكوبية “هافانا” في 8 كانون الثاني 1959 ما كان ليتم أبدا لولا ما عرف “بحملات البرق” campaign Lightning التي خاضها كبار قادة الثورة في مقاطعات “لاس فيلاس” و “أورينيتي” و”هافانا” حيث شهدت هذه الحملات سقوط مدن ومراكز عسكرية كبرى عبر تسليم حامياتها السلاح وانضمامها إلى الثوار وقوى التمرد بعد اتخاذ اجراءات بحق القادة والنخب العسكرية. لقد سبق النصر السياسي النصر العسكري بأشواط. “دخول هافانا لم يكن نتيجة معارك حربية بقدر ما كان نتيجة لدعاية سياسية ثورية ناجحة في صفوف الفلاحين والشعب عموما، والقوات المسلحة والجيش خصوصا” هكذا يؤكد غيفارا في كراسته عن حرب الغوار. فذلك هو الطريق الوحيد تقريبا لانتصار جميع الحركات الانقلابية والثورية عبر التاريخ. والثورة الكوبية التي تطرح عادة كمثال ونموذج للانتصار والحسم العسكري ضد جيش نظامي حكم لعقود هي إثبات للنظرية وليس نفيا لها. الذي حصل فعليا في النموذج الكوبي هو بالضبط ما أشار إليه الباحث والمفكر جلبير أشقر في بحثه المعنون “هل يستطيع الشعب إسقاط النظام والدولة لاتزال قائمة؟” عن أولوية تحقيق هيمنة egemonia)) سياسية ثقافية في المجتمع مضادة لهيمنة الطبقة السائدة والنظام القديم عبر “حرب المواقع” (بحسب تعبير غرامشي) الذي لا يكون الصراع المسلح إلا ذروتها النهائية وخاتمته المظفرة.

-تتبع حركات اليمين الانقلابية الناجحة أيضا نفس المبدأ ولكن بتكتيك مختلف. إن معيار النجاح ألا وهو الوصول إلى السلطة يمر في نفس الطريق عمليا.

لقد استخلص أدولف هتلر من انقلابه الفاشل في تشرين الثاني عام 1923 والذي عرف تاريخيا بانقلاب “حانة الجعة” دروسا كثيرة وقد لخصها في كتابه الشهير “كفاحي”. خطيئته الكبرى كانت الاصطدام بقوات الجيش وجنرالاته الذين تمكنوا من سحق ثورته وخنقها في يوم واحد ثم تعريضه لمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى. لقد قام هتلر بمراجعة عميقة لتكتيكاته في كتابه الذي كتبه في سجنه. وأحد أكبر الدروس والمراجعات تأكيده على أن “حركتنا لا تحتاج إلى العنف …خاصة ذلك العنف الموجه ضد الجيش، فهو الضمانة الوحيدة لوحدة البلاد وقوتها”. هتلر الذي قاد انقلابه الأول الفاشل عبر تحالف ثلاثي مكون من الحزب وميليشياته وبعض قادة وتشكيلات أحزاب الوسط واليمين (أهمها الحزب الوطني الألماني) بتمويل من رجال الأعمال والبارونات المتعاطفين مع النازية والمتعصبين لها، قرر إثر إعادة تنظيمه للحزب النازي عقب خروجه من سجنه في عام 1924 تعديل مبادئه التكتيكية وتصويبها. ان الإطاحة بالجمهورية والحكومة يتطلب أمرين: استمالة الجيش وكبار ضباطه إلى الحركة النازية الجديدة الصاعدة وتحويل التحالف الثلاثي السابق إلى تحالف رباعي. بالإضافة إلى قناعة جديدة لدى هتلر بأن الظروف الناشئة عن الأزمة الاقتصادية 1929 تتيح امكانية خاصة بتحقيق انتصارات شاملة دون اللجوء إلى العنف – خاصة إذا تمت استمالة الجيش – عبر الأساليب البرلمانية والدستورية كمقدمة لإتمام الانقلاب والإطاحة بالجمهورية. لقد أثبتت النظرية الانقلابية التي توصل إليها هتلر في أيام تشرده وفي سجنه الذي طال 9 أشهر والتي لم ينسها قط والتي تقول بأن الطريق إلى السلطة لا يتم إلا بالتحالف مع المؤسسة الأقوى بالبلاد وهي مؤسسة الجيش أنها صحيحة إذ تعرضت للاختبار على مدار العقد المقبل. فعبر استمالة الجيش تمكن من عزل مؤسسة الرئاسة والهيمنة على البرلمان ما قاده إلى تشكيل أول حكومة نازية في 30 يناير 1933.

لقد اتبع أدولف هتلر والحركة النازية نفس المبدأ المتبع من قبل جميع الحركات الانقلابية والثورية الناجحة، ألا وهو مبدأ تحييد الجيش وكسب تعاطفه وتأييده الإيجابي للعهد الجديد، آخذين بعين الاعتبار قوة ودور هذه المؤسسة البالغ الفاعلية في الحياة السياسية للنظم، بغض النظر عن طبيعتها. الا أن أسلوب هتلر في كسب ذلك الحياد الإيجابي يختلف بالتأكيد عن أسلوب الثورة الكوبية. فبينما سعت الثورة الكوبية إلى استمالة القواعد، سعت الحركة النازية إلى استمالة النخب والنتيجة واحدة: تحييد الجيش. إن قاعدة ومبدأ كلا الحركتين الانقلابيتين على الرغم من اختلاف توجهاتهما واحدة وتقوم على تجنب الصدام مع الجيش والقوات النظامية عسكريا، والعمل الحثيث نحو استمالتها سياسيا، مع اختلاف أسلوب الاستمالة بسبب اختلاف طابع كل من الحركتين.

منذ خروجه من سجنه في يناير 1924 كبطل شعبي ونجم إعلامي مظفر سارع هتلر لتبرئة الجيش من “الطعنة التي تلقاها في الظهر” في انقلابه الأول الفاشل والذي كاد أن ينتهي بوأد الحركة النازية في ألمانيا بشكل كامل. بل وجه الاتهام بشكل خاص إلى الحكومة على الرغم من أنها لم تكن لتتمكن من وقف التمرد في العاصمة البافارية لولا تدخل الجيش الحاسم وسحقه عسكريا لتشكيلات العاصفة التابعة للحزب النازي بقيادة أرنست روهم.

ضباط كبار بدأ هتلر إما باستمالتهم إلى النازية وضمهم إلى لواء الحركة الجديدة أمثال فلهلم كايتل وألفرد يودل وإريش رايدر، أو على الأقل التحالف معهم وكسب تأييدهم النشط والإيجابي بوعدهم بمناصب ومكاسب من خلال العهد الجديد مثلما حصل مع الجنرال إريك لودندورف. حتى بعد ما توصل الحزب النازي إلى السلطة وتولي هتلر منصب المستشارية وتحقيق ديكتاتورية شبه كاملة، راعى هتلر المؤسسة العسكرية وحافظ على ولائها عبر برامج التسليح والميزانيات العسكرية الضخمة واستمر ذلك وصولا إلى تاريخ القسم العسكري الشهير 1935 الذي أعلن تحول مؤسسة الجيش إلى “قوة الدفاع” Wehrmacht والذي ضمن لهتلر ولاء الجيش المطلق إلى جانب ميليشياته الحزبية مدموجة معا، بوصفه القائد الأعلى وزعيم الرايخ الثالث.

ان مسألة التعامل مع الجيوش النظامية مسألة شديدة الدقة والحساسية ولا يجوز التعامل معها بخفة أبدا. إنها مؤسسات تشكل أحد أهم أركان السلطة في أي نظام سياسي، واستعداؤها بشكل مطلق واعتباطي (كما حصل مع أغلب النخب السياسية المعارضة العربية خاصة خلال موجة الربيع العربي، فيذكر مثلا في بداية العام 2012 خروج أحد أبرز وجوه المعارضة السورية على سبيل المثال ليحدد الخط والتوجه الاستراتيجي الذي سيتبعه “المجلس الوطني” الذي من المفترض أنه كان يتولى قيادة الحراك في ذلك الحين عبر بيت شعر جاهلي ليقول: ألا لا يجهل أحد علينا …فنجهل فوق جهل الجاهلينا!) نقول إن التعامل بتلك الخفة الإستعدائية مع الجيوش النظامية ليس أقل من وصفة ليس فقط لفشل الحركات الانقلابية والتغييرية، بل لتحقيق الخراب والدمار على المستوى الوطني العام. إنها مؤشر على هيمنة العفوية السياسية وعدم وجود “القيادة السياسية” التي أشار إليها أشقر في بحثه والتي تستطيع ضبط ايقاع الانتقال التاريخي الناجح نحو النظام الجديد، خاصة بما تتضمنه هذه العملية من تعقيدات على أكثر من مستوى: شق التفكيك وشق إعادة البناء، وإلا فلن يكون المصير إلا “الانحدار إلى الهاوية” في إشارة خاصة إلى المثلين السوري والليبي حيث لم يتم إتمام النجاح حتى في الشق الأول من العملية.

العشرية الجزائرية، الحرب الأهلية اللبنانية، الأزمة السورية …كلها تكرارات لنفس المأساة. مأساة المغامرات السياسية من اليمين واليسار، وإثبات لغياب العقل السياسي العربي خاصة على الجانب المعارض. وقد وقع الربيع العربي في العام 2011 في نفس المطب. مطب الاستخفاف واستسهال مجابهة حكم العسكر ليس سياسيا فقط (كمثلي تونس ومصر) وبل عسكريا أيضا كما في الأمثلة السورية واليمنية والليبية.

وختاما لابد من التأكيد على أن الانقلابات الفاشلة مقدمات لتلك الثورات الأكثر نجاحا في التاريخ. ومقومات وأسباب الثورة والتغيير في العالم العربي لم تستنفذ بعد. لازالت الأسباب التي استدعت ربيع 2011 قائمة وحية ومتقدة أكثر من أي وقت مضى وفي جميع العواصم العربية. الا أن ما نحتاجه اليوم هو المراجعات والتقويمات، أين أخطأنا وأين أصبنا، وكيف نبني على ما سبق من تجارب وثورات في تاريخ الشعوب. هنا الرهان وهنا التحدي وعلى ذلك تتوقف نتائج الجولة القادمة للربيع الجديد.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

عن ترهيب وإرهاب النظام للـ”الإنسان العادي” بعد أحداث 11 سبتمبر تم التركيز على الإرهاب ذي الأيديولوجية الإسلامية، وتسليط الضوء على وصف كثير من الهجمات التي تفشل المخابرات في منعها بالذئاب المنفردة.

أحمد شهاب الدين

هل يستطيع الشعب إسقاط النظام والدولة لا تزال قائمة؟ هل يمكن إسقاط النظام من دون إسقاط الدولة معه؟ وبكلام آخر، هل "النظام" حالة متميّزة عن "الدولة" ومنفصلة عنها، أم تربط بينهما علاقة عضوية تجعل من إسقاط الأول حدثًا لا يمكن حصوله بلا انفراط عقد الثانية؟

جلبير الأشقر

من يناير إلى يوليو: قراءة في ثورة ودولة يوليو بمناسبة مرور ٦٥ عامًا على انقلاب الضباط الأحرار(١) اندفع قادة الثورة يضربون ذات اليمين وذات اليسارببراجماتية عملية يحركها تطور الأحداث. لم تكن القضية لديهم هي التحالف الاستراتيجي مع هذا وضد ذاك، بقدر ما كانت تغييب المجال السياسي في مجمله باعتباره عقبة أمام التعبئة الشعبوية المطلوبة لإحداث قفزة التراكم المستقل المطلوبة للبزوغ على ساحة التنافس العالمي.

تامر وجيه