الشيطان يعظ

أفكار

03  يوليو  2017

يصرخون أحيانا في وجوه الناس “هذه مزايدة!”

قد يكون هذا مبررًا من النظام، لكن ما بال بعض من “المعارضين”  أو “الثوريين” يستخدمون مثل هذه الالفاظ؟

ربما يكون هناك سؤال أهم: لماذا اختفت هذه الكلمة، التي يندر العثور على مقابل إنجليزي لها يحمل صفة سلبية، من قاموس المصريين فيما بين الاعوام 2011 و2013 تحديدًا؟! لا اتذكر أن أحدهم قد أشهر سيف هذه الكلمة في وجه أحدهم أيامها، في هذه الايام التي بدأت بالمنادة بالنظام البرلماني، وفصل الدين عن الدولة، وانتخاب المحافظين، وإخضاع المؤسسة العسكرية، بل وثروتها الافتصادية، للرقابة المدنية. لماذا يعتبر كل هذا، حالا، في نطاق المزايدات؟

إجابة بسيطة ومؤلمة: لقد هزمنا.

في البداية انهارت تجربة بداية ديموقراطية، اعتقل الشباب، واخيرا ضاعت تيران وصنافير.

رجعنا لحدود ابعد كثيرًا من حدود يوم 25 يناير، ولعل أهم سبب لهزيمتنا فيها هو أن “الناشط” قد قام بدور “السياسي”.

الناشط دوره، في الأساس، المزايدة. المزايدة هنا لا تعني التحقير الذي يقصده المهاجمون، لا تعني أن من يطلبون تغييرا أكبر هم كمن يطلبون منا أن نستنطق الحمار، بل أن دوره في أن “يزايد” فوق صفقات السياسيين التي تحمل، بالطبيعة، توائمات تحتمها تفاوت الأثقال وتفاوت مهارات المتفاوضين، والسياسي دوره يرتكز على معنيين مرتبطين ببعضهما: الأول تغيير الواقع، وثانيهما فن الممكن. بمنعى أنه سيقوم بكل ما هو ممكن لتغيير الواقع، وهذا يعني صفقات وتوائمات. السياسي في أدنى ادواره هو من يرجح “فن الممكن” على “تغيير الواقع”، بينما السياسي في ارفع حالاته – هو من تكتب عنه كتب التاريخ والشهادات – هو من ينحاز لـ”تغيير الواقع”.

لا يهتم الناشط السياسي بكل هذا، هو يدافع عن قضايا “مبدأية” و”أخلاقية”، وكلما أحسن عمله، كلما تضخم دوره في المعادلة، عن طريق الضغط على السياسيين، سواء في معسكره أو لا. السياسي الحذق هو من يستغل هذا الضغط في أي عملية تفاوضية معه. من أجل ذلك السياسي هو سياسي، والناشط السياسي هو ناشط سياسي.

هنا يقع العجب، بعض “النشطاء” يقررون، فجأة، أنهم سياسيون، فيبدأون في الرغي والزبد، واستخدام لفظ “مزايدة” المعتاد، الذي يستعمله “المعتدلون” دوما في مواجهة “الراديكاليين”. يمكنك التساؤؤل “هل هو في حزب يدافع عن صفقة هنا أو هناك؟” لا. طيب هل ينتمي لأي حزب أصلا؟ لا، هو مستقل. طيب ماذا يفعل هنا هذا الصديق؟!

وأين السياسيون في الأصل؟! فكر في الثورة المصرية، واذكر لي اسم سياسي حقيقي واحد ليس من النشطاء. ربما بدا في الأمتار الاخيرة أن خالد علي يتحول لرجل سياسة، ويتحمل في سبيل ذلك ما يمكن توقعه، ولكن قبل ذلك، اذكر لي اسم واحد كان يتعامل مع الموضوع كسياسي وليس كناشط. سياسي بكل معاني السياسي، السيئة قبل الحسنة. قد يقفز في ذهنك اسم عبد المنعم ابو الفتوح، ولكن موائماته قد غلبت على مواقفه، فصار رمزا لقول الشيء وعكسه، ليس في فترات متعاقبة كما تعود السياسيون المحترفون، ولكن في ذات اللحظة.

في هذه اللحظة، التي يخاف الناس فيها من الثورة، أو من بالأحرى من ثمنها، لا تبقى غير السياسة الاعتيادية – لا السياسة في أوقات استثنائية – لنحاول بها تغيير أي شيء، ولكن، أين السياسيين؟! أفهم تماما، وأصدق، أن غياب الحرية يغييب السياسة، والبندقية لا تغيب في حال التظاهر أو الاجتماع، يحتاج الأمر أحيانا لثورة تحلحل كل شيء، لتمنح الروح للجسد الهامد، ولكن عندما حدث هذا، أين السياسيين الذين صنعتهم هذه الحلحلة؟ ربما لا تكفي ثلاث سنوات؟ ربما.

شيء آخر، لماذا يتحول المثقفون، بدورهم، إلى سياسيين؟! لماذا يتقمص بعض الكتاب والفنانين روح السياسي، فيبدأ في الدفاع عن سلطة؟ وأي مثقف هنا هو القريب من السلطة؟! الثقافة هي التغيير الذي يطرأ على سلوك المرء بعد تعرضه للفن والكتابة، دور المثقف هو بالضبط ضد روح السلطة، (لا أتحدث هنا عن “فلاسفة ومنظري الاحزاب”، لأنهم بذلك قد فقدوا بعض غير قليل من روحهم النقدية). حتى دور “ضمير المجتمع” و”نبي الإنسانية” هي أدوار تعدتها الحداثة. لمزيد من الموضوعية نقول أن هذه الأدوار كانت حتى وقت بعيد في الغرب متراجعة لحدود الأعمال الخيرية، أو أعمال “الرفق بالانسان” في قلب الظلام المسمى بالعالم الثالث، قبل أن تنتفض مرة ثانية تحت حكم أبله البيت الأبيض الحالي، فتتخذ معادة السلطة بعد “ضمير المجتمع” مرة أخرى.  لكن دعونا نرجع لمثقفنا المصري العظيم: ليس فقط كيف يدافع أو يلتزم الصمت إزاء سلطة وحشية كهذه، بل كيف صار المثقف والفنان سياسيا يحسب خطواته بدواعي المنفعة والمصلحة الفردية. صحيح حسبة بعض من الفنانين الكبار في التاريخ هي الاقتراب من السلطة، واتقاء شرها قبل مدحها، لكننا هنا نجد مثقفًا قد تحول سياسيا، وهو ليس بسياسي.

لماذا يمارس جميع المصريين دور السياسي، ولا يوجد سياسي واحد؟!

يقولون لك “وكيف نطلب أن يكون هناك سياسي في ظل نظام مستبد وقامع مثل هذا؟! السياسة ابنة المجال الحر”. تقبل منطقهم وترد عليه “اذن اكسروا مثل هذا النظام، ثوروا عليه.” سيصرخون في وجهك “مزايدة!”

نصرخ في وجه بعض “مزايدة!” دون أن نسأل أنفسنا عن معنى هذا التعبير أو العقلية وراءه. وربما يعتري بعضنا الحماس ليتذكر كلمة العنتريات، عنتر الذي صار مثالا للسخرية والمبالغة في هذه السنين السوداء، بدلا من أن نتأمل انسانًا قاوم عبوديته، وقاوم التمييز ضد لونه، لا فقط ليكون فارسًا مغوارًا، بل شاعرًا تقول الأسطورة أن قصيدته قد وضعت بين المعلقات. نسخر من عنتره وننبهر بأوباما. ندعو العرب بـ”البدو” ثم ننسى أنهم قد صنعوا اسطورة تقول انهم احتفوا بعيون الشعر لدرجة تعليقها في قدس اقداسهم. أين نحن من البدو؟ أين؟

لا يهم هذا، لا يهم، سنظل نعتبر الناشط رجل سياسة، والمثقف رجل سياسة.

ومن يحاولون ممارسة السياسة؟! هاك 30 شابا من حزب العيش والحرية يقبض عليهم من بيوتهم، هاك خالد علي الذين يحتجزونه لتهم وهمية.

هكذا، يمكنك أن تجد كُتاب لا يجيدون الكتابة، وممثلين لا يجيدون التمثيل، وجيش يحترف التجارة، ورجال أمن ينقدون الفن، ومجندين فلاحين يقومون باعمال السباكة، والسيسي رئيسًا للجمهورية، يقف بعدما باع تيران وصنافير ليعظك عن الشرف، في عصر ندر فيه الشرف.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (2) منهجية تقييم التجربة الثورية إذن هي في المحل الأول قراءة دروس التاريخ وليس محاسبتها بأثر رجعي، فليس بوسعك أن تحاكم تجربة تاريخية ما استنادا إلى ما تعلمته منها بالتحديد.

هاني شكر الله

مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (1) الإرادة الثورية تُفرض من الشارع وليس من خلال مؤسسات الدولة التي قامت الثورة في مواجهتها، أيا ما كان شكلها. حق الاقتراع العام انتُزِع في الشارع، والحقوق النقابية تم انتزاعها في المصانع والشوارع وكذا حقوق المرأة وحقوق الأقليات الدينية أو العرقية.

هاني شكر الله

قراءات في ثورة يناير 2011: يناير كانت السؤال الذي أُخذ بخفة مقابل ما طرحه من أسئلة حاسمة وعاجلة وعميقة، ويوليو كانت العقاب على عدم الإجابة.

محمد نعيم

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا هنا أن الاستجابة المحافظة للضغط الإسلامي كانت تتم عبر نفس الآليات الخطابية للإسلام المعلمن، أي إعادة تقديم الخطوط الحمراء الموروثة من التراث الإسلامي، والتي كانت تعد تعديًا على حدود الله، بوصفها تعديًا على حساسيات فردية بالأساس يتشكل من جماعها ما يسمى بالنظام العام.

عمرو عبد الرحمن

الفلاحون والثورة في مصر: فاعلون منسيون إن فهم علاقة الفلاحين بالثورة يحتاج أولا إلى انفتاح زمني لما قبل وما بعد لحظة الـ18 يوما، وثانيا إلى انفتاح جغرافي يرصد ويحلل ما يحدث خارج حدود العاصمة وفضائها العام، وأخيرا إلى انفتاح معرفي لإعادة تعريف ماهية الثورة وأشكال الحراك الثوري.

صقر النور