وحيد حامد وجدلية الالتزام السياسي

فنون

29  يونيو  2017

فرضت تحولات الحداثة الرأسمالية بداية من منتصف القرن التاسع عشر ومع انقضاء عصر القشرة الذهبية للرأسمالية الصناعية تطورات كبيرة على الأدب والفن والثقافة، أنتج في تلك الفترة وما تلاها النصوص الكلاسيكية الأكثر تأثيرا في الأدب السياسيوالاجتماعي، فلم يعد الأدب شأنه شأن الفلسفة لاحقا مهتما بالذات، وهنا يمكن الاشارة لمقولة ماركس الشهيرة “إن الفلاسفة حاولوا أن يفهموا العالم لكن لم يعنى أحد منهم بالبحث في محاولات تغييرة”. اتجه الأدب لاحقا للاجتماعية والواقعية في السرد، فلوبير وبلزاك وديكنز وغيرهم شكلوا تلك الفترة بامتياز، ما أنتج في القرن العشرين الذى يعد العصر الذهبي للالتزام السياسي في الأدب. شملت القرن الطويل تهويمات كبيرة حول المفهوم بداية من تعريفه الإشكالي وحتى نطاق شموليته لألوان الفن والأدب، فسارتر على سبيل المثال كان يدافع عن تجاوز الشعر لمفهومية الالتزام السياسي نفسها. طرحت أسئلة كثيرة من نقاد ادبيين وفلاسفة حول الالتزام السياسي، وشاعت دعائية الأدب السوفيتي بل حتى امتدت للواقعية الاشتراكية الفرنسية، بالمجمل يتمتع المفهوم بطبيعة جدلية لا يمكن معها الجزم بأية نطاقات نظرية يمكن أن يشملها وأية تطبيقات عملية يمكن أن يحتوى عليها، لكن مع هذا كله يطرح سؤالا أساسيا حول عملية الابداع وعلاقتها بالذات والمجموع. هل يمكن مثلا عند الحديث عن عمل تاريخي أن نتخلى عن الموضوعية في مقابل تطوير رؤية ووجهة نظر للذات في تجاه التاريخ؟ هل هناك  من الأساس ما يمكن تسميته بالموضوعية التاريخية؟ أم أن المؤرخ والكاتب في النهاية يعطى جزءا من روحة لعملية التأريخ وإلا أصبحت العملية بمثابة تسجيل سردي لأحداث ليس لها روح التجدد في الحيز الزمانيوالمكاني  المعاصر.

بريء وحيد حامد لا ينتقم لظلمة.

هناك مرثية كبيرة يتشبع بها فيلم البريء، وهو أحد افضل سيناريوهات وحيد حامد  في نظري ومن إخراج عاطف الطيب، ولعله الوحيد من بين أفلامه الذى يمكن أن يتجاوز به معنى الالتزام السياسي الضيق لتوجيه نقد واضح من أجل الانسانية، فالاعتقال والتعذيب والدعائية الكبيرة التي ينتقدها الفيلم تبدو خارج سياق وحيد حامد وأعمالهالتي يمكن أن تتسم بدرجة عالية من الالتزام السياسي، سواء على مستوى السيناريو الذى يدفع بصدفية العالم الذى يعيش فيه الجندي أحمد سبع الليل للدخول للطارئ اللحظي وهو الخدمة العسكرية التي تشكل فيما بعد منحنى أحداث يضع أحمد في المركز منها محاولا توضيح كيف يمكن أن يؤثر القمع على الجميع.ثمة خلاص ضمني يعبر عنه وحيد حامد، يتمثل في لحظة إدراك أحمد وعبر تجربة شخصية أن المسجونين السياسيين ليسوا كما يقول المأمور (توفيق شركس) أعداء البلاد بل أنهم بشر عاديون بدليل حسين وهدان الشاب المثقف “بلديات” أحمد سبع الليل، تجاوز وحيد حامد في هذا الفيلم التزامهالسياسيالناصري. بدا الفيلم في النهاية وكأنه نقد ضمني للنظام الناصريالسلطوي رغم أن زمانه كان في نهايات السبعينات وصرح وحيد حامد أنه استوحى القصة من حادثة حدثت له عندما قبض عليه في انتفاضة الخبز في يناير 1977، لعل هذا ما دفع حامد الناصري لأن يظهر في نهاية الفيلم كبطل قادر على توجيه النقد الذاتي لنفسه ولعملهالفنيولالتزامهالسياسي في صورة متجاوزة لزمان الحقبة الناصرية.

تبدو سمة التجاوز الزمنى بمعنى أن يصيغ الكاتب تصوراته عن الماضي من انعكاسات هذا الماضي على الحاضر الزمنى واليومي والمعاش جلية عند وحيد حامد، خاصة في أعماله التلفزيونية الطويلة والتي تتيح له المساحة الحوارية للسرد التفصيلي والمدجن في خانة كره الرجل للإسلاميين، لكنها على نقيض استخدامها تعكس صورة غير موضوعية عن تاريخ مجاوز وليس كامن يمكن توجيه النقد المباشر والكلى لسردياته، ترسخ هذا لصراع ثنائي حول التاريخ يلعب فيه الأخيار والأشرار (الدولة والاسلام السياسي) أدوارا متماثلة في صناعته واستدعائه دائما للحاضر وكأن أحدهم فقط هو من يمتلك حقيقته، فمثلا في مسلسل الجماعة 2 الذى عرض في شهر رمضان الفائت تجد حامد يستدعى مجموعة من المفاهيم والتعبيرات الحوارية والخطابية التي دارت بعد فض ميدان رابعة العدوية في أغسطس 2013 ليستخدمها في حوار بين المخططين الإخوان لاغتيال عبد الناصر حيث يورد على لسان أحد الإخوان ردا على سؤال وماذا بعد اغتيال عبد الناصر؟! أنه بعد اغتياله سوف تحل الفوضى وهذا ما تريده جماعة الإخوان المسلمين! في حوار يبدوخياليا من الدرجة الأولى ويمكن الجزم باستحالة حدوثة فلو أن الاخوان يديرون نقاشاتهم بهذه الطريقة الشيطانية والمؤمراتية لما كانت الجماعة بهذا الانتشار.

لعنه  “الكليشيه” تطارد الجميع.

ثمة هوس كبير بين أوساط المثقفين في تصنيف الأشياء، في وضعها بين كفتين لايد أن ترجح أحدهما كفة الأخرى وإلا فلا تبدو لعنة  “الكليشيه” هنا حاضرة خاصة في تصنيفات على غرار الرجعى والتقدمي، حتى أنه يتم تعريف التيارات السياسية الرئيسية بناءا على هذه الثنائية، والكتاب والروائيون وحتى الأشخاص العاديون، ليس ثمة مجال للارتباك في التصنيف، عليك أن تنحاز لأحد الجانين، تبدو تلك الثنائية الصريحة محيرة جدا حين ننظر لنطاقات تصنيفاتها، فمثلا الروائي الذى يكتب عن الواقع أو يجسد رؤيته للواقع حيث يرزح المهمشون تحت حكم الأقوى، يتضامن معهم الكاتب دون غرض هو كاتب تقدمي، لا تعنى سردية التقدمية هنا بمعناها الأصلي المعنى بالأساس بالاستشراف وتغيير الوضع القائم وظروف الاضطهاد بل أن مجرد الكتابة عن الوضع يصبح فعلا تقدميا، هنا يمكن الاشارة لملاحظة أبداها ماركس حول بلزاك الروائى الفرنسى الذى كان ماركس يراه رجعيا لكن عبر بشكل تقدمى عن معاناه الفقراء والمهمشون في فترة عودة الملكية بعد الثورة الفرنسية.

لعب وحيد حامد دورا كبيرا في التسعينات في ترسيخ صورة نمطية للإسلامالسياسي يتم استدعاؤها على قواعد شعبية كبيرة، ففي أفلام مثل الارهاب والكباب، طيور الظلام، وحتى إشاراته المتأخرة في دم الغزال وعمارة يعقوبيان يكرس حامد لنموذج الإرهابي نتيجة الخليط بين التشدد الديني وبين القمع السلطوي والفقر، لكن هنا يعبر حامد عن محنة الأيدلوجيا وهى أنها لا ترى شيئا خارجها، فسرديات الناصرية الكبرى تتماس مع قمع مبارك ويكأن حامد يريد أن يقول ألم يكن من الأفضل أن يستمر ناصر بدلا من هذا التخبط؟، تبدو رواية حامد عن الأحداث وأدواته الحوارية جيدة لحد كبير حيث يستشعر المشاهد منها أن شيئا وفكرة واضحه يريد أن يوصلها الكاتب، لكن يطرح سؤال من نوع أخر حول هذه الأعمال وهو سؤال مشروعية النقد بمعنى أدق مشروعية النقد الذى ترتضيه السلطة؟ فحامد يحاول أن يلعب بحرفية على الخيط الرفيع بين تقديم النقد الجذريللسلطة وبين تقديم النقد المقبول، يمكن أن نشير بالمعنى المتعارف عليهبأنه يمسك العصاة من المنتصف، لا يمكن مع هذا الخيط سوى التنميط، وإعادة الانتاج في صور مختلفة بأدوات حوارية ودرامية مختلفة في كل عمل، لأن عملية الابداع هنا تم حسرها في هذا الخط الذى لا يمكن أن تخرج عنه وإلا فهو السقوط في كلا الناحيتين سواء في فخ قمع الدولة أو في فخ تجميل صورة الاسلام السياسي، رسخت سرديات حامد عن الدولة لخطابات شعبوية على غرار فساد من يحيطون بالرئيس وليس الفساد هيكليا، فالدولة في رأيه  تتمتع بمشروعية قيامها يناءا على عقد اجتماعي يعترف حامد بوجوده ومستمد من التقليد الناصري حيث ترعى الدولة مواطنيها في مقابل هوامش محدودة من الحرية، وأيضا هي تتمتع بجسد صحى يمكن ضخ مزيد من المقرطة فيه، وهو هامش لعب الكثيرون ممن يمكن أن نطلق عليهم العائدون من أفخاخ الستينات عليه، وكان وحيد حامد، أسامة أنور عكاشة، جمال الغيطانى خير مثال على هؤلاء. يلعب هؤلاء جميعا على تلك التيمة مما يفتح المجال أمام الدولة في استخدام منتجهم الفنى كذريعة لبيان أن حرية التعبير موجودة وأيضا كسلاح ناعم في مواجهة الاسلام السياسيوقواعده الشعبية.

الدولة المجاوزة للفرد.

يدفع ثيودور أدورنو في سياق نقدة للثقافة الاستهلاكية التي أنتجتها الرأسمالية الأمريكية بطرح مفاده أن الغالبية العظمى من الأعمال السينمائية في الستينات كانت وما تزال تدفع بعيدا عن الكلية، تركز على الجزئيات بدون نظر للقمع الكلى والسلطة الكلية  المجاوزة للفرد، بدون توجيه النقد الحقيقي لها، بدو النظر حتى لمكيانزمات تفاعل السلطة وتأثيرها النفسي المباشر على الفرد، قد يبدو حديث أدورنو هذا درب من اللهو الثقافي بالنسبة للمجتمع المصري والثقافة المصرية، حيث تتشكل سرديات أخرى ليس فقط غرضها هو التشتيت والإلهاء عن كليه السلطة لكن تحسين تلك الكلية وتجميل صورتها أمام المتلقي المباشر للمنتج الثقافي، يبدو وحيد حامد على مستوى أولى أحد كتاب الواقعية الاجتماعية المهمومون بالنقد الثقافي للسلطة، لكن على مستوى ضمني تجد أن الرجل ينبه الجميع لسردية خفية في ثنايا الدراما لكنها تلعب على اللاوعى الشعبي بدور الدولة، فتجد أنك في النهاية أمام شريرين أحدهما النظام الذى يعترف حامد بقصور فيه يمكن إصلاحه بتقليل هوامش التسلط وهى الدولة والثاني هو شيطان متكامل الاسلام السياسي، عليك في النهاية كمشاهد أن تختار أيهما أقل سوءا سوف تنحاز له، ولذلك لا يمكن لوحيد حامد مثلا في ظل أعماله المشبعة بالحكم والعبرة عن ضرورة التقدم حتى أنه يعلنها صريحة على لسان بطل فيلمه”أخر الرجال المحترمون” أن الحضارة أصبحت في أيامها الأخيرة، تبدو سردية التقدم هذه متكررة في أعمال وحيد حامد  حتى أنه قد يستدرج المشاهد ليعطي له كبسولات سريعة حول ما يمنع تلك السردية من التحقق وفى القلب من تلك الأسباب بالطبع يقبع الاسلام السياسي.

فيما سبق كنت معنيا بالأساس في النظر للمنتج الفني لوحيد حامد، بالطبع الرجل يملك جوانب أخرى أكثر سوءا خاصة في موقفة من ثورة يناير لكن هذا لا يعنيني في شيء ولا يعنى يناير في شيء، وتبدو في نظري محاولة أوقع للمقاربة وهى النظر للمنتج وليس للشخص، والنظر للمنتج بعمق في ظل سياقات وأزمنة إنتاجه، والتي تبدو جدلية جدا بالنسبة لحامد الذى كتب الجماعة في 2009 وأنتج المسلسل قبل الثورة مباشرة ثم الجزء الثاني في 2016 في ظل الصراع المحتدم بين الدولة والاسلام السياسي. ولست في حاجة لتتبع الاستخدام السياسي لتلك الأعمال من قبل الدولة.

يشكل وحيد حامد في نظري أحد الأمثلة السيئة على الالتزام السياسي في الأدب، سواء على المستوى الإبداعي والذى جعل إبداعاته أقرب للدعائية للدولة منها لتوجيه النقد الحقيقي لاستبطان ظروف الاضطهاد ومن ثم تغييرها، فحينما تضع ذئبان أحدهما أقل شراسة وشيطانية من الأخر أمام المشاهد فالمشاهد بالتبعية سوف يختار الأقل شراسة، يبدو حامد لذلك متنكرا للصورة الخارجية التي تصدر عنه بأنه يكتب الواقعية الاجتماعية ، ولكن السؤال هل يكفى أن تكتب عن الفقراء لتكون واقعيا واجتماعيا؟

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… اقتصر سعي هذه الورقة على إعادة تقديم وتحرير الإشكاليات المتعلقة بموقع ما تعارف الفقهاء على تسميته بالشريعة في البناء الدستوري والقانوني المنظم لعمل أجهزة الدولة الحديثة كما كشف عنها الجدل الدستوري التالي لتحولات يناير ٢٠١١ عبر منهجية ماركسية مطورة. ولم تتجاوز ذلك إلى التفكير في مخارج لهذه الإشكاليات، إلا عرضا بالطبع وفي معرض إشارتها لاجتهادات قائمة بالفعل كوثيقة الأزهر الصادرة في يونيو ٢٠١١.

عمرو عبد الرحمن

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… تسعى الورقة لإعادة سرد تاريخ تلك العلاقة الملتبسة بين الشريعة والقانون الوضعي بما قد يسفر عن تعميق الرؤى السابقة وتطويرها باتجاه معرفة أفضل بالشريعة والديمقراطية في آن واحد.

عمرو عبد الرحمن

قراءات في ثورة يناير 2011: لقد أنتجت "يناير" الكثير من وجهة نظري. نحن فقط بحاجة لإعادة قراءتها على أنها بداية لحالة صيرورة ثورية مستمرة طالما استمرت أسباب وجودها.

محمد رمضان

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا أن التنظيم الأكبر داخل التيار الإسلامي وصاحب الأغلبية البرلمانية الصريحة والأغلبية داخل الجمعية التأسيسية سوف يقبل بشكل شبه كامل بالأطروحات السلفية وسيصوت عليها نوابه داخل الجمعية بالإجماع دون إثبات تحفظ واحد.

عمرو عبد الرحمن

أزمة قطر سيكون من الحماقة تماما أن ننظر إلى قطر أو تركيا أو إيران كممثل لنوع ما من الاصطفاف التقدمي لمجرد وقوفها -على الأقل في الوقت الراهن- على الجانب المواجه للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل. ذلك أن الصراع على السلطة الإقليمية هو ما أجج تلك التوترات وخلق كل أنواع التحالفات السياسية المتناقضة والهشة، ولكن أيا من الدول المعنية لا تمثل أي نوع من البديل السياسي يستحق دعم اليسار.

آدم هنية