الخيال السياسي في الثورة المصرية (1)

قضايا

28  يونيو  2017

قبيل نهاية عام 2011 وأثناء تعثر الثورة المصرية، وما يبدو أنه تنافس وتعاون رخيص بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة وجماعة الإخوان المسلمين بهدف السيطرة على مسار الأمور، وظهور الإحباط والانهاك بين عدد كبير من ثوار يناير وتكرار الاخطاء السياسية، دار بيني وبين علاء عبد الفتاح حوار جانبي على تويتر. لا أتذكر تفاصيل الحوار. لكن أتذكر جيدا أن علاء عبر عن حزنه الشديد على حال الكثيرين من النشطاء والمناضلين من أجل الديمقراطية، وخاصة لافتقارهم الخيال السياسي.

 لعلاء عبد الفتاح أهدي هذا المقال

الخيال السياسي هو سلاح سياسي، وأداة تحليلية ومظلة سردية

ألان ألاديو جوميز[1]

The political imaginary functions as a political weapon, analytical tool and narrative arc.”

Alan Eladio Gómez

ماذا يعني الخيال السياسي؟ وهل هناك خصوصية للخيال الثوري أو الخيال السياسي في الثورة؟  وهل كانت الثورة المصرية محكوم عليها بأن تكون ثورة إصلاحية (وقد كانت هذه الطبيعة نقطة ضعفها القاتلة التي منحت أعدائها فرصة الانقضاض عليها)؟  ألم يكن هناك أي أمل في تغيير هذا المصير؟ وما علاقة الخيال السياسي – الذي كان أو لم يكن في الثورة – بهذا المصير؟ وهل كانت الثورة نقمة؟ ليس بالمعنى الذي تردده الثورة المضادة ليل نهار وبلا توقف منذ سنوات، بمعنى أن الثورة جلبت الخراب (الخراب المسئولة عنه الأنظمة والطبقات الحاكمة أولا). لكني استخدم “نقمة” هنا للتعبير عن أثر الثورة على خلق أجيال تؤمن بالتغيير للأفضل وتقاتل من أجله.

من المعروف أن عشرات الآلاف وربما مئات الآلاف أو أكثر دخلوا السياسة عن طريق الثورة. هؤلاء لم يروا من الثورة إلا حالة غليان ونشاط. الثورة أججت- إذا جاز التعبير- طريقة تفكير عن السياسة باعتبارها حالة من النشاطوية والحركة المستمرة وحسب. ربما تكون الثورة مجرد حركة جذرية متفرقة، بلا أفق جذري إذا جاز التعبير. فهل كانت الثورة نقمة بهذا المعنى؟ أين الأمل في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية إذن؟  وهل من الإنصاف إصدار حكم الآن على ثوار يناير ونعتهم بفقر الخيال السياسي، أو أن خيالهم السياسي لم يكن بمستوى حدث الثورة؟  ربما أخطأ الثوار بعدم صناعة تنظيمهم الثوري، لكن الثورة لم تكن خالية من التنظيم. لكن هل يعتبر فقر الخيال السياسي خطيئة، كخطيئة عدم الاهتمام ببناء التنظيم الثوري الطامح في الوصول للسلطة وعمل تغييرات ثورية جذرية؟

يمكننا سرقة الإجابة، لأننا نعلم مصير الثورة الآن، بالإضافة لكيل بعض السباب للثوار ولأنفسنا. فلا حديث يعلو الآن على صوت الهزيمة وجلد الذات. لكن هذه إجابة سهلة، فضلا عن عدم موضوعيتها، لأن الإجابة مسروقة عبر الزمن.

الإجابة المنصفة –إذا كانت هناك إجابة سليمة ومنصفة واحدة– تتطلب فهما سليما للظروف الذاتية وتشابك الظروف الموضوعية مع الذاتية أثناء الثورة. وباختصار، هل كانت ثورة يناير ثورة عظيمة بخيال سياسي فقير، أم ثورة فقيرة بخيال سياسي عظيم؟ وهل من الإنصاف أن نحكم على الثورة من خلال الحكم على الخيال السياسي لمن اشتركوا فيها فحسب أم بالإمكانيات والأفكار التي اثارتها في العالم؟

هذا المقال محاولة متواضعة للإجابة على هذه الأسئلة. وهذه المحاولة هي مجرد اجتهاد للاقتراب من هذا الموضوع الهام. وليعذرني القارئ مقدما إذا لم يجد أي إجابات شافية (أو اذا انتهى القارئ بمزيد من الأسئلة)، أو إذا وجد أي تقصير أو خطأ في قراءتي للثورة في مقال عن الخيال السياسي فيها.

هذه، أولا، هي قراءتي الشخصية. وثانيا أجد لنفسي عذرا هنا، وهو أنني أعتقد أني شخص مفتقر للخيال السياسي، وهنا انا لا أتلاعب بالألفاظ ولكن سأشرح باختصار. طالما كان فقر الخيال السياسي هو حالي قبل الثورة. نعم أنا افتقر للخيال السياسي مثلي مثل كثيرين في هذا البلد، ولم تسعفني بعض القراءات السياسية عن الثورات والتجارب التنظيمية التي مررت بها عندما باغتتنا الثورة جميعا. فاجأتني ثورة يناير كما فاجأت كثيرين.  أعترف أن الثورة أطلقت عنان تفكيري. ربما سرحت بخيالي وكانت لدي بعض أحلام يقظة أثناء ما بدا انه لحظات انتصار؛ سرحت بخيالي وتصورت مصر دولة ديمقراطية ومستقلة. هل هذا خيال سياسي؟ ولو كان  كذلك، هل هذا معناه أن خيالي كان إصلاحيا وقت الثورة؟

حررتني الثورة من أشياء كثيرة. رأيت الثورة واقعا بأم عيني. وربما كان هذا أهم شيء. بكيت. وفرحت. وحلمت. بكيت وفرحت وحلمت كثيرا، وربما بكيت أكثر. لكني كنت عاجزا عن التفكير بهدوء في وسط طغيان الأحداث. وأي طغيان! ليست لدي إجابة سهلة عما فعلت الثورة بخيالي السياسي؟ وكيف كان حال خيالي السياسي عشية الثورة.  إنني باختصار شخص كان لديه بعض الأفكار عن فكرة الثورة وبعض الأفكار والخبرات عن التنظيم. لكني لا أستطيع أن أجد إجابة واحدة سهلة عما فعلته الثورة بي، ولا أستطيع أن أجد إجابة شافيه عن سؤال خيالي السياسي في الثورة. فما بالنا بكثيرين لم يكن لديهم أي خبرة سياسية على الإطلاق ولم يؤمنوا أصلا بفكرة الثورة قبل حدوثها؟ لذلك كل ما أستطيع قوله هو أني أكتب هذه السطور كعزاء لنفسي قبل كل شيء. هدف هذه السطور قبل كل شيء هو الدعوة للتفكير في الموضوع، مستلهما روح المقالات الرائعة المنشورة هنا في “بالأحمر” للتفكير في ثورة يناير.

ينقسم هذا المقال الى جزئين. أناقش في الجزء الأول من المقال فكرة الخيال السياسي بصفة عامة وفكرة الخيال الثوري أو الخيال السياسي أثناء الثورة؟ وفي الجزء الثاني من المقال أناقش سؤال هل كانت الثورة المصرية محكوما عليها بالإصلاحية؟ وهل كانت هناك طرق أخرى أو مسار (أو مسارات) أخرى مطروحة، أكثر راديكالية من هذا الطريق الإصلاحي؟ وأين موقع الخيال السياسي من هذا الأمر؟

الخيال السياسي والخيال الثوري

قبل الحديث عن فكرتي الخيال السياسي بصفة عامة والخيال الثوري أو الخيال السياسي في اللحظة الثورية بصفة خاصة من المفيد مناقشة بعض تعقيدات فكرة الخيال السياسي. أناقش هذه التعقيدات ليس بنية تقديم حل لها. ولكن لأنها مفيدة لإلقاء الضوء على صعوبة الإجابة على سؤال “كيف كان الخيال السياسي في ثورة يناير”. واناقشها أيضا لأنها ستكون مفيدة في تناول بعض التباينات في فهم الثورة، كما أشرح في الجزء الثاني من المقال.

أول هذه التعقيدات أن شقي التعريف (خيال + سياسي) كلمات حمالة أوجه إن لم تكن أعشاشا للدبابير. يعرف قاموس ميريام ويبستر الخيال بأنه القدرة على خلق أفكار أو صور ذهنية جديدة؛ هذه الصور والأفكار لم تكن حاضرة أو منظورة من قبل في الواقع. باختصار، فان قضية الابتكار والخلق الذهني (أو الفني) هي عنصر رئيسي في تعريف الخيال.  ويصعب هنا تعريف معنى الابتكار أو الخلق لأفكار جديدة تتجاوز الواقع، في عالم معقد، وفي سياق أصبح فيه تداخل مهول بين الافتراضي والواقعي، سيما في تطور تكنولوجي رهيب. لكن المشكلة الأخرى هي أن الخيال قد يتم تعريفه أيضا في ضوء افتراض أو قبول شروط اجتماعية معينة للواقع.

هذا عن الخيال. فماذا عن السياسي؟ هل يتم تعريف كلمة سياسي بطريقة عامة جدا (باعتبار أن كل شيء في الحياة يتأثر ويؤثر في السياسة)؟ فنقول مثلا أن الخيال السياسي يتعلق بخلق سياسة جديدة من الألف الى الياء، أو خلق عالم جديد. ولن أدخل هنا في معضلة: هل يمكننا اعتبار عبارة “عالم جديد ممكن” مثالا لخيال سياسي أم هي مجرد شعار ملهم؟ أعتقد أن الخيال السياسي يجب أن يكون أكثر دقة من هذا التعريف العام.

لكن ما هو التعريف الضيق المقبول لتعبير “السياسي”؟ هل “السياسي” هنا هو أمر يتعلق بنظام الحكم أو فن أو طريقة الحكم أو مجرد خلق حكومة جديدة؟ هل يُعتبر التفكير في تطبيق نظام ديمقراطي (غربي برغم كل مشاكله في العالم الآن) في دولة محكومة ديكتاتوريا خيالا سياسيا؟ لا اعتقد. لو اتفقنا أن الخيال السياسي يتعلق بخلق أفكار جديدة للحكم مثلا، لا يمكننا أن نعتبر أن نقل تجربة لم تطبق من قبل – مجرد النقل- باعتباره خيالا أو ابتكار.

ثاني هذه التعقيدات هو التنازع المفترض بين الخيال السياسي الفردي والخيال السياسي الجمعي.  فكيف يمكننا الحديث عن خيال سياسي واحد في ثورة شارك بها الملايين؟ كما ترتبط بالتوتر بين المفهوم الفردي أو المفهوم الجمعي للخيال السياسي أيضا فكرة ثانية، وهي الأبعاد الدولية للموضوع. فلو قلنا مثلا أن الثورة المصرية كان بها خيال سياسي فقير لا يعبر عن ضخامة الحدث وبسالة الثوار وحجم المشاركة الجماهيرية، لكنها كانت في ذات الوقت ثورة ملهمة للعديد من الحركات الاجتماعية في العالم، فكيف نحكم على الثورة بإنصاف فيما يتعلق بالخيال السياسي إذا وضعنا هذا البُعد في الاعتبار؟

كما سوف أشرح لاحقا، لا توجد إجابة واحدة على سؤال الخيال السياسي في ثورة يناير. لكنني سوف أفترض أحيانا للتسهيل أن هذا “الخيال الجمعي” هو ما يبدو انه الصوت التوافقي المهيمن في الثورة. وكما سأتناول في المقال التالي، فان هناك أهمية لدراسة الأصوات المختلفة وخاصة تلك التي تميزت بخيال سياسي ناقد وذات بصيرة نافذة ونقدها لهذا الصوت التوافقي (الإصلاحي والمهيمن على الثورة).

ثالث هذه التعقيدات هي مسألة الوقت أو النظرة المختلفة للزمن في الخيال السياسي. لست خبيرا في موضوع الخيال السياسي، لكن يبدو لي أن هناك أكثر من مشكلة في فهم معنى الخيال السياسي فيما يتعلق بالزمن. المشكلة الأولى هي أن الخيال السياسي له معنى يتعلق بالحاضر وله أيضا معنى يتعلق بالمستقبل، ويمكن أن يتقاطع الاثنان بطريقة تصعب على أي محلل فصلهما. وهناك مثال على ذلك.  فيمكن أن نقول بسذاجة هنا أن الخيال السياسي له شق يتعلق برفض الحاضر وشق يتعلق برؤية أفضل للمستقبل. لكنها كما قلت رؤية ساذجة تتعلق بمفهوم “اكلاشيه” حول الهدم والبناء. فهناك خيال سياسي يتعلق بالحاضر أيضا، الحاضر القائم نفسه ولو في بعض اللحظات الاستثنائية.

لا أريد أن أفرغ فكرة الخيال السياسي من معناها وأقول أن إيمان الثوار بأن التحرير كان جمهورية فاضلة كانت لحظة خيال سياسي تتعلق بالحاضر، الحاضر الذي كانوا يعيشوه فعلا. كما أن إيمان البعض الآخر بأن جمهورية التحرير الفاضلة مثلا تمثل صورة لما يجب أن تكون عليه مصر المستقبل هو نوع من الخيال السياسي الذي يتعلق بالمستقبل. هل يكون من التجاوز مثلا أن نقول أن من يؤمنون أن مصر لا يمكن أن تُحكم إلا بديكتاتورية وان الحكم القائم في مصر حاليا مناسب لها لديهم خيال سياسي فقير أو مريض ( يتعلق بالحاضر)!

كما أشرت من قبل فإن مفكري التنوير والعقد الاجتماعي كتبوا عن الخيال السياسي لأوروبا وفكرة العقد الاجتماعي باعتبارها فكرة حاضرة وباعتبارها منظور للمستقبل. المشكلة الأولى كما قلت هي فض الاشتباك بين الحاضر والمستقبل في الخيال السياسي. وهناك مشكلة ثانية تتعلق بالزمن وهي مفاهيم الأشخاص (وخيالهم السياسي) التي تختلف من لحظة لأخرى. لو أردنا دراسة الخيال السياسي في الثورة المصرية، فأي لحظة تمثل النموذج الأفضل للدراسة؟ كما سأبين في الجزء الثاني من المقال سوف أركز على ال 18 عشر يوما الشهيرة. ولمنع اللبس سوف أتجاهل فكرة عنصر الحاضر في الخيال السياسي. كما أنني سوف أنهي هذا الجزء بتعريف مبسط للخيال السياسي.

يتعلق رابع هذه التعقيدات بفكرة الخيال الثوري أو الخيال السياسي في الثورة. هل سنفترض هنا ببساطة أن الثورة الناجحة ( بغض النظر عن تعقيدات هذا الوصف، ولنفترض للتبسيط هنا أن الثورة الناجحة هي ثورة وصل فيها الثوار للحكم) تحمل خيالا سياسيا ثوريا، في حين تفتقر الثورة الفاشلة لذلك؟ اجابتي البسيطة هي أن الأمر ليس بهذه البساطة وهذا معيار ظالم في اعتقادي. ويجب أن نفض الاشتباك بين فكرة نجاح وفشل الثورات والخيال السياسي. ليس عندي أي مفهوم سحري يحل كل التعقيدات السابقة كما أشرت.  لكني سأحاول أن استخدم هذه الصعوبات لصالح المقال. وما أقصده هنا هو أنها سوف تكون مفيدة في الجزء القادم. سأنتقل الآن لتقديم بسيط عن فكرتي عن الخيال السياسي والخيال الثوري.

الخيال السياسي:

انتشر مصطلح الخيال السياسي في العلوم الاجتماعية خلال العقود الأربعة الأخيرة، بالرغم من أنه لا يوجد اتفاق حول معنى هذا المصطلح. وفي كتاب مهم للفيلسوف السياسي الكندي تشارلز تايلور، والمعنون ب ”  الخيال الاجتماعي الحديث” [2] يناقش تايلور اختلاف تناول كل من “توماس هوبز” في كتابه المعروف “التنين” و”جون لوك” في كتابه “العقد الاجتماعي” للخيال السياسي للحداثة الأوروبية ونشأة فكرة العقد الاجتماعي، باعتبار أن النظرتين تمثلان منظورين مختلفين للعقد الاجتماعي، أحدهما له أبعاد سلطوية والآخر أكثر ديمقراطية.[3]

جوهر كتاب “تايلور” كان نقدا لنظريات الحداثة في الغرب، التي أهملت عنصر السياسة وتحدثت عن هذه النظريات بطريقة مجردة، منبتة الصلة عن سياقاتها. والنقاط الأساسية في كتاب “تايلور” هي أن أوروبا لم يكن لديها خيال سياسي واحد للتحديث، كما أنه ذكرنا بأن الخيال السياسي هو دائما عملية تبحث عما وراء الواقع الشكلي وتشمل النظر للسياق وفهم أو التنظير لواقع جديد. سأعود لفكرة أن الخيال السياسي ابن سياقه السياسي والاجتماعي لاحقا في هذا المقال.

اهتم “تايلور” وآخرون بفكرة الخيال السياسي من خلال البحث في ظهور أفكار علمنة الأفكار وانفصال الدين عن الدولة واحترام العلم أو تقديسه باعتباره دين جديد، وظهور الرأسمالية، ومبررات انتشار الرأسمالية والإيمان بضرورة العمل والبحث عن الأرباح وحرية السوق. وتحدث آخرون عن أن نظريات الخيال السياسي الأوربي في عصر الحداثة وما بعدها تجاهلت الجانب المظلم في صناعة هذه الحداثة مثل العبودية واستغلال العمال ثم الاستعمار..الخ؛ وعلى سبيل المثال قدم عالم الاجتماع الأمريكي الهام الراحل “سي رايت ميلز” فكرة شبيهة بما طرحه “تايلور” زذلك في مقال تأسيسي له بعنوان “الخيال السوسيولوجي”.[4] في هذا المقال الهام لفت “ميلز” الانتباه لضرورة النظر لما بعد المشاكل التي تبدو فردية والبحث في أبعادها التاريخية أو الأسباب المجتمعية المسببة لهذه المشكلة الفردية. تدرّس هذه الفكرة في كل مناهج “مقدمة علم الاجتماع” في العديد من العالم باعتبارها أساس للتدريب على التفكير بطريقة مجتمعية.

تكمن أهمية كلام “تايلور” أعلاه أيضا في تذكيرنا بفكرة التحديث الأوروبي باعتبارها فكرة مركزية للعالم الحديث بعد أوروبا. ولن اناقش هنا مشكلة المركزية الأوروبية في هذا التصور. لكن في ذات السياق أيضا يجب أن نتذكر أن أوروبا أعطت العالم (!) الحداثة والمركزية وبعض الأيديولوجيات الكبرى مثل الماركسية والليبرالية والليبرالية الجديدة. وفي منطقتنا ظهرت إيديولوجيات كبرى مثل القومية العربية بطبعاتها المختلفة ومشروع الإسلام السياسي. وينطبق على هذه المشروعات، مع بعض التحفظ، فكرة الخيال السياسي. أو لوجه الدقة يمكن القول أن بعض هذه المشروعات في بداياتها حملت روحا من الإبداع أو، على الأقل، مشروعا معينا لتغيير العالم. لكنها مع تطبيقها انقلبت للنقيض في معظم الأحيان وأصبحت مشروعات لقمع الخيال السياسي. ولن أدخل هنا في جدل عقيم أيضا حول اختزال الماركسية في الستالينية. واعتبر أنه من الأمور المسلم بها أن الستالينية مشروع قمعي ومناهض للخيال السياسي. لكن حتى اللينينية والتروتسكية، كإضافات ماركسية هامة، تحولت أحيانا لمشروعات تقمع الابتكار والخيال السياسي عندما عبد بعض أصحابها التنظيم وسلموا عقولهم للقيادة المنزهة عن الخطأ. وببعض التبسيط المخل يمكننا الاتفاق لوهلة مع نظريات ما بعد الحداثة في القول بأن عصر السرديات الكبرى ( بمعنى الخيالات الكبرى) ربما يكون قد انتهى. ولا أقول أن هذه الأيديولوجيات قد انتهت، سوى من حيث كونها ممثلة لخيالات كبرى.

لأغراض هذا المقال، وببعض التبسيط المخل يمكن القول أن الحد الأدنى لإطلاق عبارة الخيال السياسي على مجموعة من الأفكار أو التصورات لشخص أو جماعة بعينها هو توافر ثلاثة عناصر. عنصر يتضمن تقويض أو نقد العالم القديم، وهذا معناه عدم الاكتفاء بالواقع والظواهر القائمة وعدم الرضا بها بوصفها صالحة للاستمرار. والعنصر الثاني هو عنصر الابتكار. وهنا مثلا لا يجب الاكتفاء بقول “يسقط يسقط”، ولكن يجب الإشارة أو تصور العناصر الجديدة التي يجب إقامتها بعد السقوط. الابتكار هنا يتجاوز تعديل أو تهذيب الواقع الموجود. وهذا أمر مفيد في فهم الخيال السياسي في الثورة المصرية. فالمطالبة بدستور جديد أو إسقاط الطوارئ هي مطالب تهذب الواقع الموجود ولا تتضمن تغييره. وهناك عبارة شهيرة لعالم الفيزياء الفذ “ألبرت أينشتين” يقول فيها، أن الخيال أهم من المعرفة لأن الأخيرة ترتبط بالمعلومات المتاحة لكن الخيال يشمل كل المعرفة بما في ذلك المعرفة غير المنظورة والتي لم نحصل عليها بعد. أما العنصر الثالث فهو أن يتضمن هذا التصور الجديد أو هذا التخيل بعض الإجابات (وليس بالضرورة تصور جديد شامل) عن أسئلة مركزية في قضية السياسة، خاصة أسئلة شكل ومضمون الحكومة والنظام والدولة. على سبيل المثال، يمكن القول أن بعض جماعات الإسلام السياسي التي ترى أن شكل الخلافة هو الشكل الأمثل للحكم ينطبق عليها العنصران الأول والثالث، ولا يتضمن تصورهم أي ابداع. فهذا لا يعتبر خيالا سياسيا بالمنطق السابق. كذلك الناصريين الذين يرون ضرورة عودة أو ظهور ناصر جديد. هؤلاء يفكرون بنفس طريقة الإسلاميين المذكورين أعلاه. ولا ابالغ أيضا إذا قلت أن الماركسيين الذين يعتقدون أن الثورة الاشتراكية ستكون تطبيقا أو نقلا لما حدث في روسيا عام 1917 هم أيضا يفتقرون للخيال السياسي.

تعتبر مسألة أن الخيال السياسي، وبالرغم انه يهدف أساسا لتجاوز الواقع، أحيانا يكون مكبلا أو وليدا أو رد فعل لهذا الواقع، تعتبر أهم إشكاليات الخيال السياسي من وجهة نظري. ولنتذكر هنا مثلا عبارة ماركس الشهيرة في الثامن عشر من برومير ” الناس يصنعون تاريخهم، ولكنهم يصنعونه كما يحلو لهم، لا يصنعونه ضمن شروط اختاروها بأنفسهم، بل ضمن شروط مسبقة جاءتهم من الماضي.”  ماركس يتحدث هنا عن الظروف الموضوعية التي تحكم أفعال البشر وإرادتهم للتغيير. يمكننا أيضا أن نفهم من ذلك أن الظروف الموضوعية تحكم خيالات البشر وليس أفعالهم فقط. وهذا أمر مفهوم. فالقدرة على الخيال وتجاوز الواقع تُكَبَل كل يوم بالضرورة بسياقات التعليم الذي يقمع الأسئلة ويحض على التلقين، ويكافئ ويقيم الطلاب على التقليد وليس الابتكار، كما أن البشر يعيشون في ظل دول قومية (تعمل كقبضايات أو عصابات) أو على الأقل تقول للبشر أنه لا يمكن أن يعيشوا إلا في الأطر القائمة. نحن نعيش اليوم في ظل نظام رأسمالي يظنه كثير من البشر نظاما خالدا، لأنه يبدو منتصرا منذ قرون. وكأن كل هذه الأمور تتواطأ معا لقمع الخيال والتفكير في عالم جديد.

لن أتحدث هنا عن التعليم في مصر. فيكفي أن أذكر عبارة أنه (تعليم خرج من قاع التصنيف العالمي!) ليشعر القارئ بالإحباط والاكتئاب. والخلاصة أن هذه معضلة المعضلات: كيف نتجاوز الواقع مع أننا مكبلين به، وكيف نفهم أن الخيال السياسي هو ابن للواقع مع أنه مطالب بتجاوز هذا الواقع. هذه المعطيات هامة لفهم ماذا حدث في ثورة يناير. أبناء يناير هم أبناء عقود من خراب السياسة وتدمير الخيال، ناهيك عن السياق العالمي المناهض للثورة. هذه هي الشروط التي حكمت خيالهم أثناء الثورة. وسأنتقل الآن لمناقشة فكرة الخيال الثوري.

الخيال الثوري:

الخيال الثوري ضرورة أن لم يكن سلاح أساسي لأي ثورة وأهميته لا تقل عن أهمية التنظيم، كما أشرت في الاقتباس السابق في مقدمة هذا المقال.  ليس غرض هذا المقال عمل بحث نظري في فكرة الخيال السياسي والخيال الثوري كما أشرت من قبل، ولكن فقط أتعرض لما أراه مقدمة ضرورية للجزء القادم. لكني أعتقد باختصار أن فكرة الخيال الثوري أو الخيال السياسي في أي ثورة تفترض بعض الافتراضات. ألخصها في خمس.

الافتراض الأول هو أن الثورة نفسها نوع من الخيال. من يؤمنون بأن حياة الناس تستقيم بلا ثورة هؤلاء لا يؤمنون بالخيال وأعداء للخيال. طبعا لا يكفي مجرد الإيمان بالثورة لوجود خيال ثوري. لكن هذا الافتراض هو حد أدنى. الحد الأدنى هنا ضرورة التفكير في أن الثورة حقيقة ممكنة وإقامة التخطيط والتنظيم أو المنظور المبتكر على هذا الأساس. فما معنى الثورة؟ لن أدخل في مناقشات لا تنته هنا عن معنى الثورة أو معاني الإصلاح والثورة. ولكن فلنفترض مثلا أن الثورة تنصرف لانتفاضة جماهيرية كبرى من قبل بعض الطبقات الكادحة بهدف إحداث تغيير اجتماعي شامل. الخيال الثوري يجب أن يتجاوز حالة التفكير في فعل الانتفاضة فقط، بالانتفاض لمجرد الانتفاض مثلا، دون الرغبة في الوصول للحكم وإحداث تغيير اجتماعي شامل. وبالقطع الإيمان بأن التغيير ممكن عبر إجراءات فوقية إصلاحية ليس من الخيال الثوري في شيء.

الافتراض الثاني هو أن لحظة الانفجار الثوري أو الأزمة الثورية تتضمن انفجار أو إطلاق العنان للخيال السياسي. ولن أدخل هنا في تفاصيل حول تعريف اللحظة الثورية أو لحظة الانفجار الثوري. لكن فلنتذكر هنا باختصار أن لينين حدد هذه اللحظة بتوفر ثلاثة عناصر أساسية وهي 1) اللحظة التي أصبح فيها استمرار حكم الطبقات الحاكمة أمرا مستحيلا بدون إحداث أي نوع من التغيير، كما أن الطبقات الكادحة وصلت حد أنها لا يمكن أن تعيش أو تقبل العيش في ظل النظام القديم، و2) وصول معاناة الكادحين لمستويات غير مسبوقة، 3) وانتشار الاهتمام غير المسبوق بالسياسية بين الطبقات الكادحة كنتيجة للنقطتين السابقتين، أي عندما تصبح السياسة على قارعة الطريق. والمثال على ذلك حالة مصر مثلا يوم 28 يناير 2011.  في هذا الوقت وفي الأيام التالية ل 28 يناير 2011، يفترض أن الخيال السياسي للثورة أو الخيال الثوري كانا في حالة من الفوران. تلك لحظات عشناها.

الافتراض الثالث، ويرتبط بالنقطة السابقة، هو أن الخيال السياسي مكون من مكونات العامل الذاتي في الثورة. تحدث الثورة لتوافر مزيج من الشروط الموضوعية المسببة لها والتي تستدعي التغيير بالإضافة للشروط الذاتية. تركز التحليلات الماركسية على فكرة القيادة أو توافر التنظيم الثوري باعتبارهما أهم عناصر، إن لم يكونا العناصر الأكثر حسما وأهمية، في الظروف الذاتية. لن أختلف مع هذا. لكن لو افترضنا أن العامل الذاتي هو مكون من الإرادة والتخطيط والتنظيم، ورد الفعل الذكي مع الشروط الموضوعية من بين أمور أخرى، أعتقد أنه من الأهمية أن يتضمن هذا المفهوم فكرة الخيال السياسي! العامل الذاتي هنا ضرورة التنظيم مع التفكير في أفق الثورة. الخيال السياسي مكون مهم في هذا الأمر. والمقصود هنا هو أن الخيال السياسي ليس عنصرا ثانويا ولكنه عنصر أساسي من محددات الثورة.

الافتراض الرابع هو أن مسار أي ثورة يؤثر على الخيال السياسي فيها. تعثرات وتعقيدات وانتصارات كبيرة وصغيرة ونقاط تحول، كلها تؤثر على الخيال الثوري. وهذا يتفق مع ما قلته سابقا من أن الخيال السياسي بصفة عامة هو ابن الواقع رغم أنه يهدف لتجاوز الواقع.  هذا يؤثر على الخيال. وهذا أيضا يتفق مع أهمية ما أشرت إليه من قبل بضرورة أخذ عامل الوقت في الاعتبار. سياق الخيال السياسي هنا هو مكاني وسياسي وزمني أيضا. على سبيل المثال يختلف الخيال السياسي لثوار يناير لحظة انفجار الثورة بالضرورة عن قدرتهم على الخيال اثناء تعثر الثورة خلال عامي 2011 و2012 بينما تراجع مركز الثقل عن الشارع. ولا يعني تأثير المسار على الخيال السياسي ارتباط الخيال بطريقة اوتوماتيكية بفكرة انتصار أو هزيمة الثورة كما أشرت من قبل.

أما الافتراض الخامس، وهو أكثرهم اثارة للجدل في اعتقادي، هو أن الخيال الثوري يجب أن يتضمن نوعا من الإجابة المبسطة أو التفكير المبدئي في معنى فكرة الثورة اليوم (في لحظة معينة خاصة بالأفراد الفاعلين في لحظة ثورية بعينها). أقول هذا لأن فكرة الثورة الجذرية نفسها تشهد جدلا عنيفا، خاصة بعد ثورات شرق أوروبا عام 1989، حيث تتعرض فكرة الثورة للهجوم من قبل اليمين واليسار وبين الأكاديميين. هناك جدل عنيف حول انتهاء عصر الثورات الكبرى..الخ وان الثورات التي تتبنى العنف أو مبنية على انتفاضات طبقية حادة أو تهدف للوصول للسلطة  قد انتهت. وان المستقبل للثورات السلمية لإقامة الديمقراطية وحسب. وان المستقبل لن يشهد ثورات اشتراكية. وإذا كان ثوار ثورة بعينها (واستخدم تعبير ثورة هنا افتراضيا) لا يملكون بعض الإجابة أو التصور لهذا الأمر، إلا أنه يجب على الأقل أن يكون لديهم تصورا مبتكرا أو متجاوزا لنقل ثورات بعينها. هذا هو الحد الأدني.

في الجزء القادم من هذا المقال سوف أناقش فكرة الخيال السياسي في الثورة المصرية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر

Gómez, Alan Eladio. The Revolutionary Imaginations of Greater Mexico: Chicana/o Radicalism, Solidarity Politics, and Latin American Social Movements. University of Texas Press, 2016.  P 3

[2] Taylor, Charles. Modern social imaginaries. duke university Press, 2004.

[3] ليس هدف هذا المقال عمل أي بحث تفصيلي عن تاريخ أو مفهوم فكرة الخيال السياسي. هذا الجزء مجرد مساهمة بصوت عال للتفكير. وتجدر الإشارة انني قمت ببعض البحث السريع عن الكتابات العربية عن الموضوع. اذكر هنا مساهمتين. لم تسمح ظروفي بالاطلاع على أحدهما. لا اناقش هاتين المساهمتين في هذا المقال. فهدف هذا المقال هو فكرة الخيال السياسي في الثورة أكثر منه مساهمة نظرية عن فكرة الخيال السياسي. هاتين المساهمتين هما:

1.      عمار على حسن. الخيال السياسي أساس لصياغة تصورات سليمة للمستقبل العربي. العربي. 25/6/2016. العدد: 9959، ص(6)].

  1. هبة رؤوف عزت. الخيال السياسي للإسلاميين، ما قبل الدولة وما بعدها. الشبكة العربية للأبحاث والنشر. 2015.

 هذا الجزء الأول فقط رأيته مقدمة ضرورية قبل الانتقال للجزء الثاني.

[4] Mills, C. Wright. The sociological imagination. Oxford University Press, 2000.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا أن التنظيم الأكبر داخل التيار الإسلامي وصاحب الأغلبية البرلمانية الصريحة والأغلبية داخل الجمعية التأسيسية سوف يقبل بشكل شبه كامل بالأطروحات السلفية وسيصوت عليها نوابه داخل الجمعية بالإجماع دون إثبات تحفظ واحد.

عمرو عبد الرحمن

وحيد حامد وجدلية الالتزام السياسي ثمة هوس كبير بين أوساط المثقفين في تصنيف الأشياء، في وضعها بين كفتين لا بد أن ترجح أحدهما كفة الأخرى وإلا فلا تبدو لعنة "الكليشيه" هنا حاضرة خاصة في تصنيفات على غرار الرجعى والتقدمي.

محمد رمضان

مائدة مستديرة: “30 يونيو” بعد أربع سنوات تقدم "بالأحمر" أعمال المائدة المستديرة التي عقدتها بمناسبة حلول الذكرى الرابعة لـ30 يونيو 2013، والتي حاولنا فيها النظر من عدة زوايا للحدث الذي مثل تحولا لمجرى الأحداث في مصر. وإذ شهد اللقاء نقاشا ثريا بين مختلف وجهات النظر، فإننا نأمل أن يسهم نشرنا لأعمال المائدة المستديرة في استكمال هذا النقاش.

لماذا يفشل الإخوان دائما في التحول لجماعة ما بعد إسلاموية؟ في هذه المقالة أحاول تقديم مقاربة للسؤال الرئيسي من وجهة نظري، والذي يطرح عده أسئلة على المستويات الثانوية الأخرى المتعلقة بالممارسة السياسية والاقتصادية والاجتماعية لجماعة الإخوان وعدم قدرتها التاريخية على التأقلم مع ما يمكن أن نسميه الممارسة الحديثة للسياسة.

محمد رمضان

النقابات المهنية والسياسة علاقة التيارات السياسية بالنقابات علاقة مشبوهة، تميزت تاريخياولفترات طويلة وحتى اليوم بالإستخدام، طرف يستخدم – بالمعنى المبتذل للكلمة – الطرف الآخر. طموحات المستخدم "بالفتح" لامكان لها ولا أثر على خريطة الطرف الآخر.

سعيد عبد الفتاح أبو طالب