الخلايا الجذعية… مستقبل الطب

قضايا

19  يونيو  2017

فى عام 2012 كانت جائزة نوبل للطب والفسيولوجيا من نصيب أحد أبحاث الخلايا الجذعية الذى أثبت بالتجربة امكانية استعادة الخلايا الجسدية لخصائص الخلايا ذعية، وذلك بإعادة برمجتها للحالة الجذعية، واعادة توجيهها مرة أخرى لتتمايز في مسار آخر تماما، بهدف تكوين نوع مختلف من الخلايا. فمثلا يمكن إعادة خلية من الجلد إلى الحالة الجذعية الأولية وإعادة توجيهها لتصبح خلية عصبية أو خلية لعضلة القلب أو خلية كبدية وهكذا. وقد اعتبرت لجنة نوبل أن إعادة برمجة الخلايا البشرية من شأنه أن يتيح فرصا جديدة لدراسة الأمراض وتطوير وسائل التشخيص والعلاج.

لم تكن تلك هي المرة الوحيدة التي منحت فيها الجائزة المرموقة للأبحاث الخاصة بعلوم الخلية والجينات والخلايا الجذعية، مما يعكس الأهمية التي يوليها المجتمع العلمي لهذه النوعية من الأبحاث التي يتوقع منها أن تساعد البشرية في الوصول إلى حلول أفضل لمكافحة وعلاج الأمراض.

بدأ القرن العشرين بثورة في علوم الفيزياء لتفسير المادة والقوانين التي تتحكم بها وبمكوناتها، وكانت نظريتا النسبية والكم العنوان الأبرز لتلك الثورة. وتكشف للعالم القوة الجبارة التي تحتويها الطاقة الذرية. لتبدأ بانتصاف هذا القرن ثورة جديدة في مجال تكنولوجيا المعلومات وعلوم الكمبيوتر، كان من نتائجها هبوط الإنسان على سطح القمر، وإرسال المركبات الفضائية إلى خارج المجموعة الشمسية، كما راحت التليسكوبات تتسابق على التنقيب في أرجاء الكون الفسيح، لتفسير نشأة الكون أو البحث عن أشكال أخرى للحياة في هذا الفضاء الشاسع.

ولا تقل أهمية اكتشاف الخلايا الجذعية وتطبيقاتها الواعدة، في بدايات القرن الواحد والعشرين، عن أهمية اكتشاف الذرة والآثار التي ترتبت على ذلك في بدايات القرن العشرين، ذلك إن لم تفوقها. فمنذ نهاية القرن التاسع عشر وبعد عقود من الجهود المضنية في مجال الأبحاث المكرسة لاكتشاف أسرار الخلية الحية وتطور الأجنة، تم التوصل مؤخرا إلى نتائج باهرة في مجال أبحاث الخلايا الجذعية. وهاهو القرن الواحد والعشرون يفتتح أعماله بإنجاز هام، وهو الانتهاء من كشف تسلسل الشفرة الوراثية في الإنسان فيما عرف بمشروع الجينوم البشرى، إذ تم حصر أكثر من ثلاثة وعشرين ألف جين تحتويها الخلية البشرية وتتحكم في صفات الإنسان الوراثية وخصائصه البيولوجية. لتنطلق بعد ذلك ثورة الأبحاث الحيوية في مجال الخلايا الجذعية، تلك الثورة التي تنعقد عليها الآمال لتثوير مفاهيمنا عن الطب التقليدي واستشراف آفاق الطب التجددي. بعد التقدم المتحقق فى تقنيات الهندسة الوراثية وهندسة الأنسجة، ليتزايد حاليا الاهتمام بأبحاث الخلايا الجذعية، وتتلاحق نتائج تلك الأبحاث على أمل الوصول إلى تطبيقات إكلينيكية لعلاج الأمراض التي يعاني منها ملايين البشر. وبدلا من الأفكار العنصرية التى طُرحت على استحياء في أوائل القرن العشرين من استخدام المرضى العقليين والمشردين في التجارب المعملية، تُطرح الآن- في بدايات القرن الواحد والعشرين – أفكارٌ جدية حول إمكانية استخدام الخلايا الجذعية في تخليق أو تصنيع قطع غيار بشرية، يجرى إنتاجها في المختبرات والمعامل بواسطة شركات الأدوية.

تتكون الخلية الجذعية في المراحل الأولى من نمو الكائن الحي، وتتشكل منها كل الأنسجة والأعضاء التي سيتشكل منها الكائن فيما بعد، عبر عملية تسمى التمايز الخلوي أو التخصص الخلوي. وتتميز الخلية الجذعية بخاصية الانقسام والتجديد الذاتي لفترات طويلة، والخلية الجذعية غير متمايزة بذاتها فهي لاتقوم بأداء وظيفة متخصصة، لكنها تستطيع التمايز إلى خلايا متخصصة مثل خلايا الجلد والكبد والأعصاب والعضلات والغضاريف والعظام …. الخ.

وتنقسم الخلايا الجذعية إلى نوعين رئيسيين: النوع الأول هو (الخلايا الجذعية الجنينية) وهي الخلايا الأساسية التي تنشأ منها كل أنواع الخلايا التي يتكون منها الجنين في مراحله المبكرة، وتتميز بأنها لا تفني أي أنها تستطيع الانقسام إلى مالانهاية. والنوع الثاني هو (الخلايا الجذعية البالغة) وهي الخلايا المتمايزة والمتخصصة التي تتواجد في أنسجة الكائن ما بعد الولادة. وتعمل تلك الخلايا البالغة كجهاز تصليح بيولوجي تمنحه الطبيعة للجسم لإحلال الخلايا التي تعطب بالمرض أو الإصابة أثناء حياة الكائن، فالخلايا الجذعية البالغة مهمة لإمداد الأنسجة بالخلايا التي تموت كنتيجة طبيعية لانتهاء عمرها المحدد في النسيج، وهي قادرة على التحول إلى أنواع أخرى من الخلايا المتخصصة، كما تلعب الخلايا الجذعية البالغة دورا هاما فى ترميم وإصلاح الأنسجة المعطوبة والمحافظة على سلامتها.

تستنبت الخلايا الجذعية الجنينية من خلايا الأجنة بعد أسبوع واحد من التخصيب، ويتم إنتاج خطوط الخلايا الجذعية في تجمعات أو مزارع خلوية مشتقة من النسيج الأصلي. ونظرا للاعتراضات الأخلاقية المتعلقة بتدمير الأجنة البشرية الخاصة بتلك الأبحاث، يركز العلماء جهودهم الآن على اشتقاق الخلايا الجذعية من الخلايا الجسدية المتخصصة. وبالرغم من قلة عدد الخلايا المتخصصة التي يُمكن الحصول منها على خلايا جذعية بالغة، مقارنة بالخلايا الجذعية الجنينية، إلا أن الأبحاث التي تجرى حاليا قد تستطيع التغلب على تلك العقبة.

وهناك على مستوى العالم عددا من قواعد البيانات الخاصة بخطوط الخلايا الجذعية التي تم اشتقاقها، سواء كانت خطوط خلايا جذعية جنينية أو بالغة، ومن أشهرها السجل الأوروبي للخلايا الجذعية لأجنّة البشر، والجمعية الدولية لأبحاث الخلايا الجذعية. ويبلغ عدد خطوط الخلايا الجذعية الجنينية الموجودة في السجل الأوروبي للخلايا الجذعية الجنينية حوالي 660 خطا يحتوى 100 منها- على الأقل – على تعديلات جينية. وهناك مئات الشركات والعيادات ومراكز الأبحاث على مستوى العالم، التي تمتلك عددا من خطوط الخلايا الجذعية، فيوجد فى الولايات المتحدة وحدها حوالي 118 شركة خاصة، و67 شركة عامة، و51 شركة غير أمريكية، و25 شركة استثمارية، و4 شركات غير هادفة للربح، تعمل فى مجال الخلايا الجذعية.

لقد حاول الأطباء فى بدايات القرن العشرين، أن يعالجوا المرضى المصابين باللوكيميا والأنيميا بإعطائهم نخاع العظم عن طريق الفم، وتُعد تلك المحاولات أولى تجارب استخدام الخلايا الجذعية فى علاج الأمراض. وفى الوقت الحالي تُستخدم الخلايا الجذعية في علاج العديد من الأمراض التي عجز الطب التقليدى عن علاجها، حيث تُستخدم الخلايا الجذعية حاليا في تخليق الخلايا والأنسجة لاستخدامها في علاج المرضى فيما يعرف بالعلاج الخلوي، كما يحدث في علاج بعض الأمراض العصبية مثل مرض الشلل الرعاش “باركنسون” أو إصابات الحبل الشوكي، وبعض أنواع السرطان مثل سرطان الكلى وسرطان الدماغ، وفي علاج أمراض الكبد والقلب والسكر، وفي علاج الصلع والصمم والعمى. بالإضافة إلى إمكانية التغلب على مشكلة الرفض المناعي التي حيرت الأطباء طويلا. كما تُستخدم الخلايا الجذعية في تخليق الأوعية الدموية وفي تخليق الحيوانات المنوية لعلاج العقم لدى الرجال، وقد جرى زراعة قصبة هوائية تم تخليقها باستخدام تقنية هندسة الأنسجة من الخلايا الجذعية، كما تمكن العلماء من جعل بويضة فأرة تنمو لتتحول إلى جنين بالغ دون تخصيبها بحيوان منوي لفأر.

ومن المأمول أن يتم المزج قريبا بين العلاج الجيني والعلاج بالخلايا الجذعية، لعلاج عدد من الأمراض التي كان ميؤوسا من شفائها سابقا. وسوف تساهم الخلايا الجذعية في تثوير طرق العلاج المتبعة في الطب التقليدي، والانتقال إلى مرحلة جديدة من الطب تسمى الطب التجددي. حيث يمكن تخليق الأنسجة والأعضاء لاستبدالها مع الأنسجة والأعضاء التالفة، لاستعادة وظيفة العضو أو النسيج. ويتوقع العلماء أن تكون تطبيقات أبحاث الخلايا الجذعية الجنينية أو البالغة ذات مردود هائل على تحسن صحة الإنسان ومواجهته للأمراض. ففي خلال عقدين من الزمن أو حالما ينتصف القرن الحالى ربما ستنفجر قنبلة حيوية، تعادل في أثرها وتأثيرها قنبلة القرن العشرين الذرية، وذلك عندما يدنو العلم ليتلمس المساحة الفاصلة بين الحياة والموت، أو يتدخل في تشكيل الكائن وتبديل صفاته وخصائصه الموروثة من ملايين السنين.

إن أبحاث الخلايا الجذعية قد فرضت نفسها على أجندة رجال السياسة والقانون، ويوجد على مستوى العالم عدد من التشريعات التي تحاول تنظيم إجراء أبحاث الخلايا الجذعية. وتشغل تلك الأبحاث مكانة خاصة، في البرامج السياسية للمرشحين الرئاسيين والبرلمانيين في أوروبا وأمريكا. ففي أمريكا- على سبيل المثال – قام الرئيس الأمريكى جورج دبليو بوش في أغسطس 2001، بإصدار مرسوم رئاسي بحظر تمويل الحكومة الفيدرالية للتجارب والأبحاث التي تُجرى على خطوط الخلايا الجذعية الجنينية، ومع أن هذا القرار لم يمنع إجراء تلك التجارب في عدد من المعاهد الخاصة، إلا أن الآثار السلبية التي تتمثل في تخلف التقنية الحيوية وتأخر هذه النوعية من الأبحاث في أمريكا، قد دفعت الرئيس باراك أوباما فيما بعد إلى إلغاء هذا المرسوم،خصوصا بعد النجاحات التي حققتها دول آسيوية وأوروبية في هذا المضمار.

هناك بالطبع صعوبات تواجه أبحاث الخلايا الجذعية واستخدامها كعلاج، فحتى الآن ليس معروفا بالضبط ماهي العوامل والشروط التي تتحكم وتحدد تمايز وتخصص الخلايا الجذعية إلى أنواع الخلايا المختلفة، أو المخاطر المترتبة على تحفيز الخلايا في المعمل للسير في مسار التطور القسري الذي يحدده الإنسان. كما تشكل طرق الإستنبات أحد الصعوبات الحالية التي تواجه استخدام الخلايا الجذعية كعلاج للبشر، حيث تُستخدم حاليا خلايا مشتقة من خلايا جلد الفئران أو مصل الدم المشتق من أجنة البقر لاستنبات الخلايا الجذعية، مما يحمل مخاطر تلوثها ببروتينات أو أنتيجينات قد تسبب أمراضا للبشر. وقد أعلنت عدة مجموعات بحثية مؤخرا أنها استعاضت بنجاح عن استخدام المكونات الحيوانية بمكونات بشرية، على الرغم من شكوك المجتمع العلمي من تلوث وسيط الاستنبات مع ذلك. وبالإضافة لذلك هناك مشكلة أن استخدام الخلايا الجذعية الجنينية يكون مصحوبا بتكوين أورام مسخية، في حال استخدامها قبل أن يتم تمايزها إلى أنواع الخلايا المتخصصة، بعكس الخلايا الجذعية البالغة.

وهناك الكثير من الأوهام التى تحيط بموضوع الخلايا الجذعية، وبقدرتها على شفاء الأمراض التي يستعصى علاجها بالطب التقليدى. ويصدق كثير من الناس الدعاية التي تروج لها بعض الشركات والعيادات التي تستغل الآم المرضى ومعاناتهم، لتحقيق الأرباح دون علاج حقيقي لأمراضهم، في غياب المعايير والضوابط الصارمة. كما تفتح أبحاث الخلايا الجذعية آفاقا مرعبة، بإمكانية التحكم في نمو الخلايا وفي توجيه مساراتها وتعديل صفاتها وتخليق كائنات حية جديدة. ليس هذا وحسب بل وإمكانية مزج الصفات والخصائص الوراثية بين هذه الكائنات، حيث تقف هذه الأبحاث حاليا عند الحد الفاصل، بين ما يمكن اعتباره مجرد تجمع خلوي وبين بداية تشكل الكائن البشري، أو بين ما هو بشري وماهو حيواني. ففى بعض الأبحاث مثلا، يمكن إنتاج كائنات حية تتألف من خلايا بشرية وخلايا حيوانية. وقد تم تخليق فئران وحيوانات تحتوي على خلايا جذعية بشرية. ومما يثير القلق حقا أن آفاق هذه الأبحاث ليست معروفة بدقة حتى الآن، ومن الصعب تصور إمكانية تخليق قرد غُرست في دماغه خلايا جذعية من أجنة البشر، أو قط بدماغ كلب مثلا.

لقد نجح العلماء فعلا في استخدام الخلايا الجذعية البشرية وغرسها في دماغ الفأر. فلنتخيل ما يسببه ذلك من مفاجآت بتخليق أشكال جديدة من الكائنات، أو الأهوال الناجمة عن ظهور سلالات جديدة من الميكروبات والأمراض التي قد تجتاح المدن والعواصم، ناهيك عن الإخلال بالتوازن البيولوجي لكوكب الأرض. ولنتذكر مرض الإيدز الذي يُعزى إلى خلل في عمليات الضبط المفروضة على التجارب التي أجريت على بعض الفيروسات. ويمكننا أن نتخيل على المستوى النظري ما تتيحه تلك الأبحاث، حيث يمكن تنمية جنين بشري في رحم أحد الحيوانات، أو استخدام أنسجة الحيوانات في أجنة البشر والعكس بالعكس، وما يتيحه ذلك من نتائج قد تكون مرعبة. هناك عدد من الدول التي تحظر مثل هذه الأبحاث مثل كندا، إلا أن البعض يُقْصِر هذا الحظر على استخدام خلايا المخ البشري، كما يسمح بعضها الآخر بإجراء هذه النوعية من الأبحاث.

وبالرغم من وجود عدد من الجهات الدولية التي تنظم هذه الأبحاث، إلا أن هناك عددا كبيرا من القضايا المنظورة أمام المحاكم بشأن السماح بأبحاث الخلايا. وتجدر الإشارة إلى وجود بعض عمليات احتيال وحالات الخداع التي يجرمها القانون في مجال أبحاث واستخدام الخلايا الجذعية، ومن أشهرها تلك الفضيحة الأخلاقية التي تعد أشهر فضيحة في تاريخ العلم الحديث، ففي عام 2006 اكتشف قيام الباحث وو-سوك هوانج (الأب الروحي لأبحاث الخلايا الجذعية في كوريا الجنوبية) بتزييف نتائج أبحاثه الخاصة بالخلايا الجذعية، وخداع المجتمع العلمى مما أدى إلى طرده من الجامعة والحكم عليه بالسجن.

كل هذا يضع على كاهل صناع القرار السياسي والمشرعين ضرورة التعاون مع مراكز الأبحاث المتخصصة ومؤسسات المجتمع المدني، من أجل التوافق على وضع الضوابط والمعايير التي تنظم أبحاث الخلايا الجذعية. ونقترح على المجتمع العلمي بضرورة إنشاء (هيئة دولية لأبحاث الخلايا الجذعية) برعاية الأمم المتحدة، على غرار الهيئة الدولية للطاقة الذرية، لتشرف تلك الهيئة على الأبحاث التي تجريها المعاهد الخاصة بالخلايا الجذعية، وعلى العيادات التي تقدم علاجا باستخدام الخلايا الجذعية، وتقوم بوضع الضوابط والمعايير اللازمة لمنع استغلال البشر ولتلافي أي كوارث قد تهدد الكوكب، على أن يتم الاتفاق من خلال هذه الهيئة على النطاق المسموح به لإجراء التجارب على البشر، حتى لا نُفاجأ يوما بظهور سلالات شاذة، نظرا للخطورة التي يمثلها الشطط في استخدام تقنية الخلايا الجذعية، والتلاعب بالجينات على صحة الإنسان.

لقد أثار استخدام الأجنة البشرية في تجارب الخلايا الجذعية جدلا واسعا، من قبل الفرق الدينية والجماعات المناهضة للإجهاض والأحزاب اليمينية والمحافظة في الغرب. فهناك عددٌ من الاعتراضات الأخلاقية والفلسفية، حول تخليق الأجنة وإتلافها بغرض إجراء تلك التجارب. وهناك بعض الاختلافات الدينية؛ فلا تجوز هذه البحوث بعد 121 يوما في المذهب الاسلامى السني، وبعد ثلاثة أشهر في المذهب الاسلامى الشيعي، وبعد 41 يوما في الديانة اليهودية، أما في المسيحية، فمعظم طوائفها تعارض إجراء بحوث على الخلايا الجذعية من الجنين البشري منذ اليوم الأول للحمل. فى الوقت الذى لاتختلف فيه تلك الاديان بالنسبة لجواز اجراء تلك البحوث من مصادر أخرى غير الأجنة البشرية: كالحصول على الخلايا الجذعية من دم الحبل السري أو المشيمة أو نخاع العظام أو من أي خلية جسدية متمايزة. وهناك بعض الاعتراضات من حيث المبدأ على أبحاث الخلايا الجذعية بشكل عام، وبخاصة فكرة التلاعب بصفات الإنسان وخصائصه الوراثية، أو إمكانية استنساخ البشر وما يترتب على ذلك من مخاطر، فهناك من لايستسيغ التحول من الاستنساخ العلاجي الذي يهدف لعلاج المرضى، إلى الاستنساخ التوالدي الذي يهدف لإعادة إنتاج الشخص. إلا أنه وبالرغم مما تثيره أبحاث الخلايا الجذعية من تحفظات أخلاقية أو اعتراضات دينية، شأن كل المكتشفات والمخترعات الجديدة، فلابد لنا من استلهام التجربة الإنسانية الخاصة بصراع العلم مع الأفكار التقليدية. لقد انتصر العلم فى معاركه ضد الميتافيزيقا، ونحن لا يمكننا الوقوف في وجه التطور العملي وتوق العقل البشري إلى المعرفة، لكن كل ما يسعنا عمله هو ترشيد تلك المعرفة لما فيه رفاهية الإنسان وسعادته.

إن الإنجازات المذهلة التي حققها العلم فى مجال الأبحاث الحيوية على وجه الخصوص، والمدى الذي قد تصل إليه تلك الأبحاث فى المستقبل المنظور، والتطبيقات التي تتيحها أبحاث الخلايا الجذعية حاليا، كل هذا يتيح اعتماد طرق غير مسبوقة أمام البشرية لعلاج الكثير من الأمراض التي يعاني منها الملايين، كما يعمل على تثوير مفاهيمنا الطبية التقليدية، ويتيح آفاقا جديدة لتقليل معاناتنا من الأمراض. لندرك بعد ذلك مدى التخلف الذي بتنا فيه عن ركب الأمم التي اتخذت المنهج العلمى دليلا لإدارة شئون حياتها، حيث يقدر البعض الهوة التي تفصلنا عن تلك الدول في مجال البحث العلمي مثلا بنحو خمسة قرون. وخلال العقود القليلة القادمة سيتمكن الإنسان المسلح بالعلم وحده، من حل المزيد من الغاز وجوده، وتخطي العقبات التي تعترض مساره.

لقد راكمت البشرية معارفها عبر طريق طويل وشاق، من المشاهدة والملاحظة والتأمل والفرض والاكتشاف والتجريب، وصولا إلى مرحلة صياغة القوانين والنظريات العلمية، لتهتدي الشعوب المتقدمة في نهاية المطاف، إلى ضرورة اعتماد المنهج العلمي في التفكير لمواكبة التحديات التي تواجهها. فما يميز العلم هو القابلية للتكذيب، أي قابليته المستمرة لمواجهة الواقع والنقد والمراجعة واكتشاف الأخطاء، وبالتالي التصويب والتقدم المستمر والاقتراب أكثر من الصدق. إن البناء العلمى لا يعاني من الجمود والسكون، بل إن ميزته الديناميكية تستوعب إمكانيات التجدد والتطوير؛ فلا توجد في العلم مسلمات مطلقة ونهائية، فالنسبية هي سيدة الموقف. وفي زمن بعيد جدا، كان لنا نصيب من هذه النهضة العلمية بعد أن ساهمت الترجمة وتحرير العقل في صهر التنوع الثقافي والحضاري والفكري في بوتقة واحدة، مما أدى لازدهار حضارتنا العربية وثرائها. لقد كانت حرية الفكر والابداع، ومازالت شرطا من شروط ازدهار الأمم. وما مظاهر محنتنا العربية الآن، ممثلة في التخلف والجمود، إلا نتيجة موضوعية للاحتفاء برواد التكفير بدلا من رواد التفكير، وإعلائنا لقيود النقل على حرية العقل، وغرقنا في مستنقع العنعنة المقيت.

 

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. د. خليفة

    مقال موسوعى رائع.. شكرا د. أيمن عياد

موضوعات ذات صلة

الخلايا الجذعية … رؤية مستقبلية العديد من الأدوية لها آثار جانبية خطيرة بشكل ما، مع أن المرضى الذين يتلقون دواء لمرض معين لا يعانون جميعامن تلك الأعراض الجانبية، وفي الحقيقة قد تكون هذه الآثار الجانبية نادرة جدا.

أيمن أحمد عياد

تطور فكرة التطور تعتبر البيولوجيا نتاجا للقرن التاسع عشر. لكن اول محاولة كبرى لعمل ترتيب ونظام للبيانات البيولوجية الهائلة التى جمعت منذ عصر كولومبوس قد بدأت بواسطة عالم الطبيعة وخبير علم التصنيف السويدى العظيم كارلوس لينايوس(1707 – 1778) جامع الطيور والنباتات.

أيمن أحمد عياد

العلم … والثورة

أيمن أحمد عياد

رحلة العلم (3/3)

أيمن أحمد عياد

رحلة العلم (1/3)

أيمن أحمد عياد