الثورة السورية والتشارك الدولي والإقليمي لإجهاضها

خبرات

07  فبراير  2017

بات الوضع السوري بالغ التعقيد، وليس من الممكن فهمه انطلاقا من نظرة مبسطة، فالثورة التي انطلقت لإسقاط النظام باتت تنوء تحت مستويات متعددة من الضغط، الداخلي والخارجي، وتُغطى بطبقات سميكة من الصراعات التي لها أهداف متعددة، وتتبع أطراف داخلية وإقليمية ودولية. إلى الحد الذي بات يُطلق الكلام حول نهاية الثورة، أو غيابها، بعد أن بات ما يجري يُصنف تحت بند “الصراع ضد الإرهاب”، أو الحرب الأهلية، أو الصراع الطائفي، وكذلك أيضا الصراع الإقليمي والدولي في سوريا، على سوريا.

لا بد أولا من توضيح ثلاث مسائل جوهرية قبل تناول الظروف التي أفضت إلى ما نراه اليوم من تدمير ووحشية، وتعدد في الصراعات، ووجود مجموعات “جهادية”، أو أصولية تبدو أنها المسيطرة في الصراع الذي يقال أنه ضد النظام. تتعلق المسألة الأولى بما أنتجته الأزمة الاقتصادية التي ضربت أمريكا في سبتمبر سنة 2008، حيث أظهرت أن النظام الرأسمالي في أزمة عميقة، وأنه يزخر بالمشكلات التي لم يعد ممكنا تجاهلها، وهو مهيأ لانفجارات اجتماعية في كثير من دول العالم. ولقد فرضت بعد العجز الأمريكي عن حلها الميل للقيام بخطوة تراجعية، والتخلي عن أولوية “الشرق الأوسط” لمصلحة آسيا والمحيط الهادئ. وبهذا بات وضع الرأسمالية مزعزعا، ويعمه الخوف من انفلات الأمور. ولهذا أثر كبير على السياسة الأمريكية بعدئذ. المسألة الثانية أن سوريا شهدت، خصوصا بعد استلام بشار الأسد السلطة، تسارعا في اللبرلة اكتملت سنة 2007، وأدت لانهيار الوضع الاقتصادي، والتراجع الكبير في الوضع المعيشي لطبقات عديدة تشمل أغلبية الشعب. وهذا ما كان يظهر في الدراسات التي أعدتها بعض وزارات الدولة، وكان واضحا أن السلطة هي الأكثر إحساسا بأن الوضع الداخلي لم يعد مستقرا نتيجة الانهيار السريع بوضع الطبقات الشعبية.

المسألة الثالثة تمثلت في انفجار الثورات في البلدان العربية، التي بدأت في تونس نهاية سنة 2010، وامتدت إلى مصر في 25 يناير سنة 2011، ومن ثم إلى اليمن والبحرين وليبيا بين 11 و17 فبراير سنة 2011، لتصل إلى سوريا في 15 مارس سنة 2011. أيضا مع حراك كبير في الجزائر والمغرب والأردن والعراق وعُمان. وإذا ما ربطنا هذه المسألة بالأزمة التي تعيشها الرأسمالية، والتي كان انفجار الثورات في البلدان العربية نتيجة لها بشكل ما، خصوصا أن تأثيرها وصل إسبانيا واليونان وفرنسا وإيطاليا، وحتى وول ستريت (والدولة الصهيونية كذلك)، وبات “ميدان التحرير” هو مثال الثورة العالمية، إذا ما ربطنا بين المسألتين يجب أن نتوقع رد فعل الدول الإمبريالية، والسياسات التي يمكن أن تمارسها. فالأزمة الاقتصادية التي ضربت الرأسمالية ولم يجري حلها، وبدا أنها مستعصية على الحل نتيجة طابعها الجديد بعد أن تحول الرأسمال المسيطر من الرأسمال المالي إلى الطغم المالية التي تنشط في المضاربة والديون والمشتقات المالية. هذه الأزمة تؤشر إلى إمكانيات كبير إلى تفاقم الصراع الطبقي العالمي، خصوصا أن الدول الرأسمالية باتت “مضطرة” إلى إتباع سياسة التقشف، والتخلي عن مجمل منجزات مرحلة “دولة الرفاه”.

وإذا كان الوضع السوري مهيأ للثورة نتيجة السياسة الليبرالية التي تعممت عبر “اقتصاد الصدمة” الذي فُرض من قبل “رجال الأعمال الجدد”، وخصوصا هنا رامي مخلوف الشخصية الأبرز والأكثر تأثيرا نتيجة قرابته للرئيس، وقدرته على التحكم بالقرار الاقتصادي، مما جعله يستأثر على جزء مهم من الاقتصاد السوري، وعبر تحالفه مع رجال أعمال والبرجوازية التقليدية هيمن على 60: 70% من الاقتصاد، هذه السياسة التي دمرت الصناعة وفرضت انهيار الزراعة والاعتماد على الاستيراد، و”إفقار” الدولة بعد نهبها، وبالتالي تعميم الفقر والبطالة (كانا 30 -33%). كان لامتداد الثورات العربية أثرا كبيرا على انفجارها، لكن هذه الثورات ونتائجها (هنا بعد ترحيل كل من بن علي وحسني مبارك) جعلت النظام يقرر سياسة وحشية منذ البدء، لكي لا يكون مصيره كمصير هذين الرئيسين.

طبعا لما جرى مساق داخلي، يتعلق بـ: كيف تطورت الثورة؟ وكيف واجه النظام الاحتجاجات؟ وكيف نشأت الأصولية؟ ولماذا التحول إلى السلاح؟ لكنني هنا سوف أتناول المساق الإقليمي الدولي، فهذا ما يحتاج إلى فهم، خصوصا أنه مرتبط بكل التحولات الداخلية، وربما يجيب جزئيا عن الأسئلة التي تخص المساق الداخلي.

هناك ثلاث مجموعات يمكن البحث في دورها ومواقفها، المجموعة الأولى هي النظم العربية والدول الإقليمية والإمبرياليات القديمة، والمجموعة الثانية هي الإمبريالية الروسية وإيران، والمجموعة الثالثة هي اليسار العالمي.

قبل ذلك لا بد من التوضيح أن الربط بين ما جرى في سوريا ومجمل الثورات العربية، والحراك العالمي أمر ضروري لفهم ردود أفعال وأدوار الكثير من الدول. فقد بدا الأمر أن انفجارا هائلا حدث في وضع مليء بـ”النفط” و”المتفجرات”، وهو ما أشرت إليه قبلا، حيث تعيش الرأسمالية أزمة عميقة لا حل لها. وبالتالي يجب أن نتوقع ما يمكن أن تقوم به لإطفاء حريق كبير حدث. هذا بالتحديد هو الذي يفسر أدوار وردود أفعال مجمل الدول الإقليمية والدولية. حيث لم تعد الاصطفافات القديمة هي ما يحدِد السياسات، أو يحدِد الموقف مما جرى. ولهذا شهدنا تكسرا في “الستاتيك” الذي ساد طيلة عقود سابقة خلال الحرب الباردة. وأصلا كانت الأزمة الاقتصادية ومستتبعاتها يفرضان تحولات في المواقف، ويؤسسان لوضع عالمي مشوش ومرتبك، بعد أن ظهر أن أمريكا تفقد قدرتها على أن تكون القطب الأوحد المسيطر عالميا. وفي ظل انفتاح الوضع على تعددية وتنافس وصراعات بين الرأسماليات بهدف السيطرة والنهب.

بعد ذلك، يمكن أن نشير إلى سياسات الدول والقوى.

أولا: في الإطار العربي والإقليمي الدولي

وهنا نشير إلى ما بات يسمى “أصدقاء سوريا”، الدول التي ظهرت أنها “ضد النظام” و”تتآمر” عليه. لا شك في أن النظم العربية عموما تخوفت كثيرا من الثورات، لهذا كان موقفها متحفظا مما جرى، حتى تلك الدول التي كانت تختلف مع نظامي تونس ومصر، لأنها كانت تخاف أن تصل الثورات إليها ـ خصوصا وأن الظروف الاقتصادية والأزمات الاجتماعية كانت متشابهة إلى حدٍ كبير بعد أن اتبعت السياسات الاقتصادية ذاتها، تلك التي يفرضها صندوق النقد الدولي. فالسعودية احتضنت بن علي ودعمت حسني مبارك وسحقت الثورة في البحرين، وتدخلت سياسيا في اليمن لإجهاض الثورة. وفي سوريا لم يختلف الوضع، رغم كل ما نشر عن الموقف السعودي انطلاقا من الخلاف الذي انفجر بينها وبين النظام السوري على ضوء اغتيال رفيق الحريري (والذي كان قد حُل في مؤتمر القمة العربي في الكويت سنة 2010). وربما كان “غموض” الموقف السعودي، ودور السعودية في “دعم الأصولية”، هو الذي كان يعطي هذا الانطباع.

ما حكم الموقف السعودي هو “الخوف” من الثورة التي اندلعت في تونس وتوسعت لتصل سوريا، بغض النظر عن كل المواقف السابقة، رغم “المصالحة” التي تحققت قبل الثورات كما أشرت. لهذا كان هم الملك عبد الله “توزيع الأموال” على الشعب، الشعب الذي كان يعاني من ظروف مشابهة لكل البلدان العربية، لكي يمنع توسع الثورة إلى السعودية. لكنها في الممارسة الفعلية اتفقت مع النظام السوري على مواجهة الثورة، والتزمت بالمنظور الذي وضعه تحت عنوان “خطة بندر”، والذي تعلق بالأسلمة وضخ “الجهاديين” وتمويلهم، ونشر الإرهاب. وأخطر ما قامت به هو إطلاق من يتحدث باسم الثورة من منظور سلفي مغرق، وحين أطلق النظام سراح “الجهاديين” المعتقلين لديه بعد الثورة دعمتها السعودية بالتوافق معه (خصوصا هنا جيش الإسلام الذي شكله وهابي مرتبط بالسعودية، وجبهة النصرة).

إذا كان كل ذلك يحتاج إلى تدقيق شديد في مسار الثورة والتدخلات التي كانت تجري من أجل التحديد الدقيق لمواقف السعودية، فقد أوضح بشار الأسد الأمر مؤخرا حينما صرح بأن السعودية قدمت له بعد الثورة ستة مليارات ونصف مليار دولار، وأن الملك عبد الله أرسل ابنه خالد إلى دمشق ليدعمه في سحق الثورة وسحق “الإخوان المسلمين” (رغم أن وجودهم في داخل سوريا كان محدودا). فالأمر هنا لم يكن الخوف من تحالف النظام مع إيران، والسعودية كانت تعرف حدود هذا التحالف، بل كان الخوف من حريق بدأ من تونس ويكاد يصل إليها. لقد أصبحت أولويتها بعد انفجار الثورات العربية هي تدميرها، وإعادة “الاستقرار” الذي ساد عقودا قبل إذ، أو بناء “استقرار” جديد يحافظ عن النظم ذاتها. لكن في كل الأحوال عملت على وقف المد الثوري من خلال الدور المساعد للنظام السوري، حيث كان يجب أن يتكسر هذا المد الثوري.

هنا كانت السعودية “في صف” النظام السوري، وإن كانت إعلاميا تُظهِر غير ذلك. وحين تدخلت مباشرة في “الملف السوري” نهاية سنة 2012 كان ذلك بالتنسيق مع أمريكا من أجل تكييف المعارضة لقبول جنيف1، الذي كان أصلا برعاية روسية أمريكية، ودفعها لأن تقبل “الحل الروسي”. واختلف الأمر فقط بعد تدهور وضع النظام نتيجة توسع الثورة وتطورها، ولجوئه إلى استقدام قوات حزب الله والميليشيا الطائفية العراقية، والحرس الثوري الإيراني، وتحكم الضباط الإيرانيين بالسلطة العسكرية والسياسية. حيث لم تُردْ أن يصبح القرار في دمشق إيراني. ولهذا نجد أن تحول موقفها من بشار الأسد ظهر نهاية سنة 2013. رغم أنها ظلت على علاقة جيدة مع روسيا، ومع حل يُبقي النظام دون بشار الأسد. وكل ما تقوم به يهدف إلى الوصول إلى حل سياسي يُبعد بشار الأسد، وهي تجير تطور علاقتها مع روسيا للوصول إلى ذلك. وحين تدعم كتائب مسلحة (كما فعلت ربيع سنة 2015) فمن أجل تعديل ميزان القوى بما يسمح بالوصول إلى حل سياسي فقط. وكان جزء مما أرادت هو الضغط على روسيا لتحقيق الحل السياسي.

في المقابل سنلمس أن كل من قطر وتركيا، الدولتان اللتين كانتا أساس محور الممانعة، الحليفتان الموثوقتان للنظام السوري إزاء الضغط الأمريكي عليه حينما كانت تفكر أمريكا بتغييره بعيد اغتيال الحريري، عملتا في الأشهر الأولى للثورة على محاولة دفعه لتحقيق بعض المطالب الشعبية، وخصوصا إجراء إصلاح سياسي يؤدي إلى تشكيل دولة ديمقراطية تعددية. هذا هو دور داوود أوغلو طيلة الأشهر الست الأولى من الثورة، وكان الهدف هو الحفاظ على النظام، بالضبط من أجل الحفاظ على مصالح كل منهما في سوريا، وهي مصالح كبيرة على الصعيد الاقتصادي (خصوصا تركيا). لكن رفض النظام إجراء أي إصلاح، وزيادة عنفه ضد المتظاهرين، ثم إدخاله الجيش في مواجهة الشعب، ولد خشية لدى تركيا خصوصا بأن ذلك يمكن أن يؤدي إلى تدخل أمريكي يأتي بنظام “غير متعاون” معها، حيث كان منظور تركيا وقطر مثل منظور النظام وروسيا، أن أمريكا تتحين الفرص لتغيير النظام السوري كما كانت تحاول في زمن جورج بوش الابن، والذي أُفشل بدور فرنسي (حين كان ساركوزي وزيرا للداخلية، ويتحين إسقاط شيراك لكي يحل محله) تركي (كما صرح أوغلو بعد اندلاع الثورة)، دون التفات إلى سياسة أوباما التي قررت سحب أولوياتها من “الشرق الأوسط”.

ولهذا سارعت كل من تركيا وقطر وانضمت لهما فرنسا لتشكيل تحالف يدعم عملية التغيير في سوريا، ويعتبر أن له الأولوية في التدخل، وفي فرض بديله، الذي تبلور بجهد تركي قطري فرنسي مشترك عبر تشكيل المجلس الوطني السوري، الذي كان يُطرح كبديل للنظام، ويعتبر واجهة أي تدخل عسكري. وأصبح هدف هذه البلدان إعطاء المجلس الشرعية الدولية. ما انطلقت منه هذه الدول هو أن وحشية النظام سوف تفرض التدخل الدولي، وأن أمريكا سوف تستغل الوضع لكي تتدخل، وبتشكيل “ممثل الشعب السوري” يصبح أي تدخل لتغيير النظام مرتبطا بفرض هذا المجلس بديلا له، وبالتالي تعيد هي السيطرة على النظام الجديد، وتضمن استمرار مصالحها (تركيا خصوصا) أو تكسب مصالح طالما سعت للحصول عليها (فرنسا).

وهذه الدول دعمت “جماعتها”، خصوصا هنا جماعة الإخوان المسلمين التي كانت البديل الأوفر حظا، حيث سيطرت بدعم تركي قطري على المجلس الوطني. وحين تطور العمل المسلح دعمت هذه الدول مجموعاتها بالتحديد. لكنها لم تستطع فرض بديلها، ولا التدخل المباشر نتيجة الفيتو الأمريكي، الذي منع حتى تسليح الكتائب المسلحة. ومن ثم ظهر أن أمريكا “تتفاهم” مع روسيا بعد صدور بيان جنيف1، وأن أمريكا تدعم الدور الروسي في سوريا. وهو الأمر الذي همش دورها، وأظهر أن الأمور تسير في مجرى آخر لا يحقق مصالحها. قطر دعمت مجموعات سلفية، أحرار الشام، وحتى جبهة النصرة، التي تعاونت تركيا معها كذلك، لكنها سهلت وتعاونت مع داعش، ولقد توسع دور داعش بعد التسهيل التركي. وبدأ أنها تريد “خربطة” الترتيبات التي تجري. ولقد كان واضحا تأثر تركيا نتيجة التخلي الأمريكي لروسيا عن سوريا وتهميش دور تركيا، فقد بنت استراتيجيتها ما بعد “ميلها الشرقي” على محورية وضع سوريا، لأنها مجال توسع اقتصادي ومدخل العلاقات التجارية مع دول الخليج. وبالنسبة لها كان طموحها للتحول إلى قوة عالمية مرتبط بسيطرتها على سوق “الشرق الأوسط”. ولقد وجدت ذاتها بعد الثورات تخسر مصالحها في ليبيا، ثم تخسر طموحها في مصر، لتخسر كذلك سوريا. وهو الأمر الذي زاد من توترها وارتباك سياساتها، وصولا إلى الصدام مع روسيا، التي كانت علاقاتها بها تتطور بمعزل عن الوضع السوري، وأصبحت بديلا عن الحصار الأمريكي لها. وأظهر صدامها مع روسيا أنها وحيدة، فلا أمريكا دعمتها ولا حتى الحلف الأطلسي التي هي عضو فيه، الأمر الذي جعلها تعيد العلاقة مع روسيا، وتحاول التفاوض معها حول “حصتها” في سوريا.

الآن، ما دور أمريكا في سوريا؟ نظرية المؤامرة ارتبطت بها، وظهر أن لديها قدرة “إلهية” تسمح لها باستثارة الشعوب ضد نظمها، النظم التي صنعتها هي. أمريكا تفاجأت بالثورات رغم أن أزمتها كانت تُطلق المخاوف من هزات عالمية. ولهذا سعت إلى “لفلفة” الأمر عبر ترحيل بن علي بسرعة قبل تجذر الثورة، وهكذا فعلت في مصر بعد أن شعرت بعجز النظام عن كبحها، حيث ظهر موقفها بعد عشرة أيام من اندلاع ثورة يناير كانت خلالها تعتقد أن حسني مبارك قادرا على كبح الثورة. وغطت على سحق السعودية لثورة البحرين، وقبلت أن تُخمد ثورة اليمن. وراوغت في التدخل في ليبيا لأنها لم تكن تريد سقوط القذافي بعد أن تنازل لها عن برنامجه النووي، وأعطى شركاتها النفطية حق الاستثمار. وكان الخوف الأمريكي ينبع من وضع الرأسمالية ككل الذي يعاني من أزمة لم يستطع أوباما حلها، وتوصل إلى أن ما هو ممكن هو تأخيرها، ولملمة آثارها. وبالتالي كان انفجار الثورات العربية، خصوصا مع امتدادها إلى إسبانيا واليونان وإيطاليا، يشكل خطرا مباشرا، لأنه يمكن أن يفجر كل تناقضات العالم.

لهذا حين وصلت الثورة سوريا كان الموقف الأمريكي متلجلجا، ومرتبكا، وكانت ضغوط بعض حلفائها (فرنسا وتركيا) تجعلها تقع في ذلك. ولقد كانت تتلطى خلف الفيتو الروسي لتبرير عدم تدخلها، لكنها كانت تشل دور الناتو الذي كان عضوان فيه (فرنسا وتركيا) يضغطان من أجل التدخل، وتمنع تسليح المعارضة. ومن ثم توافقت مع روسيا في 30 يونية سنة 2012 على حل سياسي أساسه بيان جنيف1، وعملت بعد إذ على تغيير تركيبة المعارضة الخارجية، من هيمنة الإخوان المسلمين إلى سيطرة مجموعات أخرى، في سياق دفعها المعارضة لقبول الحل الذي ترعاه روسيا بالأساس رغم أنه أتى بتوافق الطرفين الروسي الأمريكي. رغم أنها كانت تقول بين الفينة والأخرى بما يوحي أن على بشار الأسد أن يرحل. وسوف أشير هنا إلى أن العلاقة الأمريكية السورية عادت إلى طبيعتها سنة 2010، وكانت تسير في مسار تطوري، حسبما صرح عماد مصطفى سفير النظام في واشنطن.

فرضت أزمة سنة 2008 على أمريكا الميل للتفاهم مع روسيا لكبح جماح الصين التي تتقدم اقتصاديا بشكل سريع، ويكاد تهيمن فتزيحها عن مركز السيطرة. ولأنها تنسحب من “الشرق الأوسط” فقد وافقت على هيمنة روسيا على سوريا في إطار سياسة التقاسم التي عادت لتظهر من جديد. هذا ما جعلها تنسق سياساتها مع روسيا في سوريا، وتعتبر أن روسيا هي المعنية المباشرة في الوضع السوري، وهي التي يجب أن ترعى الحل كما صرح أوباما منذ بداية سنة 2012. ربما كانت المواقف الأمريكية في السنة الأخيرة توضح ذلك، لأنها تميل إلى الجانب الروسي في منظوراتها العملية، وترفض الضغط عليها من أجل الوصول إلى حل سياسي. وهو ما عمم الفكرة حول “ضعف” سياسة أوباما في سوريا، وتردده، وتنازله لروسيا، وبالتالي التخلي عن الحلفاء. رغم ذلك سهلت دخول جبهة النصرة وداعش، وسهلت استخدامهما من قبل النظام وإيران ضد الثورة. وحين تدخلت “ضد” داعش بعد تدخلها في العراق، عملت على “إقناع” الجيش الحر بأن يركز حربه ضد داعش فقط، واشترطت لمن تدعمه أن يقاتل داعش وحدها، وألا يقاتل النظام. وكان واضحا أنها لا تعارض وحشية النظام وممارسته كل أنواع الجريمة، حيث أنها تعيد في ذلك منظور إدارة بوش الابن الذي قام على تدمير البنى المجتمعية لإعادة الشعوب قرونا إلى الوراء. فلم تعمل على محاكمة النظام على عشرات الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة، وغيرها. وهي في كل ذلك كانت فرحة بتدمير الثورة في سوريا ووقف المد الثوري العربي، وأيضا كانت تستفيد من حرب الإبادة والتدمير الهائل التي مارسها النظام لتعميم فكرة “بسيطة” هي: أن تمرد الشعوب يقود إلى مجزرة، وأن هذا هو مصير الشعوب التي تثور.

ثانيا: فيما يتعلق بحلفاء النظام

كان النظام السوري يتموضع في “تحالف الممانعة” مع كل من تركيا وقطر، وإيران بدرجة أقل (وكان يظهر في الصورة حزب الله). لكن انفجار الثورة قلب المعادلة، فقد حاولت تركيا دفع النظام لتحقيق الإصلاح كما أشرت وفشل فانقلب ضده، بينما استغلت إيران الوضع جيدا لتعزيز وضعها في سوريا. فقد شاركت منذ البدء، وحتى قبل انفجار الثورة، وبعد انفجارها في تونس ومصر، في ترتيب كيفية الرد على أي انفجار شعبي في سوريا، مستفيدة من خبرة سحقها للثورة الخضراء التي جرت سنة 2009. كان هدفها المباشر هو الحفاظ على النظام، وتعزيز ربطه بها، كجزء من ميلها للهيمنة على المشرق العربي في سياق تفكيرها القائم على أن تكون قوة عالمية، وأن يكون لديها أوراق تفاوض بها مع أميركا، خصوصا وهي تتعرض للحصار الاقتصادي والضغط السياسي، والمسألة الفلسطينية هي جزء من هذه الأوراق مثل حزب الله ودوره اللبناني. فقد كان إيجاد حزب الله ودعم دوره ضد الدولة الصهيونية هو ورقة في تكريس دور إيران الإقليمي والدولي. وكان يشار إلى سوريا كممر لحزب الله، لكن من خلال هذا التبرير كانت تجري محاولة الهيمنة على النظام، الذي كان يوازن علاقاته بين إيران والسعودية، ومن ثم بين إيران وتركيا.

ربما كانت الثورة فرصة جيدة لإيران لكي تكسر فكرة جوهرية صاغها حافظ الأسد تقول أنه يمكن أن يتحالف مع دول أخرى لكنه لا يسمح بأي تدخل في الوضع السوري، لهذا تحالف مع إيران ومع السعودية، وأكمل بشار الأسد الأمر حينما وقع اتفاقا استراتيجيا مع إيران بأن وقع آخر مع تركيا، وطور علاقاته أكثر معها، رغم “التسلل” الإيراني الذي ظل مستمرا. لهذا كانت مشاركة في مواجهة الثورة منذ البدء، بالتخطيط للمواجهة، ووجود مستشارين، ثم قناصة، وإرسال أدوات قمع (العصي المكهربة). لكن ضعف النظام نهاية سنة 2012 بعد أن شملت الثورة كل سوريا، وبات للسلاح دور مهم (قبل دخول “الجهاديين”، ونشوء المجموعات السلفية)، حيث ظهر أن أطرافا فيه تريد الحل السياسي (تصريح فاروق الشرع نائب الرئيس)، دفعها لأن تقنع السلطة بأنها قادرة على دعمها لسحق الثورة. وأخذت ترسل قوات حزب الله منذ بداية سنة 2013، ثم الميليشيا الطائفية العراقية (أبو الفضل العباس، وعصائب أهل الحق، وفيلق بدر وحزب الله العراق….)، ثم الحرس الثوري وبعدئذ تشكيل فيلق الزينبيون من باكستانيين وأفغان.

لقد بذلت إيران كل جهدها لانتصار النظام، وخلال ذلك ظهر أنها باتت تسيطر على القرار العسكري والسياسي في دمشق، فقد بات قاسم سليماني هو الذي يقود القوات التي يرسلها وقوات النظام، وهو الذي يعين قادة الجيوش. لكن كل ذلك لم يفِدْ في وقف تدهور الوضع وتراجع النظام، كما ظهر في ربيع وصيف سنة 2015، حيث سيطر جيش الفتح على إدلب وجسر الشغور، وتقدم في ريف حماة الغربي، وظهر كأن النظام يتهاوى. وحينها اعترف بشار الأسد أنه لم يعُدْ لديه جيش بعد أن تقلص عدده إلى أقل من 130 ألف نتيجة الانشقاقات والفرار من الجندية (حيث كان عدد الفارين هو 200 ألف جندي وضابط)، وكان الذين هم في سن الجندية يفرون من البلد.

هذه الحالة هي التي جعلت لإيران تقبل بالتدخل الروسي، بعد أن كان واضحا أن إيران تحاول الاستحواذ الكلي على سوريا رغم الدعم السياسي الروسي. فقد اعتبرت روسيا أن وضع سوريا الناتج عن الثورة فرصة لفرض دورها العالمي، والعودة إلى سياسة الهجوم بعد أن شعرت أنها خسرت العراق، ثم ليبيا. كانت روسيا بعد استلام فلاديمير بوتين قد استعادت توازنها الداخلي، وأخذت تفكر في الدور العالمي، كونها قوة عظمى، تمتلك جيشا كبيرا ومتطورة عسكريا، وتحتاج شركاتها للأسواق (خصوصا هنا النفط والغاز)، وحماية هذه الأسواق، وضمان عدم مقدرة دول أخرى منافستها في أسواقها (هنا أوروبا خصوصا). لهذا كانت المسألة السورية هي اللحظة التي استغلتها لفرض ذلك، وهي اللحظة التي أتت بعد التراجع الأمريكي وظهور السياسة الأمريكية الجديدة القائمة على الانسحاب من “الشرق الأوسط”. وربما كان الفيتو الروسي -الصيني في مجلس الأمن هو أول تعبير عن الدور الجديد لروسيا مدعومة بالصين. لكن خلف هذا الفيتو كمن اتفاق بين النظام وروسيا تقوم بموجبه روسيا بحماية النظام عالميا، وخصوصا في مجلس الأمن، مقابل الحصول على مصالح إستراتيجية (قاعدة طرطوس البحرية، التي كانت نشأت قبل عقدين لكن الاعتراض الأمريكي حينها جعل حافظ الأسد يوقفها) واقتصادية تتعلق بالسيطرة على كل حقول النفط والغاز في سوريا، إضافة إلى الكثير من المشاريع الاقتصادية (وجرى توقيع الاتفاقات الاقتصادية هذه في شهر أغسطس سنة 2012 من قبل نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية وزير حماية المستهلك حينها قدري جميل.

بالتالي باتت روسيا هي حامي النظام دوليا، رغم أنه كان يتبين أنْ لا أخطار من تدخل عسكري خارجي نتيجة الموقف الأمريكي الرافض لذلك. لكن تدهور الوضع العسكري بعد فشل التدخل الإيراني بكل عصاباته، ونتيجة شعور القيادة الروسية أن إيران تستحوذ على سوريا وتبعدها عن أي تأثير في الوضع الداخلي، فرض أن يستدعي بشار الأسد روسيا بعد توقيع اتفاق هو أقرب إلى الاحتلال ببنوده، خصوصا أنه ينص على بقاء القوات الروسية لآجل غير محدد. ولقد تدخلت روسيا بعد الاتفاق مع أميركا خلال لقاء بوتين وأوباما على هامش اجتماع الجمعية العمومية لمجلس الأمن. هذه الخطوة نقلت السيطرة على النظام من إيران إلى روسيا، روسيا التي أرسلت مئات الطائرات الأكثر حداثة، والتي تمتلك الصواريخ الأكثر تدميرا، بعد أن أقامت عددا من المطارات العسكرية في حميم ومناطق أخرى. وأرسلت كذلك قوات برية، وحضر أسطولها الحربي إلى البحر المتوسط للمشاركة في الحرب ضد الثورة، واستخدمت صواريخ بعيدة المدى كذلك. كل ذلك تحت عنوان: محاربة داعش، رغم أن قصفها لداعش كان هامشيا، وكذلك لجبهة النصرة، وصبت كل قوة نيرانها على الكتائب المسلحة التي تقاتل النظام.

ورغم أن التدخل الروسي ارتبط بالعودة إلى مفاوضات جنيف إلا أن المنظور الروسي يقوم على حسم الصراع عسكريا وتثبيت بشار الأسد في السلطة. ويبدو أن روسيا من خلال إظهار “تفوق” قدراتها العسكرية، وعرض سلاحها الحديث (مما زاد من طلبات الشراء)، وإصرارها على فرض منظورها، تهدف إلى فرض ذاتها كقوة عالمية مهيمنة، فهب عبر سوريا فرضت ذاتها كقوة عالمية، وعبرها تريد الهيمنة العالمية بعد أن ظهر لها “الضعف” الأمريكي. هذا الميل الإمبريالي الذي يحكمها، والذي يدفعها لممارسة أقصى الوحشية في القصف والتدمير وحتى الإبادة.

على ضوء تصاعد الدور الروسي أصبح واضحا أن كل الدول التي تنافست في سوريا باتت تعترف بأولويتها، وهيمنتها، بدأ الأمر بأمريكا، وشمل السعودية ودول الخليج العربي، وصولا إلى تركيا التي بدت الخاسر الأكبر مما حدث. وإذا ظهر أن الحل السياسي هو المسار الذي يسير فيه الوضع فقد بات واضحا أن الميل العسكري هو الذي يحكم الصراع، وأن “الحرب على داعش” ليست إلا وسيلة للتدخل وفرض الشروط السياسية. وأيضا إذا كانت روسيا مهتمة بسحق الكتائب المسلحة (الشعبية والسلفية غير “الجهادية” مثل أحرار الشام وجيش الإسلام وعديد المجموعات الأخرى) فقد أعطت الضوء الأخضر لتركيا (بعد المصالحة) لأن تسيطر على المناطق السورية المحاذية لحدودها شمال حلب، وطرد داعش منها. بينما تحاول أمريكا أن تدفع “قوات سوريا الديمقراطية” للتقدم نحو الرقة، رغم المعارضة التركية.

يمكن تلخيص الوضع بأن مجمل الأطراف عملت على سحق الثورة، وتنازعت حول أدوارها في سوريا، لكن يبدو أن الأمور استقرت على الاعتراف بالسيطرة الروسية على سوريا (مع تقاسم المصالح المتعلقة بإعادة الإعمار، والمشروعات الاقتصادية). وروسيا تريد سحق الثورة بحجة “محاربة داعش” لضمان استمرار بشار الأسد في السلطة، فهو الذي وقع على احتلال سوريا، وبات ضعيفا إلى الحد الذي يبقيه بيدقا بيدها. لكن المشكلة أن هذا الأمر ليس سهلا بل مستحيلا، بالضبط لأن ما جرى هو ثورة شعب، والثورة ليس من الممكن سحقها، فقد أضعفت النظام، وأفشلت التدخل الإيراني، وسوف تواجه التدخل الروسي رغم وحشيته.

ثالثا: عن اليسار

لا بد من الإشارة إلى موقف اليسار العالمي، فإذا كنت أشرت إلى الدول، وتناولت سياساتها إزاء الثورة السورية، لا بد من تناول اليسار العالمي الذي كان له تأثير “معاكس”، لكنه يصب في السياق ذاته الذي ظهر من سياسات مجمل تلك الدول. لقد انطلق من تصور وهمي يقوم على استاتيك مرحلة الحرب الباردة، وظل يقسم الدول كما ظهر حينها دون لمس كل التغيرات العالمية والمحلية، لا تغير وضع النظام السوري بعد انتصار اللبرلة، وتحكم فئة مافياوية بالسلطة، ولا تغير وضع أمريكا بعد الأزمة الاقتصادية التي حدثت في سبتمبر سنة 2008، ولا تحول روسيا إلى إمبريالية بعد أن باتت رأسمالية في العقد الأخير من القرن العشرين، ولا أثر نشوب الثورات التي نتجت عن انهيار الوضع الاقتصادي إثر اللبرلة التي تعممت بضغط أمريكي.

وإذا كان هذا اليسار قد تحمس كثيرا لثورتي تونس ومصر، ورفع القبعة لهما، فقد وقف مترددا إزاء ثورة اليمن ثم ليبيا، وحاسما بأن ما يجري هو “مؤامرة أمريكية” بعد أن وصلت سوريا، فقد كان يظن أن النظام السوري لا زال يمثل “التحرر الوطني”، و”الاستقلال عن الإمبريالية”، و”معاداة الإمبريالية”. وعلى ضوء ذلك بات يتخذ موقفا سلبيا من كل الثورات، خصوصا بعد وصول الإسلاميين إلى السلطة في تونس ومصر (والمغرب وليبيا). حيث عمم نظرية المؤامرة، واعتبر أن الأمر بات يتعلق بأولوية مواجهة الإمبريالية وأدواتها. حتى أن بعض هذا اليسار صار أميل لبقايا النظام القديم، ويدعم التحالف مع “الفلول”، على أساس مواجهة الإسلاميين الذين باتوا “الخطر الرئيسي”.

كل ذلك كان يظهر واضحا في سوريا، حيث يمكن تخيل أن النظام لا زال يمثل “مرحلة التحرر الوطني” وهو مستهدف من قبل الإمبريالية الأمريكية، ويدعم المقاومة، و”أساس محور الممانعة”. لهذا بات اليسار مدافعا عن النظام المستهدف، ولم يدقق في الوضع جيدا، بالتالي لم يلمس تحول النظام الذي بات ينحكم لـ”رجال الأعمال الجدد”، المنحكمين للعائلة (مخلوف، الأسد، شاليش)، وبالتالي ميله نحو التفاهم مع الإمبريالية الأمريكية والتفاوض مع الدولة الصهيونية. ولا دوره في تدمير المقاومة الفلسطينية، ثم اللبنانية لمصلحة “مقاومة” طائفية.

ولا شك في أن وضع المعارضة السورية الخارجية، التي كانت تبرز في الإعلام، والتي كانت في حضن النظم و”الغرب”، كان يساعد على إظهار الصراع وكأنه صراع الإمبريالية ضد “نظام وطني”، وحيث جرى تلخيص الثورة بهذه المعارضة جرى تشويه الثورة، واعتبار أنها افتعال “خارجي”. وزاد الأمر سوءا بعد كبر دور المجموعات “الجهادية” والسلفية بدعم إقليمي، حيث أصبح أمر “المؤامرة” مؤكدا. كل ذلك كان يوضح أن اليسار العالمي ليس معنيا بفهم الواقع، أو أن قدراته لم تعد تسمح له بفهم الواقع، حيث انغلق على تصور مستمد من مرحلة الحرب الباردة، رغم أنه لم يكن دقيقا حينها كذلك. فلا فهمت وضع الاقتصاد الذي كان يتشابه إلى كل اقتصادات بلدان الثورات، ولا فهمت عفوية الثورة، ولا طابع التدخلات الإقليمية والدولية ومنحاها، ولا كيفية تضخيم المجموعات “الجهادية” والسلفية، ولماذا؟

في كل الأحوال بات معظم اليسار العالمي جزءا من الحرب على الثورة السورية، يتداخل موقفه مع سياسات كل الدول التي يتهمها بأنها تتآمر على “النظام الوطني”، ومع المجموعات “الجهادية” والسلفية، ومع “المؤامرة الإمبريالية”، بالضبط لأنه وقف مع نظام يقتل ويدمر، ومع دول باتت تحتل سوريا، ويلعب دور التشويه بما يخدم المجموعات “الجهادية” والسلفية، حيث بات يبرز الصراع كصراع بين النظام “الوطني” وهذه المجموعات. ولقد شوه، وهو يدافع عن النظام ويتهم الثورة، كل المفاهيم الأساسية التي يحملها اليسار، من مفهوم الثورة والعفوية، والوطنية، والإمبريالية، وغطى على الاستبداد والوحشية والاحتلال.

ليس مطلوبا تأييد كل القوى التي تعبر ذاتها أنها تخوض الصراع ضد النظام، ولا القوى المسلحة كلها، على العكس مطلوب فرز الوضع، وبالتأكيد رفض كل المجموعات “الجهادية” والسلفية، وكل المعارضة التي تعتمد على ارتباطها بدول وقوى خارجية، لكن من غير العقلاني عدم الوقوف مع الشعب الذي بدأ الثورة، وتحول إلى العمل المسلح تحت عنف ووحشية النظام، وإستُغِل بعضه نتيجة غياب اليسار، الذي أبقى نشاطه عفويا، ومن ثم خضع بعضه لتأثير دول إقليمية وعالمية.

بهذا التشويه كان يشوه اليسار ماضيه، ويلقي بظلال قاتمة على مستقبله. لكنه في الواقع كان يضر الثورة السورية، والثورات العربية عموما.

نهاية

يمكن تلخيص التصور الذي حكم كل هؤلاء في أنه كان يهدف إلى سحق الثورة ودفنها في سوريا، فهذا الخطر يجب أن يتوقف بمجزرة، وهو ما حدث مؤخرا في حلب، وأن هذه المجزرة ستكون وسيلة إعلامية مهمة لتخويف شعوب العالم، فالثورة هي الأخطر بالنسبة للرأسمالية، خصوصا وهي تعيش أسوأ أزمة. ولا شك في أن انفجار الثورة قد عدل في سياسات دول كانت تبدو مختلفة، أو حتى متصارعة، وفرض أولوية مواجهتها. وما سهل في ذلك هو “المصالحات” التي جرت مع النظام قبيل انفجار الثورة، سواء السعودية التي “تصالحت” مع النظام سنة 2010، أو أمريكا التي تحسنت علاقتها مع النظام بعد استلام باراك أوباما الرئاسة.

ثم أن سوريا باتت مجال تنافس بين أطراف متعددة تدخلت لتحقيق مصالحها، سواء روسيا وإيران الداعمتين المباشرتين للنظام، أو تركيا وقطر حلفاء النظام قبيل الثورة، أو فرنسا التي كانت تبحث عن موطئ قدم في سوريا منذ زمن طويل، أو أمريكا التي كانت تريد استخدام سوريا ورقة في مفاوضات عالمية مع روسيا، رغم أنها شجعت القتل والتدمير الذي بدأته في العراق قبل وحين وبعد احتلالها له.

وثالثا أنها كلها دعمت المجموعات الأصولية وعززت من قوتها لتخريب الثورة وتدميرها، وكل الدول الإقليمية والدولية قامت بذلك، سواء التي تدعي أنها من “أصدقاء سوريا”، أو التي تدافع عن النظام. فقد ظهر التوافق بين كل الأطراف على سحق الثورة ووقف المد الثوري من جهة، لكن الخلاف بينها تمثل في الصراع من أجل السيطرة على سوريا، وكجزء من تنافس عالمي لإعادة تقاسم العالم. أما اليسار العالمي فقد تاه على ضوء تعقيد الوضع وتشابكه، لأنه لم يمسك بالمفصل الأساسي لكل ما يجري: أي الثورة، نتيجة الدوجما التي جعلته يستمر في التمسك بمنظومة تبلورت خلال الحرب الباردة، وكانت مشوهة حينها أصلا.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

من التحرير إليكم: انتزاع الديمقراطية فيما يتجاوز ترامب ربما يكون التشابه الأكثر إثارة للقلق بين ما يتعرض له المصريون الآن تحت النظام العسكري الفاشي وبين لحظة ترامب في الولايات المتحدة هو عدم استعداد أصحاب الخبرة التنظيمية والمواطنين العاديين للمواجهة.

عاطف سعيد

الريف السوري مفتاحا لفهم نظام الأسد (2) إذا كان القسم الأول من الكتاب، الذي عرضناه في الجزء الأول من هذا المقال، يطرح نظرة في العمق إلى أحوال الفلاحين السوريين المادية والاجتماعية، فإن القسمين الثاني والثالث، اللذين نعرض لهما هنا، يتناولان الجوانب "الذاتية" من حياة الريف السوري، فيتناول القسم الثاني "أنماط الوعي والتنظيم والسلوك السياسي الفلاحي قبل البعث"، بينما يحلِّل القسم الثالث "البعثية في جوانبها الريفية والفلاحية".

عمر الشافعي

نحو نظرية عامة بشأن ترامب: في نهاية الندوة تقدم الطلاب وأعضاء هيئة التدريس بعشر نقاط للنقاش بشأن نظرية عامة بشأن ترامب أعلق عليها هنا بما ينقلنا من التحليل إلى طرح الحاجة إلى تحالف تقدمي عالمي يجمع ما بين الاشتراكية الديمقراطية والليبراليين اليساريين والخضر واليسار الراديكالي.

بول ماسون

بيت صهيون إذا كان تشكيل حركة فلسطينية موحدة من أجل الديمقراطية شرط قيام دولة واحدة في المستقبل، فالعقبات التي تحول دون تشكيلها واضحة، ولا يمكن التغلب عليها في الوقت الحاضر. ولا تشمل فقط المقاومة من رجال الدرك والتعذيب في رام الله، والمتعصبين في غزة، والاستثمار في القدس والعداء للغرب وإسرائيل، لأن فرص تحرر فلسطين قليلة اليوم مثلما كانت في الماضي، من دون تحول ثوري في المشهد العربي المحيط به.

بيري أندرسون

وهــج الصـلـب كان المشهد مهيباً وصاحبنا آلاف العمال تتقدمهم القيادات العمالية اليسارية وعضوي مجلس الإدارة والهتافات العمالية يتردد صدها في الأجواء. مشهد جليل لم يتكرر في حياتى إلا في الثامن والعشرين من يناير2011- يوم جمعة الغضب.

كمال عباس