الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير…

إعادة الجدل بشأن أسئلة الإسلام والسيادة والسلطة (1)

قضايا

08  فبراير  2017

في يوم 8 فبراير 2011 وبينما كانت صيحات الحرية والعيش والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية ترج جنبات ميدان التحرير، ويسمع صداها في كل ركن في مصر، بل والعالم، انعقد مؤتمر حاشد لعدد من القوى الإسلامية السلفية في مدينة الإسكندرية لبلورة رؤية “إسلامية” حول الأزمة السياسية في مصر وليطرح من ضمن ما يطرح “التأكيد على هُويَّة مِصرَ الإسلاميةِ؛ كدَولةٍ إسلاميةٍ مرجعيةُ التشريع فيها إلى الشريعة الإسلامية، وكُلُّ ما يخالفها يُعَدُّ باطلا”، وكذلك الدعوة إلى “تفعيل المادة الثانية مِن الدُّستور، ومراجعةِ كافَّة التشريعات المخالفةِ للشريعة، وصياغتِها مِن جديد بصورةٍ تُوافِق الشريعةَ”. لم يعر المراقبون والمعلقون والنشطاء من مختلف المشارب، بما في ذلك الإخوان المسلمين أنفسهم، وقتها بالا يذكر للمؤتمر المذكور الذي شارك فيه الآلاف من منتسبي جماعة “الدعوة السلفية” بالإسكندرية – أقدم تشكيلات ما يسمى بالسلفية العلمية في مصر- وأنصارها، بل لم يظهر الخبر أصلا في أي من وسائل الإعلام المأخوذة بما يجري في ميدان التحرير. إلا أن تنحي مبارك وما أعقبه من تطورات شهد انتقال هذه الرؤية السلفية الساعية لما أسمته “تفعيل المادة الثانية من الدستور”، أو تعديلها على النحو الذي يسمح بما تراه تطبيقا حقيقيا أمينا للشريعة، من هامش الجدل العام في مصر إلى مركزه، بل وهيمنته على قسم معتبر من الجدل حول مرجعية الدستور الجديد ومواده. ثم سرعان ما انتهى الحال بقيادات جماعة الإخوان وممثليها في الجمعية التأسيسية إلى القبول برؤى “الدعوة السلفية”، وغيرها من الجماعات السلفية والإسلامية الثورية المبعثرة، حول موقع الشريعة الإسلامية في الدستور الجديد والتصويت عليها بالإجماع قبل تبنيها بالاستفتاء الشعبي في ديسمبر 2012.

تحول رؤية أحد الجماعات الإسلامية بشأن السيادة والتشريع وعلاقتهما بما يسمى “الشريعة” من مجرد تفصيل هامشي في مشهد الثورة المصرية إلى الرؤية الرسمية المعتمدة لعموم التيارات الإسلامية على تنوعها عادة ما يشار إليه في عدد من أطروحات المعلقين “المدنيين” أو “العلمانيين”، وكذلك في العديد من الأطروحات الإسلامية، كدليل إضافي على انتفاء التمايز بين فصائل التيار الإسلامي وأنها جميعا تشترك في جوهر واحد إما رجعي أو محافظ أو سلطوي أو شمولي أو حتى فاشي، من جانب، أو أصيل وهوياتي ووطني وشعبي من جانب آخر. إلا أن القراءة المتأنية لمسار هذا التحول، ولتاريخ الجدل حول السيادة والتشريع منذ نهاية القرن التاسع عشر، تشير إلى أن هذا التحول يعد في حقيقته مؤشرا على استمرار معضلة مؤسسة للفكر القانوني والدستوري الحديث في مصر تدفع مسألة “تطبيق الشريعة” لتطل برأسها دوما عند كل محاولة لإعادة تأسيس علاقة الدولة بالمجتمع أكثر من كونه مؤشرا على جوهر ثابت للتيارات الإسلامية.

فبينما أفضت عملية اندماج مصر في السوق الرأسمالي العالمي إلى نشأة طبقات مالكة وفئات حاكمة متحالفة معها، كالنخبة القانونية الحديثة، ترتبط عضويا بممارسة حديثة للسلطة ترى في الأمة المحل النهائي للسيادة التي تمارسها عبر دولتها دونما مرجعية إلا ما اتفقت عليه هذه الأمة، إلا أن تلك الفئات لم تقطع الصلة في أي لحظة من اللحظات مع المفاهيم والمناهج والممارسات المؤسسة للقانون الإسلامي بقدر ما أعادت بناءها وتطويعها لتشكل بصورة مطردة أحكام القانون الإسلامي المتراكمة محتوى لهذه الهياكل الحديثة لممارسة السلطة يؤمن لها الشرعية والاستمرارية اللازمين. والمنتج الذي انتهت إليه هذه العملية هو بناء قانوني يحتفظ بولاء دستوري عام للشريعة وبعض أحكامها التي استنبطها الفقهاء تاريخيا بعد صياغتها كقواعد قانونية آمرة حديثة البناء وفصلها عن افتراضاتها المؤسسة وسلطة العلماء/القضاة التي احتكرت عملية تعريفها وتفسيرها على مدى قرون. ويستدعي هذا النموذج احتكار مؤسسة دينية رسمية لعملية تعريف الشريعة وتحديد مناهج النظر فيها بالتوازي مع احتكار سلطات مدنية حديثة تشريعية وقضائية سلطة انفاذ أحكامها والفصل في تنازعها مع باقي مكونات البناء القانوني والدستوري الحديث. بعبارة أخرى، فاستمرار حضور الشريعة في البناء القانوني منذ بدايات التحول للتقنيات القانونية الحديثة كان في جوهره تقييدا للشريعة ورهنا لإنفاذ أحكامها بإرادة سيادة علمانية أكثر من كونه تقييدا لهذه السيادة بقيد إلهي متجاوز.

هذا الوضع المعلمن للشريعة في البناء القانوني والدستوري المصري الحديث، وحقل الممارسات المرتبط بهما، أنتج من الالتباسات أكثر بكثير مما أنتج من حلول، وهو ما سمح بإعادة تموضع الشريعة داخل البناء التشريعي المصري كبؤرة جدل تتطور حولها المشاريع القانونية والسياسية المتنافسة. وفي هذا السياق تشكلت الرؤية الإسلامية – على يد قطاعات من الفئات الوسطى مهمشة سياسيا وثقافيا – كمحاولة لتحرير الشريعة من أسر ممارسات السيادة والسلطة الحديثتين واستعادتها لمكانتها كحاكم على الدولة والمجتمع وليس كجسد يعتمد في حياته على الدولة، أو بعبارة أخرى، كمحاولة لإعادة بناء عالم الشريعة المؤسسي والمعرفي المفقود وفي القلب منه سلطة العلماء التفسيرية ومناهج استنباط الأحكام من نصوص الشرع السابقة على عالم الدولة الحديثة، وتقديم إعادة البناء تلك كمخرج لأزمة الفئات الحاكمة المتمثلة في عجزها الدائم عن بناء تحالفات اجتماعية واسعة ومشاريع هيمنة قابلة للاستمرار. وغني عن الذكر أن كلا الرؤيتين يلتقيا على أرضية ضرورة احتكار أجهزة الدولة الحديثة لصيغة من النظر في الشريعة سواء باتجاه علمنتها أو باتجاه خلق الظروف المواتية لإعادة بناء عالمها المفقود. وفي الحالتين يجري الحجر على إمكانية تعاطي عوام المسلمين مع “شريعتهم” تفسيرا وتطبيقا بدون توسط.

بعبارة أخرى، فالرؤية الإسلامية لم تشكل في أي لحظة من اللحظات جسما مقحما بشكل كامل على بناء قانوني علماني حديث – كما يحب المعلقين المدنيين والإسلاميين المذكورين أن يصوروا الأمر- بقدر ما أنها قد تبلورت تدريجيا من داخل نفس البناء القانوني الحديث وعبر التشققات في الرؤية المعلمنة للشريعة. ومن ثم فالبحث في أمر هذه العودة المتجددة للجدل حول الشريعة يقتضي بالأساس البحث في تاريخ تأسيس الدولة الرأسمالية وتنقاضات أطروحات فئاتها الحاكمة بشأن سؤال العلاقة بالإسلام كدين وحضارة وفكر. ويرتبط بوجهة البحث المقترحة تلك عددا من الأسئلة الأساسية، منها مثلا كيف استمرت هذه الرؤى الفقهية في هيمنتها على الرغم من تحطم أساسها المادي في أنماط الانتاج ما قبل الرأسمالية؟ وكيف أعيد انتاجها وتضفيرها مع أشكال جديدة من ممارسة السيادة والسلطة مختلفة كلية عن تلك الأشكال التي سمحت لها بالوجود؟ وما هي رؤية مشاريع الهيمنة المختلفة لهذه العلاقة وما هي تناقضاتها كذلك؟ وهل يوجد إمكانية لرؤى بديلة تتجاوز أفق الرؤى البرجوازية المأزومة تلك؟ وما هي شروط تلك الرؤى في الواقع؟

تقارب الدراسة المطولة بعض الشيء هذه الإشكاليات من خلال البدء في القسم الأول بعرض سريع للافتراضات المؤسسة للقانون الإسلامي كما تبلورت في مناهج “أصول الفقه” ومدى اختلافها الجذري عن الافتراضات المؤسسة للصيغة الدستورية/الديمقراطية في الحكم كما تطورت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا والعالم الإسلامي. كما تعرض في القسمين الثاني والثالث، لعملية إعادة إنتاج نفس الافتراضات في سياق مغاير تماما وهو سياق بناء دولة حديثة والانخراط في السوق الرأسمالي العالمي وما أنتجته عملية إعادة الإنتاج تلك من توترات نظرية وسياسية مختلفة، خصوصا مع صعود الحركة الإسلامية. ثم تتعرض في القسم الرابع للمقترحات المختلفة التي طرحت للتعامل مع تلك التوترات في سياق الجدل حول الدستور الجديد وما انتهت إليه عبر المساومات المختلفة داخل وخارج لجنة المائة لكتابة الدستور. ثم تعرض الورقة كذلك لمسار التراجع عن صياغات دستور 2012 في الوثيقة الدستورية المعدلة له والمستفتى عليها في يناير 2014 ودلالاته. وفي القسم الخامس والأخير منها، تعود الورقة لمناقشة الافتراضات السابقين التي هيمنت على الجماعات الأكاديمية، سواء الليبرالية منها أو الساعية لنقدها من موقع ماركسي أو ما بعد كولونيالي، في ضوء مسحها للتطورات الدستورية في الأعوام التالية على الثورة.

السيادة والتشريع والمعرفة قبل التحول للقانون الوضعي:

كثيرة هي الكتابات التي اهتمت بما يعرف بالإصلاحات القانونية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر في مصر والتي أسفرت عن تأسيس المحاكم المختلطة في 1876 ثم الأهلية في 1883 وتقليص ولاية المحاكم الشرعية تدريجيا والبدء في مسار التقنين بدءا بالنقل المباشر عن مدونات قانونية أوروبية وصولا إلى التشريع الدستوري مع الاستقلال الرسمي عن الإدارة البريطانية في ١٩٢٣.[2] شكلت هذه العملية نهاية لمسار بطيء ومعقد من تحلل النظريات والمؤسسات والممارسات القانونية التي استمرت على مدى قرون والتي تطور من خلالها القانون الإسلامي كما نعرفه اليوم. فما هي ملامح هذه الممارسات المتنحية؟ وما هو الثابت والمتغير منها؟

من الدارج التمييز في الأدبيات المعاصرة بين الشريعة، وهي الأحكام الواردة بالقرآن والسنة حصريا، وبين القانون الإسلامي والذي يشير لخلاصة ما انتهى إليه الفقهاء والقضاة المسلمون من تخريجات مختلفة للتعاطي مع عدد متطور من المسائل المدنية والجنائية استنادا لمناهج وأدوات تطورت بدورها عبر النظر في القرآن والسنة. عبر هذه العملية ولد علم “أصول الفقه” والذي يقدم المنهجية الأساسية لاستنباط أحكام الشريعة من الأدلة الشرعية، أي الكتاب والسنة. ويجري هذا الاستنباط وفقا لقواعد صارمة تعرف بالقواعد الأصولية، وهي جملة من القواعد اللغوية التي تسمح بتمييز دلالة النص الذي يتعامل معه مستنبط الأحكام. فإذا اجتمعت معرفة القواعد الأصولية للمستنبط صار قادرا على الانتقال لمرحلة أعقد من معرفة وممارسة المنهج في استنباط الأحكام من النص.

ما يعنينا في تطور علم أصول الفقه ثلاثة ملامح رئيسية وثيقة الصلة بمناقشتنا. الملمح الأول أن أصول الفقه، ومنذ صك قواعده الأولى على يد الشافعي في كتابه العمدة “الرسالة في أصول الفقه”، قد أسس بشكل غير مباشر للافتراض الذي سيتطور على أساسه التشريع الإسلامي لاحقا وهو أن مصدر السيادة الذي يصدر عنه التشريع بالأساس هو مصدر مقدس متجاوز يخضع له الحكام والمحكومون معا، وأن العقد بين الأخيرين مرهون بالتزام الطرف الأول بالأحكام الشرعية الصادرة عن صاحب السيادة الأصلي. الأمة هنا وفقا لهذا التصور لا تشرع لنفسها ولا تملك شريعتها ولكنها موحدة على أساس عقائدي بالأساس يتمثل في التزامها بأحكام صاحب السيادة. والحكام هنا ليسوا مفوضين بشكل كامل من الأمة في إدارة معاشها ولكنهم مفوضين في ضوء الالتزام بهذه الأحكام.

الملمح الثاني يتمثل في آليات، أو منهجية، استنباط الأحكام من نصوص الشريعة -والتي يمارسها العارف بالقواعد الأصولية- والتي تتمثل في الإجماع ثم القياس على الترتيب، باعتبارها آليات كفيلة بتعزيز المفهوم غير الإقليمي لهذه الأمة الذي يربط ماضيها بحاضرها بشكل مباشر ويجعل مثلا مواطنا مصريا ملتزما بحكم صادر عن إجماع عدد من العلماء في زمن لم يعرف وحدة سياسية على شاكلة مصر اليوم. أما القياس، والذي لا يرى الشافعي فارقا بينه وبين الاجتهاد، فممارسته مرهونة بتوافر جملة من الملكات تتمثل في المعرفة باللغة العربية ابتداءً وبالنصوص المقدسة المتضمنة للشريعة وكذلك بموضوعات الإجماع السابقة على ممارسة الاجتهاد، أي أن السلطة هنا في ممارسة الاجتهاد هي سلطة معرفية الطابع بالأساس وتتأسس عبر المعرفة بالتقليد القائم وليست سلطة عامة تمثيلية الطابع كما هو الحال في الجماعات السياسية الحديثة، أو سلطة روحية الطابع على نفوس المؤمنين.

يقول الشافعي في هذا الصدد “قال فما القياس؟ أهو الاجتهاد أم هما مفترقان؟ قلت هما اسمان لمعنى واحد. قال فما جماعهما؟ قلت كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة وعليه إذا كان فيه بعينه حكم [وجب] اتباعه وإذا لم يكن فيه بعينه طلبت الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد والاجتهاد القياس” (الشافعي 2014: 118).

واختزال الاجتهاد في القياس بالمعنى الذي ذكره الشافعي، أي “طلب دلالة النص بالأخبار”، أو رؤي السابقين ومنهجهم، يفضي لتضييق ممارسة النظر العقلي في النصوص قطعية الثبوت وفقا لقواعد لغوية صارمة، هي القواعد الأصولية، ووفقا لمعرفة الإجماع السابق على عمل المجتهد. ومن جماع المعرفة بالقواعد الأصولية والمعرفة بموضوعات الإجماع السابق تطورت آليات متعددة للقياس لم تتجاوز الحيز الضيق لما يسميه الفقهاء التاليين للشافعي بقياس “الشاهد على الغائب” ولا مجال للتفصيل في شأنها هنا.[3] وتضييق الاجتهاد على هذا النحو هو صنو رفض الشافعي للاستحسان، وهو ممارسة مدرسة الرأي السابقة عليه في العراق من أتباع الإمام أبي حنيفة، والتي ارتكزت على استخلاص الدلالة فيما ليس فيه حكم قطعي بإعمال النظر العقلي المحض. يقول الشافعي في هذا الصدد:

“وإنما الاستحسان تلذذ. ولا يقول فيه إلا عالم بالأخبار عاقل للتشبيه عليها. وإذا كان هذا هكذا كان على العالم أن لا يقول إلا من جهة العلم وجهة العلم الخبر اللازم والقياس بالدلائل على الصواب حتى يكون صاحب العلم أبدا متبعا خبرا وطالب الخبر بالقياس كما يكون متبع البيت بالعيان وطالب ما قصده بالاستدلال بالأعلام مجتهدا. ولو قال بلا خبر لازم ولا قياس كان أقرب من الإثم من الذي قال وهو غير عالم ولكان القول لغير أهل العلم جائزا…. ولا يقيس إلا من جمع الآلة التي له القياس بها وهي العلم بأحكام كتاب الله [تعالى] فرضه وأدبه وناسخه ومنسوخه وعامه وخاصه وارشاده. ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا لم يجد سنة فبإجماع المسلمين فإن لم يكن فبالقياس. ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالما بما مضى قبله من السنن وأقاويل السلف وإجماع الناس واختلافهم ولسان العرب” (الشافعي 2014: 124).

وأخيرا، وبالارتباط بالملمحين السابقين، يتشكل ملمحا ثالثا محوريا ملازما لممارسة الاجتهاد وهو التمييز القاطع بين العلماء والعوام من حيث الأهلية والجدارة بالمشاركة في الشأن العام. فلمّا كان الاجتهاد ممارسة مغلقة على فئة بعينها من الممارسين يجري بالتالي استبعاد باقي الناس بشكل ممنهج من عملية التشريع ككل. فبالإضافة لما ذكره الشافعي في الاستشهاد السابق في صيغة الاستنكار من أن إهمال الإجماع لا يعني إلا فتح الباب لغير أهل العلم لممارسة القياس، يضيف في “باب العلم” في “الرسالة” تمييزا محوريا بين “علم العامة”، الذي يستطيع كل عاقل بلوغه، وهو موجود حصرا في الكتاب والسنة والإجماع، وعلم الخاصة والذي لا يستطيع العامة بلوغه، وهو المرهون بالقدرة على ممارسة القياس/الاجتهاد وفقا للشروط السابق ذكرها.[4]

من هنا تبلور في مرحلة لاحقة، وعلى يد فقهاء الشافعية بالأساس، مفهوم “أهل الحل والعقد” المنوط بهم المشاركة في اختيار الإمام أو الخليفة، ليس كمفهوم تمثيلي بقدر ما هو تجسيد لصيغة أقرب للأرستقراطية. فمن أوائل الأعمال المعروفة والتي تصدت لمسألة السلطة السياسية في الإسلام يأتي عمل الفقيه الشافعي ذائع الصيت الماوردي “الأحكام السلطانية والولايات الدينية” والذي ذكر فيه ثلاثة شروط حصرية لأهل الحل والعقد لم يخرج عنها، أو يضيف لها إضافة ذات دلالة، أحد من الفقهاء المتأخرين الذين تصدوا للتنظير في الموضوع، كالجويني مثلا.[5] وهذه الشروط هي العدالة الجامعة لشروطها، والعلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبرة فيها، والرأي والحكمة المؤديان لاختيار من هو للإمامة أصلح (الماوردي 2013: 14). بل إن هذا العلم المفضي للاجتهاد، بالمعنى الذي فصلّه الشافعي، يأتي كثاني الشروط الواجب توافرها في الإمام نفسه (الماوردي 2013: 14).

كانت رؤية الشافعي تلك دفاعية بالأساس إن جاز التعبير، وتسعى لتحقيق عدة أهداف فرعية مرتبطة بهدف مركزي هو الحفاظ على وحدة جماعة المسلمين التي كانت لا تزال أقلية في طور التكوين على الرغم من تمدد سيادة دولتها بشكل سريع ومباغت وإخضاعها لشعوب عريقة لها تجاربها المعقدة في الحكم والتشريع. ووحدة الجماعة تلك لا تتحقق فقط في مواجهة غير المسلمين بالمجمل الذين امتدت هيمنتهم سريعا على الإمبراطورية الوليدة نتيجة دراية نخبهم بالحكم والإدارة الاقتصادية – وهو ما مثل مقدمة طبيعية لظاهرة الشعوبية التي وسمت عصر الشافعي- ولكنها كذلك تتحقق في مواجهة اتجاه جماعة المسلمين الأقلوية تلك للتمايز الداخلي سريعا خصوصا مع ظاهرة التشيع السياسي منذ نهاية ما يعرف في الأدبيات الإسلامية بالفتنة الكبرى أو نتيجة لظهور الفرق الكلامية، وهي الفرق التي اتسمت بقربها وحظوتها لدى حكام الإمبراطورية العباسية تحديدا. يفسر ذلك تصدير الشافعي لرسالته بفصل عن “فضل اللغة العربية” على ما عداها وتشديده على ضرورة أن يكون المتصدي للاجتهاد عالما بالعربية، بل وبلغة قريش، وأحوال العرب قبل الإسلام.[6] والمضمر في هذا التشدد بالطبع هو محاولة تحجيم سلطة غير العرب المتنامية في مجالات انتاج المعرفة بشكل عام في عصر التدوين ذاك. كذلك فتفضيله لمدرسة الحديث في المدينة على مدرسة الرأي في العراق هو محاولة لشد هذه الجماعة لمرجعية لا تحتمل التأويل، وما يقترن بذلك من رفع السنة لمرتبة الوحي لتحوز نفس المكانة التأسيسية للنص القرآني، وذلك قبل البداية في جمع الصحاح من الأصل. وضيق الشافعي، وغيره من الأصوليين بعلم الكلام مثلا يستند إلى ما تنتجه ممارسة هذا العلم من تفكك للجماعة إلى فرق لا متناهية ومن ثم الإخلال بوحدتها في طورها التكويني نفسه.[7]

يتكامل الهدفان حول محاولة تحجيم دور الحكّام/الأباطرة في التشريع، أو الخروج على النص، دون قطع الصلة بالكامل مع هذه الدولة الإمبراطورية والتي قد يترتب على تفككها لسلطات محلية، عبر التشيع السياسي مثلا، أو انهيارها، تفكك جماعة المسلمين الوليدة. فكان المخرج هو إخضاع الدولة لسلطة الشريعة وحجز سلطة استنباط الأحكام من النص إلى العلماء المجتهدين حصرا بوصفهم الطرف الوحيد المؤتمن على النص وعلى مصالح الأمة في نفس الوقت. وليس في هذه الرؤية من غرابة أخذا في الاعتبار الموقع المتميز للعلماء/القضاة الذين لم يشغلوا في هذه المرحلة المبكرة أي موقع مؤسسي واضح، بل شغل بعضهم مهنا حضرية مرتبطة برأس المال التجاري والتصنيع البدائي كما تشي ألقابهم أنفسهم. وكانت سلطتهم المعرفية في الحواضر الرئيسية شخصية الطابع ومرتبطة بالقدرة على التأثير في جمهور المسلمين خارج أروقة الدولة أكثر من كونها مستمدة من مؤسسة أو تقاليد متوارثة.[8] أي أن ولادة ما يمكن تسميته “بالأرثوذكسية السنية” كانت خارج الدولة وبالجدل معها، وعلى يد نخبة مثقفة معارضة – وإن كانت غير جذرية تماما في معارضتها- في أغلب الأحوال ولم تكن نتاج فعل مباشر من الدولة.

تطور الفقه الإسلامي وتشعب لمذاهبه الأربعة المعروفة في العالم السنيّ على الأقل عبر ممارسة هذا المنهج. وتراكمت في سياق تطوره جملة من المبادئ العامة التي عرفت “بالقواعد الفقهية” لتشكل قاسما مشتركا لاجتهادات فقهاء المذاهب المختلفة. وهي على العكس من القواعد الأصولية لا تتعلق بما يجب معرفته لممارسة الاستنباط من قواعد لغوية ومنطقية، ولكنها تقدم تلخيصا لما استقرت عليه ممارسة الاستنباط تلك للفقيه حتى يصير عالما بالإجماع اللازم للتقرير عما إذا كان من الواجب ممارسة الاستنباط ابتداءً. هذه المبادئ هي التي ستلهم صناع القانون المدني المصري في مرحلة لاحقة صياغة المصطلح الغامض “مبادئ الشريعة” والذي سيعرف طريقه إلى صدر الدستور المصري منذ العام 1979. ويختلف عدد هذه القواعد زيادة ونقصانا تبعا لاجتهادات أتباع المذاهب المختلفة، إلا أن أكثرها شيوعا وتكرارا وثبوتا في المذاهب الأربعة هي القواعد الفقهية الخمس الأساسية: اليقين لا يزال بالشك، المشقة تجلب التيسير، الأعمال بمقاصدها، الضرر يزال، وأخيرا أن العادة، أو العرف، محكم (السيوطي 2015: 27، 28).

ظلت هذه الملامح الثلاثة، بما أنتجته من قواعد فقهية معتبرة، ملازمة لتجارب الحكم المختلفة في السياق الإسلامي ومشكلة حدودا على ممارسة السلطة العامة. فلم يخرج أي من الفقهاء التاليين على الماوردي في النظر لعقد الإمامة بوصفه عقدا بين الأمة والحاكم متوقف على شرط جوهري وهو الالتزام بأحكام الشرع سواء تلك القطعية الواردة في القرآن والسنة أو التي استنبطها فقهاء تتوافر لهم شروط الاجتهاد التي صكها الشافعي. حتى عندما بدأت هذه الحدود في التراجع مع تفكك الإمبراطورية منذ القرن العاشر واستتاب الأمر لأمراء التغلب وقدرتهم على التوسع في التشريع المباشر عبر الانتقاء بين أحكام المذاهب المختلفة وصولا إلى المحاولات الأولى في التقنين مع السلطنة العثمانية، ظلت هذه القدرة مقيدة على المستوى النظري بعدم مخالفة أحكام الشرع القطعية أو ما سبق من الإجماع. والفصل بشأن هذه المخالفة من عدمه كان دائما محجوزا للعلماء بالطبع. أي أن التحول من نموذج الخلافة المركزية إلى النماذج السلطانية في ممارسة الحكم وفقا لشرعية الأمر الواقع لم يرتبط بأي تحول يذكر على المستوى النظري في مفاهيم السيادة والسلطة. مراجعة الاجتهادات المتأخرة للغزالي أو ابن تيمية مثلا في التأصيل لمفهوم السياسة الشرعية -أي القدرة على الحكم والتشريع المباشر في حدود الشرع دون استشارة العلماء- توضح بجلاء أن مفهوم السيادة وما يرتبط به من مفاهيم الأمة والسلطة المعرفية للعلماء لم يتغير.

ويفصّل ابن تيمية -والذي سيكون ملهما فيما بعد بتفصيله ذاك لمشروع “استعادة الشريعة” كحاكم على الأمة والحكام معا في ظل تآكل سلطة المجتهدين- تصوره عن إمكانية التعايش مع أمراء التغلب دونما التنازل النظري عن التصور العام لعلاقة الشريعة بالسيادة والسلطة على النحو التالي:

“وأي شيء من الولايات عُمل فيها بطاعة الله ورسوله، كانت ولاية شرعية، وأي شئ عمل فيها بخلاف ذلك، أو ترك فيها ما يجب، لم تكن شرعية، لكن لما كان القاضي أقرب إلى العلم وأهله، [و] أكثر معرفة بالشريعة، صار كثر من الناس يظن أنه ليس من الولايات ما يجب أو يقع فيها حكم الشرع إلا هي، وصاروا يفهمون الشرع ما حكم به القاضي، وربما فروا من هذا الشرع؛ إما خروجا منهم عن الحق، أو لتقصير يقع من بعض القضاة، وليس الأمر كذلك، بل الشرع: اسم لما بعث الله تعالى به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، من الكتاب والحكمة، وحكمه لازم لجميع الخلائق…. وقد رؤي من الولاة من هو خير أكثر من القضاة، ورؤي من القضاة من هو شر من فساق الولاة. وعموم هذه الولايات وخصوصها هو بحسب ما يمكن من المولى، فإن المقصود هو أمانة الدين في جميع الأشياء، ولا يتم ذلك إلا بالاجتماع والسلطان، فإذا جعل سلطان يقام به الدين على الوجه المشروع كان ذلك مقصود الولاية” (ابن تيمية 2012: 226، 227).

هذه الصياغة التوفيقية المكثفة سمحت بالتعايش مع واقع الحكم بالتغلب عبر تحويل سلطة العلماء لسلطة سلبية الطابع إذا جاز التعبير، أي تقتصر على التنبيه عند الخروج بالتشريع عن مقتضيات عقد الإمامة، بعد أن ظلت قرونا، على المستوى النظري على الأقل، سلطة إيجابية تتمثل في الاضطلاع بأمر التشريع. هنا أفسح ابن تيمية مجالا نظريا يسمح بممارسة السلطة عمليا من قبل الحكام دون أن يذهب إلى اعتبار هؤلاء الحكام محلّ السيادة النهائي على النحو الذي تطور فيه الفكر السياسي في أوروبا مثلا بعد ذلك بذهاء قرنين أو ثلاثة من الزمان.[9] وهذه الصياغة النظرية ستستمر حتى زمن الإصلاحات القانونية التي انفتحت على القانون الوضعي الأوروبي، المرتكز على مبدأ السيادة الأرضية غير القابلة للتجزئة، منتجة من الالتباس أكثر بكثير مما أنتجت من الحلول والموائمات.

الهوامش:

* كتبت بعض أجزاء هذه الدراسة، خصوصا في الأقسام الثاني والثالث منها، كفصل بعنوان “الشريعة في دساتير ما بعد الثورة: إعادة الجدل بشأن أسئلة الإسلام والسيادة والسلطة” في، عمرو الشلقاني، محرر، القانون والثورة في مصر (القاهرة: دار الشروق ومطبوعات الجامعة الأمريكية 2017).

[1] للاستزادة حول محاولات الدمج بين رؤى ميشيل فوكو ما بعد البنيوية، أو ما بعد الماركسية، وأفكار كل من أنطونيو جرامشي عن الهيمنة ورؤى جاك دريدا التفكيكية يمكن العودة إلى أعمال منظري ما يعرف بمدرسة “إيسكس” لتحليل الخطاب السياسي (هاورث، نورفال، ستافراكاكيس 2000) و(جلاينوس، هاورث 2007).

[2] يمكن هنا ذكر دراسات خالد فهمي عن ارتباط التحول للتقنين الوضعي بظهور تقنيات وممارسات معرفية جديدة كالطب الحديث مثلا (فهمي 2004)، وكذلك عمل تيموثي ميتشل الهام عن أثر تبلور ممارسات التدريس الحديثة على التحولات القانونية (ميتشل 1991)، ودراسات لايش آهارون عن التحول من نمط قانون القضاة إلى قانون الدولة والتي رصد فيها تآكل سلطة العلماء/ القضاء لصالح تشريعات الدولة القومية وعمل النخبة القانونية الجديدة (آهارون 2004)،وكذلك أعمال كل من فرحات زيادة (زيادة 1987) وسامرة إسمير (إسمير 2012) عن نشأة وتكوين النخبة القانونية الجديدة، وكذلك عمل طلال أسد الهام عن أثر تلك التحولات على ما أسماه مسار العلمنة (أسد 2003).

[3] يتضمن عمل الفقيه الشافعي الفخر الرازي “المحصول في علم الأصول” عرضا وافيا لتلك الآليات (الرازي 2014)

[4] يقول الشافعي في هذا الصدد أن “فقال لي قائل ما العلم؟ وما يجب على الناس في العلم؟ فقلت له العلم علمان علم عامة لا يسع بالغا غير مغلوب على عقله جهله…. وهذا الصنف كله من العلم موجود نصا في كتاب الله جل ثناؤه وموجودا عاما عند أهل الاسلام ينقله عوامهم عمن مضى من عوامهم يحكونه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم…. قال فما الوجه الثاني؟ قلت ما ينوب العباد من فروع الفرائض وما يخص به من الأحكام وغيرها مما ليس فيه نص من كتاب ولا في أكثره نص سنة وإن كانت في شئ منه سنة فإنما هي من أخبار الخاصة لا [من] أخبار العامة وما كان منه يحتمل التأويل ويستدرك قياسا (الشافعي 2014: 85 و86).

[5] خصوصا في عمله المعنون “بغياث الأمم في التيات الظلم” (الجويني 1979)

[6] يقول الشافعي في هذا الصدد “ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبا، وأكثرها ألفاظا، ولا يعلمه ويحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها حتى لا يكون موجودا فيها من يعرفه. والعلم به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه، ولا تعلم رجلا جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء” (الشافعي 2014: 17).

[7] في هذا السياق، وعلى الرغم من التقدير البالغ لعمل أبي حامد الغزالي في أصول الفقه المعنون “بالمستصفى”، فعادة ما يأخذ عليه محققوه اعتماده على مقدمات كلامية للتأسيس لمبادئ علم أصول الفقه. على سبيل المثال يقول، محمد سليمان الأشقر، أحد محققو المستصفى “وقد استوقفني أثناء العمل فيه [المستصفى] بعض آراء كلامية في مسائل الاعتقاد، ذكرها الغزالي في أثناء كلامه الأصولي، تجري على مذهب الأشعرية، وتخالف عليه أهل السنة من تابعي السلف في الاعتقاد. وكاد ذلك يصرفني عن متابعة العمل في الكتاب، لئلا أكون ممن أحيا باطلا كاد أن يموت أو يندثر، بانتشار ضياء علم السلف، وتقبل أهل العلم له في مشارق الأرض ومغاربها” (الغزالي 2012: 6).

[8] يمكن الاستزادة بشأن تحليل السياق التاريخي/ الاجتماعي لعمل الشافعي بالعودة إلى عمل نصر أبو زيد “الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية” (أبو زيد 2007).

[9] يقدم ابن القيم الجوزية في شرحه لمفهوم شيخه ابن تيمية عن” السياسية الشرعية” صياغة لا تقل وضوحا وصراحة عن صياغة شيخه، إذ يقول “فقال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب للصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نزل به وحي، فإن أردت بقولك: “إلا ما وافق الشرع” أي لم يخالف ما نطق به الشرع: فصحيح، وإن أردت: لا سياسة إلا ما نطق به الشرع: فغلط، وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن، ولو لم يكن إلا تحريق عثمان المصاحف، فإنه كان رأيا اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة” (ابن القيم الجوزية 2014: 46).

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. عصام كمال شعت

    هل من الممكن القاء محاضرة بخصوص هذا الشأن ؟ السؤال من منطلق أن قراءة مثل تلك الابحاث لغير المتخصصين تشعرهم بابعاد لا يستطيعون لمسها لمجرد القراءة حتى لو اعادوها لأكثر من مرة. كما ان الاستماع لمحاضرة او من خلال مناظرة او ادارة حوار مسبوق الاعداد يتيح من خلال السمع (الطريقة الأيسر و الأسرع للفهم) فهماً سريعاً و عميقاً و بشكل يمكن ان يجعل قراءة لاحقة أكثر امتاعاً.
    من المؤكد أن مثل تلك النقاط المثيرة للجدل هي الأجدر بالنقاش العام لنتيح للعوام كيف تتكون الافكار و الايدلوجيات و كيف يتم العبث بها .
    أعلم ان هذا يحتاج لجهد كبير و ضخم تنظيمياً و لكنكم على ذلك لقادرون.
    تحياتي

موضوعات ذات صلة

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة يعني هذا المقال بمحاولة تفسير وتوصيف الطائفية في المجتمع المصري، انطلاقا من مفهوم المواطنة كمشروع سياسي، يضمن المساواة التامة لجميع المواطنين في الحقوق .والواجبات بغض النظر عن المعتقد أو الطائفة، وبغض النظر عن الجنس أو العرق أو اختيارات المواطنين في حياتهم الشخصية

رامي صبري

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (4) أربع لحظات فاصلة في مسار الصراع السياسي والاجتماعي في بلادنا تتميز بالسمة الجوهرية نفسها: البرجوازية تتخلى عن الحكم من خلال المجال السياسي ذعرا من الحركة المستقلة للجماهير الشعبية، بينما تلك الحركة تمتلك من القوة ما يثير الذعر في صفوف البرجوازية ودولتها، لكنها تبقى أضعف من أن تفرض نفسها على المجال السياسي الرسمي وتجبر البرجوازية إجبارا على الحكم من خلاله.

هاني شكر الله

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا أن التنظيم الأكبر داخل التيار الإسلامي وصاحب الأغلبية البرلمانية الصريحة والأغلبية داخل الجمعية التأسيسية سوف يقبل بشكل شبه كامل بالأطروحات السلفية وسيصوت عليها نوابه داخل الجمعية بالإجماع دون إثبات تحفظ واحد.

عمرو عبد الرحمن

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا هنا أن الاستجابة المحافظة للضغط الإسلامي كانت تتم عبر نفس الآليات الخطابية للإسلام المعلمن، أي إعادة تقديم الخطوط الحمراء الموروثة من التراث الإسلامي، والتي كانت تعد تعديًا على حدود الله، بوصفها تعديًا على حساسيات فردية بالأساس يتشكل من جماعها ما يسمى بالنظام العام.

عمرو عبد الرحمن

مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (1) الإرادة الثورية تُفرض من الشارع وليس من خلال مؤسسات الدولة التي قامت الثورة في مواجهتها، أيا ما كان شكلها. حق الاقتراع العام انتُزِع في الشارع، والحقوق النقابية تم انتزاعها في المصانع والشوارع وكذا حقوق المرأة وحقوق الأقليات الدينية أو العرقية.

هاني شكر الله