هانيبال ليكتر ونصوص أخرى

فنون

11  يونيو  2017

هامش ومتن

نعيش فترة طويلة في الهامش قبل أن ندرك المتن في حياتنا.
ثم نعيش فترة أطول متذبذبين بين المتن والهامش.

طوال اليوم نُستغرق في الهامش، من أجل اللحاق بساعة تمر سريعا في المتن.

ستة عشر عاما في هامش تعليمي زائد عن الحاجة جدا، ثم أدرك أن المتن كان هناك في مرسم بغرفة السطوح العلوية، أو العمل كمرشد سياحي يجيد اللغة الأسبانية.

يوجد في الهامش كل الوظائف التي لم نحبها، والشهادات المعلقة على الجدران، والواجبات العائلية، ورسائل التهنئة بالأعياد، وموضوعات الإنشاء في صفوف الدراسة، ونصف ساعة من عِظة مملة، وزوج كريه الرائحة، وصديقة ملولة، وزميل المكتب البغيض، وساعتي تنقل يوميا في عربة مكدسة بشارع مزدحم، وبواب لا تنبسط أساريره إلا برشوة صباحية، وخمسة أعوام في قاعة الديسك بالجريدة لتحويل خراء مجموعة من الحمقى لكلام مفهوم، وخمس أخرى مثلها للالتحاق برابطة نفس الحمقى.

كل أعضاء الحكومة والبرلمان الذين كانوا يقابلونني في القاعة الرئيسية بالمبنى الوزاري الكبير كانوا يثنون على دأبي وحكمتي البالغة، بالرغم من أن كل الأوراق السياسات التي كتبتها طيلة الأعوام السابقة كانت تّستقبل في صندوق الرسائل غير المرغوبة.
أوراق السياسات هي دستور الهوامش، المتن وحده موجود في عقل الرئيس.

يخبرني صديقي المتدين أن الهامش هو طريق للوصول للمتن، كالصلاة والصيام اللازمين لرضا الإله.
فيما ذهب صديقي الآخر لدراسة البيولوجي في ألمانيا، كي يكمل هامشه كما يخطط هو منذ بضعة أعوام طويلة. لكن الله ألقى عليه الوحي في ساعة ليلية بشارع المدينة الريفية الهادئة للغاية.
هو الآن يدير بار صغير يستمع لحكايات السكارى كي يكتبها في الصباح في دفتر قصصه القصيرة.

خط فاصل بين منطقتين

أنظر إلى وجه ابنتي وابني الصغيرين.

أشعر بثقل الذنب نحوهما.

وجهيهما النضر المملوء بالحيوية سينطفآن عمّا قليل بفعل..

هواء العاصمة الملوث

والأغذية المتخمة بمبيدات الفلاحين

وأسياخ الحديد في مباني علب الكبريت الضيقة.

وأسوار المدرسة الحديدية، ومعلمّات يشبهن السجَّانات.

وكراسات تمتلئ حشوًا عن أفضال الوطن، وانتصارات الزعيم.

..

أعينهما المتسعة سيضيع وهجها بفعل ..

الأوامر الصارمة في المؤسسات الأبوية

والانتظار بالدهر في طوابير العيش والغاز الطويلة.

والملل من نصائح الإذاعات الرسمية الكئيبة.

وأحاديث الخطباء في صلوات الجمع عن الذنوب العظيمة المتوقعة لنتف الحواجب.

..

أُقارن مصير أطفالي بأطفال ٍ آخرين بجيتوهات آخرى أبعد في ضواحي العاصمة.

وجوههم التي ستحتفظ بنضارتها حتى قرب الشيخوخة.

المدارس هناك كالملاهي المفتوحة.

العشب الذي يطأونه في ملاعبهم الكبيرة يباع لنا لاحقا كطعامٍ مغذي لوجبة ما بعد الظهيرة.

..

على الضفة الأخرى في جيتوهات ضواحي العاصمة.

سنوات أعمارنا المهدورة في العمل تتحول هناك في المنتجعات المسوَّرة لسلع استهلاكية غالية، أو سندات خزانة مكدسة.

الزعيم هو نائب مديكور عن مجلس آباء المدينة.

ضابط الشرطة الذي نرهب جانبه، يعمل هناك بالساعة مشرفا للأمن.

..

الأمور لا تبدو منطقية أو عادلة

يبدو العدل باديا لوهلة على الوجوه الصغيرة في أيامها الأولى.

لكن لاحقا ..يختفي المنطق والعدل مع دخول الصغار لمسارين مختلفين

حينها يمكن أن تميز بسهولة بين الوجوه المنطفئة، والوجوه النضرة اللامعة.

هانيبال ليكتر

في ركنٍ منزوٍ بين جدارين  في زنزانتي

يرقدُ جسديّ.

لا  أعرف هل أنا حيُّ أم ميت؟!

شبحي يحادثني، أم أحادثُ أنا نفسي.

لا يوجد فارق كبير بين الحالين بعد فترة طويلة من المكث هنا.

في كابوس مروع انتهيت محبوسا  بين أربعةِ جدران آكل ذاتي يوميُا، ومن خشاش الأرض. حتى تآكلت روحي، وفقدت من بعدها إيماني.

تجتاحني مشاعر مركبة هي خليط من نشوة الانتقام وعقلانية العاقبة.

ماذا إن خرجت؟

ءأنتقم من قاتلي، أم أرضخ لعقلي فأسامحه.

أيعوضني العفو عن ولد نسيت ملامحه، وزوجة انتهك جسدها الحرمان بمثل ما انتهكني

أيعزيني أن يوضع إسمي بين الذين تحررت أرواحهم، وامتلكوا القدرة على المسامحة، واقتدي بحمقى كمانديلا أو غاندي.

التسامح والثأر.. تشتبك الكلمتان في ذهني كأنَّهما كلبان يتعاركان على فريسة.

تصبح عاقلًا وناضجا فقط حينما لا تكون أنت أو أحد أحبابك في مرمى الموت.

هل الثأر يقتل قاتلي أم يقتلني؟!

الكل يصفق لنهايات الخلاص الفردي، لنهايات يقتل فيها  ليكتر” قاتل ميشا” لخيانته، لدناءته، ولزاجته، ونفسيته المشوهة المعطوبة.

لم يؤمن ليكتر بمنظومة “دنسة” بناها أصدقاء القاتل وأقاربُه.تلاشت لديه صورة الدولة الملعونة وأدواتها السادية ليقتلع وحده قلب العدو وكبده.

كفر ليكتر بالحاكم وحكومته وزبانيتة وجلاديه وقضاته وصُحفِهِ ومذياعه وفضائياته ومشايخه وقساوسته..وآمن فقط بذاته والثأر.

الموت.. نظن أنه يقترب من كل الناس إلا نحن ومن نحب، ثم فجأة يأتي الموت بدون أي إنذار.

أتساءل بيني وبين نفسي : لماذا لا يرتبط بإنذارات أكثر وضوحًا من الشيخوخة.

أرد على نفسي متهكمًا: شيخوخة، أي شيخوخة؟! في الأيام الأخيرة خرجت مئات من نعوش الصغار ذوي الأجساد الغضة لم يمش وراءها سوى الشيوخ والعجائز!

القتل يسير فينا كآلة جز  الحشيش، نجري منه متلهفين لبقايا دقائق معدودة، لعلنا ندخن السيجارة الأخيرة الباقية في جيوبنا، ونحن نملأ حينها أعيننا بمرأى الأماكن القديمة، أو نصبح أكثر حظاً فنأخذ نظرة خاطفة على وجه من نحب.

انتظار العدل وحده في حياة أخرى “غير معروفة بعد” يُبقى الأمل في قلوب بعض السذج في الزنزانة بجواري، ويبقيني أنا  حيًّا الأمل في ترقب نظرة رعب في عينيِّ قاتلي.

أي وحش قتل ذاك الطيب في داخلي، أي مجنون زرع كل هذا الغل فيِّ.

كل ليلة أحلم بهانيبال ليكتر بعد أن عجزت أن أكون روبسيبر آخر.

هل سيحتويني قبر يُعجزني عن مطاردة ظالمي؟

 غالبا من يتحدث عن أن” القتلى  يأتون في أحلام قاتليهم” هو مسكين أحمق، أشباح زملائي القدامى أخبروني أن ” جثثهم تم دفنها للأبد مع قصصهم الخاصة.”

الثأر..  أهو سُم أتجرعه كي يخفف نار الغلواء التي تحتويني، أم رغبة مني كي أتلبس بثوب قاتلي.

الجحيم هو العجز المطبق، هو أيدي الزبانية التي تنهش في أثداء بنات العائلة، هو أرض الطفولة المحروقة، وبيت  كئيب مغلق، ويد والدي الشيخ المسكين المعلقتان على عروسة تعذيب خشبية.

الجنرال يعلن ألوهيته

لم يبق للجنرال –مع كل هذا الخمول- سوى أن يعلنَ إلوهيته.

..

لن يخترْ حينها يومًا مناسبًا للإعلان..

كيومٍ يغمرنا بالمطر بعد جفاف طويل.

أو شهرٍ ممتلئ بالخصوبة، أو حتى رأس عام الحصاد الكبير.

سيختار -من فرط ترهلنا- يومًا له ملامح الأيام العادية.

ربما يوم ثلاثاء روتيني قاتم، أو حتى يوم صيفي شديد الكآبة تمتلئ الإذاعات فيه بأغاني مملة، وأحاديث في الفضائيات شديدة اللزوجة.

سيعلن عن حاجته لسكرتيرة لأعمال الربوبية، سيفضل متزوجة كالعادة، ومشعوذ ونبي متفرغ.

سينتخب من بين ندمائه الليلييّن مجلسا لسدرة المنتهى، ويرسم الشيخ الأكبر كبيرا للملائكة.

سيصطفى من وريثه الشرعي مسيحًا للموجوعين، ويجعل من زوجته الرؤوم “مريم” الطاهرة.

سيكتب الجورنالجي الكبير : هل يصلح للكون إلهان؟

وتعلن ما تبقى من المعارضة حنقها الشديد لعدم التنسيق المسبق.

2

صار الصوت الوحيد الذي يُسمع بمقرات الأحزاب هو صوت عالٍ لضربة حجر “دومينو” يلعبها الشخصان الوحيدان المتبقيان في أي مقر حزب معارض في هذه الفترة.. “رئيس الحزب” و”عامل البوفيه”.

كان صوت حجر “الدومينو” -ذو اللون الأصفر الباهت- يزداد علوًّا يومًا بعد يوم نتيجة خلو شقق الأحزاب من الأثاث، فالأصوات تعلوا برنة مميزة عالية في الأماكن الفارغة.

مثقفو وزارة الثقافة المشاهير زاحموا بائعي كتب الرقية والأدعية والذكر على أبواب المساجد، كانت “صُرَّة” الكتب تُباع بثمن أرخص كثيرًا من “كارت شحن” هاتف محمول، فيما كانت “أوراق السياسات” المكتوبة بلغات أجنبية يباع فيها اللب والسوداني في المحلات الصغيرة.

أغلق كل المستثمرين مصانعهم، وشحنوا أموالهم -التي خزَّنوها لفترة طويلة رغبة في تغيير قادم- إلى الخارج، وضعوها بالبورصات والبنوك العالمية بعد أن فقدوا الأمل الأخير.

أصابت الناس حالة غريبة، وصفها ما تبقى من أطباء النفس بحالة “التية الكبير”.

كان الجنرال قد قام من زمن طويل بعمل انقلاب “سلمي” أبيض على السلطة القائمة.

أول دفعة استلمها الجيش من “صندوق النقد” اشترى بها من “الصين” بوصلة ضخمة كبيرة جدًا وضعها -بعد احتفل ضخم- بميدان “الثورة” العظيم كي يتم الاسترشاد بها نحو طريق لمستقبل أفضل، ومعها ملايين الأطنان من “الفياجرا” الرخيصة وزعها على الناس كي يستعيدوا بها البهجة.

المعذبون في الأرض

ودفاتر مديونيات الغلابة تكدست عند البقالين، وأصحاب الحوانيت العامرة.

ورجال في أردية صفراء يقفون هناك بين صناديق القمامة ينتظرون في ” القيظ”.. الخلاص، ودراهم تُلقى من الشبابيك العابرة.

 وأرملة ” مكلومة” مات فقيدها ” العتّال” .. حتفا من إحدى بنايات القصور الفاخرة. وقلوب مرضى “الموت” ترقب ساعة اليأس والخروج.. من الدنيا الكافرة.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

رجل فخم – الاجتماع (قصتان) هؤلاء يجب أن يعملوا في عصابة داخل وزارة المالية. أو هيئة البورصة. أو واحدة من هذه الهيئات التي يعمل فيها الوحوش والقتلة ومصاصي الدماء.

خالد الخميسي

الأب الصامت، ونصوص أخرى

أحمد عبد الحميد حسين

ما بين الأدب والصحافة أحد سبل الهروب من آلام الصحافة كان من خلال العمل في قسم الإخراج الصحفي، الذي – على حد تأكيده – منحه حرية أن يعمل ككاتب رأي، يكتب عمودا من حين لآخر في نفس الوقت الذي اجتهد فيه سرا على تطوير محاولاته الأدبية. "كانت الفروق بين الصحافة والأدب تتكشف أمامي تدريجيا؛ فروق تتعلق بالمتطلبات النفسية والحياتية لكل منهما بما يجعلهما أقرب إلى العداء.

نورهان توفيق

لينين يكذب أحيانا، ونصوص أخرى لينين كان كاذباً للغاية حينما تحدث عن أن الأمور لابد أن تزداد سوءا كي تنصلح لاحقاً!

أحمد عبد الحميد حسين

دون كيشوت ونصوص أخرى يحكمنا "دون كيشوت" بكاب كبير. كي يقتل الشغف والتمرد بداخلنا يأمر نصفنا بحفر حفرة كبيرة، ويأمر النصف الآخر بهدم ذات الحفرة.

أحمد عبد الحميد حسين