مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (2)

قضايا

08  يونيو  2017

لقراءة الجزء الأول

عبقرية وبطولة وإبداع غير مسبوق في تنظيم الانتفاض الجماهيري على أوسع نطاق تتواصل لعامين ونصف، وعجز واستنكاف متواصل عن تنظيم وبلورة وصياغة الإرادة السياسية لتلك الجماهير المنتفضة في الوقت نفسه. ربما يفسر ذلك، التناقض المستحكم والمدهش، الهزيمة الضارية للثورة المصرية، ولكنه يحتاج بدوره إلى تفسير.

ليست منهجية تقييم التجارب الثورية للشعوب وقراءة دروسها أمرا يتعلق بالولوة ولا بإلقاء الاتهامات وتبادلها، فما حدث قد حدث، ولأنه حدث فقد كان لابد أن يحدث. فقصور الوعي معطى، ووهن الخبرة التنظيمية وتشوه مفهوم التنظيم معطى، ومؤامرات الخصوم وبطشهم معطى، وطغيان الماضي وأوهامه على العقول معطى، وخصائص التراث النضالي وما ينطوي عليه من خبرة وأوهام وتعقيدات هي أيضا معطى. ورثنا عن الأسلاف في حركة اليسار قصة الشرط الذاتي والشرط الموضوعي، حيث الأول موضوع للنقد والتقييم والمحاسبة، بينما يكاد الثاني أن يكون قدريا قهريا يقدم في أغلب الأحوال كذريعة لفشل محتوم. ولكننا كثيرا ما نغفل أن الحياة أعقد كثيرا من أن تختزل في “ثوابت ومتغيرات” كما اصطلح على تسميتها في ميدان علمي مصطنع هو للأسف موضوع دراستي الجامعية، ألا وهو “العلوم السياسية”. ونغفل أن “الذاتي” و”الموضوعي” يتبادلان المواقع طوال الوقت، فما هو معطى موضوعي بالنسبة لي في لحظة تاريخية بعينها (مثلا: مستوى نضج وخبرة الحركة العمالية كمعطى موضوعي يقابل تنظيم ماركسي يسعى للارتباط بها) هو شرط ذاتي للحركة العمالية يقابله على سبيل المثال الشرط الموضوعي لوزنها النسبي في التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية في هذه اللحظة التاريخية أو تلك. بل وكثيرا ما يختلط الموضوعي بالذاتي، ونموذجه الأبرز تاريخيا هو أن تسبق روسيا الفلاحية “المتخلفة” ألمانيا الصناعية “المتقدمة” في انجاز الثورة البروليتارية، فتسقط الأولى في الستالينية والثانية في النازية.

أضف إلى ذلك ما يمكن أن نطلق عليه منطق “المظلومية”، وهو أن تفسر فشلك بقوة وبطش ووحشية خصومك، وهو في الواقع مصادرة على المطلوب، فقوة وبطش ووحشية خصومك هي من بين الأسباب الجوهرية لمقاومتهم والتمرد عليهم أصلا. حالة الانتفاض الشعبي الشامل تفتح طاقة أو نافذة فرصة تاريخية. إذا ما أضيعت ضاعت الفرصة، ولو إلى حين، فالمجتمع القديم قوي وراسخ بحكم العادة وبحكم بني ومؤسسات وهياكل نشأت وتبلورت ورسخت عبر عقود من الزمان، والثورات تُهزم بأكثر كثيرا مما تنتصر، ولكنها القانون الحاكم لحركة التاريخ وتستوي في ذلك الثورة الفرنسية في 1789 وبزوغ الفيس بوك في 2004.

منهجية تقييم التجربة الثورية إذن هي في المحل الأول قراءة دروس التاريخ وليس محاسبتها بأثر رجعي، فليس بوسعك أن تحاكم تجربة تاريخية ما استنادا إلى ما تعلمته منها بالتحديد.

بدأت بطرح ثلاثة أسئلة ملموسة على ثورة 25 يناير، لا محاكمة لها أو محاسبة لقياداتها الميدانية الباسلة، ولكن استنفارا للتأمل في تجربتهم التاريخية ولاستيعاب ما يمكن أن تحمله من دروس للمستقبل، وكل منها يكشف عن وجه من أوجه تناقض بدا مستعصيا بين قدرات هائلة على تنظيم الاحتجاج الشعبي على أوسع نطاق من جهة وعجز مستديم عن تنظيم الإرادة السياسية، ومن ثم تحققها على الأرض من ناحية أخرى. بل وإذا ما وضعنا في الاعتبار مسار العملية الثورية طوال العامين ونصف لتواصلها للاحظنا، وربما صدمنا، بوجه أخر لذلك التناقض، حيث المجابهة والإصرار البطولي على المقاومة دفاعا عن المبادئ العليا للثورة، يقابله نكوص مستديم في التعبير عن الإرادة السياسية الكامنة في تلك المقاومة: تستنكف عن بناء تنظيم جماهيري كان قائما بالقوة، وإن ليس بالفعل، معبر عن الإرادة السياسية للثورة، ولكن تهرع لتأسيس جملة من الأحزاب أيديولوجية الطابع (بصرف النظر عن ضبابية ذلك الطابع الأيديولوجي وغموضه في معظم الأحوال)، تتشابه كلها من النواحي الفكرية والسياسية والتنظيمية بحيث لا تكاد تفهم مبررا مقنعا لتعددها غير اختلاف القيادات؛ تتقاسم فيما بينها ما  تيسر من شباب الثورة بين هنا وهناك بعد أن انفرط عقد أكثريتهم بالضرورة؛ تستنكف عن بلورة وتحديد المطالب الملحة للثورة ورفعها في عنان السماء، راية للتعبئة ولمواصلة النضال ينتظم حولها الملايين، بينما تتخذ كل مجموعة جانبا، لتدفع بخبرائها وحكمائها لتدبيج برامج سياسية واقتصادية وتعليمية وصحية وتنموية تفيض بالتفاصيل، وبالتأكيد بالحكمة والاجتهاد والمعرفة العلمية، ولا يقرأها أحد، ولا تقدم في نهاية المطاف غير براهين رمزية عن جدارة الحزب المعين بحكم البلاد ولو نظريا.

في مواصلة الاحتجاج، أنت شاب مجدد، جسور، ومبدع، تحير أعداءك وتُربك حساباتهم مرة بعد مرة بعد مرة، ولكن ما أن تحول وجهك للسياسة (تاركا الملايين على قارعة الطريق)، حتى تصبح بالضبط ما اعتادوه وعهدوه لعقود، عجوزا، محافظا، وجلا، مترددا. في الشارع أنت ابن الثورة، تنبض شبابا وحيوية وجدة وإبداع، شرعيتك مفروضة بقوة الجماهير الغفيرة الثائرة؛ وفي المقار الحزبية ينكمش الخيال وتخوى الروح وتقبض الجدران والمكاتب على العقول والوجدان، وكأنها تسحب الأوكسجين سحبا من جنبات المكان، شرعيتك أسيرة الدواوين الحكومية. في الشارع أنت ابن شعب ثائر يولد من جديد، وما أن تنتقل للمقر الحزبي حتى تصبح ابنا “للنخبة”.

في زمن الثورة، وبدلا من أن تكون السياسة ميدانا لتحقيق إرادتها وتوسعها وفرضها ميدانا فميدان، بدت كما لو كانت ثقبا زمنيا، ما أن تخطو خطوة واحدة داخله حتى تجد نفسك وقد انتقلت إلى زمن “بين بين”، ليس هو بزمن ما قبل الثورة وإن كان شديد الشبه به، ولا هو بزمن الثورة وإن كان يحمل بعضا من ملامحه، والأهم أن وجودك الجديد يستند إلى حقيقة الثورة ولكن لا يستند إلى قوتها؛ في الميدان أنت جزء من الشعب الثائر، وفي المقر الحزبي أنت مجرد واحد من أحزاب “النخبة” تسعى مجددا وفي عود أبدي “لكسر أسوار العزلة”.

والمسألة هي: لماذا؟ المسألة هي البحث في الأسباب، وتلك تظهر نفسها لنا ككتلة هائلة مختلطة ومتداخلة، تحفل بالعناصر المتعددة، متباينة التأثير والمصدر، تبدو قدرية طاغية لا قبل لنا بالتعامل معها، وهو ما يقتضي منا تفكيكها وتتبع تأثيرات ومظاهر وأشكال تحققها المختلفة، وتتبع التاريخ الخاص لكل منها ومحاولة تشخيص مدى ونوع تأثيره ونمط تفاعله مع غيره من العناصر؛ أي تقتضي جهدا جماعيا كبيرا قوامه الحوار المتواصل والثري والجاد، حوار يبتعد عن الاستسهال – وما أكثره بيننا – من نوع تبادل الاتهامات أو التعلل بمؤامرات وبطش الثورة المضادة أو الندب ولطم الخدود على طريقة “mea culpa” أو “انه ذنبي”.

كُتبت آلاف الصفحات في الثورة المصرية، أكثرها كتبه أجانب بلغات أجنبية، بل وأكثر ما كتبه مصريون وعرب في الموضوع نفسه كتب بدوره بلغات أجنبية (وبالمناسبة لا أستثني نفسي من هذه الخطيئة وقد شاءت الظروف أن تكون أكثر كتاباتي عن الثورة المصرية بالانجليزية من خلال أهرام أون لاين). والأهم أن لا نقاش حقيقي بعد أكثر من ست سنوات من الثورة. ست سنوات وأصحاب الثورة الشعبية الأهم في التاريخ المصري الحديث بأسره (بما فيها ثورة 19) يكادوا يمتنعون عن نقاشها والتأمل في تجربتها واستخلاص ولو بعض من دروسها، اللهم إلا شذرات هنا وهناك، عادة ما تبقى بدون تعليق أو نقاش يذكر، وقد استعضنا عنهما بالـ”ليكات”.

لست إذن في هذا المقال بصدد “حل” معضلة الثورة المصرية، أو محاولة تقديم التفسير الناجع لأسباب هزيمتها، ولكن الإسهام في نقاش تلك التجربة التاريخية الكبرى من منظور أظنه جوهريا حاسما وهو منظور التنظيم، ولعل فيه تتكاثف مجموعة أخرى من العناصر. فقضية التنظيم، كما سبق التأكيد، ليست قضية تقنية، ولكنها مسألة فكرية وسياسية في المحل الأول.

الثورة بين التاريخ والنموذج

تبدو الثورة المصرية وكأنها تقدم نموذجا واضحا، جليا في وضوحه، نموذجيا في بساطته، باديا في قابليته للتكرار، وكأنه معادلة كيميائية بسيطة بساطة مزج الصوديوم بالماء. المشكلة انه النموذج الخطأ.

فالثورات ليست قط، في أي مكان أو زمان، معادلات بسيطة، ولكنها تنتمي إلى عالم المعادلات أو النظم غير الخطية، حيث المحددات هائلة العدد، والنتائج غير متوقعة، وحجم التغير في النتائج لا يتساوى مع حجم التغير في المحددات بل يفوقه بمراحل.

وفقا للمعادلة البسيطة للثورة المصرية تبدو هذه الثورة نتاج تراكم ممتد من أعمال مقاومة “النخبة”: نخبة ممن اصطلحنا على تسميتهم مؤخرا بالناشطين السياسيين يواصلون تحدي نظام الاستبداد المباركي بأجسادهم، تتراوح أعدادهم بين بضعة مئات في معظم الأحيان وبضعة آلاف في أحيان قليلة، يخرجون للشارع للتضامن مع الانتفاضة الفلسطينية، وللاحتجاج على غزو العراق، وينشئون حركة نخبوية بامتياز، هي حركة كفاية، للاحتجاج على مشروع توريث السلطة من الأب إلى الابن، تدخل عليهم التكنولوجيا الجديدة، وبالذات الميديا الاجتماعية، بأدوات جديدة للتحريض والتعبئة، وبجيل جديد من الشباب يجيد استخدامها. تتواصل مقاومة النخبة حتى تنجح بعد لأي، وفي يوم معلوم في استثارة “الجماهير”، في إيقاظها من نومها وتنويرها بعد طول ضلال وضياع واستكانة – فتكون الثورة.

سنوات طوال تنقضي و”النخبة” حبيسة مقرات الأحزاب والنقابات المهنية: يتعاركون ويتجادلون ويتوعدون: “يا مبارك، يا مبارك، المنصة في انتظارك”، يهتفون ملئ الحناجر من الشرفات لعل بعض من صوتهم يصل آذان بعض من “الجماهير”. ثم تأتي الألفية الثانية ومرحلة “خليهم يتسلوا”، لينفتح “الشارع” المنشود جزئيا أمام أبناء “النخبة” بعد طول لوعة واشتياق. هل كان ذلك “الانفتاح” الجزئي بسبب الضغوط الأمريكية، خاصة بعد أن وجه الرئيس الأمريكي بوش انتباهه لمصر بعد فشله الفاضح في “مقرطة” العراق؟ أو على سبيل إفساح مساحة محكومة ومقيدة بألف قيد للـ”تنفيس” عن الغضب المتصاعد، اجتماعيا ووطنيا؟ أم بسبب صراع فعلي بدأ يحتدم في دوائر الحكم حول مشروع التوريث؟ أو بسببها مجتمعة؟ لا يهم. المهم هو أن انقسام المصريين إلى “نخبة” و”جماهير” كان قد تكرس في العقول والوجدان وفي الممارسة إلى حد غير مسبوق، لنشهد يوما بعد يوم المشهد المعهود: بضعة مئات من متظاهري النخبة يحاصرهم أضعاف أضعافهم من قوات الأمن، وخارج الدائرة “الناس العاديون” يتفرجون بفضول واندهاش.

ليس قصدي هنا هو تقديم معادلة بديلة لتفسير الثورة المصرية، وأدعي أنها – مثلها كمثل أي ثورة، شعبية كانت أو تكنولوجية – ليست قابلة للتفسير بمعادلات بسيطة من أي نوع، ولكن بتحليل غني يسعى للإحاطة والاقتراب قدر المستطاع بالعالم الحافل بمحدداتها الغفيرة عددا وتنوعا، وتعقيد تفاعلاتها وتأثيراتها المتبادلة، بل وأدعي أن مثل هذا التحليل هو في كل الأحوال غير ممكن إلا بأثر رجعي، أي بعد وقوع الواقعة.

وليس قصدي أيضا الاستهانة بنضالات “النخبة” وكل ما انطوت عليه من إصرار وروح كفاحية وتضحيات، شملت أيضا (وأقولها معتذرا مقدما) الكثير من الحماقات. وليس في هذا إنكار لدور لعبته هذه النضالات “النخبوية” في تعبيد الطريق للثورة أو في المساهمة في تفجيرها أو في تدريب كادر مؤهل للإسهام في قيادتها الميدانية.

غير أن مقاومة مئات “النخبة” بأجسادهم (تُقابل بالقمع أحيانا وبتساهلات “خليهم يتسلوا” في أحيان أخرى) لم تكن لتصنع ثورة شعبية تشمل مئات الآلاف أو الملايين، ولم تكن الثورة “ضربة حظ” ضبطت مرة بعد أن خابت عشرات – وربما مئات المرات – قبل الثورة وبصور مأساوية فادحة في أعقاب هزيمتها.

المشكلة ببساطة هي أن المعادلة/الصيغة الشائعة للثورة المصرية هي الصيغة الأكثر رداءة على الإطلاق لفهم تجربة الثورة المصرية ولاستيعاب دروسها، هي ببساطة الدرس الخطأ، ولم يكن طغيانها على العقول سببا في اندلاع الثورة المصرية ولكن في هزيمتها.

ثنائية “النخبة” و”الجماهير” لا تصنع ثورات ولكن هزائم متكررة.

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. سوزان عبد المعطى فياض

    الجماهير تعى مطالبها، وتعرف كيف تحتج من اجل تحقيقها، ولكنها تحتاج للتنظيم الذى يترجم ارادتها السياسيه.. فى أدبيات الاحزاب الماركسيه كان الدرس الاول خلق سلوك الاتصال بالجماهير .. من واجبنا ان ننتقد انفسنا ونقول : اننا استسلمنا “للموات السياسي” الذى فرضه علينا نظام مبارك

موضوعات ذات صلة

قراءات في ثورة يناير 2011: تاريخياً، لا يوجد نموذج بديل فوري، باكتماله وطرح تطبيقه تتم إزاحة السلطة القديمة وأفرادها.

علي الرجال

الشيطان يعظ يقولون لك "وكيف نطلب أن يكون هناك سياسي في ظل نظام مستبد وقامع مثل هذا؟! السياسة ابنة المجال الحر". تقبل منطقهم وترد عليه "اذن اكسروا مثل هذا النظام، ثوروا عليه.” سيصرخون في وجهك "مزايدة!”.

محمد علاء الدين