الريف السوري مفتاحا لفهم نظام الأسد (2)

قراءة في: حنا بطاطو، فلاحو سورية: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنا وسياساتهم

قراءات

09  مايو  2017

الكتاب: فلاحو سورية: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنا وسياساتهم

الكاتب: حنا بطاطو

ترجمة: عبد الله فاضل، رائد النقشبندي

مراجعة: ثائر ديب

الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

سلسلة: “ترجمان”

بيروت 2014

إذا كان القسم الأول من الكتاب، الذي عرضناه في الجزء الأول من هذا المقال، يطرح نظرة في العمق إلى أحوال الفلاحين السوريين المادية والاجتماعية، فإن القسمين الثاني والثالث، اللذين نعرض لهما هنا، يتناولان الجوانب “الذاتية” من حياة الريف السوري، فيتناول القسم الثاني “أنماط الوعي والتنظيم والسلوك السياسي الفلاحي قبل البعث”، بينما يحلِّل القسم الثالث “البعثية في جوانبها الريفية والفلاحية”. والقسمان معا يساويان من حيث الحجم القسم الأول من الكتاب. وبينما يتسم القسم الثاني بقصر فصوله الستة نسبيا، فإن القسم الثالث يضم ثلاثة فصول أطول، أهمها وأطولها هو الفصل الثاني عشر عن البعث “الانتقالي”، أو بعث الستينات، حيث يبلغ طوله حوالي ستين صفحة.

أنماط وعي الفلاحين وتنظيمهم وسلوكهم السياسي قبل البعث

يبدأ بطاطو القسم الثاني من الكتاب بفصل وجيز لكن شيق حول صورة الفلاحين لدى عدد من المفكرين البارزين من مشارب مختلفة. وهو يتساءل: “هل كان فلاحو سورية في القرون السابقة على قرننا ذلك الثقل الميِّت سياسيا؟ ولماذا الإشارات إليهم في الأدبيات الإسلامية – وهي مجموعة من الكتب الحضرية – نادرة وواهية إلى هذا الحد، ما خلا استثناءات قليلة جدا؟” (ص 185). وإزاء هذا التساؤل، من المفيد أن ينصرف الذهن إلى ما أوضحه سمير أمين مثلا في كتابه الأمة العربية وفي كتابات أخرى من كون الحضارة العربية الإسلامية قد اتسمت بتهميش للفلاحين. فالعالم العربي الماقبل استعماري كما يصفه أمين هو “مجموع متميز بطابعه التجاري، تُشكِّل مصر فيه الاستثناء الفلاحي الوحيد”. ويشرح أمين أن الطبقة القائدة في هذا العالم كانت “حضرية مؤلفة من رجال البلاط والتجار ورجال الدين، وحولهم العالم الصغير للحرفيين والمشايخ الذي يميز المدن الشرقية. وتكوِّن الطبقة القائدة لُحمة هذا المجموع: لقد تبنّت جماعيا اللغة ذاتها، والثقافة الإسلامية السنية ذاتها. وهي ذات حركية ونشاط كبيرين يجعلانها قادرة على التنقل بين طنجة ودمشق دون أي شعور بالغربة. وهذه الطبقة هي التي أقامت الحضارة العربية، وغناها يرجع إلى غنى التجارة البعيدة أو ازدهارها. وهذه التجارة هي سبب تحالفها مع القبائل الرحّل وقوافلها، وسبب عزلة المناطق الزراعية التي احتفظت بشخصية متميزة – لغوية (بربر) أو دينية (شيعة) – دون أن يكون لها دور مهم في النظام” (سمير أمين، “الأمة والدولة والطبقات في الوطن العربي“).

ولا غرابة أن تكون صورة الفلاحين عند ابن خلدون مثلا سلبية. فهذا المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع هو ابن تلك الحضارة العربية الإسلامية التي لم تحفل كثيرا بالفلاحين. ويشير بطاطو إلى رأيه القائل بأن “الناس الذين يعيشون على الزراعة يتميزون بالمذلة أو انحطاط وضعهم”. وينقل بطاطو عن ابن خلدون قولا يُنسب إلى نبي الإسلام الذي قيل إنه صاح، عند رؤيته سكة المحراث في بعض دور الأنصار: “ما دخلت هذه دار قوم إلا دخلهم الذل” (ص 185). ويرد ابن خلدون “جذور هذا الظرف إلى المغارم أو غيرها من الضرائب المفروضة على الفلاحين والضرّ الذي يتحملونه في ممتلكاتهم ووقوعهم تحت نير سلطان غالب”. ويشرح أن ذلك مما لا تحتمله “النفوس الأبية”. وينقل بطاطو عن ابن خلدون أيضا قوله بأن “المذلة” تولِّد لدى الفلاحين أيضا صفات “المكر والخديعة”، كما ينقل عنه استشهاده مرة أخرى بحديث للنبي. “فبعد استنكار محمد للمغارم – كما يقال – يتابع ليقول: “إن الرجل إذا غرم حدّث فكذب، ووعد فأخلف”.”

لكن الحضارة الرأسمالية الحديثة تشاطر الحضارة العربية الإسلامية تهميشها للفلاحين. لذا لا غرابة أن تشيع الآراء السلبية عن الفلاحين بين الكثير من المفكرين في العصور الحديثة. ويسترعي انتباه بطاطو “مدى التشابه بين بعض العناصر في صورة فلاحي الأرض التي تبرز في تحليل ابن خلدون والصورة التي رسمها […] بلزاك للفلاحين الفرنسيين في عصره. فبلزاك، “الذي قالت عنه شخصية تاريخية كبيرة بحجم فريدريك إنغلز: “لقد تعلمتُ من تفسيره للمجتمع الفرنسي – على الرغم من المبالغة الدرامية في هذا التفسير – أكثر مما تعلّمت من جميع مؤرّخي تلك الفترة واقتصادييها وإحصائييها المزعومين””، يُقرن بالفلاحين صفة “المكر”. فهم في نظره “أقرباء مقربون من الهمج”، ومثل الهمج “لا يستعملون الكلام المنطوق قط إلا لينصبوا الأفخاخ لأعدائهم” من الأغنياء “الذين يحملون تجاههم حقدا عميق الجذور. لكنهم لا يقاتلونهم وجها لوجه، بل يثبطونهم بمكر وبوسائل غير مباشرة” (ص 186-187).

غير أن الموقف السلبي إزاء الفلاحين لدى مفكر “انحدر من نسب أرستقراطي عريق” مثل ابن خلدون، وأديب كبلزاك “لا يدع […] أي شك في شأن الجانب الذي يتعاطف معه”، حيث أن “مشاعره كلها كان متّجهة صوب النبلاء”، نقول إن الموقف السلبي هذا إزاء الفلاحين يوجد أيضا لدى شخصيات لا شك في انحيازها للكادحين والمقهورين. وهنا يشير بطاطو إلى وصف ليون تروتسكي للفلاحين الروس ووصف الأب هنري عيروط للفلاحين المصريين، حيث يرى في الوصفين “شيئا من الشبه بوصف بلزاك للفلاحين الفرنسيين”. فالأول يصف نفسية الفلاح الروسي قائلا: “لن تحصل [على الأرض] بطيبة القلب، والقوة خطرة، فلنجرّب الحيلة إذا”، بينما كتب الثاني عن الفلاحين المصريين في عام 1938: “مثل كل الضعفاء، يمارس الفلاح المكر إلى درجة الازدواجية. يعرف كيف يخفي فرحه أو عذابه أو جريمته… في حيله وضروب خداعه، عندما يترك الأمر للزمن ليقرر، أو عندما يوافق من دون أي نية لاحترام كلمته، أو عندما يستخدم لغة غامضة أو مراوغة، أو عندما يسيء الفهم عمدا، فإنه يظهر قدرة عالية على التكيف” (ص 187-188).

ويشير بطاطو كذلك إلى دراسة جيمس سكوت المعمقة عن قرية في مالاي، والتي يشرح فيها أن “الفلاحين، بوصفهم طبقة دنيا، لم يمنحوا إلا في ما ندر من التاريخ ترف النشاط السياسي المفتوح والمنظم، ويُشدِّد على “حقيقة أن الثورات الصريحة بالنسبة إليهم محفوفة بالخطر، إن لم تكن مدمرة، وأنها على أي حال، نادرة، ويُرجّح أن تؤدي، حتى لو نجحت، إلى نتائج بعيدة عن حساباتها” (ص 188).

ويتساءل بطاطو: “هل يمكن التعرف إلى فلاحي سورية، من حيث مزايا سلوكهم السياسي أو أشكال تعبيرهم السياسي، في أي من هذه الصور التي رسمها ابن خلدون أو بلزاك أو تروتسكي أو عيروط أو جيمس سكوت؟”. وهو يخصص بقية فصيل القسم الثاني من كتابه للإجابة عن هذا السؤال مذكرا قراءه بما سبق أن أورده في الفصل الثاني من كتابه من أن فلاحي سورية لا يشكلون “نمطا اجتماعيا واحدا بل أنماطا عدة”، ومؤكدا أنه “لا يمكن، بوضوح، وضع كل هؤلاء الفلاحين المختلفين معا في كتلة واحدة أو الافتراض مسبقا أنهم يتصرفون سياسيا بالطريقة ذاتها” (ص 190).

ويبرز الفصل السادس التراث الطويل للفلاحين البستانيين (البساتنة) في غوطة دمشق في التنظيم المستقل كطائفة مهنية منذ القرن السابع عشر تحت رئاسة زعيمهم الخاص (شيخ البساتنة)، ويشير إلى آراء بعض المستشرقين، ولا سيما لوي ماسينيون التي تربط ظهور الطوائف الحرفية الإسلامية “بصعود القرامطة في القرن التاسع، وهي حركة ثورية شيعية متطرفة ذات ميول مساواتية”. وإذا كانت طائفة البساتنة في الغوطة مرتبطة بوضوح بالهيكلية الطائفية الحرفية لدمشق، حيث كانت الطوائف الدمشقية، بحسب وصف إلياس قدسي لها في عام 1882، “إلى هذه الدرجة أو تلك جمعيات دعم متبادل ذات حكم ذاتي”، فإن الأمر لم يقتصر على دمشق ومحيطها. فبطاطو يشير إلى الدور السياسي الذي لعبه الفلاحون البستانيون في حياة حلب السياسية في القرن الثامن عشر على الأقل. فالفلاحون البستانيون من مستأجري بساتين حلب كانوا غالبا من الأشراف أو الإنكشارية، أي من “الجناحين السياسيين الرئيسين اللذين انقسم إليهما السكان المسلمون، وسيبقون على انقسامهم حتى الثلث الأول من القرن التاسع عشر، حين كسرت فعليا سلطة الجناحين”. ويفسر بطاطو وجود البساتنة في مراتب الأشراف والإنكشاريين، أي الزاعمين بأنهم من سلالة النبي من جهة وأفراد سلك المشاة الدائمين من جهة ثانية، “بإحدى طريقتين. إما أن أعضاء هذه الطائفة بشقيها لم يسلكوا سياسيا على نحو متناغم وإما أن بعضهم، وهو الأرجح، سار مع الأشراف وبعضهم تمسك بالإنكشارية على أمل أن يوجد على الدوام، وبغض النظر عن نتيجة النزاعات المتكررة بين الجناحين، في الجانب الصحيح للدفاع عن مصالح الطائفة بأكملها” (ص 195).

ويتناول بطاطو الحظوظ المختلفة للطوائف الحرفية السورية في زمن التغلغل الاقتصادي الأوروبي في القرن التاسع عشر. فبينما كان هذا التغلغل، وما تزامن معه من “ميل الدولة العثمانية إلى أن تجتذب إلى صفها عناصر القوة التي كانت منتشرة حتى ذلك الحين بين الأمراء المحليين والأغوات وشيوخ القبائل والمراتب النقابية”، ثقيل الوطأة على أغلب الطوائف الحرفية، غير أنه “بالمعنى الاقتصادي، لا يبدو أن الفلاحين البستانيين شاركوا كثيرا من الحرفيين حظهم التعس” (ص 196). ذلك أن فئات الحرفيين التي ترابطت أقدارها ارتباطا وثيقا بأقدار الفلاحين البستانيين، حيث كان الأخيرون يؤمنون لهم المواد الخام، “لم تعان إدخال السلع الأوروبية الرخيصة المصنعة آليا مثلما عانى ناسجو المنسوجات القطنية وحائكوها”. ويشمل أصحاب الحرف اليدوية الدمشقيين هؤلاء ممن لم يعانوا كثيرا من منافسة السلع الأوروبية صانعي الخيوط والحبال وصانعي الأثاث المزخرف، والحلوانيين، حيث كان بساتنة الغوطة يمدونهم بالقنب وخشب الجوز والفواكه على التوالي. ويرسم بطاطو على وجه العموم صورة مركبة ومتوازنة لأثر التغلغل الرأسمالي على فلاحي الغوطة البستانيين. ففي حين أنهم “نتيجة الصلات القوية بين الغوطة ودمشق، كان لا بد لهم أن يشعروا بالأثر الضار في الاقتصاد الدمشقي الذي تسبب به وصول الملاحة البخارية عبر المتوسط في أربعينات القرن التاسع عشر وتحول مركز الثقل التجاري من الداخل إلى الساحل وفتح قناة السويس في عام 1859، وخسارة الكثير من مرور الحجاج المسلمين برا وتجارة الترانزيت عبر الصحراء وإفلاس خزينة حكومة دمشق في سبعينات القرن التاسع عشر”، ففي المقابل “لا بد أن يكون الفلاحون البستانيون، ولا سيما أصحاب البساتين من بينهم – الذين كانت أعدادهم كبيرة في قرى الغوطة الأقرب إلى دمشق – قد استفادوا أخيرا، بطرائق مباشرة وغير مباشرة، من تلك التطورات من مثل مد شبكة البرق العثمانية إلى دمشق في عام 1859 وحلب في عام 1862، وشق طرقات آمنة وقابلة للاستخدام في مناطق عدة من سورية بما في ذلك طريق دمشق – بيروت للعربات في الثلث الأول من ستينات القرن التاسع عشر، وربط دمشق ببيروت بسكة حديد في عام 1895 وبحمص وحماه وحلب عبر رياق بين عام 1903 و1906 وبالمدينة المنورة بين عامي 1901 و1908، وتأسيس جهاز للشرطة الريفية فاعل وسلسلة من الحاميات النظامية على أطراف البادية السورية، وما تبع ذلك من تعزيز للأمن في الريف ومن قمع للممارسة المتكررة التي يفرض بموجبها شيوخ بدو عنيدون رسما على كل بستان أو حيازة أرض” (ص 197).

ويبرهن بطاطو على تحسن أحوال فلاحي الغوطة البساتنة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ويفسر بذلك لماذا ظلت نقابتهم نشيطة حتى فترة بين الحربين، ويخلص إلى أن “تجربة الفلاحين البستانين التنظيمية الطويلة تفسر قدرتهم المميزة على حماية مصالحهم أو مقاومة عسف ملتزمي الضرائب أو إلحاحهم، وهي خاصية تميزهم عن معظم الفلاحين الآخرين” (ص 199) ويختتم هذا الفصل بإشارة إلى أمر ذي مغزى سيكون موضوعا للفصل العاشر، آخر فصول القسم الثاني، وهو كون “أول حزب سياسي ذي توجه فلاحي، وهو الحزب العربي الاشتراكي – الذي خرجت نواته الأولى إلى الحياة في عام 1943 في حماه تحت شعار “هاتو القفة والكريك لنعش الآغا والبيك” قد استمد قوته الأساسية في تلك المدينة من الفلاحين البستانيين في حي العليليات الذي كان في أيام العثمانيين خارج جدران المدينة” (ص 201).

على أن نمط الوعي السائد في صفوف الفلاحين السوريين تاريخيا، وحتى الحرب العالمية الأولى، تمثّل ولا شك في الصوفية، حيث “لم تؤد أي حركة أخرى دورا يفوق دورها في تشكيل قناعاتهم وقيمهم” (ص 203). لكن ماذا كان تأثير ذلك على الريف السوري؟ يوضح بطاطو أن “الصوفية عصية على التعريف، لأنها حركة ذات جوانب متعددة ودوافع وأهواء مختلفة متنوعة. كانت على مراحل من الوقار والتسامح ولحظات من الغضب والتعصب. وكانت على خلاف مع الإسلام “الأصولي” أو على توافق معه بحسب الأشكال التي اتخذتها […]. وازدهرت الصوفية في بعض الفترات، ودعمت الإيمان المسيطر، لكنها أضعفته في أوقات أخرى، وابتذلته. فيها رجال أتقياء ومثاليون، وفيها نصابون ومشعوذون ومرقصو أفاعي. ألهمت القناعة والسلبية والجبرية، لكنها، في مفاصل معينة، تحدّت السلطة وحثت الرجال على الثورة” (ص 201).

وفي حين أن الصوفية في صبغتها الإسلامية بدأت فكرا وممارسة ألهمهما معلمون في قرون الإسلام الأولى من أبرزهم رابعة العدوية والحارث بن أسد المحاسبي وذو النون المصري وأبو زيد البسطامي والجنيد البغدادي والحلاج الفارسي، فإنها سرعان ما اتخذت طابعا مؤسسيا وراحت تسيطر على عقول عامة الناس، وبالأخص في الريف. ويشير بطاطو إلى ما ذكره المستشرق هاملتون أ. ر. جيب عن المجتمع الإسلامي عموما من أنه في الفترة الواقعة بين القرنين الثالث عشر والثامن عشر “كان لكل مجتمع قروي… محفله الصوفي” (ص 205). ويرى بطاطو أن أحد مفاتيح الهيمنة الصوفية على الريف السوري تكمن “في درجة القرابة بين الصوفية وشكل المسيحية الذي كان سائدا بين فلاحي سورية، الذي تمسّكت كتلتهم العظمى بالإيمان المسيحي حتى أواخر القرن الثالث عشر. ويشير الاستخدام العرضي للكلمات السريانية في الأدعية الصوفية إلى هذه القرابة” (ص 208). غير أنه بوسعنا هنا الإقدام على تعميم أوسع يشير إلى الطابع العضوي للوجود الصوفي في أرياف مجتمعاتنا قبل الحداثة. وقد أشرنا أعلاه إلى تحليل سمير أمين القائل بأن مصر شكّلت الاستثناء الفلاحي الوحيد في عالم عربي ما قبل استعماري شكّل مجموعا متميزا بطابعه التجاري. ولا غرابة بالتالي أن تكون الصوفية قد هيمنت على جميع مناحي الحياة المصرية على مدار قرون طويلة حتى مطلع العصر الحديث، وهو ما يشرحه باقتدار إبراهيم الهضيبي. “كانت إدارة المجتمع قبل وصول محمد علي للحكم تتم بالأساس من خلال مؤسسات أهلية، أهمها الطرائق الصوفية، وعلماء الأزهر (بوصفهم مفتين ووعاظ وقضاة ومعلمين)، وشيوخ الحرفيين، والأوقاف، ونظم العمد والمشايخ؛ وكانت العلاقات بين هذه المؤسسات متشابكة، إذ كان الأزهر “مؤسسة صوفية” بسبب انتماء طلابه وشيوخه للطرائق؛ واستندت كلتا المؤسستين الأزهرية والصوفية على الأوقاف لتمويل أنشطتهما، كما مولت الأوقاف الخدمات الأخرى كالرعاية الصحية والتعليم؛ فكان وجود الدين في الحياة وهيمنته عليها يتم من خلال مؤسسات وقنوات أهلية، أهمها التعليم الذي كان في مجمله خاضعا للمؤسسة الدينية ولطرائق الصوفية التي انتمى جل المصريين المسلمين إليها، وتعاظمت روابطها مع نقابات الحرفيين” (إبراهيم الهضيبي، “الدين والثورة”).

ويبيِّن بطاطو أن أهم الطرائق الصوفية في الريف السوري كانت هي الطريقة الرفاعية، وأن “الشخصيات التاريخية الأبرز التي أدّت أدوارا خاصة في نشر الطريقة الرفاعية في سورية كان من أصول ريفية ومتواضعة” (ص 206-207). وكدأبه، يرسم بطاطو صورة مركبة لتأثير الصوفية على وعي الفلاحين السوريين: “من الصعب ألا نرى في الجانب المفيد من الصوفية نوعا من العون العاطفي للفلاحين في أوقات الشدة. فلولاها ربما كان على كثيرين منهم أن يواجهوا قوى نادرا ما كانت ودودة. كما ساعدت الصوفية أيضا في دمج الفلاحين اجتماعيا وربطهم بطريقتها الخاصة في نسيج المجتمع الإسلامي. وتوسط شيوخها ومقدموها الألطف، ما أمكن ذلك، نيابة عنهم لدى الحكومة في أمور مثل الضرائب أو التجنيد العسكري. ومن جهة أخرى، غرست الصوفية في كثير من الفلاحين أفكارا ومواقف مثل القناعة أو التسليم أو الإيمان بالقضاء والقدر وبمشيئة الله وكانت عبودية وتصوفية في آثارها النهائية. وبهذا المعنى، أضعفت الفلاحين ذوي الميول الصوفية، وجعلتهم فريسة سهلة لملاك الأراضي عديمي الضمير. وفوق ذلك، أصبحت الصوفية وبعض طرائقها في فترات تاريخية معينة، ولا سيما في فترة السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909)، ملحقا له قيمته من ملاحق الدولة العثمانية. وفي حين أثنى الحكام على الأخويات في الجانب المادي، فإنها بدورها أمّنت للحكام الوسائل الأخلاقية لإبقاء الفلاحين -والسكان الحضريين- تحت السيطرة” (ص 212). وبالرغم من ابتعاد الحركة الصوفية، وخصوصا الطريقة الرفاعية، عن الميل إلى الحث على الخضوع في أثناء الاحتلال الفرنسي، فإن بطاطو يرى أنها إجمالا كانت “بلا شك، إحدى القوى المحافظة القوية في حياة الفلاحين، وشكلت عائقا في طريق أي مسعى عقلاني إلى إيجاد حلول حقيقية لمشكلاتهم” (ص 213).

لكن لنتذكر مرة أخرى ما يبرزه بطاطو من أن فلاحي سورية ليسوا نمطا واحدا. وهو يخصص الفصل الثامن من كتابه للتمييز بين “نزوع الفلاحين الجبليين إلى التمرّد ونزوع فلاحي السهول المفتوحة إلى طرق الدفاع غير المباشر في أيام العثمانيين والانتداب الفرنسي”. ولا يسع قارئ هذا الفصل الممتع سوى أن يشعر بتعاطف عميق مع كلا النوعين من الفلاحين. ففي الحالتين، عانى الفلاحون من جور وظلم بلا حدود، لكن ردود فعلهم على الجور والظلم كانت محكومة بالظروف التي وجدوا أنفسهم فيها. ففلاحو سهول حوران الشاسعة البعلية (أي التي تعتمد على مياه الأمطار) الجرداء كانوا يعانون الأمرين، سواء في فترات ضعف الدولة أو في فترات قوتها. “كانوا، عندما تضطرب سلطة الدولة في الريف، يتعرضون للسلب على يد قطاع طرق مسلحين أو قوات غير نظامية أو قبائل عربية بدوية […]. وعندما استعادت الدولة سلطتها المادية أو ووسعتها، كان على فلاحي حوران أن يتدبروا أمر الطلب المتكرر على العمل القسري، أو الطلب المزاجي على الطعام لقوات الحكومة أو حيوانات الجر لنقل الإمدادات العسكرية، فضلا عن مطالبات الدائنين أو جباة الضرائب أو ملتزميها أو مشايخ القرى وابتزازهم. ومع انتشار الأمن في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، وما تلاه من إنشاء سكة حديد الحجاز عبر حوران، واستيعاب المنطقة جزئيا في شبكة التجارة الدولية، بات الفلاحون تحت ضغط اقتصادي جديد من ملاك الأرض الغائبين الذين حصلوا من الحكومة العثمانية على صكوك ملكية بموجب قانون الأرض لعام 1858 الذي يمنحهم حقوقا بالملكية في أراض بحيازة الفلاحين على المشاع. علاوة على ذلك، منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر فصاعدا، أصبح الفلاحون عرضة للتجنيد على نحو متكرر أو مجبرين على المساهمة بمبلغ مكافئ نقدا” (ص 215-216).

وإذ لم يكن، من وجهة نظر فلاحي حوران، إظهار الجسارة في وجه أعدائهم ومواجهة القوة بالقوة خيارا مجديا لأنهم يكونوا مكافئين لهؤلاء الأعداء في القوة، فإنهم “إذا ما لجأوا إلى العنف كان ذلك بمنزلة ملاذ أخير ونتيجة يأس تام. وكانت القاعدة في الالتفاف على مصاعبهم أن يلجأوا إلى طرائق قائمة على الصبر أو الحذر” (ص 216). ويُعدِّد بطاطو هذه الطرائق، ومنها التفنُّن في بناء محميات حصينة يخبئون فيها حبوبهم. وبينما يقترن الفلاحون عادة بالاستقرار في أراضيهم، فإن فلاحي حوران، سعيا لتفادي الضرائب الظالمة وغيرها من أشكال الجور حوّلوا “قدرتهم على الانتقال ووفرة الأرض القابلة للزراعة لمصلحتهم، فكانوا يتركون قراهم في عشائر كاملة مع زوجاتهم وأطفالهم، ويبحثون عن مساكن جديدة في البيوت القديمة المهجورة في أجزاء أخرى من حوران. كانت قرى بأكملها ترحل بهذه الطريقة. وكان ذلك نمط مقاومتهم الأكثر شيوعا. وهذا هو السبب في أن هذه المنطقة، وغيرها، عرفت في مطلع القرن التاسع عشر كثيرا من القرى المهجورة أو التي كانت تُسكن على نحو متقطع” (ص 217).

غير أن فلاحي الجبال اختلفوا “في أفعالهم وردّات أفعالهم عن فلاحي السهول. وما ميّز الفلاحين الجبليين هو براعتهم في استخدام الأسلحة وميلهم إلى الإغارة أو المقاومة المسلّحة ضد الحكومة. كان هذا صحيحا خصوصا في حالة الفلاحين الجبليين الذين شكلوا جماعات مغلقة نسبيا وذات تقليد طويل من الاستقلال الذاتي، كالدروز في جبل العرب، أو غيرهم ممن كانوا يميلون إلى العزلة الإثنية والتركّز في مناطق معينة، على الرغم من أنهم أقل اندماجا وأكثر تمزقا من الدروز بفعل العوامل العشائرية، مثل العلويين في الجبال الساحلية” (ص 219). وقد “انخرط الفلاحون الدروز منذ بداية القرن التاسع عشر حتى الثورة السورية الكبرى (1925 – 1927) في ما لا يقل عن ثماني عشرة غارة كبيرة على القرى في حوران أو انتفاضات مسلحة أو مواجهات عسكرية ضد المصريين أو العثمانيين أو الفرنسيين. وفي الفترة ذاتها، تحدّى الفلاحون العلويون الحكومة القائمة، أو رفعوا السلاح ضدها، في ثلاث عشرة مناسبة مختلفة على الأقل” (نفس الصفحة).

ويناقش بطاطو الصلة بين “القلق أو التمرد” من جهة و”الابتداع الديني” من جهة أخرى. وهو يشير إلى عناصر في “الأديان الابتداعية” تميل إلى تشجيع الصفات أو العواطف الملازمة للحرب، مثل ما يغرسه الإيمان الدرزي لدى المؤمنين به من فضيلة الشجاعة، لكنه في الوقت ذاته يؤكد أنه بالرغم من الارتباط الواضح بين الابتداع الديني والنزوع إلى الثورة، “لا بد من تخفيف هذا الاستنتاج في ضوء سلوك علويي السهول المتناثرين الذين على الرغم من أصلهم الجبلي، صاروا مع الوقت أقل حدّة وقسوة وأكثر خنوعا من علويي الجبال” (ص 220). ويتناول بطاطو على نحو شيق أنماطا مختلفة من الثورات الفلاحية، فمنها ما اتخذ صبغة طائفية، مثلما حدث حين “انخرطت الطائفة الدرزية كلها في الجبل [في القرن التاسع عشر] بمقاومة محاولات الحكومة المتكررة القيام بتسجيل الرجال للخدمة العسكرية الإلزامية” (ص 222)، ومنها ما اتخذ طابعا قوميا شاملا كالثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي (1925 – 1927) التي كان عمودها الفقري الريفي الفلاحين الجبليين في جبل الدروز والفلاحين البستانيين في غوطة دمشق، لكن ربما كان أبرزها من حيث مغزاه التاريخي هو ما يصفه بطاطو بأنه “نوع استثنائي من الثورة الريفية – أو الفعل الطبقي الغاضب – ما عاد الفلاحون فيه، كما في الماضي، مجرد أدوات، بل نزلوا بقوة إلى الميدان مقاتلين من أجل قضية هي قضيتهم وساعين إلى أهداف كانت دائما عزيزة على قلوبهم. كان هذا العمل الثوري المختلف هو ثورة العامية 1889 – 1890. وكانت الثورة الوحيدة المشابهة لها في سورية الكبرى في القرن التاسع عشر هي ثورة الفلاحين في منطقة كسروان في لبنان ضد أسيادهم الإقطاعيين في فترة 1858 – 1859” (ص 224-225). وكانت ثورة العامية ثورة طبقية عمادها الفلاحين الفقراء في جبل العرب ضد آل الأطرش الذين دانت لهم السيطرة على الجبل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ومثلما يحدث كثيرا، أتت النار من مستصغر الشرر. فمقدمة ثورة العامية كانت “سلسلة من الاجتماعات السرية التي عقدها في عام 1889 زعماء العشائر الأقل شأنا، وسعوا فيها إلى توحيد صفوفهم ضد الشيخ الأكبر إبراهيم الأطرش الذي كان العثمانيون في هذا الوقت قد عينوه رسميا نائب الحاكم والمدير الإداري الفعلي للجبل. ولدى وصول أخبار هذا الاجتماع إلى شبلي، شقيق إبراهيم الذي كانت أهدافه مغايرة لأهداف أخيه، بدأ يثير مشاعر الفلاحين، على أمل أن يضع نفسه على رأس الحركة الوشيكة. لكن شبلي لم ينجح في إثارته للفلاحين إلا في أن يُخرج إلى السطح تلك النقمة على آل الأطرش التي كانت تجيش منذ زمن طويل. ولمفاجأته، انقلبوا عليه وعلى عائلة الأطرش كلها. في البداية اندلعت النار في جنوب الجبل كله حيث تتركّز قوة آل الأطرش، لكن ألسنة لهب ثورة العامية انتشرت إلى الشمال عندما نجح الفلاحون في طرد المشايخ الأكثر اعتبارا من غير آل الأطرش من قراهم وجرّدوهم من ملكيتهم” (ص 225).

وفي ذروة الثورة، سعى إبراهيم الأطرش وغيره من المشايخ إلى طلب العون من العثمانيين، الأمر الذي خشي معه رجال الدين الدروز أو “العقّال” من فقدان جبل الدروز وضعه الخاص المستقل ذاتيا، فعرضوا التوسط في النزاع وأجبروا عائلة الأطرش وبقية المشايخ على التوصُّل إلى تسوية طبقية مع الفلاحين في خريف 1889 حيث وافق المشايخ “على التنازل عن بعض امتيازاتهم، واعترفوا بحق الفلاحين في أرض خاصة بهم. لكن الفلاحين استأنفوا ثورة العامية في ربيع 1890 لأنهم استشعروا أن المشايخ لم يكونوا جادين في تنفيذ اتفاقهم”. ويبرز بطاطو وضوح المطلب الرئيسي للفلاحين الذين “سعوا إلى خفض حصة الشيخ من الأرض في كل قرية إلى الثُمن، وإلى توزيع الباقي على الفلاحين. كما طالبوا بالحق في تعيين رؤساء قرى يستجيبون لحاجاتهم ومصالحهم وأرادوا، علاوة على ذلك، وضع حد لممارسات الشيخ التسلطية، ولا سيما قدرته على إخلاء الفلاحين من حيازاتهم” (ص 225-226). ويرسم بطاطو صورة ملهمة لنضال الفلاحين ولفزع المشايخ من قوتهم: “بلغ النزاع المسلح ذروته في معركة عين المزرعة قرب السويداء، وفيها فاز الفلاحون. وفرّ مشايخ آل الأطرش إلى دمشق مفضلين، كما عبّر شبلي في إحدى قصائده، “الموت بيد السبع المجنزر [الدولة العلية العثمانية التي تقيدها القوى الكبرى] على الموت بسم الحية [أي جماهير الفلاحين]. عند هذا المفترق، أرسلت الحكومة التركية، مستغلة انعطاف الحوادث لمصلحتها النهائية، قوة كبيرة إلى الجبل احتلت السويداء وأغرقت ثورة العامية بالدماء. لكن الفلاحين الدروز لم يخسروا مكاسبهم كلها. وأصبح كثيرون منهم أصحاب ملكيات صغيرة، وصار المشايخ في قرى كثيرة لا يحتفظون إلا بثُمن الأرض، مع أن آخرين، مثل شبلي الأطرش، احتفظوا بما يصل إلى الربع، واحتفظ آخرون بأكثر من ذلك. لكن سلطة المشايخ على الفلاحين استُعيدت” (ص 226).

اليسار والفلاحون

لم يكن الفلاحون إذا غرباء تماما عن فكرة الثورة الاجتماعية، بل يمكن القول إن شبح هذه الثورة يلوح دوما، ولو كإمكانية، إزاء ما يعانونه من استغلال وقهر. ومن هنا أهمية الفصلين التاسع والعاشر اللذين يناقش بطاطو فيهما علاقة كل من الشيوعيين والحزب العربي الاشتراكي بالفلاحين السوريين. ويعود الفضل للحزب الشيوعي السوري، الذي ظهرت نواته الجنينية الأول في تشرين الأول/أكتوبر 1924، في كونه “أول تنظيم سياسي حديث في سورية يُدخل فلاحي الأرض ضمن نطاق رؤيته”، وذلك بالرغم من أن الحزب لم يكن “زراعيا في وجهات نظره وفي جوهره”، بل كان “ذا توجّه عمالي في المقام الأول، ولم يتصور الفلاحين إلا في أدوار داعمة فحسب” (ص 233). ويبرز بطاطو الجذور الريفية لمعظم الشيوعيين البارزين الأوائل، وأهمهم فؤاد الشمالي، قائد الحزب منذ نشأته حتى عام 1932، وهو عامل تبغ “ولد في عام 1894 لفلاح ماروني فقير في قرية سهلية في كسروان، وهي منطقة إلى الشمال الشرقي من بيروت تُعرف محليا بأنها شكلت العمود الفقري لانتفاضة 1858 – 1859 الزراعية” (نفس الصفحة). ولكن “على الرغم من تعاطف الشيوعيين الأوائل الطبيعي مع الفلاحين في سورية الطبيعية، فإنهم لم يحققوا سوى القليل من التقدم في الريف إلا بين الفلاحين المسيحيين في قرية بيرود التي تمثّلت خلاياها، إضافة إلى خلايا دمشق وحلب وحمص والنبك، في مؤتمر الحزب الذي عُقد في نيسان/أبريل 1930”. ويرد بطاطو هذا الإخفاق النسبي إلى عدة عوامل منها هيمنة “الصوفية وتقديس الأولياء الصالحين” على العدد الأكبر من الفلاحين، وإلى “الخلفية الأقلوية لجميع القادة الشيوعيين البارزين عدا واحد منهم”، حيث كان ناصر حدّة “هو العربي السني الوحيد، أما الآخرون فإما لم يكونوا عربا (أرمن) أو كانوا مسيحيين موارنة” (ص 236).

وينتقد بطاطو مسار الحزب الشيوعي في ظل قيادة خالد بكداش، “الذي تسلّم القيادة في المرحلة الأولى من وجود الحزب القانوني – فترة 1936 – 1939″، حيث “أصبح الخط الزراعي للحزب الشيوعي غامضا وإصلاحيا على نحو مهاود. وفي عام 1942، عندما دخل الحزب مرحلته القانونية الثانية، كان بكداش يرتد إلى الوراء ليكسب ودّ ملّاك الأرض في سورية، مؤكّدا لهم أن الحزب لا يطالب، ولن يطالب، بمصادرة أملاكهم… كل ما يطلبه هو الرأفة بالفلاح وتخفيف بؤسه” (ص 236). غير أن قواعد الحزب الإقليمية، “التي كانت تعي المشكلة الزراعية وتعرفها معرفة مباشرة” اعترضت على هذه التوجهات ونجحت، غالبا بناء على مبادرات خاصة، في مد جذور، في الفترة بين عامي 1936 و1948، “بين الفلاحين الأرثوذكس الشرقيين في قرى صحنايا في الغوطة الغربية، وصيدنايا شمال دمشق، والكفرون والبشرايح ومشتى الحلو (موقع مدرسة يملكنها الحزب)، وعين دابش في منطقة صافيتا، ودير عطية في منطقة القلمون، والمشرفة وعين التينة في منطقة حمص، والسقيلية شمال غرب حماه، وعرنوق في محافظة طرطوس. كما مدّوا جذورهم بين الفلاحن العلويين المنتمين إلى عشيرة الخياطين، ولا سيما في قرى سبّة وعين بشريتي في الطرف الجنوبي من الجبال النصيرية وبين الفلاحين العلويين العاملين لدى ملاك الأراضي المسيحيين في قرى حدية وحاصور في منطقة تلكلخ. وعلاوة على ذلك، وجدوا لهم موطئ قدم قويا بين الفلاحين الأكراد في منطقة القامشلي الزراعية الغنية التي كان الأكراد قد هاجروا إليها من تركيا بعد الحرب العالمية الأولى، وشكلوا فئة كبيرة في منطقة الجزيرة في المنطقة الشمالية الشرقية من سورية. وكان للتغير السريع الذي كانت هذه المنطقة تشهده في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، من الرعي والزراعة البعلية صغيرة الحجم إلى زراعة القطن المروي وزراعة الحبوب الممكننة، أن يسهّل النشاط الشيوعي فيها” (ص 236-237).

بيد أن الجانب الأكبر من الدعم الذي كسبه الشيوعيون في الريف والمدن “تبخّر غداة التصديق غير الشعبي لقيادة الحزب على قبول الكرملين في عام 1947 خطة تقسيم فلسطين وما أعقب ذلك من حظر الحكومة السورية للحزب في عام 1948” (ص 237). وراحت قوة الحزب تضعف بشدة، حيث تراجعت عضويته من 20 ألف عضو في لبنان و15 ألف عضو في سورية إلى بضع مئات في كل من البلدين، “وذهب كثير من أتباعه الفلاحين إلى تنظيم أكرم الحوراني الذي أخذ في عام 1950 اسم الحزب العربي الاشتراكي” (ص 237-238). غير أن خالد بكداش، الذي تعرّض لنقد شديد في جريدة الحزب السرية نضال الشعب ممن عارضوا موقفه من المسألة الفلسطينية وتوجهاته الزراعية والاجتماعية”، عكَس المسار في عام 1951، “فأحيى المطلب القديم بتوزيع أراضي كبار الملاكين، وضغط على الحزب الذي كان مستنزفا جدا في تلك اللحظة ليتحوّل بتصميم نحو العمال والفلاحين” (ص 238). وبالفعل، استطاع الشيوعيون اكتساب بعض النفوذ مرة أخرى في أوائل الخمسينات في صفوف “فلاحين سنّة عرب أول مرة، ولا سيما في منطقة حفر تخاريم شمال غرب إدلب، وفي المنطقة الواقعة شمال شرق دير الزور، ولا سيما في قرية الموحسن على الضفة اليسرى من نهر الفرات التي أصبحت تُعرف بـ”موسكو الصغرى”. فهنا قاوم فلاحون ينتمون إلى عشيرة البوخابور، وهي فرع من قبيلة العقيدات، بقيادة معلمين شيوعيين من دير الزور وأعضاء الخلايا الشيوعية في المدرسة الابتدائية المحلية في صيف 1953 الاعتداءات على أرض القرية المشاع من إحدى أقوى عائلات المنطقة التي كانت تتألف من تجار حبوب أغنياء ومرابين وأصحاب مضخات مياه وتربطها علاقة قربى بوزير الزراعة في ذلك الحين. ولتحرير الفلاحين من الاعتماد على هذه العائلة، أقنعهم الشيوعيون بتنظيم أنفسهم في شركة عامة وشراء مضختين وجرارين من المال الذي قاموا بجمعه عبر الاكتتاب بأسهم من رأسمالها” (ص 238-239). ويشير بطاطو إلى مبادرات مشابهة أو أكثر جذرية للشيوعيين في مناطق ريفية أخرى، لكنه يخلص إلى أنه “أيا كانت المكاسب التي حققها الشيوعيون فقد أثبتت أنها عابرة. ففي عام 1958 دُفعوا إلى العمل السري، وضعفوا نتيجة موقف خالد بكداش السلبي من الوحدة المصرية – السورية وقانون الإصلاح الزراعي، وهذا ما جعلهم يعانون انحدارا شديدا آخر، لم ينهضوا منه ثانية إلى أي دور جدي في حياة الفلاحين أو القطر عموما” (ص 239-240).

أما الحزب الذي مهّد “الدرب أمام تركيز الاهتمام على الفلاحين وتأكيد الأهمية الحاسمة لمشكلتهم في حياة المجتمع ككل” فهو الحزب العربي الاشتراكي الذي أسسه أكرم الحوراني، والذي يخصص له بطاطو الفصل العاشر من كتابه، وييِّن بطاطو بألمعية أن “صعود الاشتراكيين العرب ونجاحهم في استقطاب الفلاحين” كان “نتاج نضوج عمليات موضوعية تطورت خلال فترة زمنية طويلة وتزامنت على نحو موائم، فضلا عن كونه نتاج عوامل ذاتية” (ص 245). ونحن هنا إزاء “حركة زراعية” حقيقية نجحت في بناء جذور شعبية عميقة في صفوف فلاحي سورية تحت شعار طبقي واضح أشرنا إليه أعلاه هو “هاتو القفة والكريك لنعش الآغا والبيك”. فمن أين جاءت تلك الحركة، وكيف تأتى لها تحقيق ما حققته من نجاح؟ سبق أن ذكرنا أن النواة الأولى للحزب العربي الاشتراكي خرجت إلى الحياة في عام 1943 في حماه. ولا يمكن، كما يؤكد بطاطو، فهم المعنى الكامل للشعار المذكور دون التطرق إلى أحوال مدينة حماه ومنطقتها.

ويسلط بطاطو الضوء على تلك الأحوال انطلاقا من حديث أجراه مع أكرم الحوراني ذاته، الروح المحركة للحزب، في منتصف الثمانينات، قال فيه الحوراني: “كانت حماه في الأربعينات والخمسينات منقسمة بحدة: فعلى جانب وقف الذوات، وعلى الجانب الآخر وقف الشعب” (ص 246). وفي تلك المدينة ذات الإرث الطويل من المعارضة الشعبية، “لم تكن مصالح الجانبين متعارضة تعارضا مباشرا فحسب، بل كانت الفجوة بينهما عميقة أيضا”. وكان أبناء الشعب في حماه قد ثاروا ثورة عارمة في القرن الثامن عشر ضد “بيت قرنا الذين أبقوا حماه إقطاعية وعاشوا على سوء المعاملة”، وبالرغم من سحق جميع أبناء آل قرنا على نحو دموي، “غير أن ذلك لم يطح نظام ملكية الأرض “الإقطاعي”. إذ حلّت عائلات أخرى محل آل قرنا” (يتكرر وضع بطاطو كلمة “إقطاعي” بين مزدوجين كوصف لنظام ملكية الأرض السابق على الرأسمالية في سورية تشكيكا منه في طابعه الإقطاعي، لكنه لا يناقش القضية مناقشة صريحة). هكذا استمر الاستقطاب الطبقي الحاد في حماه ومنطقتها: “غنى فاحش في جانب وفقر تمرّدي في الجانب الآخر”. وبحلول الحرب العالمية الثانية، “كانت الأرض الجيدة في منطقة حماه ومنطقة مصياف المجاورة حيازة شبه حصرية في يد بضع عائلات. فكان آل البرازي وحدهم يملكون تسعا وأربعين قرية، وآل العظم خمسا وعشرين، وآل الكيلاني أربعا وعشرين. وكان لهذه العائلات مسلحوها، وكانت تسيطر على كثير من شبكة المؤسسات المحلية، بما في ذلك المؤسسات الدينية، وعلى حيوات فلاحيها وأجسادهم، وتسحقهم تحت أقدامها. وكانت مصالحها الخاصة تعميها حتى بدت عاجزة عن التفكير بأي حقوق غير حقوقها” (نفس الصفحة). وبينما كانت الزيجات منتشرة بين أبناء وبنات تلك العائلات الثلاث، “كان الأكثر غنى والأكثر قوة منهم ينظرون باستعلاء إلى بقية المجتمع ويزدرون الروابط الزواجية حتى مع أغنى العائلات التجارية الحموية لأنهم كانوا يعتبرون أنفسهم، كما قال أحد البرازية: “الزهرة التي اصطفاها الله”.” (ص 246-247).

لكن “الزهرة التي اصطفاها الله” لم تبق على حالها، إذ أن “تمايزا كان يجري على مدى عقود كثيرة ضمن كل عائلة من هذه العائلات الثلاث، وكانت نتيجته أنك بتَّ تجد بينهم في الأربعينات والخمسينات جميع الأحوال البشرية، من السيد الذي ينغمس في الثروة إلى “الآغا الذي يتضور جوعا” بحسب تعبير العقيد عبد الحميد السرّاج، وهو ابن سروجي من أبناء حماه، وكان يوما رئيس مكتب الاستخبارات العسكرية” (ص 248). وفي ظل هذه التحولات الاجتماعية العميقة، الجارية في سياق اندماج سورية المتزايد في الرأسمالية العالمية، ظهر أكرم الحوراني متحديا سلطة ملاكي الأرض الكبار ومضرما مشعل الثورة الزراعية لا في حماه وحدها، بل انطلاقا منها في سورية كلها.

ومثلما يبدو من اسمه، تحدّر أكرم الحوراني، المولود في عام 1912، من عائلة هاجرت من حوران في النصف الثاني من القرن الخامس عشر. وإذ كان بطاطو قد أبرز مثلما أسلفنا النفوذ الكبير للصوفية، وبالأخص الطريقة الرفاعية، في الريف السوري على مدى قرون، فهو يشير إلى الطابع الديني لعائلة الحوراني التي أسست الطريقة الرفاعية في منطقة حماه. ويكتب بطاطو: “وقد يفسر هذا العنصر من عناصر خلفيته، فضلا عن حقيقة أن والده كان أيضا شيخا من الطريقة ذاتها، شيئا من أسباب فوزه بقلوب الفلاحين بتلك السهولة والفاعلية، على الرغم من أنه هو نفسه لم يحمل أيا من عادات التفكير أو الشعور المقترنة بالصوفيين” (ص 249). ويشير بطاطو إلى المعلومات المتاحة عن نشأة الحوراني المبكرة، وهي ليست بالكثيرة، مبرزا تلقيه تعليمه الابتدائي في مدرسة علمانية محلية وإلى أنه “كبر في أوساط ذات حساسية عميقة ومريرة تجاه السلطة القمعية التي كان يمارسها أقطاب المدينة”. ويبرز بطاطو صلات والد أكرم الحوراني بالحركة العربية الوليدة المناهضة للإمبراطورية العثمانية، معتبرا إياها إحدى المؤثرات التي ستُثمر لدى ابنه نزعته العربية الجامعة. لكن هذه النزعة العروبية لدى الحوراني الابن يمكن تتبعها في تأثيرات مهمة أخرى في سنوات شبابه، حيث “تردّدت أصداء تجزئة الأراضي العربية بعد الحرب العالمية الأولى وتقسيم سورية الجغرافية وثورة 1925 – 1927 ضد الفرنسيين بقوة في المدرسة التي درس فيها الحوراني وأثارت فيه أول مشاعره القومية التي انتعشت في ما بعد في “التجهيز”، وهي مدرسة إعدادية عامة، وفي كلية الحقوق، كلتاهما في دمشق، ومهد دافئ للعروبة الجامعة، وداوم الحوراني فيهما بين عامي 1928 و1936” (ص 250). وقد انضم أكرم الحوراني في عام 1937 إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، “الذي اجتذبته فيه معارضته لـ”الإقطاعية”، غير أنّ عدم مبالاة الحزب تجاه المثل العربي الجامع، دفعته إلى مغادرة صفوفه في عام 1938” (نفس الصفحة).

وبُعيد خروج الحوراني من الحزب السوري القومي الاجتماعي، ظهر “حزب الشباب” بوصفه التعبير التنظيمي الأول للحركة التي اقترن اسمه بها والتي ستتخذ في الأول من آذار/مارس 1950 رسميا اسم الحزب العربي الاشتراكي. وإلى جانب جمعها بين الهم الفلاحي والمشاعر القومية العربية، كانت السمة الرئيسية لتلك الحركة هي الجمع بين الفكر والممارسة النضالية. فقد سارع حزب الشباب بقيادة الحوراني إلى مساعدة الحركة العسكرية المناهضة للاستعمار البريطاني في العراق في عام 1941 “على رأس عدد من الضباط الشبان المتحمسين من حماه”، كما اضطلع الحزب بدور فاعل في طرد الحامية الفرنسية من المدينة في عام 1945، ثم قاد الحوراني “مجموعة من الجنود غير النظاميين في غارات على المستوطنات الصهيونية في عام 1948. وزُعم مؤخرا أن ما لا يقل عن 800 من بين الرجال الـ1200 الذين شكّلوا القوة الفدائية التي عبرت من سورية إلى فلسطين في تلك السنة، كانوا أعضاء في حزب الشباب الذي يقوده الحوراني” (ص 250-251). ويشرح بطاطو تأثير حرب فلسطين على أكرم الحوراني قائلا: “عاد الحوراني نفسه من فسلطين بإحساس مرير وقناعة قوية بأن “الإقطاعية” كانت في صلب الكارثة العسكرية العربية. بعبارة أخرى، أدرك الحوراني بوضوح، كما هي حال كثر من رفاقه ومن البعثيين ذوي التفكير المشابه، أن السبب الحقيقي للهزيمة العربية كان اجتماعيا، وأن القوات المسلحة تتشكل بحسب الوضع الاجتماعي الذي تضرب فيه بجذورها، وأن الأمة لا يمكن أن تخوض حروبا حديثة بعقليات متخلفة وأنظمة اجتماعية متخلفة ودول صغيرة ومجزأة. ومن هنا جاءت الصلة القوية التي أقامها من تلك اللحظة فصاعدا بين القضية القومية والمسألة الزراعية، والحس المتزايد بالإلحاح في نداءاته ومساعيه لتحرير الفلاحين اقتصاديا وسياسيا” (ص 251).

ويشير بطاطو إلى أنه على الرغم من أن النواة التنظيمية للحركة الزراعية، المتمثلة في حزب الشباب، جاءت على أيدي أشخاص غير زراعيين، “وتحديدا أربعة محامين [الحوراني أحدهم] وطبيب ومعلمَّي مدرسة وأستاذ في التاريخ في الكلية العسكرية في حمص”، فإنها وجدت أكثر مؤيديها حماسة بين الفلاحين. فغياب الفلاحين في قمة الحركة الزراعية لا يدل “على قلة أهميتهم في صوغ مصائرها. ففي المسعى المهم لمدّ شبكتها التنظيمية إلى الريف وفي العمل التحريضي على مستوى القرية، أدّى القادة الفلاحون الواعون سياسيا دورا رئيسيا، ولا سيما سيف الدين الخالد من قرية الشيحة وخليل الطعمة من قلعة المضيق ومحمد النجم والحاج عبدو القطيني من خان شيخون. وتحدّر جميع هؤلاء المناضلين الذين أوقفوا فلاحي قرى كثيرة على أقدامهم، من منطقة ريفية تقع شمال شرق حماه حيث كان نير ملاكي الأراضي أصبح ثقيلا على نحو خاص” (ص 253). ويصف الحوراني نفسه في حديثه المذكور أعلاه مع بطاطو الحركة بأنها “كانت مثل مدّ جارف قادم، ولم يكن لدينا الوقت لنعد الأعداد، لكن أنصار حزبنا كانوا، طوال الوقت، أكثر بكثير من أعضائه” (نفس الصفحة). ويشير بطاطو إلى تقدير متحفظ لحجم الحركة في عام 1950 أشار إلى قدرتها على اجتذاب ما يصل إلى 40 ألف شخص من الريف عندما دعت إلى عقد أول مؤتمر فلاحي في تاريخ سورية في حلب. وهو يؤكد أن الحركة “ضربت […] بجذورها بين الفلاحين البستانيين السنّة في حي العليليات التابع لحماه، والمحاصصين السنّة في مناطق إدلب ومعرة النعمان وخان شيخون، والمزارعين المسيحيين في القرى الواقعة غرب حماه، ومنطقة القلمون، والفلاحين العلويين في ريف مصياف والفلاحين الدروز المنتمين إلى آل عامر الذين يعيشون في منطقة شهبا في الجزء الشمالي من جبل الدروز (كان فلاحو آل الأطرش المنافسة في الجنوب قد التزموا حزب البعث)” (ص 253-254)، أي أن الحركة، متمثلة في الحزب العربي الاشتراكي، أقامت جذورا فلاحية شعبية عابرة لأهم الطوائف الدينية في الريف السوري. وهكذا، فبحلول عام 1951، بات أكرم الحوراني، بوصفه قائدا للاشتراكيين العرب، يقرن، نظريا وعمليا، “النضال ضد سلطة “الإقطاع” ومن أجل حقوق الفلاحين، بالنضال في سبيل صهر العرب في أمة واحدة. سيجادل بالأساس بأن رفاه الشعب العربي الذي يشكّل الفلاحون مكونه الأساس، يتوقف على وحدته الراسخة التي لن تتحقق من دون التحرير الاجتماعي للفلاحين” (ص 250).

لكن بطاطو يتساءل محقا: “لماذا وجد استياء أولئك الفلاحين تعبيره التنظيمي في النصف الثاني من الأربعينات والنصف الأول من الخمسينات، وليس أبكر من ذلك؟” وهو يجيب عن السؤال متتبعا تدهور أحوال الفلاحين في تلك الفترة، في سياق الظروف التي رافقت الحرب العالمية الثانية وما بعدها. فقد حقق كبار ملاك الأراضي وتجار الجملة أرباحا استثنائية نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار الحبوب السورية وغيرها من السلع الأساسية خلال سنوات الحرب، حيث تزامن وجود آلاف مؤلفة من القوات العسكرية الإنجليزية والفرنسية على أراضي سورية مع الهبوط الحاد في الواردات بسبب انقطاع الصلات التجارية. ولم يكن ارتفاع الأسعار نتيجة لزيادة الطلب فحسب لكن أيضا نتاجا للمضاربة الشديدة والضغوط التضخمية التي عادت على الأغنياء أصلا من ملاك الأراضي والتجار بثورات فاحشة. “وقد استُخدم الكثير من هذه الثروة الجديدة لتحسين طرق الزراعة ولا سيما لزيادة استخدام الآلات في الزراعة”. وبينما عاد ذلك بدوره بأرباح كبيرة لملاك الأراضي، “لم تنعكس هذه التغيرات لمنفعة المحاصصين في سورية الوسطى، لأن ملكية كبار الملاكين للمضخات والجرارات عززت قدرتهم على انتزاع حصة أكبر من الغلة. وإضافة إلى ذلك، ونتيجة الاعتماد الأكبر على الآلات والتفضيل المقصود للعمل الموسمي المأجور في المناطق الجديدة التي تزرع القطن، فإن كثيرا من المحاصصين أخرجوا من أكواخهم ومن الأرض، وفقدوا بالتالي حق الإشغال بالتقادم وضمانات العيش التي كانوا يتمتعون بها في ظل الترتيبات التقليدية. وفاقم الفائض السكاني في الريف سوء وضعهم، دافعا بكثير منهم إلى مستوى أدنى من الفقر. وحثتهم هذه الأمور كلها على القتال، ودفعتهم إلى الحركة التي قادها أكرم الحوراني” (ص 255). وهكذا “توجّه المحاصصون إلى حزب الحوراني لأنه عبّر عن الأفكار التي كانت تجول في أذهانهم من دون أن ينطقوا بها. كان أساس برنامجه هو إشباع شغفهم بملكية الأرض عن طريق إصلاح البنية الزراعية التي من شأنها أن تحد من الحيازات، وتعيد توزيع الملكية. كما سعى هذا البرنامج إلى منع طردهم من الأرض، وضغط من أجل إحلال الانتخابات المباشرة محل نظام المرحلتين غير المباشر، ومن أجل استخدام الغرفة السرية حتى يستطيع الفلاحون التصويت بحسب مشيئتهم من دون ضغط من مالك أرضهم أو أنصاره” (نفس الصفحة).

ولم يكن غريبا أن تؤدي قدرة الحوراني على اكتساب جماهير الفلاحين إلى صف حزبه إلى جذب البعثيين إليه وإلى أنصاره، وهو ما أفضى إلى “اندماج” الحزبين في تشرين الثاني/نوفمبر 1952، حيث نظر قائدا البعث الرئيسيان ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، وهما معلمَيْن، إلى الحوراني بوصفه “رجلا من الشعب” يتمتع في نفس الوقت “بغريزة سياسية وموهبة حقيقية في القيادة، علاوة على فهمه الجيد لقضايا الساعة” (ص 257).

البعثية في جوانبها الريفية والفلاحية

رأينا أن بطاطو أبرز في أكثر من موضع، وبكثير من التفصيل والعمق، أن الفلاحين السوريين ليسوا نمطا واحدا. وهو هنا يؤكد أمرا مشابها عن “البعثية”، التي “لم تكن […] في تاريخ سورية الحديث قوة واحدة تفعل فعلها باتجاه واحد أو تحت تأثيرات متماثلة، بل كانت غطاء لتشكيلة من العناصر التي ينبغي، لأغراضنا الحالية، التمييز في ما بينها أولا وقبل كل شيء” (ص 261). وهذا هو الموضوع الرئيسي للقسم الثالث من الكتاب، الذي نتناوله هنا بقدر أكبر من الإيجاز، تمهيدا لمناقشة تشريح بطاطو لنظام الأسد الأب في القسم الرابع والأخير من الكتاب.

البعث الأبكر نشأ بحسب بطاطو “من دوائر صغيرة من الطلاب والمعلمين الذين بدأوا نشاطهم منذ وقت يعود إلى عام 1939″، وقد أنشأ أول مكتب تنفيذي له في 1945 وعقد مؤتمره التنفيذي في 1947 (ص 261). ويشرح المؤلف أن “المُثُل العليا هي التي كانت تحفز البعث القديم في عقوده الأولى”. كان أطباء متفانون أعضاء في الحزب يندفعون من ذاتهم، لا بتلقين من قادتهم، فيسافرون سيرا على أقدامهم في الأربعينات والخمسينات ليقدموا علاجا طبيا مجانيا لفلاحين في قرى نائية ومهملة حتى اليوم. كما أرسل بعض ناشطي الحزب أبناء فلاحين واعدين إلى المدارس الثانوية في المدن على حسابهم الشخصي أو علموهم مجانا” (ص 262). ويضيف بطاطو بحكمة: “وبالطبع، فإن هناك على الدوام خطر النظر برومانسية إلى الماضي أو اتخاذ نظرة سلبية مفرطة حيال الحاضر. غير أنّه لا مجال لإنكار أن الحالمين والأنصار الشباب شكلوا عنصرا مهما في الحزب في ذلك الوقت، ومنحوه قوة دينامية ليست محسوسة إلا على نحو باهت في حزب البعث اليوم الذي سيطر عليه على نحو متزايد المحترفون ومسيرو الحزب المتفرغون. وهناك الآن تنافس على المناصب والعلاوات أكثر من الارتباط بفضيلة التفاني” (نفس الصفحة).

لكن الإقرار بالمثل العليا التي حركت البعث الأبكر لا تتعارض عند بطاطو مع التحليل الاجتماعي لهذا الكيان. فمن أين جاء لدى البعثيين هذا التعلق الكبير بالوحدة العربية واعتبار أن “الانتماء إلى الأمة العربية أعلى شكل من العلاقة الاجتماعية”، بحيث “كان أتباعه يُوْصَون بأن يتمسّكوا به قبل منطقتهم أو طائفتهم أو عشيرتهم في الخطوة والتقدير”؟ يرصد بطاطو أنه من بين الأعضاء الأربعة في أول مكتب تنفيذي للبعث في عام 1945، “كان ثلاثة -ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار ومدحت البيطار- قد ولدوا لتجار حبوب بالجملة (بوايكية) في حي الميدان الواقع خارج أسوار دمشق، وهو المركز الرئيسي لتجارة الحبوب في جنوب سورية وللبوايك أو مخازن حبوب العاصمة. ويمكننا أن نتصور أن مناخ الأفكار الذي أحاط بالمراحل الأولى من حياتهم كان مناخ عالم التجار”. فما هي صلة مناخ عالم التجار هذا بالقومية العربية؟ يشرح بطاطو أن هذه الطبقة رأت في تجزئة الولايات العربية في الإمبراطورية العثمانية بعد عام 1917 “عقبة كأداء في وجه القنوات التجارية القديمة وتدفق التجارة الحر. واستاء أعضاؤها من حصرهم ضمن حدود ضيقة، وفضلوا الأسواق الكبيرة والمتوسعة وغير المثقلة بالتعريفات والرسوم الجمركية أو بتعدد القوانين والأنظمة الاقتصادية. باختصار، لم يكن الأفق العربي الجامع أمرا طبيعيا بالنسبة إلى مكوّن آخر من السكان بقدر ما كان طبيعيا بالنسبة إليهم” (ص 262-263). وعلى هذا الأساس، “انجذب أبناء بعض العائلات التجارية التي كانت منخرطة في التجارة البعيدة، أو سبق لها أن كانت كذلك، مثل آل الصمدي أو المارديني أو الحجار نحو حزب البعث في الأربعينات حين لم يكن قد اتخذ اتجاها “يساريا” بعد” (ص 263).

وإلى جانب غلبة المصالح التجارية، اتسمت ضاحية الميدان بسمتين أخريين أسهمتا في “تشكيل العواطف القومية لمؤسسي حزب البعث في أوج شبابهم”، فالمنطقة ارتبطت ارتباطا قويا بتاريخ ثورة 1925 – 1927 الكبرى من جهة، كما أنها، على عكس أحياء أخرى من العاصمة، عرفت تنوعا استثنائيا في سكانها، “فعاش تجار مسيحيون قرب تجار سنة أو فلاحين جبليين دروز سابقين، أو فلاحين سابقين سنة من سهول حوران، أو بدو سنة بالاسم أو نصف بدو سنة من البادية السورية. وما كان لقرب هذه العناصر المتباينة إلا أن يولّد توترات نبهت قادة البعث المستقبليين إلى ضرورة التشديد على الخلفية العربية العميقة المشتركة بين معظم السكان”.

أما رابع أعضاء أول مكتب تنفيذي لحزب البعث الأبكر، جلال السيد، فهو من مدينة دير الزور، لكن صلاته البعثية تأثرت مباشرة أيضا بضاحية الميدان. “ليس أمرا بلا معنى أن يكون تاجر حبوب من الميدان هو موسى رحمون قد أدى دورا مهما في عام 1942 في جمع ميشيل عفلق و[…] جلال السيد. كان رحمون، وهو من جبران عفلق، يتاجر مع دير الزور، مدينة السيد. وكانت دير الزور التي تضم تجمعا سكانيا لا يقل عن 58990 نسمة في عام 1942، مركزا للتجارة مع البادية ووادي الفرات، وعاصمة إقليم في الجزء الشمالي الشرقي من سورية” اضطربت حياته الاقتصادية التقليدية نتيجة انقطاعه عن منطقة تجارته الطبيعية في شمال العراق. ويرد بطاطو إلى هذه الظروف “جذور مشاعر جلال السيد الأولى المتعاطفة مع مثال الوحدة العربية” (ص 264). ويشير بطاطو كذلك إلى مجموعة أخرى مهمة انضمت إلى حزب البعث وعززت ميله العروبي الجامع، وهي المجموعة التي كان يقودها زكي الأرسوذي، وهو خريج السوربون ومدرس في مدرسة ثانوية وابن محام ومالك أرض متوسط من أنطاكية وينتمي دينيا، مثل أغلبية عرب لواء اسكندرون، إلى الطائفة العلوية. وقد أذكت “الكارثة” التي حلّت بلواء الاسكندرون في عام 1939، حينما فصله الاستعمار الفرنسي عن سورية وضمه إلى تركيا، المشاعر القومية العربية لهذه المجموعة.

والسمة الرئيسية لهذا البعث القديم من الناحية الاجتماعية، سواء على صعيد قيادته أو عضويته، هي طابعه الحضري. فجميع أعضاء المكتب التنفيذي للحزب منذ تأسيسه في عام 1945 حتى اندماجه مع اشتراكيي أكرم الحوراني العرب في 1952 كانوا “ذوي جذور تعود إلى مدن سورية وبلداتها الرئيسية. الاستثناء الوحيد هو ميشيل عفلق الذي ولد في دمشق، لكن جده لأبيه جاء من قرية راشيا على السفوح الغربية لجبل الشيخ. وكان عفلق حضريا أساسا في نظرته. ولم يشكل الفلاحون قط موضوع اهتمام خاص من جانبه”. أما على صعيد العضوية، فغلب على حزب البعث القديم الطلاب، ربما بتأثير “مركزية المعلمين في حياة الحزب. كان مرشداه البارزان – عفلق والبيطار – مدرسين. علاوة على ذلك، كان كثيرون من مؤسسي فروع الحزب وشعبه في المحافظات مؤسسي مدارس خاصة أو مديريها، مثل موفق الشرع (ابن عم فاروق الشرع، وزير الخارجية [لاحقا]) ومنصور الأطرش ومحمود اليونس ووليم خوري ونجم الدين الصالح ووائل إسماعيل الذين كانوا مؤسسي فروع الحزب وشعبه أو قادته في حوران وجبل الدروز ومنطقة الشيخ بدر العلوية ومنطقة تلكلخ ومنطقة الدريكيش العلوية والقرداحة، مسقط رأس الرئيس الأسد على التوالي” (ص 268). والغالب على الطلاب الذين شكلوا القاعدة الرئيسية لحزب البعث القديم أن لهم خلفية ريفية أو فلاحية سابقة، وأنهم “بوصفهم أبناء أقليات [لا سيما من أبناء الفلاحين الدروز والإسماعيليين والعلويين والمسيحيين الأرثوذكس الميسورين نسبيا] أو متحدرين من طبقة عانت طويلا الإهمال والاضطهاد، كان البعث، بوقوفه ضد الظلم الاجتماعي وانتقاده التمييز بين الطوائف وتركيزه على العروبة بدلا من الدين، بمنزلة قطيعة نوعية مع الأحوال التي كانت تعيشها طوائفهم وصعودا إلى حياة يكونون فيها على قدم المساواة مع جميع المواطنين الآخرين” (نفس الصفحة).

وقد سبق أن ذكرنا أن البعث القديم اندمج مع الحزب الاشتراكي العربي بقيادة أكرم الحوراني في عام 1952. بيد أن هذا “الاندماج” مع حركة زراعية عميقة الجذور في الريف لم يؤثر كثيرا في طبيعة الحزب القديم، حيث “لم يندمج أتباع أكرم الحوراني الفلاحين بأعدادهم الكبيرة رسميا في صفوف الحزب بعد عام 1952، بل استمروا مرتبطين بالحوراني شخصيا (ص 267). وعلى أية حال، فإن هذا البعث القديم نفسه لم يعمِّر كثيرا بعد ذلك، انتهى دوره عموما في عام 1958 مع الوحدة المصرية السورية التي لم تعمر طويلا بدورها.

ما هو إذن الحزب الذي تلا ذلك البعث القديم؟ يصفه بطاطو بأن “كان في الأساس تكوينا انتقاليا واستمد زخمه من اللجنة العسكرية السرية التي تشكلت في القاهرة في عام 1959. ولم يعش بعد انقلاب “التصحيح” في عام 1970″ (ص 261). لكن أهمية هذا البعث الانتقالي تكمن، من حيث موضوع كتاب بطاطو المعني بفلاحي سورية وبالجذور الريفية لنظام الأسد، في طابعه الريفي، فضلا عن طابعه العسكري الذي سيكون له، كما سنرى، أثره الأساسي في التطور السياسي لسورية فيما بعد.

ما هي طبيعة تلك اللجنة العسكرية التي أشرنا إليها أعلاه والتي ستُشكِّل قوام “البعث الانتقالي”، أو بعث الستينات؟ هي لجنة من العسكريين البعثيين ممن أزعجهم الزوال الفعلي لحزبهم في سياق فرض النمط الناصري من “اللاحزبية” على “الإقليم الشمالي” في ظل الوحدة المصرية السورية. وسعت اللجنة إلى “إعادة تنظيم الحزب –ضمن سلك الضباط في مرحلة أولى– لكن على أساس جديد، وإلى توجيهه في مسار مختلف عن ذلك الذي لنظام الجمهورية العربية المتحدة. وبما أن المسار الذي اختارته كان مليئا بالمخاطر، فقد تصرفت بحذر إلى حد أن قادة حزب البعث القدامى ظلوا حتى عام 1964 على جهل تام بوجودها وغايتها الحقيقية” (ص 281). وبالرغم من وجود بعض الشكوك في بدايات اللجنة، فإن بطاطو، بعد مناقشة عدد من الروايات، يخلص إلى أنها تأسست في 1959 على يد أربعة ضباط: المقدم محمد عمران، وهو علوي ينتمي إلى طبقة الوجهاء الريفيين من صغار مالكي الأرض وابن رجل دين من عشيرة الخياطين العلوية؛ والمقدم مزيد هنيدي، وهو درزي ينتمي إلى نفس الطبقة الاجتماعية، وابن وجيه محلي من عشيرة بني هنيدي؛ والمقدم بشير صادق، وهو سني من دمشق ينتمي إلى الطبقة الوسطى التجارية وابن تاجر أخشاب؛ والنقيب عبد الغني عياش، وهو سني من حماه ينتمي إلى الطبقة الوسطى الصناعية وابن صاحب مصنع منظفات. وسرعان ما تغير تركيب اللجنة. فالشكوك حامت حول مؤسسيها فيما يبدو، وجرى فصل هنيدي وصادق وعياش من الجيش في عام 1960 (في زمن الوحدة) وتعيينهم في وظائف دبلوماسية في الخارج. وهنا أدخل المقدم عمران إلى اللجنة ضباطا سيكون لهم شأنا عظيما فيما بعد، أبرزهم أربعة: الرائد صلاح جديد، وهو علوي من طبقة الوجهاء الريفيين مالكي الأرض المتوسطين، وابن زعيم محلي لعشيرة الحدادين العلوية، والعقل المدبر للجنة بين عامي 1962 و1965، ثم رجل سورية القوي بين عامي 1966 و1968، والذي سينتهي به الحال مسجونا في سجن المزة منذ انقلاب حافظ الأسد في تشرين الثاني/نوفمبر 1970 حتى وفاته في آب/أغسطس 1993؛ والنقيب عبد الكريم الجندي، وهو إسماعيلي من السلمية ينتمي مثل صلاح جديد إلى طبقة الوجهاء الريفيين مالكي الأرض المتوسطين، وقد اضطلع بدور بارز في تاريخها قبل أن ينتحر في عام 1969؛ والرائد أحمد المير، وهو إسماعيلي من عائلة ريفية عريقة؛ والنقيب حافظ الأسد، وهو علوي من قرية قرداحة في منطقة جبلة ينتمي إلى طبقة وجهاء الريف مالكي الأرض الصغار. وقد شكّل هؤلاء النواة الداخلية للجنة بالرغم من التغيرات التي لحقت بها، وذلك باستثناء تراجع نفوذ عمران فيها، ودانت لها قيادة المكتب العسكري لحزب البعث في عام 1965، وشكلت العمود الفقري لانقلاب 23 شباط/فبراير 1966.

ويناقش بطاطو في الفصل الثاني عشر تركيب اللجنة العسكرية وأصولها الاجتماعية بالتفصيل، ويخلص إلى أن “البعث الانتقالي” الذي شكلت اللجنة قوامه اختلف اختلافا بينا عن البعث الأبكر. فبينما كان حزب البعث القديم مدنيا وحضريا بالأساس، بات البعث الانتقالي عسكريا وريفيا بالأساس. ويوضح بطاطو أن صعود العسكريين من طبقة الوجهاء الريفية الأقل شأنا في حزب البعث كان في التحليل الأخير “انعكاسا لحقيقة أن هذه الطبقة كانت، بوجه عام، في حال من الصعود اقتصاديا واجتماعيا في العقود القليلة السابقة” (ص 300). وربما كان الإصلاح الزراعي في سورية بموجتيه الرئيسيتين في 1958 ثم في 1963 العلامة الرئيسية لهذا الصعود الريفي. وسوف نرجئ تحليل هذا الإصلاح الزراعي إلى الجزء المقبل من هذا المقال، لأن تناقضاته كانت في صميم ضعف التجربة الراديكالية في سورية الستينات، ذلك الضعف الذي مهد السبيل لانقلاب حافظ الأسد ثم تغييره الجذري لطبيعة نظام البعث.

ويتتبع بطاطو مسار عملية ترييف القوات المسلحة وما تزامن معها من ترييف لبيروقراطية الدولة في الستينات، وهو ما رافقه، في النصف الثاني من ذلك العقد، وصول الراديكالية الريفية البعثية إلى أوجها تحت قيادة صلاح جديد. لكن ترييف القوات المسلحة انطوى في جانب مهم منه على هيمنة الضباط العلويين عليها، وهو أمر ستكون له أهمية عظيمة خلال العقود التالية، لذا يجدر أن نقف عند تحليل بطاطو وتفسيره له.

ويشير بطاطو بداية إلى أنه، “على عكس الانطباع واسع الانتشار، لم يكن [العلويون] مهمين عدديا [في سلك الضباط] بمثل أهمية السنّة قبل عام 1963، واستمدوا كثيرا من قوتهم الحقيقية من صفوف الجيش الدنيا” (ص 303). والعامل الذي عادة ما يجري التركيز عليه لتفسير النسبة الكبيرة للعلويين في صفوف الجيش الدنيا (الجنود وضباط الصف) هو “السياسة الموجهة نحو الأقليات التي اتبعها الفرنسيون بين عامي 1921 و1945” (ص 304). غير أن بطاطو يفند هذا التفسير بصورة مقنعة. فبالرغم من أن ثلاث من أصل ثماني كتائب مشاة في القوات الخاصة العاملة في سورية تحت الانتداب الفرنسي تألفت “بالكامل أو في الأساس من العلويين”، وبالرغم أيضا من أنه “من بين سرايا الخيالة الاثنتي عشرة التي تتوافر عنها البيانات، تألفت واحدة فقط، هي السرية 24، من عرب سنّة ريفيين من دير الزور والرقة، وضمت اثنتان، هما السريتان 21 و25، بعض العناصر العربية السنية من قبيلة شمر أو من مدينتي إدلب وحمص. وجميع الوحدات الأخرى كانت من الدروز أو الشركس أو الأكراد أو الأشوريين أو الأرمن أو الإسماعيلية” (نفس الصفحة)، إلا أن “طبيعة الجيش قبل الاستقلال، أي طبيعته قبل عام 1946، لا يمكن أن تفسر تركيبته في عام 1963 أو بعد ذلك، على الأقل بالمعنى الحاسم”. ذلك أن تعداد الفرقة السورية في القوات الخاصة الموروثة عن الفرنسيين في عام 1946 كان 7 آلاف فقط، بل تقلص هذا العدد في عام 1948 إلى 2500 رجل فقط، “لأن العائلات التجارية ومالكة الأراضي الحاكمة في حينه كانت تنظر إلى تلك الفرقة على أنها كبيرة جدا ومكلفة جدا. ومن المؤكد لا يمكن لموطئ القدم القوي للعلويين في القوات الخاصة أن يفسر نفوذهم المهيمن في الجيش حاليا” (ص 305).

ما الذي يمكنه إذن تفسير تلك الهيمنة؟ هنا كدأبه، يتجه بطاطو نحو التفسير الاجتماعي، مركزا على فقر العلويين ووضعهم الاقتصادي السيء. ولنتذكر ما سبق أن نقلناه عن بطاطو في الجزء الأول من هذا المقال بشأن أبناء العائلات الفلاحية العلوية في منطقة جبلة، وكيف أن “الفلاحين العلويين كانوا فئة خاصة، وما كانوا يُحسدون قط على حظهم. وفي ظل الحكم العثماني، قبل ثورة تركيا الفتاة في عام 1908، كانوا يتعرضون لسوء المعاملة والتشنيع، وكان نساؤهم وأطفالهم في بعض الأحيان (في قرون أسبق) يؤسرون، ويباعون. وبعد الحرب العالمية الأولى صارت الأحوال الاقتصادية، حتى بالنسبة إلى الفلاحين العلويين الأكثر استقلالية والأقل اضطهادا، بائسة إلى حد أنهم أخذوا يبيعون بناتهم أو يؤجرونهن لأهل المدن الأغنياء. كان بعضهن يباع في الطفولة مدى الحياة بصفة خادمة، لكن كانت أغلبيتهن “تؤجّر” فحسب مقابل سعر متفق عليه ولفترة محدّدة من الزمن” (ص 93-94). والحاصل أن سورية بعد الاستقلال اتبعت، فيما يتعلق بالتجنيد، سياسة تسمى “البدل”، حيث كان مسموحا للسوريين أن يشتروا إعفاء من الخدمة العسكرية مقابل دفع مبلغ من المال، وهو مبلغ ارتفع في عام 1964 من 500 ليرة سورية إلى 2000 ليرة لحاملي الشهادات الجامعية و1000 ليرة لخريجي المدرسة الثانوية و600 لغيرهم من السوريين، ثم جرى رفعه مرتين أخريين في عامي 1968 و1978. وقد كان بمقدور سُنّة المدن عموما دفع هذا البدل ليتجنبوا سنة ونصف السنة أو سنتين من الخدمة العسكرية. “أما بالنسبة للفلاحين، ولا سيما العلويين، فكانت 500 أو 600 ليرة تمثل قيمة مواسم عدة من العمل الشاق. علاوة على ذلك، قلما كان الفلاحون خالين من الدين” (ص 305).

غير أن هذا التفسير يتعلق بغلبة العلويين في الصفوف الدنيا للجيش كما ذكرنا، أي بين الجنود وضباط الصف. لكن “صعود العلويين إلى الهيمنة في سلك الضباط هو، في النهاية، ما أكد سيطرتهم الحاسمة على القوات المسلحة. وما عمل لمصلحتهم في هذا الخصوص، أكثر من أي أمر آخر، هو أنه في حين كان الضباط العلويون في أغلبيتهم الساحقة من أصول ريفية ومنبت قروي وأبناء منطقة واحدة، وذوي انتماء بعثي بعد عام 1955، كان الضباط السُنّة منقسمين انقساما لا براء منه سياسيا وإقليميا وطبقيا” (ص 306). هكذا أتيح للضباط العلويين درجة من التماسك سمحت لهم بالهيمنة على القوات المسلحة. لكن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك انقسامات في صفوفهم. وقد ذكرنا أعلاه أن نفوذ المقدم محمد عمران داخل اللجنة العسكرية تراجع، وكان ذلك في الواقع نتيجة لخلافات بينه وبين بقية الأعضاء العلويين في اللجنة في عام 1964، وهو ما أسفر عن اغتياله لاحقا في عام 1972. كما أن سورية شهدت في النصف الثاني من الستينات انقساما واضحا داخل حزب البعث بين تيارين كان على رأس كل منهما ضباط علويون، حيث قاد صلاح جديد الجناح الراديكالي السائد آنذاك، بينما قاد حافظ الأسد الجناح الآخر.

وكان انتصار جناح الأسد في هذا الصراع، والذي توجّه انقلاب تشرين الثاني/نوفمبر 1970، إيذانا بظهور ما يعتبره بطاطو حزب بعث جديد، وهو في هذه المرة، وعلى العكس من الحزب العقائدي المدني والحضري في الأربعينات والخمسينات، والحزب العسكري والفلاحي والراديكالي في الستينات، نقول إنه في هذه المرة سيتحول، جزئيا على الأقل، إلى حزب سلطة من النوع الذي ألفناه في مصر الناصرية (هيئة التحرير ثم الاتحاد القومي فالاتحاد الاشتراكي)، أي حزب يتدفق عليه من كل حدب وصوب الانتهازيون الراغبون في الاستفادة من السلطة. أما ملابسات وأسباب هذا الانتصار وأصول وطبيعة نظام الأسد، فسوف نتناولها في الجزء المقبل من هذا المقال الذي نعرض فيه تحليل حنا بطاطو لنظام الأسد الأب.

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. Pingback: قرأتلك: عن النكبة وما تلاها - 7iber | حبر

موضوعات ذات صلة

مئوية سايكس بيكو.. الخرائط والتاريخ تلقي هذه المقالة نظرة نقدية تنقيحية إلى الحدث، بما هو مسار تاريخي، في إطاره من النزاع البريطاني ــ الفرنسي خلال وبُعيد الحرب العالمية الأولى لوراثة السلطنة العثمانية، نظرة تعيد الاعتبار للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية الاستعمارية، وتقيم الصلة بين اتفاقية سايكس -بيكو ووعد بلفور.

فواز طرابلسي

عن كتاب جوزيف ضاهر “حزب الله: الاقتصاد السياسي لحزب الله اللبناني” يهدف كتاب جوزيف ضاهر، الذي يتميز بالبحث الجيد، إلى رسم صورة مكتملة لحزب الله؛ واضعا التنظيم في سياق التغيرات التي شهدتها الدولة والمجتمع اللبناني على مدى السنوات العشرين الماضية.

آن ألكسندر

ما بين الأدب والصحافة أحد سبل الهروب من آلام الصحافة كان من خلال العمل في قسم الإخراج الصحفي، الذي – على حد تأكيده – منحه حرية أن يعمل ككاتب رأي، يكتب عمودا من حين لآخر في نفس الوقت الذي اجتهد فيه سرا على تطوير محاولاته الأدبية. "كانت الفروق بين الصحافة والأدب تتكشف أمامي تدريجيا؛ فروق تتعلق بالمتطلبات النفسية والحياتية لكل منهما بما يجعلهما أقرب إلى العداء.

نورهان توفيق

الثورة السورية والتشارك الدولي والإقليمي لإجهاضها بات معظم اليسار العالمي جزءا من الحرب على الثورة السورية، يتداخل موقفه مع سياسات كل الدول التي يتهمها بأنها تتآمر على "النظام الوطني"، ومع المجموعات "الجهادية" والسلفية، ومع "المؤامرة الإمبريالية".

سلامة كيلة

الريف السوري مفتاحا لفهم نظام الأسد (1) إن قراءة هذا الكتاب لا تتيح لنا فقط فهم أمور في غاية الأهمية عن المجتمع السوري وعن نظام الأسد، لكنها كذلك مفيدة جدا للمهتمين بفهم الشرق الأوسط عموما بكل تعقيداته، وللمهتمين بالعلوم الاجتماعية وبصفة خاصة بالماركسية في واحد من أرقى نماذجها في تقديري.

عمر الشافعي