مشكلة التنظيم والثورة ونهاية عصر الأفندية (1)

قضايا

09  مايو  2017

ثورة حمراء مصابة بنوع من عمى الألوان فرأت نفسها برتقالية. ربما كان التعليق جارحا بعض الشيء، وقد سبق لي قوله في موضع أخر، وهو لا يقلل البتة من عمق تقديري وإجلالي لعبقرية الثورة المصرية ولبطولتها الخارقة ولجموح روحها واتساع حلم خيالها.

سؤال التنظيم سؤال فكري وسياسي في المحل الأول وليس سؤالا تقنيا يتعلق باللوائح وأشكال التنظيم، فهذه الأخيرة مجال رحب للإبداع الجماهيري وثيق الصلة بالتراث الخاص للمقاومة الشعبية في زمان ومكان معينين وبالصيرورة التاريخية المتميزة دوما للعملية الثورية في هذا البلد أو ذاك، فليس ثمة صيغة واحدة مُثلى ملائمة للجميع، بما في ذلك ما اصطلح عليه بـ”نظرية الحزب اللينيني” أو حتى بصيغة السوفيتات الروسية.

وعليه، فالبحث في المشكلة التنظيمية للثورة المصرية (25 يناير 2011- 30 يونيو 2013) يبدأ من ميداني الفكر والسياسة، وما قصدته بالعبارة (الصادمة ربما) أعلاه هو أن الثورة المصرية كانت من حيث طبيعتها الجوهرية: تكوينها الاجتماعي، والمهمات التي وضعتها العملية التاريخية على عاتقها، كانت ثورة معادية للرأسمالية، مقدر لها أن تتصادم تاريخيا مع البرجوازية ككل، مع النظام الرأسمالي نفسه، مهما استفادت تكتيكيا، وفي هذه اللحظة المعنية أو تلك، من تشققات وانقسامات البرجوازية السائدة، وبالأخص في بنية دولتها، غير أنها لم تدرك نفسها كذلك إلا ربما بشكل جزئي وضبابي إلى حد كبير.

وحتى لا يساء فهم ما أقصده. فلم أعني بالتأكيد انه كان على الثورة المصرية أن تجعل من نفسها ثورة اشتراكية تطيح بالرأسمالية ودولتها، فهذه تقتضي شروطا شديدة الاختلاف، لا محليا فحسب ولكن إقليميا وعالميا، فضلا عن قناعتي الخاصة بأن الثورة الاشتراكية ما هي إلا ثورة ديمقراطية مستمرة (وهذا موضوع نقاش أخر ليس هنا مجاله). المقصود، وهو ما حاولت إيضاحه في مقالي السابق “ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية…”، هو أن إدراك الطبيعة الجوهرية للثورة المصرية كثورة معادية للرأسمالية كان من شأنه أن يطرح أفاقا شديدة الاختلاف لرؤاها الاستراتيجية واختياراتها التكتيكية.

كما يجعلها ذلك أيضا مختلفة شديدة الاختلاف، وبصورة نوعية، عن الثورات “البرتقالية” في أوروبا الشرقية، وقد جمعت هذه بين تمرد شعبي حقيقي على نظم الرأسمالية البيروقراطية شديدة الاستبداد، وبين انفجارها الداخلي بفعل ميل شرائح واسعة من تلك الرأسمالية البيروقراطية نفسها للتخلص من قيود العزلة النسبية عن محيطها الطبيعي، أي الرأسمالية العالمية، وتوقها للتحرر من الملكية العامة وما يقترن بها من مكتسبات اجتماعية للطبقات الكادحة، وتطلعها أيضا لتوريث دولة الرأسمالية البيروقراطية واقتصادها كملكية مباشرة لأفرادها وجماعاتها، وبين تمرد الفقراء على امتيازات وفساد البيروقراطية السائدة وتمرد تلك البيروقراطية نفسها على ما تفرضه رأسمالية الدولة من قيود على التملك الخاص ومن حدود للنهب الرأسمالي، فتجمع بين التوق للحرية والتوق للبلوجينز وبين بعض من خصائص ودوافع الثورة المصرية وأخرى من خصائص ودوافع “ثورة مايو” الساداتية. هذا، إضافة إلى دعم غير محدود، شديد الحماس، من المراكز الكبرى للرأسمالية العالمية.

لم تكن الثورة المصرية برتقالية ولم يكن لها أن تكون، ولكن لا يسعنا غير أن نلاحظ مع ذلك ميلا قويا بين صفوفها (يكاد يكون تلقائيا، وأقرب إلى الحس منه إلى الرؤية المتبلورة) لإدراك نفسها كذلك. وهذا مجرد جزء من المسألة.

ولكن وقبل محاولة الغوص فيما هو أبعد من هذه الملاحظة العابرة – وسأعود إليها، دعني أعرض لبعض أسئلة أثارت حيرتي وأنا المراقب من الخارج من الناحية الأساسية، وفي هذا مميزات وعيوب، فالنظر من الخارج -إذا جاز التعبير- قد يتيح رؤية أكثر كلية وشمولا، وربما يسمح أيضا بطرح أسئلة لم تكن لتخطر على بال من هم في غمار المعركة وتحت نيرانها، وهو مع ذلك قاصر بالضرورة في مدى إلمامه المباشر بتفاصيل العمل القيادي اليومي ومصاعبه ومشكلاته الملموسة، وكما يذهب المثل الشعبي الشهير “اللي إيده في الميه مش زي اللي إيده في النار”. والهدف في نهاية المطاف هو استنفار حوار حقيقي وتدبر مشترك في تجربة هي الأهم والأغلى والأكثر جلالا في حياتنا جميعا.

السؤال الأول: لماذا لم تنتج الثورة تنظيما جماهيريا؟

ثمة مفارقة كبرى في الثورة المصرية: عبقرية وإبداع مدهشان في تنظيم احتجاجات تشمل الملايين وأكثر مدن الوطن، وعجز (أو استنكاف) متواصل عن تنظيم الإرادة السياسية لأولئك الملايين. فليس صحيحا البتة ما أفتى به بعض المعلقين والمحللين (من خارج البلاد وداخلها) بأن مشكلة الثورة المصرية تكمن في أنها افتقدت للتنظيم. وكل من عاش تحركا انتفاضيا كبيرا إلى هذا الحد أو ذاك يدرك أن هذه “العبقرية” – إذا جاز التعبير- ليست في أي زمان أو مكان وليدة نخبة قيادية ملهمة، أو حتى تنظيم سياسي يمتلك نفوذا واسع النطاق، وإنما هي بنت اللحظة الثورية نفسها؛ تكثيف وانصهار يكاد يكون تلقائيا لإبداع ومواهب شديدة التنوع للآلاف وعشرات الآلاف في تلك اللحظة السحرية لانتقالهم من الخضوع للتمرد، ومن الكمون إلى الحركة.

لا أجدني بحاجة للبرهنة على هذه الحقيقة، وقد عشناها معا وشهدها العالم منبهرا، ليتحول ميدان التحرير لفترة من الزمن لأيقونة ورمز للتمرد على القهر والاستغلال في أنحاء المعمورة.

وليس في هذا ما يبخس من قدر أو دور المجموعات والحركات والمنظمات الصغيرة التي لعبت دورا في فتح الطريق أمام ذلك النهوض الجماهيري العارم، سواء قبل الثورة أو في الدعوة للاحتجاج أو في القيادة الميدانية للاحتجاج، ولكن كل من عاش لحظة نهوض جماهيري من هذا النوع (منذ الانتفاضة الطلابية في 72 وحتى يومنا هذا) يدرك تمام الإدراك كم هي هائلة ومفاجئة ومدهشة تلك الطاقة الإبداعية التي تنبعث من لحظات الجماهير الغفيرة.

تنطوي الثورة المصرية على مفارقة تبدو مدهشة، محيرة (على الأقل لمن هو في عمري، عاشوا الانتفاضات الطلابية والعمالية في سبعينيات القرن الماضي)، وهي الماثلة في كفاءة وإبداع غير مسبوق ومنقطع النظير في تنظيم نضال احتجاجي بطولي يشمل مئات الآلاف من الناس، وأهم مدن البلاد وأكثرها عددا؛ كفاءة وإبداع وبطولة انبهرت بها الدنيا كلها وشكلت نموذجا ملهما للاحتجاج الجماهيري، ألهم أوروبا وامتدت آثاره ورموزه حتى نيويورك، ليصبح ميدان التحرير أيقونة التمرد الشعبي في العالم بأسره؛ ومن ناحية أخرى عجز واستنكاف متواصلان خلال الثمانية عشر يوما وبعدها عن تجسيد الإرادة السياسية الثورية للجماهير المنتفضة في تنظيم جماهيري/سياسي يجسد تلك الإرادة ويبلورها ويعبر عنها، ويفرض شرعية وجودها كطرف فاعل في العملية السياسية التالية للثورة.

هَم التنظيم الجماهيري/السياسي كان الهَم الأول للانتفاضات الطلابية في السبعينيات، متحققا في تنظيم جماهيري: اللجان الوطنية للطلاب، وبرنامج للمطالب الملحة المعبرة عن الإرادة السياسية المتحققة فعلا لجماهير الطلاب المنتفضين: الوثيقة الطلابية. وفي لقاء ممثلي اللجان الوطنية بالبرلمان ليلة 25 يناير 1972، تبلور المطلبان الأساسيان للانتفاض في الاعتراف بشرعية اللجان الوطنية ممثلا شرعيا ووحيدا للإرادة السياسية للطلاب، ونشر وإذاعة الوثيقة الطلابية عبر وسائل الإعلام المطبوعة والمذاعة والمملوكة كلها للدولة في ذلك الوقت. أسماها السادات، عن مبالغة صارخة لا تخلو من بذرة من الحقيقة، بالـ”سوفيتيات” (وليس ثمة خطأ مطبعي هنا، فهكذا نطقها الرئيس المؤمن وهو يرغي ويزبد ويتطاير الرذاذ من لعابه، سخطا ونقمة على الحركة الطلابية و”القلة المنحرفة” في قيادتها.

إنها مقارنة عرجاء بالضرورة، ولكن لعلها تلقي بعض من الضوء على المسألة. انتفاضة 72 الطلابية: بضعة عشرات ممن يسمون هذه الأيام بـ”النشطاء”، وكانوا أيامها يسمون بالمناضلين، يعملون عملا يوميا أدواته صحافة الحائط والندوات والمؤتمرات والنقاشات في “ممرات الصحافة”، ينتمي بعضهم لمنظمات سرية ناشئة والبعض الآخر لا ينتمي. خطاب تافه الشأن للسادات يعلن فيه عن مد وقف إطلاق النار على جبهة قناة السويس، بسبب “ضباب” حرب بين الهند وباكستان، وتنفجر الانتفاضة، مفاجئة الجميع، بمن فيهم نحن؛ تطالب بأشياء كثيرة، من بينها حضور رئيس الجمهورية نفسه لجامعة القاهرة لكي يقوم الطلاب الثائرون بمحاسبته، وهو ما انتقده البعض باعتباره “توجها للسلطة”، ولكن لا شك لدي أنه لعب دورا تعبويا فعالا.

المقارنة بين الحركة الطلابية في السبعينيات وبين ثورة 25 يناير هي بالتأكيد مقارنة مجحفة على كل المستويات – سواء من حيث نطاق الاحتجاج أو من حيث أهدافه الملحة، ولكن يبقى السؤال: لماذا استنكفت أو عجزت ثورة يناير عن تجسيد إرادتها السياسية الثورية في تنظيم شعبي يُشكل في الميادين وتُنتخب قياداته في الميادين، يترجم شعاراته العامة في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية في صورة تطرح الإجراءات الملحة والعاجلة والقابلة للتطبيق الفوري، تستهدف وضع الوطن على طريق تحقيق الأهداف الكبرى للثورة، وتربط بين الإطاحة بالرئيس وزمرته الحاكمة، والتوجه نحو بناء بديل ديمقراطي حقيقي للنظام الأوليجاركي العفن والمتهاوي، ويصوت عليها بدورها في الميادين؟ ففي مثل هذا وحده: التنظيم الجماهيري حول برنامج للإصلاحات العاجلة، تجسيد للإرادة السياسية للثورة وتحققها.

لا أستدعي تلك اللحظة كنوع من النوستالجيا، ولكن إبرازا للملمحين الأهم لتلك الانتفاضة العتيقة، وهما اللجان الوطنية والوثيقة الطلابية. كانت شروطنا لفض الاعتصام (قدمناها موفودين من اللجان الوطنية إلى البرلمان) هي: 1- الاعتراف باللجان الوطنية ممثلا شرعيا للطلاب، و2- نشر وإذاعة “الوثيقة الطلابية” على الشعب من خلال وسائل الإعلام المذاعة والمطبوعة – وكانت كلها ملك للدولة حينئذ. أي أن هم التنظيم الجماهيري المستقل كان على رأس المهمات المباشرة للانتفاضة وكذا قائمة مطالبها الملحة والعاجلة المتضمنة في “الوثيقة الطلابية”.

السؤال الثاني: لماذا لم تنتج الثورة إعلانا للمبادئ والحقوق؟

الإرادة الثورية تُفرض من الشارع وليس من خلال مؤسسات الدولة التي قامت الثورة في مواجهتها، أيا ما كان شكلها. حق الاقتراع العام انتُزِع في الشارع، والحقوق النقابية تم انتزاعها في المصانع والشوارع وكذا حقوق المرأة وحقوق الأقليات الدينية أو العرقية. باراك أوباما لم يكن ليحلم بالاقتراب من البيت الأبيض وليس بالقعود فيه لو لم يكن مالكوم إكس وستوكلي كارمايكل وأنجيلا ديفيس ومارتن لوثر كينج والزحف المليوني على واشنطن. باختصار، وبعد أن أفضت في هذا الأمر في مقالي السابق في هذا المكان، الديمقراطية تُكسب في الشارع وبعدها فقط تتحقق، دائما بشكل جزئي وقاصر ومشوه، من خلال مؤسسات الدولة بما فيها صناديق الاقتراع، بل أن ما يُفرض في الشارع يشكل عنصرا جوهريا حاسما في صياغة شكل الصناديق وآليات استخدامها.

شهر وأسبوع تفصل ما بين “انتصار” الثورة المصرية بإسقاط مبارك وزمرته وما بين بداية الهزيمة باستفتاء 19 مارس الدستوري. وأعترف أنني كمراقب “من على الرصيف” – كما سبق لي أن وصفت علاقتي بالثورة المصرية – قابلت تلك اللحظة القاتمة باندهاش وعدم تصديق: القيادات الميدانية للثورة وجماهيرها الغفيرة ينقسمون بين من يقولون “نعم” لتعديل دستوري تافه الشأن (سرعان ما أضيفت إليه عشرات المواد “الدستورية” بغير استفتاءات على أيدي المجلس العسكري الحاكم)، لم يكن في واقع الحال غير توثيق رمزي لصفقة مشاركة في السلطة عُقدت سرا ما بين “المجلس” والإخوان المسلمين بمباركة ووساطة أمريكية نشيطة. هذا من جهة. وبين من يقولون “لا” وقد تبوأ قيادتهم زعامات برجوازية “مدنية” على رأسها أوليجاركي ذائع الصيت والثروة من جهة أخرى. وقل وداعا للثورة وشعاراتها في الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

بعد ثلاثة عقود من استقرار القناعة عند الجميع تقريبا (داخليا وخارجيا) بأن الشعوب العربية ذات الأغلبية المسلمة لا تحكم إلا بدولة بوليسية أو دولة إسلامية، فإذا بثورات الربيع العربي، وبالأخص الثورة المصرية، تأتي لترفع جملة من الشعارات والمبادئ وممارسة على الأرض، لا هي معادية للدين ولا هي دينية، ولكن تنحي الدين جانبا، تجعله غير ذي مغزى فيما يتعلق بالإرادة السياسية للثورة، وهذا في واقع الأمر هو التعريف الأدق للعلمانية. وإذا بنا بعدها بشهر وأيام نرتد لدعاية طائفية صريحة صارخة من المجلس العسكري وحلفائه من الإخوان والسلفيين والجهاديين التائبين، تحول التصويت على التعديل الدستوري لمواجهة مع “النصارى” المستكبرين، ويضيع الجوهر الطبقي والاجتماعي، أي الديمقراطي الأصيل، للثورة في غياهب غمامة أيديولوجية سقيمة لصراع وهمي بين “المدني والديني” – جله تحت القيادة الفعلية للبرجوازية المصرية، عسكرية ومدنية (والمدني بالمناسبة هو المضاد اللغوي الصحيح للعسكري ودخل قاموسنا المعاصر كمرادف لعلماني على سبيل التورية – وكانت في الأزمنة الغابرة يطلق عليها ملكي وأميري).

آلاف اللافتات، وربما عشرات الآلاف منها ومن المنشورات والجرافيتي، غطت الميادين، حوائط وإسفلت، تحمل المبادئ الأساسية للثورة وتفصل فيها، وممارسة يومية باسلة مدهشة ورائعة تجسد تلك المبادئ والقيم في صورة رجال ونساء شباب وشابات وشيوخ مسيحيين ومسلمين يهتفون بملء الحناجر للحرية والإخاء والمساواة بين الجميع. لماذا لم تُسجل تلك المبادئ والقيم في وثيقة إعلان لمبادئ الثورة العليا، أي وثيقة دستورية الطابع، ولتكن إعلانا لحقوق الإنسان والمواطن في مصر؟ وثيقة يُصَوت عليها في الميادين وتشكل ميثاقا للثورة والتزاما عليها ومرشدا لنضالها على المدى المباشر والمتوسط والطويل، ويشكل أيضا وبالضرورة قيدا حازما على مناورات وتحايل ومؤامرات قوى الثورة المضادة، مدنية وعسكرية ودينية؟

السؤال الثالث: هل سقط الفلاحون سهوا؟

تفجرت الثورة المصرية كثورة مدينيه (حضرية) بامتياز، وليس في ذلك من جديد، بل يكاد أن يكون القاعدة العامة في الثورات الحديثة كلها منذ الثورة الفرنسية وحتى يومنا هذا. فحتى تلك الثورات الشعبية الكبرى التي يمكن وصفها بالثورات الفلاحية من الناحية الأساسية (الصين، فيتنام، كوبا، الخ.) قامت على توجه ثوار المدينة إلى الريف كمقدمة لزحف الريف على المدينة. ولكن، ومهما بلغ عمق ووزن الطابع المديني للثورة فمن المستحيل تصور أن تظفر ثورة ما إذا لم تكسب إلى صفوفها أوسع صفوف فقراء الفلاحين بل وانخراطهم الفعلي في العملية الثورية. تجربة الثورة الشعبية الحقيقية في كل مكان برهنت على تلك الحقيقة بدلا من المرة ألف، بل وهي ربما صحيحة حتى في البلدان الرأسمالية الصناعية المتقدمة، فما بالنا برأسمالية متخلفة طغى عليها الطابع الريعي، وتدهور فادح في قاعدتها الصناعية الحديثة واستفحال التهميش و”ترييف” المدن، والتدمير واسع النطاق للريف.

أكثر من 55% من المصريين يقطنون في الريف، يعمل 13 مليون منهم في الزراعة، والمفجع ليس مجرد الوزن النسبي الهائل للريف المصري وأهله ولكن حقيقة أنهم قد تعرضوا قبل الثورة بأكثر قليلا من 10 سنوات فقط لثورة مضادة شاملة في الريف المصري، تلك التي مثلها البدء في تطبيق القانون رقم (96) لسنة 1992 في أكتوبر 1997 أطاحت بضربة واحدة بمصدر رزق مليون أسرة مصرية لتدفع بهم للفقر المدقع. فتقول ريم سعد: “وقد شهدت بنفسي خلال فترة بحثية طويلة في عدة قرى بالريف المصري خلال السنة التي أعقبت طرد المستأجرين حالة الإفقار التي عاشها فلاحون فقراء أصلا والتي تعاملوا معها عن طريق ممارسات مؤسفة شملت إخراج الأبناء (وخاصة البنات) من المدارس، وتزايد الاعتماد على تشغيل الأطفال، وبيع ممتلكات وأصول الأسرة كالحيوانات والمصاغ.”

ثم توجز الكارثة بقولها: “هكذا بضربة واحدة تم إفقار ما يقرب من 10% من سكان مصر عن طريق آليات احترفها نظام مبارك واستخدمها بنفس الطريقة في جبهات أخرى عديدة. ما بيننا وبين مبارك وعصره ليس “شوية زعل” بل ثأر كبير من مع من خرب البلاد حتى أعماقها وسمم منابع الحياة فيها.”(1)

كيف سقط من بؤرة نظر ثورة تقول بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية نصف الشعب المصري؟ كيف ومليون أسرة مصرية لتوها تُسرق كرامتها الإنسانية ويختطف العيش من أفواه أبنائها؟ وأي حرية تلك التي لا تولي انتباها لمئات آلاف من الرجال والنساء والأطفال يطردون بجحافل الأمن المركزي من أرض يفلحونها ويتعيشون منها منذ أجيال؟ كيف تاه الفلاحون المصريون من الذاكرة وتمرداتهم المحبَطة بعنف ضار في الأمس القريب، وقد حفرت بدورها مجرى مهما للثورة، بل وشكلت مساعي التضامن معها التدريب الجماهيري الأهم للكثيرين من مناضلي التسعينيات – ذلك العقد الكئيب، عقد “عقيدة الصدمة” على حد تعبير “ناعومي كلاين” حين طغت حربا همجية بين همجية الدولة وهمجية الحركة الإسلامية على كل شيء وسحقت كل شيء؟ ولعلنا نذكر بالمناسبة أن الإخوان المسلمين وقفوا كتفا بكتف مع جحافل بهوات الحزب الوطني الحاكم مؤيدين متحمسين صاخبين مهللين للقانون المشئوم، مثلما شاركوا تلك الجحافل الهمجية الجهولة حماسهم في ذبح المفكر الرائع القدير نصر حامد أبو زيد، وفي تجريم وتحريم وحرق الكتب.

لكن للتاريخ انتقاماته العجيبة. التقيت زعيما من زعماء أحد الأحزاب الكبيرة نسبيا التي انبثقت ما بعد الثماني عشرة يوما، وقلت له أن الثورة ستُهزم حتما إذا لم تتوجه للفلاحين، فرد: “لا، دول قدامهم كتير قوي”! ثم التفت ليحدث شخصا أخر في أمور “ملحة”. ثم جاءت انتخابات الرئاسة في جولتها الأولى بنتائج مبهرة: المدن الكبرى تنتخب “الثورة” ولو رمزيا، ممثلة في حمدين صباحي، الصعيد ينتخب الإخوان المسلمين ممثلين في محمد مرسي، والدلتا تنتخب المباركية ممثلة في أحمد شفيق.

في 13 مارس 2014 كتبت على صفحتي على الفيس بوك رسالة وجهتها لابني حسام وأصدقائه، وكانوا قد أمضوا عامين ونصف العام تحت الرصاص، حرفيا وليس مجازا، هذا نصها:

“مفارقة جديرة بالتأمل

رسالة إلى حسام وأصحابه

مقومات قيام الثورة ليست هي نفسها مقومات تحققها، فمثلا:

 – الثورة تقوم على الرفض الحاسم للواقع القائم والحلم بغد شديد الاختلاف، في حين أن انتصار الثورة يقتضي واقعية صارمة وعقلانية شديدة الانضباط، لا وهم فيها ولا خلط للأمنيات بالحقائق الملموسة على الأرض؛
قوام الثورة هو الشجاعة واستعداد للتضحية لا تحدهما حدود، وجموحا يصبو إلى تحقيق المستحيل ويتطلع لاقتحام عنان السماء، في حين يتطلب انتصارها روحا شديدة العملية وحسابا دقيقا للقوى وأقصى ما يمكن من تأمين لقواها والحفاظ عليها من التدمير في مواجهات خاسرة؛
الأهداف النهائية الكبرى هي روح الثورة ومفجرها، أما تحققها فهو عملية متواصلة متعددة الحلقات تقوم على ترجمة تلك الأهداف إلى برنامج عمل على الأرض، في خطوات محددة وملموسة، قوامها إجادة تعيين ما يمكن تحقيقه اليوم، وغدا وبعد غد، أين تصوب وكيف، من تجابه ومن تحيد ومن تؤجل مجابهته حينا، أي رؤية إستراتيجية وبراعة تكتيكية.
ليس بوسع أحد أن يفجر ثورة شعبية، أو أن يصنع تلك اللحظة السحرية التي تتنقل بكتل بشرية هائلة من حالة الخوف والقناعة الذليلة والمناورة للعيش في ظل القهر والظلم إلى حالة التمرد والجسارة والتفتح على إمكانية وضرورة عالم مختلف، ومن التنافس الفردي على لقمة العيش إلى التضامن الجماعي من أجل طريقة جديدة، أفضل وأكثر عدالة وإنسانية للعيش المشترك. الثورة قوامها تمرد أوسع الناس على الأمر الواقع، بينما يقوم ظفرها على قدرة هؤلاء الناس على التنظيم والتوحد والدفع بقيادة حكيمة مؤهلة لإرشاد عملية تحويل الأمر الواقع إلى واقع جديد.

ثورة كبرى في ثلاث موجات عاتية كشفت عن براعة هائلة في 1 وتعثر متواصل في 2 – ولكننا نتعلم، أليس كذلك؟”

وللحديث بقية.

________________

(1) ريم سعد، عن قانون الإيجارات الزراعية وعما فعله مبارك بمصري والمصريين، الشروق: الأحد 22 يونيو 2014. https://is.gd/hR4gbr

(أنظر أيضا: صقر النور، الفلاحون والثورة في مصر، فاعلون منسيون، بالأحمر: 4 فبراير 2017)

Ray Bush, ed., Counter Revolution in Egypt’s Countryside. London: Zed Books, 2002

لقراءة الجزء الثاني

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. سوزان فياض

    أجدنى مجبره على المقارنه بين بعض السياقات السياسيه للاحداث – لم تكن انتفاضة 1972 (مفاجئه لنا بالكامل ) .. سبقتها عشرات المؤتمرات والندوات والمعارض الفنيه وندوات الحوار فى ممرات الصحافه ، كانت تطرح فيها دائما فكرة التنظيم الجماهيرى .. وكثيرا ما استدعيت خبرة لجان العمال والطلبه فى الاربعينات ، كان “الوعى” بهذا الاحتياج الجوهرى موجودا .. واذكر انه كان من المفروض ان نقرأ فى اعتصام الجامعه الشهير بطب عين شمس(قبل القبض علينا مباشرة ) بيانا لا اذكر حاليا محتواه .. يتمحور حول اعلان شكل تنظيمى ما .. هذا الوعى لم يكن بالطبع تلقائيا ! بل كان وثيق الصله بوجود منظمات سياسيه تعمل فى صفوف الطلاب وغيرهم
    – ثورة يناير كانت مفاجئه بالكامل، وجاءت بعد عقود من انهيار المنظمات السياسيه وبعد عقود مما عرف بتجريف الحياه السياسيه ، وكان عمادها شباب لا يفتقد الوعى الفكرى او السياسي ولكنه يفتقد بالتاكيد خبرة التنظيمات السياسيه وخبرة المعارك السياسيه الكبيره (مثل انتفاضة الطلبه فى 72 وإنتفاضة الخبز فى 77) وايضا الخبرة التاريخيه التى تقول بأن “إنتزاع الشكل التنظيمى فى اللحظه المناسبه هو السبيل الوحيد لاقتناص الانتصارات ” وفى كل الاحوال .. هذه الخبره التاريخيه لم تكن إبنة الوعى التلقائي فى انتفاضة 72 بل كانت ابنة للافكار والخبرات الثوريه التى حملها طلاب ثوريون كانوا على هذه الدرجه او تلك فى تماس مع منظمات ثوريه ..
    – واحيرا الحركه فى وسط الطلاب ( عشرات الالاف مثلا ..) كان يمكن ان يغذيها حفنه من الطلاب الثوريين فى كل جامعه مثلا .. ولكن حين ننتقل لمئات الالاف من الثوار فقد كنا بالتأكيد نحتاج لعشرات الاحزاب والنقابات واتحادات العمل …. الخ.. فما بالك وان هذا الجمهور الواسع كله كان ابن التجريف السياسي ؟
    اعلم ان الامور اكثر تعقيدا واتوقع مزيدا من التوضيح فى باقى اجزاء المقال وفى نقاش الزملاء .. شكرا لفريق العمل ان أتاح لنا هذا الموقع الثمين وهذا الحوار

موضوعات ذات صلة

قراءات في ثورة يناير 2011: تاريخياً، لا يوجد نموذج بديل فوري، باكتماله وطرح تطبيقه تتم إزاحة السلطة القديمة وأفرادها.

علي الرجال

من التحرير إليكم: انتزاع الديمقراطية فيما يتجاوز ترامب ربما يكون التشابه الأكثر إثارة للقلق بين ما يتعرض له المصريون الآن تحت النظام العسكري الفاشي وبين لحظة ترامب في الولايات المتحدة هو عدم استعداد أصحاب الخبرة التنظيمية والمواطنين العاديين للمواجهة.

عاطف سعيد

قراءات في ثورة يناير 2011: كان الأمر غيرُ عاديّ.. ولم يكُن هناك تفسيرٌ لما يحدث بالشارع لدى كُلٌ منا.. ولم تكن هناك –في نفس الوقت- أية تنبؤات لما ستؤول إليه الأوضاع قُدُما.. إلا أن الاهتمام كان مُنصَبا على جلال اللحظة وهيبتها..

محمد هشام

الاقتصاد السياسي والحركات العمالية والانتفاضات الشعبية في 2011 تميل التحليلات الغربية للانتفاضات العربية التي اندلعت سنة 2011 إلى التأكيد على دور شباب الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي أو منظمات المجتمع المدني. ولعل التركيز على الحركات الاجتماعية للعمال والعاطلين قبل اندلاع هذه الانتفاضات وأثناءها يوفر مزيدا من العمق التاريخي والفهم الأصيل.

جويل بنين

القانون وشيزوفرانيا الحكم في مصر ثلاث مسائل كانت وما زالت تلح على مصر كدولة ومجتمع، قبل الثورة وبعدها: 1) تشكيل سلطة قوية مصحوبة بآليات قانونية، 2) التحديث (وهنا تحديداً المقصود هو تطوير آليات الحكم ومزيد من كفاءة مأسستها)، 3) مجتمع صاحب مسؤولية سياسية وجنائية ومدنية عن أفعاله.

علي الرجال