علم النفس السياسي البرجوازي: نقد العقل القمعي وميتافيزيقا الجلاد… ضد أحمد عكاشة

سجالات

09  مايو  2017

الموضوع نقلا عن موقع الحوار المتمدن بتصريح من الكاتب

لعل الحكمة لا تظهر على الأرض إلا على هيئة غراب يهيجه عفن جيفة مكتوم؟([1]) هكذا كتب فيلسوف أفول الأصنام! وها هو ذا سلطان العلم والمعرفة “الموضوعية المحايدة“!!، العالم المصري الكبير، ورئيس الجمعية المصرية للطب النفسي، عضو المجلس الاستشاري الرئاسي، ومستشار الرئيس للصحة النفسية، د. أحمد عكاشة يتجلى أمامنا، ويقول قولته الفاصلة متخذا من الشعب المصري، وسيكولوجيته موضوع معرفته، معينا له ما ينبغي، وما لا ينبغي في الظروف الراهنة، مبينا له دلالة فعله في كل حال ومعناه، مبعدا عن ذاته شبهة أنه قد يكون في الواقع بوصفه مثقفا عضويا للطبقة السائدة ولسلطتها الراهنة -وبحكم كونه مستشارا للرئاسة- ظلا متراميا في البعد لإرادة السلطان وإكراهه. لكن علينا أن نقرأ ما يكتب شاكين في أنه يكتب لإخفاء ما يضمره، وأن ننبش وراء كل حرف، فربما استترت دلالات أعمق مما تكشف عنه، وأن نحذر ونحتاط من أن يكون الظاهر أمامنا هو فلسفة واجهة توارى مضمونها التبريري الفعلي خلف الكلمات/الأقنعة، وأن ندرك أن السمات المؤسسية الظاهرة للفاعلين الاجتماعيين سواء كان المتحدث هو القاضي الجنائي، أم المفتي ووزير الأوقاف أم شيخ الأزهر، أم النائب العام، وضابط الأمن الوطني، أم الإعلامي الشهير، أم الطبيب النفسي كما هو الحال هنا، هي معادلات موضوعية ذات مضمون طبقي واحد وإن تغايرت في أشكالها الأيديولوجية وفق نوعية المجالات، ففي عالم البرجوازية الرثة التي استنفدت دورها التاريخي من الأصنام الكاذبة أكثر مما فيه من الحقائق. ودون أن ننسي أنه قد تكون هناك ميول ثانوية غير مهيمنة تخترق مؤسسات النظام ذاتها يتجلى فيها الصراع الاجتماعي خارجها.

– 1 –
علم النفس السياسي البرجوازي ووظيفته الاجتماعية

هو فرع من فروع علم النفس “يختص بالظواهر النفسية (الأمزجة، والآراء، والأحاسيس، الاتجاهات القيمية، الخ) للحياة السياسية التي تتشكل وتكشف عن نفسها في الوعي السياسي للطبقات، والجماعات الاجتماعية، والحكومات والأفراد وتتحقق في أفعالهم السياسية. وعلم النفس السياسي البرجوازي، الذي يؤدى وظيفة فكرية رجعية، بالإضافة إلى تحليل الجوانب النفسية للمسائل السياسية الجارية (الداخلية والدولية على السواء) يدعى أنه يطور نظريات علمية اجتماعية صيغت لتكون بدائل للماركسية، وللمفهومات السياسية الاجتماعية البرجوازية السابقة…([2]) ودوره يتمثل في تزويد صاحب القرار (السلطة) بما يحتاجه من بيانات تتعلق باتجاهات الرأي العام حتى يضمن للقرار السياسي أقصى تأثير وفاعلية. وكذلك يسهم في مجال إدارة الأزمات الداخلية والخارجية وتبيان أفضل السبل لتطويع الكادحين وغسل أدمغتهم وترويج الأفكار الداعية للتكيف مع النظم القائمة.

ويعتبر علم النفس السياسي من الفروع “العلمية” الحديثة نسبيا، فلم يكن يدرس في الجامعات الغربية كمجال معرفي قبل السبعينيات، رغم أن البعض درس تأثير علم النفس في السياسة منذ العشرينيات في القرن الفائت، مثل الأمريكي هارولد لاسويل (1902 – 1976). وقد أصدر الأكاديمي البريطاني ديفيد باتريك هوتون مؤخرا كتابه: “علم النفس السياسي” عام 2008 في طبعته الإنجليزية([3]).

وقد استعرض فيه أبرز النظريات التحليلية المفسرة للنشاط السياسي من منظور نفسي، وخاصة المدرستين الموقفية والنزوعية. و”تعرف الموقفية كمدخل لفهم السلوك الإنساني، تعتبر فيه البيئة، أو الموقف المحيط بالفرد، العامل الأكثر أهمية في تشكيل وتوجيه سلوكه، أما النزوعية فترى أن الفرد وما يحمله من قيم واعتقادات وخصائص شخصية العامل الأكثر أهمية في توجيهه واستنادا إلى هاتين المقاربتين في فهم المواقف وسلوك الأفراد والجماعات والقيادات والنخب السياسية…. (بدأ) بتحليل النظرية السلوكية أو نظرية المثير – الاستجابة، وعلم نفس الطاعة والسيرة النفسية (وانتهى) إلى علم نفس العلاقات الدولية([4]).

 وجدير بالذكر أن معظم الأكاديميين في هذا المجال قد تأثروا تأثرا واضحا بمؤلفات كاتب فرنسي رجعي هو الأنثروبولوجي وعالم الاجتماع الفرنسي جوستاف لوبون خصوصا في كتابه “سيكولوجية الجماهير” الصادر عام 1895، حيث “يرى المؤلف أن الجماهير لا تعقل، فهي ترفض الأفكار أو تقبلها كلا واحدا، من دون أن تتحمل مناقشتها. وما يقوله لها الزعماء يغزو عقولها سريعا فتتجه إلى أن تحوله حركة وعملا، وما يوحي به إليها ترفعه إلى مصاف المثال ثم تندفع به، في صورة إرادية، إلى التضحية بالنفس. إنها لا تعرف غير العنف الحادّ شعورا، فتعاطفها لا يلبث أن يصير عبادة، ولا تكاد تنفر من أمر ما حتى تسارع إلى كرهه. وفي الحالة الجماهيرية تنخفض الطاقة على التفكير، ويذوب المغاير في المتجانس، بينما تطغى الخصائص التي تصدر عن اللاوعي.

وحتى لو كانت الجماهير علمانية، تبقى لديها ردود فعل دينية، تفضي بها إلى عبادة الزعيم، وإلى الخوف من بأسه، وإلى الإذعان الأعمى لمشيئته، فيصبح كلامه دوغما لا تناقش، وتنشأ الرغبة إلى تعميم هذه الدوغما. أما الذين لا يشاطرون الجماهير إعجابها بكلام الزعيم فيصبحون هم الأعداء([5]).

وفى كتابه “روح الثورات” الذي خصصه للثورة الفرنسية، رأى أن النفسية إلى تسودها هي نفسية الحقد، والخوف والحرص، والحسد، والزهو، والحماسة، كما أن هناك نفسية دينية، ونفسية يعقوبية، ونفسية ثورية، ونفسية مجرمة، وعموما تسودها فوضى نفسية، وإجمالا اتخذ من الثورة موقفا رجعيا. وقد كتب ناقدا الشعار الرئيسي للثورة الفرنسية ما يلي: “للشعار الجمهوري أي “الحرية والمساواة والإخاء”، شأن كبير مع ضعف قيمته العقلية، ولهذا الشعار الساحر الذي نقش على جدارنا قدرة عظيمة تعدل القدرة التي يعزوها السحرة إلى بعض الألفاظ، وما ألقاه من الآمال في القلوب سهل انتشاره، وقد ضحى ألوف الناس بأنفسهم في سبيله، والآن إذا اضطرمت ثورة في العالم فإن رجالها يستنجدون به.

حقا أنهم يجيدون الاختيار، فذلك الشعار من الأمثال المبهمة الساحرة للنفوس والتي يفسرها كل امرئ على حسب ذوقه وحقه وخياله، ففي أمر الإيمان لا شأن لمعنى الألفاظ الحقيقي، وما سر قوة هذه الألفاظ إلا بما يعزى إليها من قدرة([6]).

احتل علم نفس الطاعة مكانة أساسية في بحوث ستانلي ملجرام وقد طرح أسئلة جوهرية حول ما الذي يدفع الأفراد لطاعة سلطة عليا كالدولة حتى عندما تصطدم متطلبات تلك السلطة بشدة بالقيم والأخلاق. وقد انتهى بعد تجارب أجراها على مجموعة من المتطوعين إلى أننا “… جميعا قد نخالف أعز مبادئنا وقيمنا عندما نواجه موقفا تحثنا فيه على الطاعة سلطة نرى أنها سلطة شرعية([7]).

– 2 –
 علم النفس السياسي في مصر: اتجاهان

تأسس علم النفس في مصر على يد رواد يتصدرهم د. يوسف مراد ود. مصطفى زيور اللذان أصدرا أول مجلة تحمل اسم علم النفس في يونيو 1945، وواصلت الصدور حتى فبراير 1953. تضمنت أعدادها موضوعات ذات خصوصية مثل “اختيار ضباط الجيش“، “علم النفس والحرب“. وقد ساهم يوسف مراد في أنشطة “إدارة التدريب الحربي” لتنظيم قسم للخدمة السيكولوجية في الجيش، وتطبيق اختبارات الذكاء والشخصية على طلبة الكلية الحربية في سبتمبر 1952، وألقى محاضرتين في كلية أركان الحرب عن الانفعالات والتمويه والإخفاء في يناير 1953. ولم يكن هو الوحيد الذي ارتبط بالنظام الجديد فقد أسهم آخرون في مجال الأمن القومي، وفي تحليل اتجاهات الرأي العام.

وفي مقابل الاتجاه المذكور الذي ارتبط بنظام يوليو وبرجوازيته البيروقراطية فيما بعد، نشأ اتجاه معارض ديموقراطي النزعة مثله كل من مصطفى زيور ومصطفى سويف، ولا يمكن أن يختزل ذلك التعارض بين مدعمي النظام ونقاده بوصفه شقاقا بين مدرستين من مدارس علم النفس: مدرسة التحليل النفسي، والمدرسة السلوكية.

كان زيور ليبراليا مدافعا عن الحرية السياسية، والقضية الفلسطينية، وقد احتضن وساند طلابه الشيوعيين من الحلقة الثانية للحركة الذين اعتقلوا بتهمة قلب نظام الحكم على خطورة هذا الأمر عليه آنذاك. وقد مثل كتاب مصطفى زيور “في النفس: مقالات مجمعة في التحليل النفسي” فاتحة انطلاقة في علم النفس السياسي العربي. كما كان مهموما بمسألة الفتنة الطائفية فحاضر وكتب عن سيكولوجية التعصب كظاهرة نفسية اجتماعية سياسية مرضية. كتب: “التعصب يؤدى وظيفة خاصة تتلخص في التنفيس عما يعتلج في النفس من كراهية وعدوان مكبوت، وذلك عن طريق عمليتي النقل والإبدال، دفاعا عن الذات وعمن نحبه. فالمتعصب إذن يجني في موقفه كسبا، غير أن هذا الكسب لا يختلف عما يجنيه العصابي من سلوكه الشاذ، أي أنه كسب وهمي ناقص يفوت على صاحبه فرصة حل إشكاله حلا رشيدا واقعيا مجديا“، ولم يقصر زيور تفسيراته على ما هو نفسي بل رأى أن لنقمة الشعب المصري أسبابا يمكن أن نفهمها بدراسة الأحوال الاقتصادية. كما عالج العدوان الإسرائيلي من منظور التحليل النفسي في مقالين نشرا عام 1968.

لا أستطيع أن أسمح لنفسي أن أضع علمي في خدمة هذا الحكم الاستبدادي” هكذا رد مصطفى سويف على طلب أستاذه يوسف مراد بأن يساعده في تطبيقات علم النفس في الجيش. وظل طوال حياته ديموقراطيا صارما في موقفه من ديكتاتورية سلطة يوليو([8]).

 وقد كان عالم النفس المصري مصطفى صفوان، الذي هاجر إلى فرنسا عقب انقلاب يوليو 1952، من كبار المحللين النفسيين من مدرسة جاك لاكان، ينتمي للاتجاه الثاني وله إسهامات بارزة في مجال تفكيك الاستبداد، والسلطة الطغيانية في العالم العربي، وهو مؤلف كتاب “لماذا العرب ليسوا أحرارا” (صدر عن دار الساقي بيروت، 2012)، وكذلك “إشكاليات المجتمع العربي: قراءة من منظور التحليل النفسي” (صدر عن المركز الثقافي العربي، 2009) بالاشتراك مع عالم النفس اللبناني عدنان حب الله. وقد ترجم أيضا بعض الكتب الهامة منها: “علم ظهور العقل” للفيلسوف الألماني هيجل (وقد صدر عن دار الطليعة ببيروت، ط. ث.، 1994)، وكذلك “مقال في العبودية المختارة” للفرنسي إتيين لابواتييه (صدر عن مكتبة مدبولي، 1990، القاهرة).

و”يستخدم مصطفى صفوان مصطلح “الدولة البدائية الحديثة” للدلالة على الأنظمة الاستبدادية السائدة في العالم العربي محددا خصائصها فهي أولا، تكرس ما أسماه “الاعتقاد الطبيعي بنظام المقدس” وثانيا، لا تقبل اقتسام السلطة، وثالثا، ترفض أي ضبط حقيقي لسلطة الحاكم، ورابعا، تلهث وراء ضمان الاستقرار واستمرار الحكم على حساب الاستقلال الوطني والنمو الاقتصادي وبناء الإنسان([9]).

ويتواصل الاتجاهان السابقان في مصر المعاصرة فنجد الدكتور أحمد عكاشة ويحيى الرخاوي من مروجي التكيف الخانع للنظم القائمة، وقد ارتبط كلاهما بالنظام الحاكم كمثقفين عضويين وكأصحاب مصلحة طبقية في استبقاء الأوضاع التي تمنحهم الامتيازات كمهنيين أو أصحاب رأسمال نوعي.

 ومن جانب آخر نجد الباحثة الجادة النابهة د. بسمة عبد العزيز، التي اختطت طريقا جديدا في حقل الدراسات النفسية الاجتماعية في مصر وأسست داخل علم النفس السياسي لدراسات تكشف الآثار النفسية والجسدية والانفعالية التي تعتري المعتقلين في سجوننا المصرية من جراء التعذيب (كرب ما بعد الصدمة). وتناولت في أبحاثها ظاهرة القمع البوليسي من زاوية الآليات والوظائف والأدوار والنتائج. وقد أصدرت عددا من الدراسات تمثل علامة بارزة في مجالها منها “ما وراء التعذيب، الجوانب النفسية والسياسية” (دار ميريت، ط. أ، 2007)، ثم “إغراء السلطة المطلقة” (دار صفصافة، ط. ث، 2011)، وكذلك “ذاكرة القهر” (دار التنوير، ط. أ، 2014)، وهي توظف معرفتها في كشف عفن الأوضاع القائمة برموزها ومؤسساتها وتناهض كل ما يزينها ويبررها بكتابة علمية رصينة.

وهناك كوكبة من الطبيبات اللامعات اللائي لعبن ومازلن يلعبن دورا هاما ومؤثرا في كشف آليات القمع وتقنيات التعذيب ومعالجة آثارها ومنهم الدكاترة: عايدة سيف الدولة، وسوزان فياض، وماجدة عدلي وأخريات (مركز النديم)، وفرادى مثل د. سالي توما. باختصار هؤلاء لا يبررن الأوضاع القائمة ولا يزينونها ويساندن المضطهدين والمقموعين من أبناء شعبهم.

– 3 –
من الصعب أن تحكم جالسا على الحراب طوال الوقت!

في مقال: “طرائق الانتلجنسيا البرجوازية في النضال ضد العمال” يشير ف. لينين إلى أنه “في كل الأقطار الرأسمالية في العالم تلجأ البرجوازية إلى طريقتين في النضال ضد حركة الطبقة العاملة والأحزاب العمالية. تتمثل الأولى في استخدام العنف، والاضطهاد، والحظر، والقمع. وتعد هذه طريقة إقطاعية، قروسطية في جوهرها. وهناك في كل مكان أقسام وجماعات من البرجوازية -أصغر في البلدان المتقدمة، وأكبر في البلدان المتخلفة- تفضل هذه الطرائق، وفي لحظات الاحتدام القصوى في نضال العمال ضد عبودية العمل المأجور، تتفق البرجوازية بكاملها على استخدام طرائق كهذه. أما الطريقة الأخرى التي تستخدمها البرجوازية ضد الحركة فتتمثل في شق صفوف العمال، إشاعة الفوضى في صفوفهم، رشوة ممثلين فرديين أو مجموعات معينة من البروليتاريا بهدف كسبهم إلى صفها. وهذه الطرائق ليست طرائق إقطاعية وإنما طرائق برجوازية محضة وحديثة…” وكذلك نشر النفوذ “الإيديولوجي للبرجوازية في صفوف العبيد المأجورين بهدف حرف نضالهم ضد العبودية المأجورة([10]). فوظيفة المثقف العضوي الذي ينتمي للطبقة السائدة هي وظيفة المفكر والمنظم والداعية والمنظر والمنافح عن مصالحها بغض النظر عن مهنته النوعية، ويتميز بوظيفته في توجيه أفكار وتطلعات الطبقة التي ينتمي إليها وإضفاء التجانس على وعيها وممارسة الهيمنة على الطبقات المسودة (وظيفة الأفكار في التضليل وفي إرساء سلطة المستغلين؛ وهو واحد من معانٍ تاريخية متعددة لمفهوم الأيديولوجيا). كما أن الوظيفة التبريرية للأيديولوجيا تنهض أساسا للمشروعية السياسية.

ترتبط علاقة الأيديولوجيا بالسلطة بالمسألة الحيوية والأساسية بالنسبة لكل سلطة سياسية وهى مسألة المشروعية. فالهم الأساسي لكل سلطة هو اكتساب المشروعية… السلطة القادرة على الاستمرار هي السلطة التي لا تقوم فقط على القوة والعنف وانتزاع الاعتراف، بل هي السلطة القادرة على جعل الذوات السياسية تنتج تلقائيا مصادقتها عليها وقبولها بها بحيث لا تكون بمثابة مؤسسة خارجية قائمة على القهر والقسر بل على الرضا والموافقة…. وبما أن هذا الصنف من المشروعية لا يتم اكتسابه بالعنف الفيزيقي، فإن من الضروري اللجوء إلى نوع من العنف أكثر لطفا وتهذيبا وخفاء وهو العنف اللفظي أو “العنف الرمزي”. وقد ارتبط خطاب السلطة دوما بسلطة الخطاب وكلمات السلطة بسلطة الكلمات([11]).

فالأيديولوجيا بهذا المعنى ركن أساسي من أركان أي سلطة سياسية وأداة سلطة من الدرجة الأولى، مما يجعلها أمرا لا غنى عنه بالنسبة لأية سلطة سياسية مهما كانت استبدادية أو تعسفية. فحتى الأنظمة القائمة على الاستبداد والنزعة الكليانية والقمع مضطرة لاصطناع أيديولوجيا تبريرية أو تبنى أيديولوجيا باسمها ومن أجلها يصبح الاستبداد مبررا و”معقولا”([12]).

من المعروف وفقا للتراث الماركسي أن الدولة تنطوي على: أجهزة الدولة القمعية وهى تشمل: الحكومة، الإدارة، القوات المسلحة، الشرطة، المحاكم، السجون، وهى تسير بصفة أساسية بواسطة العنف. وتتجلى أجهزة الدولة الأيديولوجية في شكل مؤسسات مميزة ذات اختصاص مثل المؤسسة الدينية بمشتملاتها وتعددها، المؤسسة التعليمية عامة أو خاصة أو نوعية، المؤسسة العائلية (البطريركية)، النظام الحقوقي في شموله حيث يرتبط أيضا بجهاز الدولة القمعي، النظام السياسي بما فيه من أحزاب، النقابات العمالية والمهنية والفلاحية، المؤسسة الإعلامية، المؤسسة الثقافية بمشتملاتها([13]).

 وتدخل آراء د. أحمد عكاشة في مجال الأيديولوجيا سواء اعتبرناها “طبا نفسيا” أم سياسة أو فكرا أو إعلاما. والتاريخ الفعلي مغرم بالسخرية ومراوغة البشر. لكن ما يطرحه لا قدرة له على الفتنة. فتأويلاته التبريرية التي تعمى عن الواقع وتستبعد البحث المعمق عن الأسباب تنتهي لشيء ملفق، صاخب، مضطرب، وهي تدافع عن الطبقة الرأسمالية وليبراليتها المتوحشة، وتدعم توجه السلطة القمعي تعزيزا لنظامها الاجتماعي. ولابد أن ننتبه إلى أن المعارك الطبقية تنعكس في العلوم الاجتماعية، وأن لكل طبقة مفهومها عن العالم، ففي مجتمع يجري فيه الصراع بين طبقات متعادية لا يمكن أن تكون هناك فلسفة مستقلة عن مصالح الأحزاب. ويحاول العلم البرجوازي التظاهر بـ”الحياد” و”الموضوعية” و”التحليق فوق الطبقات” رغم أنه من الناحية الفعلية يزيف ويشوه الواقع ويتبنى وجهة نظر المستغلين.

إن الدور التبريري الذي تمارسه النظريات البرجوازية يتخذ وجوها مختلفة وذلك تبعا للمهمات الملموسة التي تطرح على الطبقة البرجوازية. والمفكرون البرجوازيون يستخدمون لهذه الغاية مذاهبهم بصورة تكون مرنة وبصورة كافية، وهم مستعدون للتخلي اليوم عن عدد من الحجج “النظرية” التي كانوا يقدمونها في الأمس، إذا لم تعد هذه مطابقة للحاجات الجديدة للبرجوازية في هذه المرحلة التاريخية أو تلك، من مراحل تطورها([14]).

بوسع الكلمات أن تسبب الدمار” هذا ما قاله ج. ب. سارتر ذات مرة. فأي شيء تروجه كلمات وحوارات “مستشار الرئيس“؟

يرى د. عكاشة أن مفهوم الصحة النفسية يعنى قدرة الإنسان على التكيف مع الأوضاع القائمة والصمود في مواجهتها بغير انكسار واستطاعة العمل والإنتاج بما يعنى تجاوز الذات، وكان يشدد في ظل نظام مبارك على أن من شروط الصحة النفسية للشخص بعد “التكيف” وإتقان العمل الموكل إليه “تواكب القدرات مع التطلعات” أي احتلال مكانة اجتماعية تتفق مع ما يبذله المواطن من جهد بغير واسطة ولا محسوبية، وأخيرا أن يكون له “دورا تقريريا وكلمة في المجتمع الذي يعيش فيه“. وحين يجابهه المحاور أحمد منصور بسؤال: كيف يحقق الإنسان الصحة النفسية في ظل نظام سياسي يجرده من مقوماتها يجيب: “أنت بتسألني سؤال صعب جدا. هي دي المشكلة اللي فيها كتير جدا من الموجودين في الأمة العربية، أنهم بيجدوا نوعا من الإحباط الشديد جدا أنه ما عندوش حرية التعبير إنه هو يبقى له دور في المجتمع، أنه هو مش شايف إن كل حاجة يعني في أساسيات تخلي الإنسان يحس بالانتماء، يعنى عندنا كده هرم موجود. أول حاجة الحاجات الأساسية في الحياة مسكن، دفء، طعام، شراب، من غير دول الواحد لا ينتمي إلى أي حاجة، لازم يحصل عليهم..([15]).

كان مقدم البرنامج قد أشار إلى أن هناك “حالة من الإحباط والاضطرابات والأمراض النفسية التي تجتاح الشارع العربي، فعشرات الملايين من العرب يعانون من الاضطرابات النفسية بنسب متفاوتة منهم أكثر من عشرة ملايين مصابون بالاكتئاب بينهم مليونين في مصر ونصف مليون في الأردن، بينما يعاني 61% من الفلسطينيين من الاكتئاب أما نسبة العراقيين المصابين باضطرابات نفسية فإنها تزيد على 35%. ويشير الخبراء إلى أن الضغوط السياسية والاقتصادية التي يعيش فيها الإنسان العربي هي المتسبب الرئيسي في تفشى الاضطرابات والأمراض النفسية([16]).

ويرجع د. عكاشة فقدان الثقة بين الناس بعضها البعض ثم فقدان الإحساس بالولاء والانتماء للوطن إلى أن المواطن “لما يحس أنه هو صحته النفسية متأثرة بالظروف اللي حواليه يبتدي يفقد الانتماء، بمعنى أنه أنا لما أكون أشتغل عملا جديا جدا وذو كفاءة عظيمة جدا وأجد أن واحد تاني أخذ المحل اللي أنا مفروض أعمله أنا لا يمكن أقدر أحب البلد دي. لما يكون أن كل السلوك في البلد بتاعتي رد فعل، بمعنى أن ما عندناش أي أحد يقوم بإستراتيجية طويلة المدى فيها فعل يعنى عيل مثلا يقع في الباكابورت فتقوم حملة لسد الباكابورتات، شايف إزاي، عبارة تغرق فيقوموا بالتفتيش على كل السفن، العيش يبقى مش موجود فننزل الجيش والبوليس عشان أن هو يعمل تنظيم للعملية دي، المفروض يبقى عندنا.. (خطط؟!) طويلة المدى. كلما كان الإنسان حاسس أن هو عايش يوم بيومه بيفقد انتماءه، لكن كلما كان حاسس أن هو حيتعالج كويس – حيتعلم كويس – حيتدفن كويس، دي بتدي له نوع من أنواع الصحة النفسية“.

هل اختلف الأمر عقب سقوط مبارك وفي عهد كل الرؤساء اللاحقين وفي العهد الحالي – لقد زادت الأمور سوءا على كل صعيد. وقد كان “عالمنا النفسي” وقتها – زمن مبارك – يناشد النخبة التي لا تشعر بالشعب أن تكون قدوة، كما رأى في قوى المعارضة التي ظهرت آنذاك والمظاهرات التي جرت أمورا إيجابية. ليس ذلك فحسب بل إنه لم يستبعد قيام ثورة شعبية ضد نظام مبارك ورفض ما قاله د. علي الدين هلال: “إن الذين ينتظرون ثورة شعبية هم أنبياء الفجر الكاذب” كما رفض ما زعمه مقدم البرنامج من أن “هذا الشعب لمن غلب“، وردا عليه استشهد بالثورتين الفرنسية والبلشفية وقيادة الأخيرة الثورية. “زى ما بقول لك اللي قام بالثورة الشيوعية ناس مثقفون وناس أغنياء وناس مبسوطين ولكن كانت لمصلحة الفقراء قاموا بها. اللي قاموا بالثورة الفرنسية ما كانوش الشعب الهمج اللي ماشيين (؟؟؟!!!)، لأ كان فيه ناس بيفكروا فيها. واعترض على وجهة النظر التي ترى أن هناك اختلافا بين نفسيات الشعوب أو أننا شعب خانع مطيع، شوف الشعوب نفسيتها واحدة“. ويا للعجب يصرح بأن “كلما كان النظام شموليا كلما كان فيه نوع من أنواع النفاق شديد جدا“. وانتهى إلى أن العجز واليأس يؤدى إلى اللامبالاة، وكذلك للعنف والعدوان، والاكتئاب، والقلق النفسي الشديد، والرتابة والخنوع.

وفي إحدى الندوات التي عقدتها جامعة الوادي تحت عنوان “التأثيرات الإيجابية والسلبية لثورة يناير في الشخصية المصرية“، أكد د. عكاشة أن أهم مكاسب المجتمع المصري بعد ثورة 25 يناير هو كسر حاجز الخوف وأن السياسة أصبحت مادة دائمة على مائدة الحوار.([17]) وكرر مفاهيمه السابق إيرادها حول الصحة النفسية.

 “إن الرجعية الاجتماعية بجميع أشكالها، مضطرة لإخفاء نواياها الحقيقية، وبقدر ما يكون الانتقال من الثورة إلى الرجعية حادا، بقدر ما تعتمد الرجعية على أعراف الثورة وتقاليدها، أي أنه بقدر ما يتعاظم خوفها من الجماهير، بقدر ما تضطر للجوء إلى الخداع والاحتياط في صراعها ضد ممثلي الثورة([18]).

وقد عارض د. عكاشة حكم الإخوان ورأى أن أيديولوجيتهم تنطوي على نوعين من الضلال: الديني والسياسي. وقدم تفسيرا (مستلهما من جوستاف لوبون فيما يبدو) في أعقاب ذبح بعض السلفيين لأربعة من معتنقي المذهب الشيعي في عهد الرئيس الإخواني: “من الناحية النفسية شخصية الإنسان لها تكوين هرمي، بمعنى أنه لابد أن تتوافر لها أولا الاحتياجات البيولوجية من مسكن وملبس وطعام وشراب، يليها بعد ذلك مرحلة الاستقرار وتوافر الإحساس بالأمن والأمان، وبعد هذين الأمرين تأتى مرحلة الانتماء للوطن والانتماء الديني، بمعنى أنه لو تم حرمان شخص من هذه الاحتياجات الأساسية وأصبح غير مستقر أمنيا فهو لا يكترث ولا يهتم بانتمائه لوطنه أو دينه، وهذا ما يحدث مع سكان العشوائيات، أضف إلى ذلك ما يسمى بـ”سياسة غريزة القطيع” الذي ينساق دون وعى وراء قائده([19]).

 في عهد الرئيس السيسي سينسى “الاحتياجات الأساسية” ويرى أن مشاكلنا توجز في انعدام أو غياب الضمير والأخلاق! ورغم كل شيء فقد كان متفائلا بالشباب ووعيهم السياسي وحماسهم ثم انتهى في عصر طبيب الفلاسفة إلى أن “الشباب الذين تولوا مناصب قيادية ووزارية فشلوا فشلا ذريعا” من هم هؤلاء الشباب لا ندرى فإطلاق الأحكام دون برهنة عليها هي سمة من سمات “عالمنا النفسي” وهو ما يدخل في نطاق ما يسمى بالمغالطات المنطقية.

لقد أشرنا فيما سبق إلى تعاون جماعة من الأطباء النفسيين مع النظام القائم في مراحل تطوره المختلفة بهدف ممارسة نوع من السيطرة الأيديولوجية والنفسية في مجالي الطب النفسي وعلم النفس الفردي والجماعي لتطويع الشعب وصياغة سلوكه وإرهابه وفق خطط عامة، وترويج وعي زائف يهدف إلى “تحسين الصورة الذهنية المجتمعية” بما يتوافق مع الاستغلال والقمع، بهدف دفع الشعب للتكيف مع الوضع القائم إجمالا. وكذلك رصد ردود الفعل المحتملة والتعامل معها وحرف الانتباه عنها بإشاعة صورة مغلوطة. يقول د. عكاشة… عادت روح “الضمير الجمعي” للمصريين مرة أخرى، التي تجلت في الـ 18 يوما الأولى من ثورة يناير، وانتهت بكنس الميدان مما أبهر العالم!، “وخير دليل على ذلك أنه حينما ترددت أنباء بأن الرئيس السيسي سوف يرفع الدعم عن كثير من السلع سادت الصحافة الغربية مجموعة كتابات أن مصر بصدد ثورة ثالثة على السيسي، لكن رد المصريون عليهم “أننا قادرون على تحمل المشقة مع الرئيس.. ولن نقوم بثورة ثالثة”!!!([20]).

وليس لذلك معنى إلا تزييف الواقع المناقض كليا لما يقول، وغاية ما يريد هو تزييف الوعي به، فقد صادرت سلطة الثورة المضادة غالب أدوات الصراع الطبقي بدءا من الحق في التظاهر، وحرية التعبير، وخلقت برلمانا كاريكاتوريا لا يمثل سوى نفسه، وهيمنت على النقابات العمالية، وأصدرت قوانين دراكونية من قانون الإرهاب حتى الكيانات الإرهابية، وأضفت المشروعية على القتل الانتقامي في شكل التصفية والتعذيب في أقسام الشرطة والسجون وأماكن الاعتقال السرية، وحولت الحبس الاحتياطي لاعتقال طويل الأمد، ولم تعد دولة الثورة المضادة دولة قانون حتى في أدنى درجاتها، وحاصرت الأحزاب الشرعية في مقارها، وصفت منظمات المجتمع المدني، وتسعى الآن للهيمنة الكلية على الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وهى لا تحترم القوانين التي وضعتها بما فيها دستورها وتنتهكها كلما ناقضت مصالحها، وانتهجت سياسة اقتصادية يمليها صندوق النقد الدولي، أي سياسة الليبرالية المتوحشة التي تزيد من معاناة وإفقار الشعب وضاعفت الأسعار أضعافا مضاعفة من البترول والغاز والكهرباء إلى المواد الغذائية والأدوية إلى فرض ضرائب جبائية، كالقيمة المضافة والضريبة العقارية، في الوقت الذي لم تستطع فيه أن تفرض ضريبة تصاعدية على الأرباح الرأسمالية، أو على أرباح البورصة، ولا أن تضع حدا فعليا أعلى للأجور، وواصلت كل أجهزة الدولة القمعية زيادة مخصصاتها وامتيازاتها ورفضت خضوعها للأجهزة الرقابية والمحاسبية، وقننت الفساد وأضفت عليه مشروعية بمنعها الطعن على العقود، وبالتصالح مع الرأسماليين اللصوص الفاسدين… إلخ، الشعب مكبل بالإرهاب الأصولي الذي تستفيد الدولة من وجوده بمصادرة الحقوق والحريات، ثم بإرهاب الدولة نفسها الهادف للتخويف والترويع وشل الحركة الشعبية الاحتجاجية. الحقيقة هي أن الناس ضاجون بسياسات السلطة لكن التململ والغضب والسخط لم يتحول إلى حركة مناهضة بعد، ولا يمكن اعتبار صمت الشعب الراهن على سياسات النظام قبولا بها.

إن هذا الطراز من الأطباء النفسيين (نعنى د. أحمد عكاشة) الذي ارتبط بأجهزة الدولة القمعية وصار أداة من أدواتها طوال تاريخه المهني بحكم الموقع الاجتماعي، والمصالح الطبقية – وصلات القرابة فقد كان أخ ثروت عكاشة أحد الضباط الأحرار ووزير الثقافة في حكومات عبد الناصر– تكاد تتطابق مواقفه ومشاوراته مع ما ينطق به رأس الدولة وما يعبر عنه من رؤى وسياسات. وهو يحاول تزييف الوعي بالواقع عبر استخدام معرفة “مهنية” مزعومة (علم النفس الفردي غير علم النفس الاجتماعي – خاصة الثوري)، و”اختصاص علمي رفيع”، فهو في حواراته وتصريحاته يستبعد ويضيف ويناقض نفسه ويفتعل وينفى حسب متطلبات واحتياجات الثورة المضادة، ومنعرجاتها الوقتية لتقديم صورة مغايرة غير مطابقة للواقع بهدف تصدير صورة ذهنية مزيفة، وترويجها في وسائل الإعلام من صحافة وتليفزيون وغيرها لخلق سلوك نمطي خاضع للاستغلال والقمع دون تذمر.

– 4 –
سياسات البرجوازية البيروقراطية العسكرية المدمرة أم الانفلات الأخلاقي؟!

لقد كلفت مؤسسة الرئاسة رئيس الجمعية المصرية للطب النفسي د. أحمد عكاشة عضو المجلس الاستشاري العلمي لرئيس الجمهورية بمهمة تحديد أسباب الانفلات الأخلاقي في مصر، ووضع ملامح خطة قومية شاملة “لإعادة الأخلاق إلى شعب كان تميزه التاريخي الأخلاق الحميدة”!. والصحة النفسية هي أساس الأخلاق وتتقوم وفق تعريف منظمة الصحة العالمية – وهو التعريف الذي يتبناه د. عكاشة في “… القدرة على التكيف مع ضغوط وكروب الحياة بالصمود والمرونة والتحكم في العصبية أي إدارة الغضب والقدرة على العمل والعطاء بحب وإتقان. أن تتواكب القدرات مع التطلعات أي أن يعرف الفرد أنه إذا كان كفئا فسيصل إلى النجاح دون المعوقات الموجودة في البلدان النامية. وحرية التعبير وإحساس الفرد بأن له قيمة واحترام في المجتمع ( تشير بعض الأبحاث الحديثة إلى أن حرية التعبير تعطى 30% من الصحة النفسية)([21]).

في كتابه “السياسة وسلطة اللغة” يشير د. عبد السلام المسدى إلى أن “السياسة لغة واللغة سياسة لأن اللفظ عند استخدامك إياه فيها يتحول من مجرد دال يحيل على مدلول إلى موقف، ومن وراءه اختيار كامل مرتسم على شاشة الأحداث، وقد يكون في استعمال الكلمة أو العبارة ما يتجاوز حدود الواقعة التي تروم الإفصاح عنها ويصبح حاملا لأعباء التاريخ مختزلا صراعاته الطويلة في اختيار كلمة واحدة من بين كلمات عديدة أخرى كان يمكن أن تأتى بدلها([22]).

يمكن أن نلاحظ بسهولة اللهجة الاستعلائية التقريرية حول الانفلات الأخلاقي، وهذا الانفلات يبدو وكأن لا علاقة له بسياسات وسلوك البرجوازية البيروقراطية ورموزها، ولا الرأسمالية التقليدية وممثليها بنهبها وفسادها وقمعها وانتهاكها للقوانين والدساتير ولا ما يرتبط بها ولا ممارسة إرهاب الدولة ولا التعذيب المنهجي، ولا بتصفيتها الحياة السياسية وتجريفها، ولا إفقارها الشعب المصري بجعل حياته مؤلمة بتبني سياسات الليبرالية المتوحشة والإيغال فيها. فعند هؤلاء الانفلات الأخلاقي يتعلق بالشعب وخاصة انتهاكه لما يسمونه “هيبة الدولة“، فالمطلوب الانصياع والتكيف مع سياسات السلطة في كل المجالات وأيا كانت وقبول الوضع القائم بخنوع وبلا تذمر، و”إدارة الغضب” بكبته والسيطرة عليه، فلا تظاهر ولا إضراب، ولا تمرد، ولا انتفاض… إلخ، ثم “العطاء” أي قبول الاستغلال برضوخ، أي بلا احتجاج ولا تذمر، ولا مطالب “فئوية“. أما حرية التعبير فقاصرة على ذيول النظام القائم في كل المجالات وإطارها المحدد هو دعم السلطة. أما لغير هؤلاء فهي مصادرة بكل التشريعات التي صدرت في عهدي الرئيسين الأخيرين. ويروج طبيبنا لفكرة “التوافق المجتمعي” في مواجهة الفكرة التي يروجها الثوريون أي: الصراع الطبقي. وقد تجلى من وجهة نظره الانفلات الأخلاقي بعد ثورة 25 يناير في “خلط الديموقراطية وحرية التعبير بالفوضى، فلوحظ غياب هيبة الدولة ومن ثم غياب تطبيق القانون، الهجوم على الشرطة… مما يجعل المصري ينغمس في الأمور الذاتية وتلبية الرغبات الخاصة… والتمركز حول الذات والانفلات الأخلاقي وكل ذلك عكس سمات الانتماء للوطن([23]). ويزعم “أن 60% من المصريين لا يهمهم حرية ولا ديمقراطية ولا دستور، فهم يريدون فقط أن يوفروا لأولادهم حياة كريمة من المأكل والمسكن، فحقوق الإنسان في مصر تهم نخبة مع نخبة آخرين، فالديمقراطية التي يصدّرها لنا دول الغرب لم يعترفوا بها“. وروج لعبارة مزيفة نسبت لدافيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني وهي: “إن الأمن القومي لبريطانيا يتفوق على أي إنسان يتكلم عن حقوق الإنسان… الجحيم لحقوق الإنسان في سبيل أمن بريطانيا تحيا بريطانيا“، لافتا النظر إلى أن مَن في مصر يستطيع أن يقول تحيا مصر والجحيم لمن يقول حقوق الإنسان([24]).

وتتخذ الأيديولوجية التي تتقمص شخصه كمثقف عضوي في الاستتار وراء العلم لتحدد لنا وفق الطب النفسي ملامح الأخلاق وتتقوم في “… تحمل المسؤولية، الانضباط، الإتقان، الضمير، والإخلاص في العمل… العمل بروح الفريق في كل عمل… والتسامح والحميمية والثقة في الآخر… تجاوز الذات وهنا يتمركز الفرد على الآخر على المشاكل وليس على التمركز الذاتي، العطاء للآخر” كل هذا ينمى الضمير الجمعي وينهض بالأخلاق([25]).

ونتساءل مع صاحب “السياسة وسلطة اللغة” عن “كيف تدل اللغة؟ وما هي الأدوار التي تنتظمها حين تتحول لأداة من أدوات الصراع السياسي؟“، هنا نكتشف أن “الإلهاء السياسي يمتطى ظهر اللغة“.

الإلهاء باللغة، وقضاء الأوطار – الرفيعة والوضيعة باللغة، ثم الدخول بها إلى محتشد الإغراء والإغواء، ثم على جسر الإيحاء تحمل اللغة إلى الجزر القريبة من التضمين والتداعي والالتفات، فإلى الجزر النائية من التخيل والمجاز والإيهام بالتماهي، ثم إلى الهضبة القصية حيث المخاتلة والمكر والخداع والمناورة، لا من حيث هي أحكام أخلاقية، ولكن باعتبارها جزءا من منظومة النجاعة…. وكلما كان الناس غافلين عن مسؤولياتهم في استعمال الألفاظ، سهل على المناورين استخدام اللغة لغزو عالمهم النفسي وابتزاز إرادتهم، ثم إعادة تشكيل وعيهم([26]).

إن الأخلاق التي يروجها في مشروعه في كلمة مختصرة هي أن: على الكادحين أن يبيعوا روحهم لمفيستوفيليس البرجوازي، وأن يخضعوا ويتكيفوا مع الوضع القائم متحملين مسؤولية إنتاج فائض القيمة، متقنين عملهم في ظل الاستغلال الرأسمالي برضا ودون تذمر، متجاوزين ذاتهم بالتمركز على الآخر صاحب العمل الرأسمالي، والعطاء لهذا الآخر دون احتجاج أو إضراب أو تظاهر، ولا مطالب اقتصادية “فئوية“… إلخ. هذا هو ما ينمي الضمير الجمعي!!!

إن المفاهيم الواردة أعلاه حول “الصحة النفسية” ومقوماتها تدعم الأخلاق البرجوازية بوسائلها وهى من حيث الجوهر أنشطة الرأسمالية، ولا تمثل إلا تلاعبا بالوعي الأخلاقي الجماهيري.

إن كل أخلاقية مشروطة اجتماعيا وتاريخيا. هذا هو جوهر المفهوم الماركسي عن الأخلاق. وبما أن الأخلاق تعبر عن مصالح وحدات اجتماعية وبينها في المقام الأول الطبقات، فهي تتوقف مباشرة على وجهة هذه المصالح، على تصادمها وتطورها؛ وما من أخلاق أبدية تقف خارج التاريخ.

“... البرجوازية تتعثر عاجزة على عتبة المجتمع التاريخي، لأنها لا ترغب بالاعتراف بالقوة الدافعة في تطور الأشكال الاجتماعية: أي بالصراع الطبقي. والأخلاق هي إحدى الوظائف الأيديولوجية في هذا الصراع، فالطبقة الحاكمة تفرض أهدافها على المجتمع، وتعوده على أن يعتبر جميع هذه الوسائل التي تناقض غاياتها، غير أخلاقية. وهذه هي الوظيفة الرئيسية للأخلاقية الرسمية إنها تتبع فكرة أعظم سعادة ممكنة، ليس للأغلبية، وإنما لأقلية صغيرة تتناقص باستمرار. ومثل هذا النظام لم يكن ليصمد حتى لمدة أسبوع واحد بواسطة القوة وحدها، بل إنه ليحتاج إلى أسمنت الأخلاق. ويشكل إنتاج هذا الأسمنت مهنة المتطرفين البرجوازيين الصغار والأخلاقيين…. إلا أنهم يظلون في التحليل الأخير دعاة للعبودية والاستسلام([27]).

وأفادنا النطاسي البارع الذي لا يهتم بضمير الرأسماليين، بأن رسالة السيسي، هي: “أنه لن يحدث نمو في الاقتصاد إلا إذا عادت أخلاق المصري كما كانت خلال الـ 18 يوما الأولى من ثورة 25 يناير“. وأضاف من عندياته “أن أكثر الشعوب سعادة، هؤلاء الذين يعيشون حياة متواضعة، ويهتمون بالنسيج الاجتماعي أكثر من الجوانب الاستهلاكية” وهذا يذكرني بمشايخ السلفية الذين يروجون لجمهورهم منافع بول البعير والحجامة بينما يعالجون حين يمرضون في ألمانيا.

فماذا حدث في الـ 18 يوما الأولى؟ ليس غير إسهام قوى طبقية متناقضة المصالح في الإطاحة بمبارك، ثم سلمية هذه القوى في مواجهة السلطة من الناحية الأساسية على الأقل في بعض الميادين الكبرى الرئيسية، رغم عنفها ونهجها القمعي، وأخيرا تنظيف الشوارع وإعادة تشجيرها بعد تنحى مبارك؛ وهي الأمور التي رأت البرجوازية المصرية والعالمية أنها أبهرت العالم. فكيف كان الحال من الناحية الفعلية آنذاك:

أرادت الإمبريالية الأمريكية، والغربية، انتقالا سلميا للسلطة يستبعد رأس النظام، إن لم يكن هناك مناص، ويحتفظ بنفس النظام حماية لمصالحها، ومصالح إسرائيل، وأرادت الرجعية العربية الاحتفاظ برأس النظام وكامل كيانه، فلم تكن قد أفاقت بعد من أثر الثورة التونسية، وبالطبع خشت من تداعيات كل ذلك على أوضاعها. وتخلصت البرجوازية البيروقراطية العسكرية من مشروع التوريث الذي ارتبط برأسمالية المحاسيب، وكان يهدد سلطتها، ومكاسبها، وامتيازاتها وهيمنتها على ما يقرب من 25 – 40% من الاقتصاد المصري، وكانت قد دخلت في معركة إجهاض لطلائع الثورة على مراحل منذ 9 مارس مرورا بكل المحطات الكبرى في التصفية العنيفة، ماسبيرو، محمد محمود، مجلس الوزراء، مجزرة بورسعيد، وتخلصت قطاعات أخرى من البرجوازية الليبرالية، والدينية، المقموعة سياسيا، من احتكار فئة طبقية للسلطة السياسية، داخل الرأسمالية المصرية ذاتها، ونالت حريتها السياسية، وسعت لتقنين شرعيتها الخاصة، قابلة بالفتات الذي ألقاه المجلس العسكري لها، من رفع الحظر الفعلي عنها، قابلة باقتسام الغنيمة، وتوطيد السلطة التنفيذية، وجهازها البيروقراطي، وتعزيز أجهزة القمع، وإجراء تعديلات دستورية، وتشكيل برلمان لا صلاحيات له، إلى “انتخاب” رئيس مقبل لابد أن يؤمن امتيازات العسكر، ويخضع لهم بوصفه أداة من أدواتهم، وأطلق الاحتياطي الرجعي السلفي، والجهادي، والجماعاتي المعبر عن قطاعات من البرجوازية الريفية، وأشباه بروليتاريا المدن القاطنين في عشوائيتها، والمرتبطة إجمالا بمشروع، وتمويل الرجعية العربية.

كان مطلوبا إقناع الشعب أن الامتيازات التي حققها هؤلاء هي امتيازات له، وأن الأوان قد حان لعودته للبيوت، وأنه قد ترك السلطة في أيدي أتقياء يمثلونه، ويعبرون عنه، ولم يكن كل ما تحقق فعلا، إلا توسيعا نسبيا لدائرة المتمتعين بالامتيازات السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل الطبقة المالكة ذاتها، وركائزها في الأجنحة الرجعية للبرجوازية الصغيرة بعد أن وضعت الثورة رؤوس رأسمالية المحاسيب، ورموزها السياسية في السجون.

لقد تطلب خلع مبارك إتحاد الأغلبية الساحقة من الشعب لانجاز ذلك. ولكن هذه الأغلبية لم تتألف من طبقة اجتماعية واحدة، وإن جمعها ذلك الشعار العام: “الشعب يريد إسقاط النظام”، “عيش حرية كرامة إنسانية عدالة اجتماعية”، وكان لكل طبقة أو فئة طبقية، أن تفهم من ذلك الشعار ما يستجيب لمصالحها الطبقية هي لا لغيرها. وإذا دققنا وحللنا مصالح الطبقات تحليلا دقيقا لوجدناها متناقضة، بين العمال والرأسماليين، والبرجوازية الصغيرة مثلا… وأن المضمون الطبقي للشعار يتوقف على موقف حامله وموقعه الطبقي الاجتماعي. لذا كانت النداءات إلى ضرورة التوحد مرة أخرى بين ذات القوى التي أنجزت مهمة الإطاحة بمبارك في مراحل لاحقة، إما واهمة أو مضللة لأن هناك صراعا – تلا ذلك – بين هذه القوى الاجتماعية التي وحدها هدف مشترك في لحظة تاريخية معينة. وليست هذه السمة خاصة بالثورة المصرية، فالنسب بين الطبقات تتباين وتتغير مع تقدم الثورة، حيث تخرج قوى حققت أهدافها عند مرحلة ما، وتدخل أخرى لم تكن قد طرحت أهدافها، أو لم تستكملها بعد، غير أن ما ينتج عن ذلك هو وعى أكثر بالمصالح الطبقية، وبالتالي بلورة للقوى السياسية وتجلياتها الحزبية، وطابعا أدق لسماتها، والاستعاضة عن الشعارات العامة المجردة المبهمة، والغامضة بمطالب ملموسة، ومحددة بدقة لمختلف الطبقات. من هنا تتكشف تلك الهوة العميقة التي تفصل بين مصالح مختلف الطبقات الاجتماعية التي تطالب بإجراءات اقتصادية، وسياسية، مختلفة باسم الشعار الواحد ذاته. والواقع أنه في مسار التطور الثوري يتبين أن طبقة أو فئة “ثورية” لا تستطيع أن تمضى أبعد بقدر ما تمضى طبقة أو فئة أخرى، وأن مصادمات ضارية تتطور على أرض تحقيق هذا الشعار المشترك بينها جميعا([28]).

ورغم أنه مدرك لحالة الاكتئاب الناجم عن اليأس والإحباط، وكون سببه الرئيسي تدهور الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، وسوء أوضاع المعيشة، ورغم الصبر الأيوبي للشعب المصري، وكثرة من يعيشون على حد الكفاف، وتحت خط الفقر، وتدهور أوضاع الطبقة الوسطى، وأساسا الطبقة العاملة، فهو لا يشير إلى مسؤولية النظام الحالي وسياسة الإفقار التي ينتهجها عن ذلك بحيث يتحول الأخير إلى المسكوت عنه في حواراته وأطروحاته، ويدين شخصية المصري الذي يسعى من وجهة نظره إلى الإشباع “الإشباع الفوري السريع“!!!

تهكم الكاتب المعروف عمرو حسني في مقال له على تلك الحملة الأخلاقية التي دشنها ودعا إليها الرئيس:

عزيزي المواطن الغلبان، أخلاقك الزفت تجعلك تستحق ظروفك الهباب! هذه هي الرسالة التي توجهها لك “حملة أخلاقنا” التي تقول دون مواربة: دعنا نحاول الارتقاء بأخلاقك وعندما تفشل المهمة ستكون أنت السبب في كل ما جرى، وكل ما سيجرى لك، لأن انهيارك الأخلاقي هو الذي يجلب لك الشقاء! أما عن أخلاق النظام الحاكم ورجاله فهي رفيعة بلا شك ولا تحتاج مطلقا إلى محاولة الارتقاء بها!([29]).

– 5 –
ماذا في جعبة الشرطي السيكولوجي أيضا؟

عقب المؤتمر الاقتصادي الذي عقد في شرم الشيخ في مارس 2015، وتصريح السيسي بأنه من الممكن أن يجوع الشعب المصري من أجل تحقيق النهضة، انبرى د. عكاشة في ذيله ليؤكد ما معناه أن الشعب قد ربط الأحزمة على البطون في عهد عبد الناصر واحتمل أوضاعا اقتصادية قاسية بعد هزيمة 1967 من أجل خوض الحرب ضد إسرائيل، ومن الممكن مطالبته بأن يضحى مثلما ضحى قبلا. والحال أن الظرفين التاريخيين مختلفان كليا فمشروع التحرير رغم حدوده النسبية، غير تطبيق تعليمات صندوق النقد الدولي، وسياسات الليبرالية المتوحشة، وعبد الناصر كان قائد البرجوازية في فترة صعودها وتناقضها مع الاستعمار، أما السيسي فهو قائدها في فترة هبوطها وتبعيتها للإمبريالية الأمريكية، والسلام الدافئ مع إسرائيل، والاصطفاف مع الرجعية العربية. ويدرك د. عكاشة أن من يعتقد أن هناك تشابه بين الرئيسين يتوهم “سراب كبير“.

لم يكتف د. عكاشة بتعزيز موقف السيسي حول “التجويع” بل طالب بإعلان حالة الطوارئ معللا مطلبه بأن “الشعب المصري عاش مدللا ومرفها منذ الأزل” وإلى أننا نواجه نوعا من الانفلات الأخلاقي، وأن الشعب المصري شعب “مدلع” وكل رغباته مجابة، مضيفا “مش عايزين يشتغلوا وطول الوقت في اعتصامات.. يعمل إيه الرئيس السيسي؟“، وكان قبل ذلك بثلاث أعوام قد تحدث عن تناقض بين الديموقراطية والفقر والأمية([30]).

وقد علق الأستاذ فهمي هويدي على ما قاله د. عكاشة: “المعلومة التي ذكرها الدكتور عكاشة تتناقض مع نتائج دراسة ذات صلة أعدها البنك السويسري يو. بى. إس، ونقلتها قناة سى. إن. إن الاقتصادية العربية. إذ بينت أن العامل المصري يعمل عددا من الساعات سنويا أكثر من نظيره في أي بلد من العالم. وبعد دراسة لظروف العمل في ٧٣ مدينة في أنحاء العالم تبين أن متوسط عدد ساعات العمل للعامل في المدن الآسيوية ٢١١٩ ساعة سنويا. أما المتوسط في الشرق الأوسط فهو في حدود ٢٠٦٣ ساعة سنويا. وهو في كوريا الجنوبية ٢٣١٢ ساعة أما في مصر (فى القاهرة مثلا) فهو ٢٣٧٣ ساعة، وهو الرقم الأكبر بين الـ ٧٣ مدينة (متوسط ساعات العمل للإنسان العادي هو ١٩٠٢ ساعة سنوياــ المتوسط في باريس ١٥٩٤ ساعة وفى ليون بفرنسا ١٥٨٢([31]).

حاصل الأمر أن لا شيء للشعب غير الإفقار والقمع، فلا الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية الإنسانية يتحقق، ولا الحريات والحقوق الديموقراطية.

وتصدى د. عكاشة “للمغرضين” ممن لاحظوا أن إقبال الناخبين على التصويت لمرشحس البرلمان في انتخابات عام 2015 كان ضعيفا، وحاول تبرير ذلك بأسباب كثيرة منها خمول الشباب، وكبتهم الجنسي، وتقاعس الإعلام، وكون كثير من المرشحين وجوها جديدة، وتجاهل أن موقف الشباب هو موقف مقاطعة سلبية لمهرجان انتخابي سلطوي لنظام لم يحقق لهم شيئا سوى قمع ثورتهم التي قدموا فيها مئات الشهداء.

 كما يرى أننا نعيش في “هامش حرية جيد” فالحرية من أسباب “الشعور بالانتماء” وأننا قادرون على “انتقاد الأوضاع بما فيها الرئيس“.

يقول د. عكاشة متهدجا:

بكل أمانة وصدق أرى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يقبل الانتقاد ويستمع جيدا لآرائنا المخالفة له” و”سمات السيسي الشخصية بعيدة عن أن يكون فرعونا([32]).

 ألا تكذب الوقائع كل ما يقول؟ من المؤكد أن الرئيس السيسي يقبل الانتقاد من نمط “إيه الحنية دى ياريس؟“، “أنت عمال تطبطب وبتدلع؛ طب لإمتى كده؟“، “الشعب مايستاهلكش يا ريس“!

واقع الحال أن المستشارين لا يؤخذ برأيهم فهناك د. محمد نور فرحات، والأستاذ عبد الله السناوي (زرقاء يمامة النظام) وغيرهما تحدثوا، ويتحدثون، انتقدوا، وينتقدون ولم يعرهم أحد التفاتا. رغم أنهما إصلاحيان يهدفان لتغيير النظام من داخله، وليسا ثوريين يرغبان في الإطاحة به.

أما “الفرعنة” التي ينفيها عنه، ولا يراها، يرد عليها الشعب المصري بأمثاله (العمى يا بدر)، حيث وسع وما يزال الرئيس يوسع سلطاته “متبولا” على كل نصوص الدستور الكريمة الذي يتهم الثوريين بتعطيله.

فالرئيس يعتبر نفسه مسئولا “أمام الله” لا أمام الشعب، فهو “طبيب الفلاسفة” (أي فلاسفة؟ لا نعلم) متوهما أنه أوتي الحكمة وفصل الخطاب. لذلك لا يسأل عما يفعل فيتنازل عن تراب الوطن بقرار شخصي دون الرجوع إلى أحد، ويتجاسر بالقول “مش عايز حد يتكلم في الموضوع ده”، كما لو كان قد تنازل عن “ربع” أبيه في الجمالية، وليس عن جزء من أرض الوطن. ويعقد مع الرئيس الأمريكي الجديد “صفقة القرن” دون أن يدرى أحد ما هي طبيعة هذه الصفقة؟!. ويجمع في بدايات رئاسته من الشعب ستين مليارا من الجنيهات ليحفر تفريعة غير ذات جدوى اقتصاديا في الوقت الراهن، وينجزها بأسرع الطرق أي أشدها كلفة، وحين يخفق يدعى أنه كان يهدف من المشروع إلى “رفع معنويات الشعب“! دون أن ينصت لآراء المستشارين، ودون أن يراجع الشعب. ويبتلع تدريجيا كل السلطات: فجهازي القمع الرئيسيين – الجيش والشرطة – باتا تحت جناحه بالامتيازات المادية الممنوحة لهما خلال فترة رئاسته، وتطهيراته الأمنية المتواترة لهما، والبرلمان الذي يفترض أنه سلطة تشريعية رقابية تمثيلية بات خاويا من مضمونه وذيلا محضا للسلطة التنفيذية – كان الرئيس يحلم بقائمة مرشحين واحدة؟! -، بتركيبته التي صنعتها الأجهزة السيادية، ولم يعد حتى منبرا يمكن للثوريين أن يخاطبوا الكادحين خارجه داعين ومحرضين ومنظمين. والإعلام طويّ من الناحية الأساسية، وجرى تطهيره من أي عناصر مستقلة نسبيا بدءا من باسم يوسف حتى ليليان داوود، ووضع مؤخرا على رأس الإعلام فلولي عتيق هو مكرم محمد أحمد، ولطالما حلم الرئيس بإعلام يماثل الإعلام الموحد في عهد عبد الناصر!، أما القضاء فبصدور القانون الأخير للهيئات القضائية (في 27 أبريل الحالي) فقد بات تحت سيطرة الأجهزة السيادية، وسبق ذلك إخضاع الهيئات الرقابية والمحاسبية للجهات التي تراقبها([33])، وحوصرت الأحزاب السياسية في مقارها، وكبلت بقوانين تستهدف تصفية مظاهر الحياة السياسية والحريات الديموقراطية رغم لافتاتها الظاهرية بأنها موجهة ضد الإرهاب بدءا من قانون التظاهر، والإرهاب، والكيانات الإرهابية، والجرائم الإلكترونية، إلى قانون الطوارئ، وأغلقت منظمات المجتمع المدني التي لعبت دورا مزدوجا في مجتمعنا([34]). وبات غالبية نشطاء الثورة في المعتقلات والسجون بأحكام طويلة الأمد، أو بحبس احتياطي لانهاية له، معرضين للقتل والتعذيب حيث باتت “التصفية” سياسة شرعية لقوات “إنفاذ القانون“.

يريد السيسي شعبا خنوعا صامتا لا ينصت إلا لكلمته ولا يسمع إلا رأيه، ولا يتحرك إلا بإذنه، فالمؤامرات تحيطنا من كل جانب، من خلال خرافة حروب الجيل الرابع، بقيادة المجلس الأعلى للعالم (ما تسمعوش غير كلامي أنا بس، هذا ما يقوله للشعب). وكل هذا والسيسي بعيد “عن أن يكون فرعونا“!!!؟؟؟ (كان ماركس يعتبر الخنوع هو أحقر رذيلة).

ولكن كيف يمكن لنا أن نفهم سيكولوجية طبيب الفلاسفة “ما هي الصفات التي يكتسبها القائد السياسي حينما يصاب بالغطرسة؟ اقترح اللورد أوين بالاشتراك مع جوناثان ديفيدسون تلك الصفات المحددة لمتلازمة الغطرسة: رؤية العالم كمكان لتمجيد الذات من خلال استعمال السلطة والنزوع إلى القيام بأفعال تهدف أساسا إلى تحسين صورتهم، والاهتمام المفرط بتلك الصورة، وظهور حماس تبشيري في الخطب، والمطابقة بين الذات والشعب أو المؤسسة، والثقة المفرطة في الذات، والاعتقاد بأن المحاسبة التي يخضعون لها لا تكون إلا لقوة أعلى كمحكمة التاريخ أو الإله، والاعتقاد الراسخ أن تلك المحكمة ستنصفهم، وفقد الاتصال بالواقع واللجوء إلى أفعال لحظية دون دراسة للعواقب تحت شعارات أخلاقية، وعدم الكفاءة في إدراك تفاصيل صناعة السياسات…. ثم أضيفت صفتان أخريان هما عدم القدرة على التعاطف مع الآخرين وإطلاق العنان للحدس أو الإلهام([35]).

د. عكاشة لا يثق فقط في “قدرة السيسي على تحقيق أحلام الشعب” وإنما يرى أيضا أنه “نجح في تحطيم النظريات الإمبريالية الأمريكية والأوروبية الهادفة لتفكيك الدول العربية وإلغاء الحدود بينها“، ولا أدرى لما نسي أننا أسرنا -في خيالنا- قائد الأسطول السادس الأمريكي؟!

أما الإحباط والاكتئاب النفسي العام فيرجعه إلى عدم تحقق ما تطلع الشعب إليه بثورته في يناير. كما لا يتوقع اندلاع ثورة أخرى، وفي كل الأحوال وبسبب انتشار الفقر والأمية فشعبنا من وجهة نظره غير مؤهل للديموقراطية، ويستشهد بفيكتور هيجو الذي قال: “إذا أعطيت الحرية والديموقراطية للجاهل كأنك أعطيت سلاحا لمجنون“، فضلا عن أن الرئيس السادات أخطأ من وجهة نظره بإعلانه أن الإعلام سلطة رابعة. وهكذا نرى أن طبيبنا النفسي يحتذي خطى الرئيس وأجهزته السيادية في سياستهما، ويترجم ما يقال بلغته معتبرا مقولاته مقولات عبقرية تتسم بالحكمة والألمعية، ويحاول أن يوهمنا بأن لغته هي لغة علمية محايدة([36]). ويتجاهل القمع العسكري البوليسي، وإخماد أنفاس المعارضين بمتابعتهم، ووضعهم تحت أشكال شتى من المراقبة البوليسية، فحين تعرض عليه حالة مواطن يعتقد أن رجال الأمن الوطني يراقبونه، والمحيطين به مخبرون سريون لصالح الجهاز، ودون أن يفحص الرجل ويعاينه (رفض أن يدلي برأي فيما إذا كان الرئيسان مبارك ومرسي مرضى نفسيين لأنه لم يفحصهما) اعتبر من عرضت عليه حالته مريضا وقد أفتى فورا بأن: “هذه الحالة تسمى الضلالات الاضطهادية، وقد تكون أنوية لعدة أمراض منها الأعراض الاكتئابية والهوسية وجنون العظمة والفصامية… وأهم أعراض الضلالات الاضطهادية هو أن المريض يشعر بأن أجهزة أمن الدولة أو الأمن الوطني… والمخابرات جميعها تراقبه“، ورأى ضرورة إيداعه الفوري مستشفى الأمراض العقلية([37]).

تبرر الأخلاق البرجوازية في الواقع ما تعاني منه أغلبية الناس من استغلال وتفاوت واضطهاد وعدم التساوي في الحقوق. ويقترن الصراع السياسي بتصادم مبادئ أخلاقية طبقية متناقضة بين الثورة والثورة المضادة([38]).

أما د. يحيى الرخاوي أستاذ الطب النفسي المعروف، فقد كان رافضا لحكم الإخوان ومحرضا ضده ولننصت إليه حين يقول:

الثورات علامات فارقة خطيرة على طريق مسيرة أي أمة، لا توجد ثورة بيضاء بالمعنى الشائع، أغلب الثورات البيضاء تقريبا هي مسخ للثورات الحقيقية، وأنا هنا لا أدعو لثورة حمراء، لكنني أحاول أن أفيق من لا يريد أن يدفع الثمن ليجتاز بثورتنا بحور مقاومتها، ومحاولات محو آثارها أو يعكس اتجاه مسارها، الثورة ليست مجرد مليونيات وشعارات، الثورة إبداع جماعي، وأي إبداع لا يكتمل ويجهض ينتج عنه مسخ غير كامل النمو، كلنا مسئولون عن هذا الإحباط الذي نحن فيه الآن، وحكم الإخوان عرى خيبتنا بشكل لا يمكن السكوت عليه حين أقدم على الجهر بالسوء، وحين راح يغطي فشله بالوعود بغير أساس، وبالتقية، أن يظهر غير ما يخفي، وبضرب المؤسسات الأساسية، مثل القضاء والداخلية، ولا مانع من محاولة ذلك مع الجيش…([39]).

ثم استنوق الجمل في ظل نظام السيسي حيث أفتى بأن هناك خللا أخلاقيا لدى المصريين وطالب بتجييش البلاد حتى يراعي الشعب قواعد الضبط والالتزام، واقترح إدخال الأطفال من سن 3 سنوات الجيش -جيشي وان وجيشى تو- حتى يتعلموا الانضباط وقواعد القراءة والكتابة([40]).

أي عسكرة المجتمع والهيمنة عليه والتشويش على الواقع المعاش بتوظيف التعابير المزدوجة على طريقة أورويل في 1984:

أن تعرف وأن لا تعرف، أن تعي الحقيقة كاملة، ومع ذلك لا تفتأ تقص الأكاذيب محكمة البناء، أن تؤمن برأيين في آن وأنت تعرف أنهما لا يجتمعان ومع ذلك تصدق بهما، أن تجهض المنطق بالمنطق، أن ترفض الالتزام بالأخلاق فيما أنت واحد من الداعين إليها، أن تعتقد أن الديموقراطية ضرب من المستحيل، وأن الحزب وصي عليها. أن تنسى كل ما يتعين عليك نسيانه، ثم تستحضره في الذاكرة حينما تمس الحاجة إليه، ثم تنساه مرة ثانية فورا، وفوق كل ذلك أن تطبق الأسلوب نفسه على الحالتين. ذلك هو الدهاء الكامل، أن تفقد الوعي عن عمد ووعى، ثم تصبح ثانية غير واعٍ بعملية التنويم الذاتي التي مارستها على نفسك. بل حتى إن فهم عبارة التفكير الازدواجي تستدعى منك اللجوء إلى التفكير الازدواجي“.

– 6 –
علم الثورة اللينيني وعلم النفس الاجتماعي

يعد التأسيس لعلم النفس السياسي من الضرورات العلمية والثورية نظرا لأهمية هذا الحقل المعرفي في تفسير الظواهر السياسية المركبة والمعقدة سيما تلك المرتبطة بتشريح بنى الاستبداد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والديني وكيفية ممارسة الأيديولوجيا البرجوازية في مجال نوعي، وفهم سيكولوجيا الجماهير الكادحة لتهيئتها للإطاحة به. وتحفل المؤلفات اللينينية بدراسة ديناميكية الأمزجة الاجتماعية والبحث عن الجذور السيكولوجية للظواهر، وتناول الوقائع بكل ما تحويه من مدلول اجتماعي – سيكولوجي. وقد نوه لينين في مؤلفاته إلى ولادة المشاعر، والأمزجة، والغرائز، أي الحالات النفسية لمختلف الطبقات والجماهير الناجمة عن حالتها الاقتصادية ومصالحها الاقتصادية الجذرية. وهذا أول وأعمق مصدر للظواهر الاجتماعية – السيكولوجية. ولم يكن لينين يتفادى كلمات مثل “الغريزة الطبقية“، و”غريزة الطبقة الثورية” و”الغريزة الثورية” و”مزاج الجماهير“. وكان عميق الاهتمام بعمل الفكر والتكوين السيكولوجي، بالأفكار والأمزجة في وقت واحد. كما كانت مراعاة التطور السيكولوجي، وإثارة التطور السيكولوجي لدى الكادحين من أولى مهام الثوريين. وخاصة تجميع الأمزجة الثورية وتركيزها في تيار واحد، والتغلب على الأمزجة المعرقلة للثورة من أجل الإطاحة بالنظام الرأسمالي. كما أن مفهوم “الأزمة الثورية” أو “الوضع الثوري” يشكل أهمية كبيرة في ميدان السيكولوجيا الاجتماعية. ولذا أولاه لينين اهتماما شديدا لتعلقه بسيكولوجيا ومزاج وفعالية الجماهير. وخاصة أنه يسم انتقالها من الحالة السلبية للغضب إلى الحالة الإيجابية للاستياء والانتفاضة. فهدف السيكولوجية الثورية هو الإطاحة بالسلطة التي استنفدت دورها التاريخي وباتت عائقا أمام كل تقدم([41]). وإجمالا ففي “علم النفس الماركسي يتم حل كثير من المشاكل التي تشكل مادة علم النفس السياسي مثل التربية السياسية، والوعي الاجتماعي، وسيكولوجية التأثير النفسي، والنشاط السياسي الجماهيري، في إطار علم نفس النمو وعلم الاجتماع ونظرية الاشتراكية العلمية والفلسفة([42]).

أما من ناحية الأخلاق التي يوليها د. عكاشة والرخاوي اهتمامهما فلا يمكن فهمها خارج إطار الصراع الطبقي بين الثورة والثورة المضادة. ولطالما حاولت النظريات البرجوازية المعاصرة “أن تصور حركات الكادحين الثورية بوصفها مصدر الفوضى الأخلاقية، واعتبارها سبب الهبوط الأخلاقي والتقهقر… كما تصور الأهداف، والمثل العليا، والمعايير والتقييمات الأخلاقية الجديدة، الأمزجة والمشاعر التي يحملها الكادحون إلى العملية التاريخية في سياق الثورة بصورة تجلٍ “لطبيعة” الإنسان الشريرة، المنتقمة، بصورة جماعية… وهم يعارضون الغليان العاصف للإبداع الأخلاقي للشعب الثائر، بالنظام الأخلاقي المستقر للطبقة الحاكمة،… إن البروليتاريا الثورية… تتميز بصفات أخلاقية رفيعة، منها “الجرأة، ووعي الكرامة الشخصية، والشعور بالإعتزاز والاستقلال”، والمبادرة، والإقدام، والصلابة، والعزيمة…“، وهذه الصفات تكتسب في خضم النضال الطبقي الفعلي. الثورة عيد المضطهدين والمستثمرين ولهذا العيد مغزى أخلاقي عميق لأنه يرمز إلى نهضة الشعب الروحية وتحرره من حالة الاضطهاد المذلة إلى رحاب الإبداع التاريخي الحر – على حد تعبير لينين. أما العداء للثورة فيرتبط عادة بمعاداة الديموقراطية، ومناهضة مبادرة الجماهير ونشاطها، وروعة الحرية، ومثل العدالة([43]).

فلنضع أفكار دعاة التكيف ومروجي التبرير في المكان الفعلي الذي تستحقه. ولنبتدع لغة للثورة نقلب فيها كل الكلمات حيث يطاح بكل دلالات الخنوع والاستسلام فهي بداية طريق التجاوز الراديكالي.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

([1])    “أفول الأصنام“، فردريك نيتشه، ص 18، ترجمة حسان بورقية، محمد الناجي، أفريقيا الشرق، ط. أ، 1996.

([2])    “معجم علم النفس المعاصر“، أ. بتروفسكي، م. ج. ياروشفسكي، ص 226، محرر الطبعة العربية سعد الفيشاوي، دار العالم الجديد، ط. أ، 1996. ولتعريف مماثل بعلم النفس السياسي، أنظر أيضا، “معجم العلوم الاجتماعية“، ناتاليا يفريموفا، توفيق سلوم، دار التقدم، موسكو، ط. أ، بيروت، 1992.

([3])    نقل الكتاب المذكور إلى العربية بعنوان: “علم النفس السياسي“، دايفيد باتريك هوتون، ترجمة ياسمين حداد، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، ط. أ، 2015.

([4])    “علم النفس السياسي بين الموقفية والنزوعية“، ريتا فرج، مجلة الأوان الالكترونية، 21 مايو، 2016.

([5])    “سيكولوجية الجماهير“، غوستاف لوبون، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، 2011.

([6])    “روح الثورات والثورة الفرنسية“، غوستاف لوبون، ص 108، نقله إلى العربية عادل زعيتر، الطبعة الثالثة، المطبعة العصرية، 1957.

([7])    “علم النفس السياسي بين الموقفية والنزوعية“، ريتا فرج، مجلة الأوان الالكترونية، 21 مايو، 2016.

([8])    “كتابات في علم النفس السياسي“، أ. د. قدري حفني، ص 2 – 16، معهد البحوث والدراسات العربية، قسم الدراسات التربوية، 2007، القاهرة.

([9])    “علم النفس السياسي في العالم العربي: قراءة في أفكار على زيعور“، ريتا فرج، مجلة الأوان الالكترونية، 10 أبريل، 2017. (المعلومات الواردة في المقال عن مصطفى صفوان مأخوذة من هذا المصدر).

([10])  “طرائق الإنتلجنسيا البرجوازية في النضال ضد العمال“، ف. إ. لينين، الأعمال الكاملة، المجلد 20، ص 455 – 486، دار التقدم، موسكو، 1972، (أرشيف الماركسيين على الإنترنت، باللغة الإنجليزية).

([11])  “الإيديولوجيا؛ نحو نظرة تكاملية“، د. محمد سبيلا، ص 57 – 58، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط. أ.، سبتمبر 1992.

([12])  نفس المصدر السابق، ص 59.

([13])  “دراسات لا إنسانوية“، لويس ألتوسير وجورج كانغليم، ص 83 – 84، ترجمة وتقديم د. سهيل القش، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط. أ، 1981.

([14])  “الروح الحزبية في العلوم والفلسفة“، تأليف ب. تشاجين، روجيه جارودي، ص 58، ترجمة لجنة من الأساتذة، المكتب الشرقي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط. أ.، 1959.

([15])  “أثر الأمراض النفسية على الإنسان العربي“، برنامج بلا حدود، يقدمه أحمد منصور، قناة الجزيرة، آخر عام 2004.

([16])  نفس المصدر السابق.

([17])  “التأثيرات الايجابية والسلبية لثورة يناير في الشخصية المصرية“، كلية الآداب – جامعة جنوب الوادي، 11 نوفمبر 2012.

([18])  “أخلاقهم وأخلاقنا“، ل. تروتسكي، ص 40، دار دمشق، ط. أ، مايو 1969.

([19])  “أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسي في حوار لـ«المصري اليوم»: «الإخوان» مريضة بـ«الضلال الديني» والمصالحة مع التيار الإسلامي محكوم عليها بالفشل“، جريدة المصري اليوم، حوار إبراهيم الطيب، ص 9، 1 – 7 – 2013.

([20])  “د. أحمد عكاشة مستشار الرئيس للصحة النفسية في حوار خاص لـ«الصباح»: السيسي طلب خطة لإحياء ضمير المصريين“، جريدة الصباح، 20، ديسمبر، 2014.

([21])  “د. أحمد عكاشة: الانفلات الأخلاقي كارثة يجب مواجهتها“، أجرى الحوار رياض توفيق، جريدة الأهرام، 1 نوفمبر 2014.

([22])  “السياسة وسلطة اللغة“، د. عبد السلام المسدى، ص 137، الدار المصرية اللبنانية، ط. أ.، 2007.

([23])  “د. أحمد عكاشة: الانفلات الأخلاقي كارثة يجب مواجهتها“، مصدر سابق.

([24])  “أحمد عكاشة في حوار لـ”اليوم السابع”: 60% من المصريين يبحثون عن حياة كريمة وليس عن الحرية والدستور.. الديمقراطية صدّرها الغرب لنا ولم يعترف بها.. و6 إبريل والإخوان لا ينتمون لمصر بل لذاتهم فقط“، حوار مع جريدة اليوم السابع، الأربعاء 8 يناير 2014.

([25])  “د. أحمد عكاشة: الانفلات الأخلاقي كارثة يجب مواجهتها“، مصدر سابق.

([26])  “السياسة وسلطة اللغة“، مصدر سابق، مواضع متفرقة ص 166 – 170.

([27])  “أخلاقهم وأخلاقنا“، ل. تروتسكي وآخرون، مصدر سابق، ص 24.

([28])  “دون كيشوتيو الثورة والعاصفة الثورية المقبلة“، سعيد العليمي، الحوار المتمدن، العدد 3670، 17/3/2012.

([29])  “أخلاق فتوات حارتنا“، عمرو حسنى، جريدة التحرير الإلكترونية، 12 فبراير 2016. مقال نقدي ساخر يكشف مواقف الداعين للحملة وتسترهم على انعدام الأخلاق الفعلي لدى الطبقة السائدة وممثليها. وللمزيد، أنظر، “مشتل المعلم أرسطو للأخلاق!“، لنفس الكاتب، جريدة التحرير الإلكترونية، 16/2/2016.

([30])  “تصريح صادم للمستشار الطبي للسيسي يطالب بتجويع الشعب“، موقع قناة الجزيرة على الإنترنت، 22 مارس 2015، “أحمد عكاشة: «الشعب مدلع ومش عايز يشتغل.. والسيسى يعمل إيه؟»”، جريدة الشروق، 12 مارس، 2015.

([31])  “فهمي هويدي يرد على أحمد عكاشة: السلطة الحالية فاشلة والشعب ليس مدلل“، فهمي هويدي، جريدة الشعب الإلكترونية، بدون تاريخ.

([32])  “الدكتور أحمد عكاشة لـ«المصري اليوم»: السيسي غير مؤهل ليكون «فرعون»“، حوار طارق صلاح، جريدة المصري اليوم، 27/10/2015.

([33])  عن دور هشام جنينة: لن يقضى على الفساد إلا بالقضاء على الرأسمالية، الرجل جزء من/ونتاج للنظام ولم يعترض على سياساته الكبرى الأساسية، في أمريكا يلعب أمثاله دور صمام أمان للنظام، كما أنه يقوم بتفريغ السخط ضد النظام بترويج وهم أنه يمكن أن يصلح ذاته من داخله، مع ذلك ينبغي الاستفادة من كل التناقضات التي تظهر وسط رجال السلطة وأجهزتها. كان هذا هو الدور الذي يلعبه رالف نادر في أمريكا -فقع “دمامل” النظام وكان مرحبا به وبدوره- الفرق هو في رأسمالية غاية في التخلف ورأسمالية أنضج ذات خبرة ذات وضع مختلف كيفيا.

([34])  للأسف يجري تناول مسألة الموقف من المنظمات الحقوقية من البعض بشكل غير تاريخي وبدون تمييز بين قبل وبعد 25 يناير، رغم أن هناك سياقا ودورا وأثرا مختلفا لبعضها في دعم النضال الديموقراطي، ومساندته، وتعزيزه بأشكال مختلفة؛ يتبنى البعض رؤية أحادية الجانب للظاهرة بحصرها في مسألة “التمويل” مجردا بعيدا عن أي تناول عيني ملموس، وإغفال طبيعتها وآثارها المتناقضة، والتجاهل الكلي وعدم الالتفات إلى أن الدولة تعادي هذه المنظمات بسبب موقفها من قضايا الحريات الديموقراطية أساسا لا بسبب التمويل المصرح به وفق القانون والخاضع لرقابة الدولة، وإغفال أن هناك مسافة تفصل بين الممول وتوجهاته، وما تمارسه فعلا وعملا بعض هذه المنظمات، أي بين ما يتوخاه هو وما تحققه المنظمة المعنية، لذا لا ينبغي تناول قضية التمويل بشكل مجرد في كل الأحوال والوقوف في خندق واحد دون تمييز مع النظام، وإنما بحث الأثر الكلي الفعلي لها في الواقع، وعدم وضع جميع المنظمات في سلة واحدة، رغم أنني مبدئيا أرى ضرورة الاعتماد على تمويل الداخل بصفة أساسية والدعم الشعبي والانتباه لضرورة إلحاق حركة -بعض- هذه المنظمات بمتطلبات الحركة الثورية لا العكس. أكرر إنني أتحدث عن بعض هذه المنظمات وليس كلها فهي تتمايز، ومن الضروري إدراك هذا التمايز، فلا يدخل في إطار ما أقول تلك التي تتلقى تمويلا مباشرا من السفارة الأمريكية، أو المخابرات المركزية الأمريكية وما ماثلها. ولابد لعلاقة “اليسار” بها أن تكون علاقة نقدية دائما. فالمهم أن يخدم الصراع الحقوقي مسار ومطالب الحركة الثورية جذريا لا أن تتحول الأخيرة إلى متفرج يتابع معارك الصراعات الحقوقية في مقاعد المشاهدين، أو يكتفي بها فهي حتى إن أثمرت تظل غالبا في إطار الإصلاحية. بإيجاز نحن مع المنظمات بقدر ما تعزز الحركة الثورية وتجذرها وتتحرك في إطارها، وضدها حين تطرح نفسها بديلا لها وتقوض حركتها وتفسدها.

([35])  “السياسة وآفة الغطرسة“، هناء سليمان، الحوار المتمدن، العدد: 5073، 13 فبراير 2016.

([36])  “الدكتور أحمد عكاشة في ندوة “اليوم السابع”: قلت للسيسي مش موافق على الحنية والطبطبة.. الرئيس السادات أخطأ عندما قال “الإعلام سلطة رابعة”.. قرار إعادة “تيران وصنافير” للسعودية كان يحتاج تهيئة للشعب“، اليوم السابع، 23 أبريل 2016.

([37])  ” دكتور أحمد عكاشة يرد على قراء اليوم السابع“، اليوم السابع، 13 أبريل 2016.

([38])  علق الدكتور أحمد عبد ربه، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، على ما قاله عكاشة، قائلا: “طبعا منطق الدكتور عكاشة لا يختلف عن موقف الكثير من النخب المصرية، وهو باختصار منطق انتهازي يسعى لتبرير الأوضاع القائمة من خلال تزييف وعي الناس ومحاولة إقناعهم إنهم جهلة لا تصلح معهم ديموقراطية ولا حرية، وهو منطق تلح عليه الكثير من الوسائل الإعلامية فضلا عن المسئولين بالإضافة لبعض المنتمين للطبقات الوسطى فما فوقها للدرجة التي تجعل بعض الناس العادية بالفعل تردد هذا الكلام الساقط…“، وأضاف عبد ربه في منشور على صفحته عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك“: “الحقيقة بسيطة للغاية، منذ أن نشأت الجمهورية في عام 1953 ورغم ذلك لم ينتهي الجهل ولا الفقر ومصر ليس بها ديموقراطية ولا حرية! بل العكس هو الصحيح، تغولت المؤسسات الأمنية “التي بيدها السلاح” على الناس، ونتيجة لغياب قواعد المحاسبة والمسائلة تم انتهاك حقوق الشعب ومن ثم تزايدت معدلات العنف السياسي والإرهاب والتطرف، تدهورت مستويات التعليم والصحة والخدمات، ومن ثم دخلنا في حلقة مفرغة بين عنف الدولة وعنف الجماعات المسلحة في بيئة قام بتغذيتها أمثال الدكتور عكاشة على الطرفين (مسلحي الدولة ومسلحي الجماعات الإرهابية)!

وتابع: “وقطعا المسكوت عنه، هو أن نفس هذا الشعب الذي يتم نعته دائما بالجهل، هو نفسه الشعب الذي تم وصفه بالعبقرية والحضارة وتعليم العالم كله حينما نزل في ٣٠ يونيو وفي ٢٦ يوليو (التفويض) وهو نفس الشعب الذي صوت للدستور بالموافقة (٩٨٪)، وانتخب السيسي (٩٦%)! فهل هذا هو نفس الشعب الذي يتحدث عنه الدكتور عكاشة أم تم تبديله؟! لا أعلم من يفتقد بالفعل الضمير والأخلاق، الشعب أم النخب المثقفة على من هم من شاكلة الدكتور عكاشة وشركاءه؟“.

واستطرد: “غياب الحرية والديموقراطية وما يرتبط بهما من قواعد المحاسبة والمسائلة والشفافية هو من ينشر الجهل والعنف والغضب والسلاح وليس العكس، لكنها انحيازاتكم الانتهازية التي تزيف الحقائق!“.

من مقال “عبد الرحمن كمال يكتب: لماذا يستمع السيسي لنصائح أحمد عكاشة؟“، عبد الرحمن كمال، موقع كلمتي، 4 مايو 2016.

راجع أيضا مقال: “أحمد عكاشة.. خبير خلط السياسة بالطب النفسي“، جريد إعلام الإلكترونية، 19/3/2016.

([39])  “الدكتور يحيى الرخاوي أستاذ الطب النفسي يحلل شخصية الرئيس والثورة“، حوار رضوى الشاذلي، اليوم السابع، 2 يوليو، 2013.

([40])  “بالفيديو..”الرخاوي” يطالب بإلحاق الأطفال بالجيش: يكون هناك “جيشي وان” بدل “كي جي وان”“، صايل الخطيب، بوابة القاهرة، 23 سبتمبر 2015.

([41])  “علم الثورة اللينيني وعلم النفس الاجتماعي“، ب. بورشنيف، مطبوعات وكالة نوفستي، 1970. ومن أجل التوسع في الموضوع راجع: “علم النفس الاجتماعي والتاريخ“، ب. بورشنيف، ترجمة سعد رحمي، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، 1986. وكذلك، “مسائل السيكولوجيا الاجتماعية والدعاية“، جماعة من الأساتذة، معهد العلوم الاجتماعية، دار الفارابي، بيروت، 1985.

([42])  “معجم علم النفس المعاصر“، مرجع سابق، نفس الصفحة.

([43])  “علم الأخلاق“، البروفسور الكسندر تيتارنكو، مواضع متفرقة ص ص 67 – 75، دار التقدم، موسكو، 1990.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الريف السوري مفتاحا لفهم نظام الأسد (1) إن قراءة هذا الكتاب لا تتيح لنا فقط فهم أمور في غاية الأهمية عن المجتمع السوري وعن نظام الأسد، لكنها كذلك مفيدة جدا للمهتمين بفهم الشرق الأوسط عموما بكل تعقيداته، وللمهتمين بالعلوم الاجتماعية وبصفة خاصة بالماركسية في واحد من أرقى نماذجها في تقديري.

عمر الشافعي

حول مفهوم الشر: "كريستوفر كوكس" و" مولي والن" يحاوران الفيلسوف الفرنسي الكبير آلان باديو عن مفاهيم الشر والخير وكيف تتشكل وكيف تتغير.

كريستوف كوكس  ,  مولي والن  ,  آلان باديو

ماذا في الفراغ الرقمي؟ (2) يمكن أن تحل التكنولوجيا الرقمية محل العمال، مثلها في ذلك مثل كافة التطورات التكنولوجية السابقة تماما. ولكن علينا النظر في التأثير العام للابتكار التكنولوجي في المجمل، قبل قبول فكرة أن التكنولوجيا الرقمية تعني نهاية العمل.

مارتن ابتشيرتش

دول الإقصاء الدولة القومية ذات الحدود الواضحة هي فكرة حديثة ارتبطت بتطور الرأسمالية. بيد أن العمال والفقراء هم الذين يعانون على جانبيها.

فيل مارفليت

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… نحن الآن في حاجة ماسّة، أكثر من أي وقت مضى، لاستئناف البحث في هذه الإشكاليات ليس انطلاقا من نقطة محمود أمين العالم وتيزيني ومهدي عامل وغيرهم، على ما بينهم من اختلافات وتناقضات في الطرح، وهي النقطة التي تبلورت في أعقاب هزيمة ١٩٦٧ كما سبق الذكر، ولكن من نقطة ما بعد الثورات العربية والتي برزت على خلفية تحولات جذرية في بناء العلاقات الاجتماعية في العالم والإقليم والمجال السياسي والأيديولوجي بطبيعة الحال.

عمرو عبد الرحمن