عيون الحديد

فنون

09  مايو  2017

كنا متجمعين أمام الشاشة المعلقة على عامود بارز في المقهى.

كنا نحن، شلة الأصدقاء التي تتقابل على المقهى في كل مساء تقريبا، بالإضافة إلى جمع يكبر شيئا فشيء، المعارف الذين لا تضمهم الشلة، الزبائن الذين جاءوا للمشاهدة، وأصدقاؤهم، ربما حتى بعض العابرين، وبيننا كان عاملا المقهى الشابين، اللذين صعد أحدهما فوق كرسي ليضغط زرا ما في الشاشة الصغيرة.

لا، لم يكن ما نشاهده مباراة كرة قدم معتادة من الدوريات والبطولات الأوروبية، ولم يكن ذاك تلفازا يعرض القنوات الفضائية أصلا.

على الشاشة كان مشهدا للمقهى، يُعرض أغلبه من الداخل، وبينما كان العامل الشاب يضغط الزر، كانت الصور تمر أمامنا: لقد كنا نشاهد فيديو مسجل لوقائع المقهى.

قبل عامين، تقريبا، أتى العسس وأمروا كل مقاهي المنطقة بوضع كاميرات للمراقبة، يأتي أحدهم من وكر العسس ليفرغها ما بين وقت وآخر، أو كلما دعت حاجته لذلك. لم يقتصر الأمر على المقاهي فحسب، بل امتد لجميع أنواع المحال، في المنطقة وفي عموم المناطق، فيما يبدو. البلاد تسير في ركاب التقدم. بلى، ألا يطلقون على بريطانيا اسم “الدولة المربية”، حيث لكل 600 مواطن كاميرا؟ فما بالك بشعب يقدر قوامه بالسبعين مليونا؟! مصر الحبيبة تضع الكاميرات في المحلات، في الشوارع، بل وكاميرتين في إشارات المرور.

كنا نهتف للعامل الشاب بأن يمرر الصورة بسرعة أكبر؛ كنا متلهفين على مشاهدة معركة القرن: أحد أصدقائنا المشهورين بالوداعة والدماثة وحسن الخلق انفجر فجأة في وجه أحد معارفنا من المشهورين بالثقل، وزنا وظلا. هو شاب طيب، ولكن الثقل مؤكد. كان الثقيل يمازح الشاب الخلوق في شأن اسم ابنته، والحق إنه كان غريبا، وظل الخلوق على ابتسامة شاحبة بينما هو يحذر الثقيل، الذي فغر فاه في ضحك لزج. قلت أنا معاتبا إياه أيضا:

“خلي بالك، لو خد باله إنك متغاظ حيفضل ماسكهالك.”

كنت اقصد ألا يستجيب الخلوق للمزاح إلا بمزاح، هذا لو استجاب أصلا. لكننا فوجئنا بالخلوق يكيل للثقيل لكمتين في صدره. بقينا لثوان في حالة من التردد وعدم التصديق، ثم اندفعنا للتفريق بينهما، ولك أن تتخيل جدوى هذا التدخل في تقليل الخسائر، حين تعلم أن الخلوق، الذي لم يكن خلوقا مؤقتا كما اتضح، قد تملص منا لجزء من الثانية، كانت كافية لإلقاء زجاجة مياه غازية فارغة في اتجاه الثقيل، إلا أنها لم تصبه والحمد لله، الذي لا يحمد على مكروه سواه.

كان تحولا عنيفا ومفاجئا، وكأنه شعب لندن الذي اكتشف انقطاع الكهرباء في المدينة، في شهر ما من عام 2011، فعاث فسادا في الشوارع محطما الواجهات وناهبا المقتنيات. لقد عميت العيون الحديدية للدولة المريبة لساعات، فانفجر كل شيء. ولكن عيون دولة المماليك الحديدية الجديدة كانت هنا. لا أتذكر من منا بدأ بفكرة مشاهدة الخناقة في فيديو المراقبة، ولكنها راقت لنا جميعا.

هكذا بدأ الجميع يكبر، واكتشفنا أن للثقيل كثير من المحبين والمريدين: بعضهم قال إنه كان يريد ضربه بنفسه منذ أعوام؛ بعضهم هنأ الخلوق؛ بعضهم كان يروي تفاصيل موقف مشابه مع الثقيل؛ ولكن كلهم كانوا فرحين، كلهم ما عدا رجلين أبديا تذمرهما من فعل قذف الزجاجة لأن شظاياها كان من الممكن أن تصيبهما، وهما جالسان في نيرفانا الطاولة. قال أحدهما وهو يقلص عضلات وجهه في انزعاج:

“يعني كان ممكن تحدفها عليه بره.”

المهم التففنا جميعا حول الشاشة، وكأنها إعادة لهدف أبو تريكة في الصفاقسي.

ترك العامل الشاب الشريط يجري بسرعته الاعتيادية عندما قال أحدهم أن الخناقة ستظهر حالا. كان يقول إن أحد أصدقائه كان قد عبر في طريقة للمبولة قبل الخناقة مباشرة، وهاهو قد ظهر الآن. ظللنا منتظرين. لا شيء. صعد العامل مرة أخرى وضغط زر التسريع. هنا! هنا!، هتف أحدهم. مر القليل من الشريط. لا شيء. صعد العامل مجددا. كنا نصيح بينما رؤوسنا مرفوعة ترمق الشاشة الصغيرة، ونتخيل ما الذي ستبدو عليه الخناقة فعلا عندما نراها عبر شاشة، كيف كانت وجوهنا، ما الذي فعلناه تحديدا، كم من النكات يمكننا استلهامها من الذعر البادي على وجه الثقيل عندما أدرك أنه يُضرب فعلا، أو من وجه الخلوق الذي تملكته عدوانية مباغتة، أو من ضحكة أحدهم السايكوباتية على ما يجري. بدا الأمر فعلا وكأنه إحدى حلقات إبراهيم نصر في الكاميرا الخفية، ولكن هنا كان المقلب حقيقيا، حقيقيا فعلا، والكاميرا لم تكن خفية أبدا، ولكننا، فقط نسينا وجودها.

عندما جاءت يوفيتا للقاهرة، ومشت معي في الشارع، أشرت للكاميرات ضاحكا. قالت لي في جدية انه أمر جيد. يوفيتا ابنة برلين تعتقد انه أمر جيد. بالطبع. تذكرت كيف كنت أتجول في أوروبا، ملاحظا أن قصر الملك كان دوما فوق جزيرة في قلب المدينة، أو على نهر، وحينما كانت تقوم ثورة كانوا يرفعون الكوبري. الآن مقرات الحكم في الشوارع العادية. احتاج الأمر إلى ثورة 68، أو انتفاضة 68، قبل أن يقنع الحكام أهل أوروبا أن الثورة سيئة، وأن السلاح سيئ. هكذا رضي الأوروبيون وأحفادهم عابري المحيطين الأطلنطي والهندي، بنظام جاء إليهم بانهيار الأسواق في 2008، قبل أن يبدأ هو نفسه في الانهيار عبر أدواته ذاتها، عندما صعد ترامب، يحمل فراء القطط شعرا فوق رأسه، إلى سدة الإمبراطورية الرومانية الجديدة، حيث استبدل النظام عيون الحديد بعيون العسس، مستحضرا القوة من غياب مخاتل. لماذا تستغرب هجوم أهل لندن على المحلات؟! مهلا، لا تكن قاسيا، الدولة في أوروبا تقوم بدورها الأساسي على الأقل. نعم، هناك فتات يلقى للشعب، ولكن هذا الفتات يبني مستشفيات ويعبد طرق ويدفع إعانات بطالة ويبني شققا للمحتاجين. وهذه الكاميرات تؤدي دورها بالفعل في رصد الجرائم. أليس كذلك؟ هكذا فكرت. فقالت ليوفيتا بنبرة جديدة: حسنا يمكنني أن أتفهم تقبلك للكاميرات بايجابية، أنت تقيسين على بلادك، ولكن، بربك، ما الذي سيفعله عسس الماريشال بهذه الكاميرات؟

هزت رأسها مقتنعة أخيرا. قلت لنفسي، لقد نزل المماليك من قلعة الجبل، ولكنهم ما زالوا يقيمون في قلاع محصنة.

المهم، زهق العامل من إلحاحنا، وأخبرنا بأنه لن يعرض شيئا. كانت نبرته فيها مودة معتذرا بأن لديه عمل لا بد من تأديته، وعامة من الأكرم ألا نشاهد مثل هذه الأمور السيئة من الأساس. خناقة وعدت. ألححنا قليلا قبل أن نبدأ في التفرق. استعنا بذاكرتنا بديلا عن الكاميرا. كاميرا الأمن التي استخدمناها ككاميرا برنامج الكاميرا الخفية.

هكذا فشلت عيون الحديد ساعتها، وهكذا ستفشل..

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

هانيبال ليكتر ونصوص أخرى لم يبق للجنرال –مع كل هذا الخمول- سوى أن يعلنَ إلوهيته.

أحمد عبد الحميد حسين

نصوص عراقنا الذي في الهباءاتِ، ليَتَقَدّسِ اسْمُكَ، ليأتِ جحيمكَ، لتكُنْ مشيئتُكَ، كما في السماء ..كذلك على الأرض.

سنان أنطون

لينين يكذب أحيانا، ونصوص أخرى لينين كان كاذباً للغاية حينما تحدث عن أن الأمور لابد أن تزداد سوءا كي تنصلح لاحقاً!

أحمد عبد الحميد حسين

الأب الصامت، ونصوص أخرى

أحمد عبد الحميد حسين

دون كيشوت ونصوص أخرى يحكمنا "دون كيشوت" بكاب كبير. كي يقتل الشغف والتمرد بداخلنا يأمر نصفنا بحفر حفرة كبيرة، ويأمر النصف الآخر بهدم ذات الحفرة.

أحمد عبد الحميد حسين