دون كيشوت ونصوص أخرى

فنون

09  مايو  2017

أعراض شيخوخة مبكرة

يزحف الخوفُ بداخلنا يوميا كالطاعون.

الخوف من مقابلة الأصدقاء القدامى، ومن التعرف على آخرين الجدد، من انكشافنا الدائم أمام أنفسنا، وخطل ألسنتنا حينما ننطق بترهات متناثرة بفعل معرفتنا الزائفة، ومن الإشارة لهزيمة التجربة القديمة.

ينتاب أرواحنا -التي صارت أكثر هشاشة- ثقل شديد حينما نشعر أننا مقبلون على تجربة جديدة. لأنه يبدو أن لا تجربة جديدة هناك، أو أن التجربة الفائتة استنزفتنا حتى آخر مدى.

نعطي لأنفسنا ألف مبرر للجلوس في ذات المكان الآمن، فتعتاد أقدامنا عدم الحركة.

ثقل وخمول شديدان يهيمنان على أرواحنا التي كانت يوما ما نشطة، فيأخذنا هذا البعد من الآخرين، والمقابلات الضرورية.

ينصحني صديقي المفضل بأن التواجد مفيد للعمل والمعرفة.

أجيبه بتعبيرات لا مبالية ترتسم على وجهي المتجهم بأن التواجد شديد الوطأة!

حتى الكلام صار فعلا مجهدا.

نشعر بفرح داهم حينما تُلغىَ مواعيد المقابلات المكررة.

حينما تأتي أجازات نهايات الأسبوع القصيرة بسرعة.

حينما يحدث حدث استثنائي فنتوقف -برهة-عن الذهاب للعمل.

نحمد الله على وجود “يوتيوب” وقناة الأفلام الأجنبية، والمخازن الافتراضية للكتب المجانية.

يسألني صديقي العشريني: ألم يحن بعد ميعاد التقاعد؟!

أسأل أنا نفسي ذات السؤال، ثم أردف على كلامه: لكني لم أنجز شيئا قط لأجل التقاعد، رغم أن آلة العمل انتهكتني منذ سن المراهقة.

أسأل صديقي: كم تبلغ من العمر هذا العام، فيجيب: خمس وعشرين، لكني بداخلي أبلغ من العمر خمس وستين عاما، شيخ هرم مجهد يريد أن يستريح.

يبدو أننا تهنا فدخلنا في ثقب زمني أخذنا فأطاح بنا فجأة قبل أيام معدودة من موعدنا مع الموت.

تظهر علينا أعراض الأيام الأخيرة قبل الموت.. حيث ينتهي الشغف، وينعدم أي معنى لمسار عظيم يظهر لنا فجأة، لا تظهر حاجة لمعرفة آشخاص آخرين جدد. نكره السفر لإن كل طائرة سنركبها هو “عامل مرتفع” يساعد بشدة على الاقتراب من النهاية.

الليل أقل ضراوة أحيانا

يستفرد بنا الليل كلما تقوقعنا حول ذواتنا كل مرة.

يفترس ضعْفَنا الذي يزداد هشاشة كلما تغولنا في عمقه الكئيب الموحش.

يُحضر لنا الليل -الذي يرتدي عباءة ساحر عجوز- بلورة سحرية نرى فيها كل عيوبنا لنتضاءل أكثر فأكثر كي يتمدد هو في الفراغ الضيق المحيط بنا.

لا نلجأ للآخرين كي نبوح بأسرارنا. التعويل على الآخرين جحيم أكثر ضراوة من الليل.

يخبرنا الليلُ:” أن لا حاجة لكشف عيوبنا مع أصدقاء وهميين، يكفيه هو وحده أن يرى عيوبنا. الأسرار تنفضح سريعا حينما تتداول بين أكثر اثنين.” يفاجئني منطقه العجيب والعقلاني، فأرضخ صاغرا له.

أحاول التلهي عن الليل بفيلم جاد، فتضغط سردياتُه الحزينة على عقلي المرهق أصلا بسرديات النهار الصاخب، فألجأ حينها لفيلم آخر تافه، أشعر بعدها بالملل السريع، فأبصق عليه ثم أعود إلى موضعي.

أعود إلى الليل فاختبئ هناك بين أنيابه.

دون كيشوت

الآن اكتفيت.

أنا لا أنتمي لهذا المكان.

كل البشر الذين أحببتهم يوما ما يتحولون لمذؤوبين يمتصون يوما بعد يوم ما تبقي من روحي.

تتضافر كل الأسباب التي ملئت بداخلي الكره لمكاني القديم، تسابقت المبررات جميعا لتأتيني في نفس اللحظة.

الآن أرى الصورة واضحة أكثر مما ينبغي.

من جاء بي إلى هنا؟

لو متُ مبكرا لكتبوا على قبري. ” مات نتيجة لقهر المسئولية”.

قهر مسئولية العمل الدؤوب للتنظيم.

وقهر مسئولية الوطن.

وقهر مسئولية الأبوة.

وقهر مسئولية الأخ الأكبر.

وقهر رفضي لدعوة فتاة للخروج في سن المراهقة خوفا من المسئولية أمام الرب.

جثة تضاف لآلاف الجثث كلهم يحملون نفس الاسم..”دون كيشوت”.

القضية هي أمر نسبي للغاية، وتبقى سامية فقط في عين صاحبها، وربما في عين ثُلة قليلة من أصدقائه المقربين، يثنون عليه إما تزلفا، أو إرضاء للمشاركة في نفس المصير.

في عشرين سنة قصيرة اجتزئت من عمري حملتُ “قضية” ثم تركتها عن كتفي لأني أدركتُ في يوم ما من نهاية تلك السنوات أني أحمل جوالا بها جثة لكلب أجرب.

استغرقت عشر سنين أخرى كي أتخلص من براغيثه ورائحته من على عقلي وجسدي.

يحكمنا “دون كيشوت” بكاب كبير.

 كي يقتل الشغف والتمرد بداخلنا يأمر نصفنا بحفر حفرة كبيرة، ويأمر النصف الآخر بهدم ذات الحفرة.

التفاصيل اليومية هنا منهكة وبشعة بقدر تفاهتها.

يموت البعض مِنّا في طابور “الملل”، والبعض الآخر في طابور الأوامر التي لا نعرف لها جدوى.

سجّان متدين

لا يليق في ليلة كئيبةِ مثل هذه انطفأت فيها الأحداث، وسكنت عواصف السعادة التي كانت بالأمس، سوى أن نتجرعَ كأسا من نبيذٍ أحمر ينسينا هذا الصمت الكئيب المدويِّ.

سئمت الأفلام والطعام والكلام المكرر.

يمكننا أن نظلَ طوالَ الليل نبحث معا عن لحظة شغفِ مفتقدة.

هل يكفي ممارسة الجنس كي نزيل غشاوة الكآبة؟ لقد مارسناه بالأمس، ومللتُ أنا، وأرهِقتِ أنتِ.

لنجرب البوحَ في حكيِ جديد.

يمكنني أن أحكي لك عن أول مرة خنتك فيها، أو أول مرةٍ قبلتُ فيها فتاة فور تفجر الرغبة في مراهقتي الأولى.

يتحول العالم لسجن كبير كل أفراده محكوم عليهم بمكثٍ أبدي. لا أفق هناك. تفاصيل كل الأيام مكررة من الغدوة حتى العشي، منذ إلقاء طبق الإفطار المليئ بطعام قذر من تحت باب الزنزانة السميك، حتى سماع أقفال كل الأبواب خارج الزانزين تُغْلَق في صوتٍ مهيب ثقيل.

تفاصيل مُكرَّرة حتى على السجّانين.

التمس بعض السجناء من الإدارة أن يموتوا حتى ولو “شنقا” بأيديهم علَّهم يكتشفون عالما آخر وراء هذه المتاهة. أجابوا طلبهم بالرفض. فالسجَّان الكبير كان “متدينا” للغاية، يرفض “الانتحار” لآن الإله حرمه على البشر.

كان “السجان الكبير” يخشى اللهَ كما يخشى الكتب التي تم منعها من التداول -منذ عهد بعيد -داخل جدران المعتقل.

جبل الأعراف

يبدوا أننا قد متنا، ثم جاء يوم القيامة فبعثنا، وها نحن اليوم موجودون في الجحيم، حيث جنوب المتوسط. فيما الآخرون الأخيار يرفلون في ملذات” النعيم”، هناك، في شمال المتوسط، ربما يجب علينا أن نسمي هذا البحر الكبير الأبيض بـ “الأعراف”، الفاصل الجبلي الشهير الذي يفصل بين أهل الجنة وأهل الجحيم.

نحن لسنا شيئا، نحن لسنا سوى سِربا كبيرا من الهاموش، لا يسمع سوى صوت الظلام أو صوت طنينه المزعج في ليل أبدي. نحن ننتمي إلى اللاشيء، إلى الفراغ، إلى تجويف طيني ضيق مظلم في مستنقع آسن.

نعبرُ عن مشاعِرنا كأننا نتقيأها، نبني بعض الأبنيةِ التي نراها جميلة كي نضيف للعالم كمية أكبر من القبح. نُنهك أنفسنا بعمل زائد كي نُضيف إلى أرواحنا مزيدا من البؤس، وإلى ثنيات أجسادنا بعض الترهل، وإلى خزائن أرباب العمل مزيدا من المال.

الأفق المُنير هناك في آخر النفق هو شعلة جحيم تشتعل في أجساد السابقين مِنّا.

نمارس الجنس كي نلد “كائنات” جديدة لنشعر أننا لسنا في الجحيم وحدنا.

مولدات الكراهية تتكاثر كالبكتريا في قاعات معابد الصلاة، أبناء الكوكب “المجنون” يبحثون عن “الإطمئنان”.. لكن بلا جدوى!

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. heba behery

    نصوص جميلة من قلب الواقع والقهر وضراوتهم

موضوعات ذات صلة

هانيبال ليكتر ونصوص أخرى لم يبق للجنرال –مع كل هذا الخمول- سوى أن يعلنَ إلوهيته.

أحمد عبد الحميد حسين

عيون الحديد احتاج الأمر إلى ثورة 68، أو انتفاضة 68، قبل أن يقنع الحكام أهل أوروبا أن الثورة سيئة، وأن السلاح سيئ. هكذا رضي الأوروبيون وأحفادهم عابري المحيطين الأطلنطي والهندي، بنظام جاء إليهم بانهيار الأسواق في 2008، قبل أن يبدأ هو نفسه في الانهيار عبر أدواته ذاتها، عندما صعد ترامب، يحمل فراء القطط شعرا فوق رأسه، إلى سدة الإمبراطورية الرومانية الجديدة، حيث استبدل النظام عيون الحديد بعيون العسس، مستحضرا القوة من غياب مخاتل.

محمد علاء الدين

نصوص عراقنا الذي في الهباءاتِ، ليَتَقَدّسِ اسْمُكَ، ليأتِ جحيمكَ، لتكُنْ مشيئتُكَ، كما في السماء ..كذلك على الأرض.

سنان أنطون

لينين يكذب أحيانا، ونصوص أخرى لينين كان كاذباً للغاية حينما تحدث عن أن الأمور لابد أن تزداد سوءا كي تنصلح لاحقاً!

أحمد عبد الحميد حسين