اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة

الطائفية: تأملات وتفسيرات ومراجعات

قضايا

02  مايو  2017

ليست السطور التالية مقالا تقليديا عن الطائفية وأسبابها، بل هي مزيج من تأملات وانطباعات ذاتية، وقراءة من وجهة نظر علم النفس وعلم الاجتماع، وتلخيص لنقاشات موسعة داخل الحركة الديمقراطية، أتمنى أن تكون مفيدة في إثراء النقاشات حول الموضوع.

في البدء كانت الكلمة: تأملات عن الفادي والمفتدي والعهد الجديد

قضى المواطن “م” بضع سنوات من سنواته العشرين يقاوم سلطوية كنيسة سعت جاهدة لعزله عن مجتمعه بحجة الخوف عليه. كان المواطن “م” قد أحس مرارا أن الكنيسة -بتكوينها الحالي- تقف بينه وبين وطنه، فسعى أن تبقى فقط ملجأه الروحي، واكتفى بحلمه أن يخرج بها في يوم من الأيام للوطن.

كانت أحلام المواطن “م” كأحلامي، مصبوغة بالأحمر، فعلى الرغم من تعرضه لمضايقات وصدامات اجتماعية وسياسية بسبب هويته الدينية، إلا أن شغله الشاغل كان الفقير والمهمش. “فقط الفقير تسيل دماؤه على أرض مصر” كانت هذه من آخر ما كتب على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”. لم يقل المواطن “م” “فقط المسيحي” بل قال “فقط الفقير” مع العلم بأنه كان مسيحيا فقيرا.

مثلي ومثل يساريين كثيرين (وقتها) رأى المواطن “م” أن التمييز الديني أو الاعتداءات الطائفية ما هي إلا إحدى خصائص وأدوات الرأسمالية لتدمير جبهة المقاومة ضدها، فبالتالي يصبح حل الأزمة هو في القضاء على الرأسمالية، وتحرير المجتمع بذاته عن طريق ثورة شاملة حقيقية وبناء مجتمع جديد، ومن ثم أصبحت القضية شبه مؤجلة لحين فتحها مع العبور للتحرير وحلول”العهد الجديد”.

كنا في أواخر نوفمبر 2010 عندما اشتبكت الدولة، متمثلة في داخليتها، مع مواطنين مسيحيين بسبب كنيسة (أمر عادي ليس بخبر، فالمسيحيون لا يستطيعون بناء كنيسة أو حتى إصلاح سباكة الحمام بدون تصريح) ولكن الجديد في الواقعة أن مسيحيي العمرانية قرروا أن يخرجوا بمواطنتهم خارج أسوار الكنيسة الحاضنة المتسلطة. كانت الدولة قد اعتقلت عشرات المصابين، من بينهم سيدات وأطفال، ومنعت المحامين من الحضور مع المتهمين، فاعتصم الأهالي واعتصمنا معهم. كانت هذه الليلة أول مرة ألمح المواطن “م”، فقد جمعتنا ليلتها دولة مستبدة طائفية. هذه الليلة الطويلة، في اعتقادي، ترمز للزمن المتأزم الذي نحن فيه. لم تكن أزمة قاتلة مثل بعض الأزمات، بل كانت أزمة يقظة تنجم عن النمو؛ فبدأت تتشكل مجموعات شبابية متخطية الطائفية ومعلنة عن مواطنتها الكاملة واستعدادها لثورة تحرر من كل ما هو سلطوي.

بدأ عام 2011 بتفجير كنيسة القديسين ونزل المواطن “م” مع رفاقه كما نزلت أنا للتظاهر. أثلج صدري هتاف بعض السيدات المسيحيات ضد العادلي ومبارك وإن كان لهم بعض التحفظات على ألفاظنا الخارجة عن الأدب المسيحي.

“أخيرا هنخرج بالكنيسة للوطن” قلتها لنفسي مرارا وتكرارا للتأكيد والطمأنة، وبدأت أرى كرة الثلج وهي تكبر وتهم في الحركة وتكتسب سرعة وقوة. أتذكر تعرض المواطن “م” للضرب في هذه التظاهرة والقبض على كثير من الرفاق.

لم يكن انتماؤنا المشترك للميدان السبب الوحيد وراء سعادتي بوجود نموذج المواطن “م” داخل الحركة الديمقراطية، اعتقد أن أكبر رابط نفسي وأخلاقي بيننا كان هو أننا لم نكتفِ بكون الدافع وراء كفاحنا أننا “أقباط”؛ فقد آمنّا بالعدالة والحرية والكرامة الإنسانية لجميع البشر، وكان قدرنا نحن الاثنين أن يكون الصليب الذي نفخر بحمله على عواتقنا هو تلك الحرب من أجل المهمشين.

قابلته قبل أسبوع من مجزرة ماسبيرو التي سقط فيها قرابة 30 محتج مصري مسيحي، وتحدثنا في هذا اليوم عن أنه آن الأوان لننظر لحقوق المسيحيين كقضية مواطنة مركزية وأساسية، فقد قمنا بثورة وبدأنا فعاليات العهد الجديد، وبرغم أننا كنا ضد تأسيس حركة قبطية لذاتها (آنذاك)، لكننا قررنا العمل على الدعوة لمظاهرات تطالب بحقوق المواطنة، وأردنا أن ننضم للمظاهرات المطالبة بالمساواة في حق بناء دور العبادة بصفتنا مؤمنين بميدان التحرير ومطالبه. وكانت تلك آخر مرة أرى فيها المواطن “م” الماركسي المصري المسيحي المقهور المتمرد المقاتل المصلوب، مينا دانيال، على قيد الحياة.

يوم 9 أكتوبر لم أستطع الانضمام للمسيرة في شبرا واضطررت للسير على الكورنيش لألحق بها في نهايتها عند ماسبيرو. كنت أمد الخطى لألحق بالمحتجين حين بدأ الهواء يضيق تدريجيا، وشعرت بدقات قلبي تتسارع لتدفعني أكثر ناحية أرض المعركة. عند اقترابي من الجلجثة، موضع صليب الحبيب، أحسست بالأغاني الصادرة من المراكب النيلية والفتيات ترقص على أنغامها وكأنهم يحيونني على اقترابي من المذبحة… “شفت تعلب كان بينط”.. كانت طبول حرب على أرض معركة تساوت الجثث فيها بالأسفلت، وتأججت عليها المدرعات اشتعالا والصرخات قهرا. بعد فترة من الذهول والشلل الحركي والنفسي طاردنا الجنود – كان أغلبنا بنات – لمقر التجديد الاشتراكي، الذي اتخذته مجموعة مينا دانيال الاشتراكية مقرا لاجتماعاتها. إنه المكان الذي التقيته فيه آخر مرة. لم نمكث هناك كثيرا، حتى أتت المكالمة منبئة بسقوط مينا دانيال شهيدا. أتذكر الصراخ والعويل من رفيقات مينا وأتذكر ركضي سريعا في اتجاه المستشفى القبطي.

قضيت تلك الليلة في المستشفى القبطي مع الرفاق لإقناع ذوي الشهداء بالموافقة على التشريح قبل استلام جثث أبنائهم، طلبا للعدالة والثأر لحقهم. وافق الأهالي على التشريح، ومع ذلك لم تكن هناك ثمة عدالة.. فقد كان اسم مينا دانيال مدرجا على قائمتي المتهمين والشهداء في الوقت نفسه. إذا وقفت عند قبره في مدينة 6 أكتوبر ستجد محفورا عليها عبارة “قُتل على يد الجيش المصري في مظاهرة سلمية”، وهو ما يرفضه البابا تواضروس حين صرّح مؤخرا بأن قتلة مينا مازالوا مجهولين.

ارتديت الأسود طيلة أربعين يوما، ولم أخلعه سوى في ملحمة محمد محمود حيث شاهدت المناضلين من أجل الحرية وهم يصنعون المجد. ومرت الشهور والأبطال يتساقطون الواحد تلو الآخر. كان علم مينا دانيال مرفوعا على الجبهة طيلة الاشتباكات.. نعم، كان دليلي وسط الفوضى والدم، أحمر كلون أحلامه وأحلامي، أحمر كلون معمودية الدم التي فيها وبها عُمدت!

غيرت أحداث ماسبيرو فيَّ الكثير، فلم أكن مستهدفة يومها لأني ثائرة أو معارضة بل لكوني “قبطية”، وكنت قد حاولت كثيرا قبلها أن أتخطى وأتجاوز هذا التعبير الذي يحددني ويكردنني، ولكني كنت في مواجهة معه، ووجدتني أعيش معنى لفظ قبطية الذي لم أختره برغم إيماني المسيحي. كوني ناجية “قبطية” معناه أنه قد تم افتدائي حين فداني من صُلبوا. والمعضلة التي تطاردني منذ ذلك الحين بوضوح هي: من منا الذي نجا ومن الذي صُلب في المعركة!؟ ربما “قد نجا من لم يعد”!؟ وإذا كنت أنا الناجي والمفتدى وهو المصلوب المفادي، فلماذا لم يُبعث من جديد، ولماذا لا أشعر بالخلاص؟ وإن كان بصلب المسيح في مينا يبدأ عهد جديد، فلماذا لم تقُم بلادي مع قيامته؟ هل كانت رؤيتي خاطئة حين اعتقدت أن الحديث عن قضايا التمييز ضد الفئات المهمشة عموما والمسيحيين بالأخص ما هو إلا أنانية الدفاع عن المصالح الضيقة على حساب المصلحة العامة؟! مينا نفسه طلب أن يُزف في ميدان التحرير وليس في ماسبيرو فقد عاش ومات للمصلحة العامة. صُلب مينا مع الكثيرين في ميدان المصلحة العامة وعند اصطدامنا لاحقا مع قضايا كنت وضعتها أنا شخصيا جانبا وجدتني أتساءل إن كنت قد أخطأت.

التأمل الثاني: أسبوع آلام ممتد…

استيقظت راندا يوم الأحد 9 أبريل باكرا لتجد ابنتها لوسيندا مرتدية ملابسها المفضلة وممسكة بالحمار الذي صنعته من السعف الليلة الماضية… “يالا يا ماما متأخرين وأنا عايزة استقبل يسوع”. أحد الشعانين هو يوم استقبال أورشليم للمسيح، وكان استقبالهم له عظيما، فحيوه بالسعف والهتافات. “أورشليم يا راجمة الأنبياء وقاتلة المرسلين” قال عنها المسيح، ودخلها راكبا على أتان، بل على جحش ابن أتان، وفي اختياره هذا مدلول عظيم في عقيدتنا المسيحية. كان الهتاف للثائر المسيح، لكنه كان يعلم جيدا أن يوم العيد ما هو إلا بداية لأسبوع آلام مديد. ذهبت لوسندا مع أمها لاستقبال المسيح، فعمدت أرض استقباله بدمائها وجلس حمارها المصنوع من السعف وحيدا ممزقا ومطليا بدمائها…

كان المسيح يعلم ما ينتظره، لكنها لم تكن تعلم، أنها مثل مسيحها، ستحمل صليبها بعد محاكمة ليلية غير قانونية وغير عادلة تشبه محاكمة الثوار. بَلْ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَة للهِ” (من إنجيل يوحنا الأصحاح 16 آية 2). حاكموا لوسندا وظنوا أن في قتلها خدمة لله.

كانت “لوسيندا” ملقاة على الأرض إلى جوار والدتها المصابة. حاولت الأم بصعوبة تفقد طفلتها الغارقة في دمائها للاطمئنان عليها، إلا أنها لم تملك القدرة على النهوض إثر إصابتها فجلست أمامها في ذهول رهيب. ربما كانت تلك اللقطة، ولازالت، هي الصورة الأكثر استحواذا على فكري المتألم من تفجيرات أحد الشعانين، لأنها ذكرتني بصورة مريم أم الشهيد المصلوب، وربما لأني أصبحت مثل تلك الأم أودع مسيحا بعد مسيح.

بعد 6 أعوام ما زلت أمارس حياة الثائر المهزوم؛ أُصلب وأقوم في السنة مراتٍ ومرات مثل باقي الرفاق. صلبني الأمل نفسه، لكنني أبدا ما كفرت به، مثل مسيحيين من قبلي حاملة لصليبي. وإن كنا بتفجيرات أحد الشعانين تخطينا الأسبوع كله، ودخلنا على الجمعة الحزينة مباشرة، فبعد الصلب والموت يأتي دائما أحد القيامة والنصرة.

*أسبوع الآلام يبدأ بأحد الشعانين ويأخذنا معه في رحلة من محطات هامة:

الأربعاء، يعقد يهوذا صفقته لتسليم المسيح مقابل ثلاثين قطعة من الفضة، ويتفق معهم على أن من يُقبِلَه سيكون هو المسيح.

الخميس، يغسل المسيح أقدام تلاميذه ويتناولون معه العشاء الأخير. تعد هذه المحطة بداية للعهد الجديد للمنتمين للاهوت التحرير، ففي الخدمة يكمن الخلاص والعهد الجديد.

يسهر المسيح الخميس ليلا مع تلاميذه وسرعان ما يدخل يهوذا لتقبيله ويرد المسيح: “يا يهوذا.. أبقبلة تسلم ابن الإنسان؟” يتم اعتقال المسيح ليلا بعد مقاومة من تلاميذه للعسكر، وتُنصب المحكمة في نصف الليل ليُحكم عليه بالتعذيب ثم الصليب.

الجمعة، يحمل المسيح صليبه على طريق الآلام حتى جبل الجلجثة الذي تفسره جمجمة حيث موضع الصلب. في طريقه للجلجثة أراه يتعثر ويقع من ضعف جسده الممزق والمعذب، وأرى أمه تجري لنجدة ابنها ليمسك بيديها ويقول لها: “لا تبكي يا أمي.. ها انا اصنع كل شئ جديد”. فأي بداية جديدة تعني حتمية موت القديم. هكذا أيضا تخلق الفراشة من موت مؤلم، وهكذا أيضا يخون كل يهوذا كل مسيح، ليتألم ويُصلب ومن موته تولد حياة جديدة وحرية.

التأمل الثالث: على أرضها… كوم اللوفي تصلب المسيح

سلم يهوذا المسيح لليهود الذين كانوا يطلبونه للمحاكمة أمام الرومان المحتلين، وبالفعل مثُل يسوع أمام بيلاطس البنطي، فلم يجد علة تستدعي عقابه، واقترح على الجموع الغفيرة المحتشدة ثلاث أمور، إما أن يُجلد ويجعله يمضي، أو أن يستبدلوه بآخر مسجون، أو أن يرسله لهيرودس الملك ليفصل في أمره. فجاء رد الجماهير “اصلبه اصلبه”.

ارسله بيلاطس لهيرودس الذي اكتفى بأن يسخر منه، ورده مجددا لمن أرسله ليوقع عليه العقوبة، مع العلم أنه قد تعرض للتعذيب بالفعل لساعات قبل مواجهة الجماهير. كان اليهود يطالبون بصلب المسيح وإطلاق سراح باراباس. استجاب لهم بيلاطس رغم تحذير زوجته التي قالت له انها تألمت في حلم من أجل هذا البار. لكنه خاف على منصبه واكتفى بأن غسل يديه بعد تسليمه لهم ليصلبوه، قائلا: “أنا برئ من دم هذا البار”.

أتساءل، هل كانت الجموع الهاتفة “اصلبه اصلبه” يا ترى هي نفس الجماهير التي استقبلته يوم أحد الشعانين بالهتافات والسعف؟

يتكرر مشهد هتاف الجماهير “اصلبه اصلبه” كثيرا، بالذات في قرى مصر ومراكزها. في قرية كوم اللوفى بمحافظة المنيا، حيث حاول أهلها إقامة صلوات خميس العهد التي قد تخفف من أحزانهم على شهداء أحد الشعانين، تعرضوا كالعادة لرجمهم والاعتداء عليهم. اكتمل المشهد المتكرر بصمت كل أجهزة الدولة، مع إلقاء القبض على بعض (المتورطين) من المسلمين المعتدين، والمسيحيين المصلين. أعقب ذلك جلسات عرفية أسفرت عن منع الصلاة في البيوت، وتحديد أماكن بعيدة تعجيزية لبناء الكنيسة، مع شروط صارمة لبنائها، في اتفاق يشبه الوثيقة العهدة العمرية، التي طالما تم الاحتفاء بها كعهدة محبة وهي في الأصل شروط إذلال وإخضاع.

انطلاقا من التأملات الثلاث والتجارب الذاتية داخل الحركة الديمقراطية، يعنى هذا المقال بمحاولة تفسير وتوصيف الطائفية في المجتمع المصري استنادا إلى “المواطنة” كمفهوم نفسي واجتماعي، وليس كمشروع سياسي فقط. كما يسعى المقال لمراجعة موقف الحركة الديمقراطية من ملف المواطنة بهدف صياغة بديل للوضع الحالي عن طريق تفكيك بنية التمييز والسلطوية التي تنتجها، وطرح المواطنة والمساواة في الحقوق كبديل وحيد، يتيح للقطاعات المهمشة فرصة حقيقية للتنظيم، دفاعا عن مصالحها، في حركة مدنية خارج إطار المؤسسات الدينية الرسمية.

* * *

مسيحيو مصر ومثلث الانتهاك: محاولة لتفكيك بنية التمييز الديني

في ظل حقبة الثورة المهزومة التي نعيشها حاليا، كان من الطبيعي أن تختفي القضايا التي أزاحتها جانبا مرحلة “كلية الثورة” ونشوتها بحجة كونها جزئية، فقد تراجعت تماما مع تصدر قضايا أخرى كثيرة للمشهد القمعي مثل الاعتقالات والاختفاءات القسرية واستحكام حلقات السلطة القمعية والانهيار الاقتصادي. لكن على الرغم من غياب قضايا المواطنة والمهمشين من الفئات المختلفة من على الساحة، إلا أن البعض منا استمر في العمل على مثل هذه الملفات، حتى وإن كان بهدف الاستمرار وعدم الانكسار ومقاومة الهزيمة. فمن حين لآخر تتكون مجموعة للعمل على ملف جزئي وتحاول أن تنجو بملفها ونفسها من قبضة الأمن على أمل تراكم الملفات والنضالات.

استطاعت أحداث الشهور الأخيرة – تفجير كنيسة البطرسية، استهداف وتهجير مسيحيي العريش، تفجيرات أحد الشعانين – أن تعيد قضية الطائفية والتمييز ضد مسيحيي مصر من جديد إلى الساحة، ربما بسبب دمويتها وبشاعتها، إلا أن قضية التمييز الديني والأحداث الطائفية لها في الحقيقة أصول تتجاوز هذه الأحداث. وهنا أود أن أشير إلى نقطتين قبل التعمق في أصول تلك الأحداث وأسبابها:

أولا، عندما أتحدث عن عودة القضية للساحة، فإن الساحة هنا للأسف مقتصرة على التحليلات والسوشيال ميديا، ربما لأن الشارع لم يعد لنا. أتذكر وقفتنا بالشموع بعد تفجيرات البطرسية، وكم المضايقات والتضييق الأمني الذي سخر كل جهوده لمنع الوقفة. لكننا نجحنا في إتمامها لتكون آخر وقفة شموع نستطيع تنظيمها، فلم نستطع الدعوة لوقفة شبيهة بعد تفجيرات طنطا والإسكندرية بعد أن أصبحنا رسميا في “حالة طوارئ”.

النقطة الثانية التي أود الإشارة إليها سريعا الآن هي النقد الموجه من كثير من المهتمين بالشأن المسيحي لنا كحركة ديمقراطية، بأننا نتحرك أسرع وأقوى عندما يكون الظلم الواقع على المسيحيين ظلما مباشرا من الدولة كأحداث ماسبيرو، وليس من الإرهاب، مثل تفجيرات البطرسية وأحد الشعانين، أو من المجتمع مثل التمييز اليومي تجاه المواطنين المسيحيين. نعم يتهمنا البعض أننا نتحرك في حالة صدام المسيحيين مع الدولة فقط. وهنا، وبدون الخضوع لأي ابتزاز، علينا أن نناقش هذا الاتهام، ليس بنية الدفاع، لكن بنية تقارب الرؤى عن ما نمثله نحن كمعسكر ديمقراطي (أو أيا ما كان الاسم الذي يجمعنا) ودورنا، الذي هو في الأساس الصدام مع الدولة من أجل حقوق الجميع.

موجة الأحداث الطائفية الدموية التي شهدتها مصر في الشهور الأخيرة لها جذور وتفاصيل يومية أعقد وأعمق من الأحداث نفسها، وعلينا محاولة تفكيك عناصرها المتشابكة والمتصارعة والمكملة لبعضها البعض في آنٍ واحد، ذلك أن معرفة أسباب المرض وكيفية حدوثه ضرورية لبلورة سبل علاجه.

لتفكيك بنية التمييز والاستبداد الناتج عنه هذا التمييز، ولطرح المواطنة كبديل، يستوجب علينا فهم ثلاث محاور سأطرحها هنا عن طريق تخيل “مثلث الانتهاك لمواطنة المصري المسيحي”، وأضلعه الثلاث من مجتمع يميز ضد الفئات الأضعف وينمو وينتشر فيه التطرف بسرعة البرق، ودولة تعزز وترسخ للطائفية لتحقيق مصالحها وتعميق سلطتها، ومؤسسات دينية تحول دون تحقيق المواطنة الكاملة.

الضلع الأول للمثلث: المجتمع التمييزي

من الواضح جدا أن هناك تراكم مجتمعي لموروثات من الممارسات الطائفية التي تجعل من السهل على مجموعات مسلحة تكفيرية، مثل داعش، تجنيد من يقومون بالاعتداءات الطائفية، بل وكسب ظهير شعبي عن طريق خطاب الكراهية المتوارث والمنتشر، فنجد تراجعا لحظيا للخطاب الطائفي عند حدوث المجازر والتفجيرات. لكنه سرعان ما يعود ليبارك الممارسات التمييزية اليومية ضد الآخر المسيحي. حتى مجموعات الإسلام السياسي كانت دائما تستخدم التحريض الطائفي كوسيلة لتحقيق المكاسب السياسية ولحشد وتعبئة الأنصار، فمن الممكن اعتبارها أحد المسئولين عن كثير من أحداث التمييز والعنف الطائفي التي يتورط فيها أولئك الأنصار في المجتمع.

إذا نظرنا لظاهرة استهداف المجموعات الاجتماعية الأضعف، كما في حالة العريش أو حتى كوم اللوفي، نجد أن مثل هذه المجموعات الاجتماعية لا تمتلك ظهيرا قبليا أو عصبية تحميها. نتيجة لذلك تهجَّر هذه المجموعات في معظم تلك الحوادث، سواء طواعية هربا من احتمالات الأذى الجسدي والمادي، أو قسريا في الأغلب بعد مفاوضات عرفية، وبدون احتجاج شعبي أو اجتماعي يذكر. لقد أصبح التهجير على أساس طائفي أمرا مطروحا ومقبولا في المجتمع المصري حتى من قبل حدوث واقعة التهجير الأكبر في العريش.

لا شك أن لزيادة التطرف المجتمعي ووتيرة خطاب الكراهية والثقافة دور أساسي، لكن من الواضح أيضا أن هناك علاقة مباشرة بين زيادته من ناحية والوضع القمعي العام من ناحية أخرى. في نظرية التقاطع في الماركسية الجديدة يمكننا التعرف على الأسباب التي تؤدي إلى زيادة استهداف المسيحيين خاصة في المجتمع مع ازدياد معاناة المجتمع ككل. ذلك أن المجموعة الاجتماعية الأضعف عادة ما يتم إخضاعها من أفراد جماعتها الأوسع، ويتم استهدافها على أساس هويتها المختلفة عن الأغلبية المهيمنة. على سبيل المثال يزداد إخضاع الرجال للنساء في الجماعة الواحدة في أوقات النزاعات والحروب مع جماعات أخرى، فتصبح أجساد النساء ساحات للحروب وتتعرض لقمع مزدوج. هوية المرء تتضمن العديد من الصفات؛ كالنوع الاجتماعي، والمعتقد الديني أو الهوية الدينية، والعرق أو الهوية الاثنو – سياسية، واللون، والتعليم، والطبقة، وحتى الانتماء السياسي، والحياة الجنسية، وغيرها من صفات، تتقاطع لتؤثر على تجربة المرء مع القمع. وحسب مفهوم التقاطع في الماركسية الجديدة تتشكل أنماط “عدم المساواة والقمع والامتياز” من خلال محاور الهوية المتصلة، وترسخها بشكل متبادل التفاعلات الاجتماعية والهياكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مثل الرأسمالية والنظام الأبوي والهيمنة المؤسسية. ويعمل كل من العرق والطبقة الاجتماعية والحياة الجنسية وباقي الصفات على تعزيز بعضها البعض بشكل متبادل، لتتشكل منظومة متداخلة من القمع يمكن رؤيتها من خلال ما يعرف باسم “مصفوفة الهيمنة والقمع”، وهو ما يحدث للمجموعات الاجتماعية الأضعف في مجتمع تم إخضاعه كالمجتمع المصري. إذا طبقنا هذه المصفوفة على مجتمعنا المصري المقهور، سوف نجد أن امرأة من صعيد مصر، سمراء، مسيحية، غير متعلمة، ومن الطبقة الفقيرة، هي الأكثر عرضة للقمع والعنف.

هذا التفاعل بين منظومات القمع يجعل مجموعات بعينها أكثر عرضة للعنف بشكل خاص. يحدث العنف الطائفي داخل ديناميكيات السلطة المتشكلة اجتماعيا، والتي تقوم فيها الأغلبية المهيمنة بخلق ثقافة من الاستحقاق والصمت والحماية، تؤدي بشكل فعال إلى تطبيع العنف ضد المصري المسيحي وإسكاته، كما تعزز ظاهرة المجالس العرفية التي تلعب دورا رئيسيا في ترسيخ سلطة المؤسسات الدينية الرسمية وممثلي الطائفية في المجتمع من مجموعات منظمة أو غير منظمة.

الضلع الثاني للمثلث: الدولة

من ناحية أخرى، هناك دولة تعيد إنتاج الطائفية وترسخ لها بشكل مؤسسي. فهي دولة بوليسية تدعي الحداثة في بعض قوانينها، بينما تضفي شرعية على الأفكار الإسلامية المخترقة لقوانينها الحديثة عن طريق شرعنة القوانين وعلمنة الشريعة. هذه الدولة تحتكر حتى مصطلح تجديد الخطاب الديني عن طريق التضييق على حرية التفكير والتعبير واستمرارها في مقاضاة البعض تحت مسمى ازدراء الأديان. فهي المتحكم الوحيد والمسؤول الأوحد عن تشكيل الوعي والبنية التشريعية والثقافية للوطن. ومن خلال علاقة الدعم المتبادل بينها وبين والمؤسسات الدينية الرسمية (أزهر وكنيسة)، ودعم الحلول العرفية كبديل عن قانون يتساوى أمامه المواطنون، ترسخ الدولة للطائفية وتمنحها مكانة أعلى من القانون وتدعم – وبقوة – استمرار تمثيل المؤسسات الدينية لأتباعها رسميا.

على سبيل المثال، في حالة تهجير مسيحيي العريش ومن خلال الانتهاك التام لحقوق سكان سيناء وإهمالهم منذ استعادتها، والتمييز ضدهم على أساس انتمائهم الاثنو-سياسي، رسخت الدولة الوضع القبلي كبديل عن وجودها، مضيفة إليها ممارساتها القمعية في مواجهة سكان سيناء بحجة “محاربة الإرهاب”: قمع وقتل وترهيب وتشويه، مبررات تسمح بنمو وتوسع المجموعات الإرهابية.

الضلع الثالث لمثلث الانتهاك: المؤسسات الدينية الرسمية

من ناحية ثالثة هناك المؤسسات الدينية الرسمية، الأزهر والكنيسة القبطية. بالطبع لا تقف هذه المؤسسات بحكم طبيعتها على مسافات متساوية من الدولة، فلا يمكن أن يتساوى موقف المؤسسة الدينية التي تعبر عن الأغلبية بشرعية دستورية وقانونية، وموقف مؤسسة دينية تعبر عن أقلية تقدم تنازلات بشكل دائم للدولة من أجل الحفاظ على بعض الامتيازات البسيطة. ومع ذلك علينا الإقرار بتأثير تدخل الكنيسة في السياسة على حقوق المواطنين المسيحيين. وإذا صح أن تحركها حسب تصريحاتها من الأصل لحماية المسيحيين، فإنني أدعو قياداتها لمراجعة مواقفهم ودورهم الحاضن السلطوي الذي يعزز التمييز القائم على المواطن المسيحي، الذي تتحكم فيه المادة الثانية من الدستور لصالح الدولة والمادة الثالثة لصالح الكنيسة، على سبيل المثال.

هناك مثل يحضرني بخصوص الأحوال الشخصية وحقوق المسيحيين: التبني حق مسموح به في المسيحية، لكن يُمنع المسيحيين من ممارسة هذا الحق بحجة المادة الثانية للدستور. من ناحية أخرى الطلاق غير مسموح به حسب لوائح الكنيسة المصرية. وبالتالي فإنه بموجب المادة الثانية من الدستور لا يُسمح للمسيحي بالتبني الذي أقرته الكنيسة، وبموجب المادة الثالثة للدستور لا يسمح للمسيحي بالطلاق، الذي يقره الدستور نفسه بموجب المادة الثانية منه! من المؤسف أنه تم التفاوض على المادة الثالثة لحماية المسيحيين من المادة الثانية عن طريق إخضاعهم لسلطوية من دينهم كبديل عن الشريعة الإسلامية، وفي اعتقادي أن المادتين تنتهكان مواطنة المسيحي.

النضال دفاعا عن حقوق المرأة في مصر مثلا يمكن أن يكتب فيه وعنه مجلدات، إلا أنه من المؤسف أن تغيب حقوق المصرية المسيحية عن معظم تلك النضالات، ربما لأنها الأعقد أو ربما لأنها تحت سلطة دولة ومجتمع وكنيسة، ومن ثم تكون تحت وطأة قمع مزدوج يمزج بين الذكورية والطائفية، وربما في بعض الحالات يضاف إليهما الطبقية أيضا.

إن احتكار مؤسسة دينية رسمية مثل الكنيسة الأرثوذوكسية للتمثيل الاجتماعي والسياسي ليس بأمر جديد وله تاريخ وأصول وأهداف، مثل إجهاض أي محاولة لاستقلال المسيحيين في المجال السياسي وانتظامهم في حركة مدنية من قبل دولة وكنيسة لهما مصالح مشتركة، وبينهما مساحة للتفاوض لجني المكتسبات. لكن الأزمة تفاقمت عندما تم استدعاء ممثلي قطاعات واسعة من المجتمع لتلتف حول المؤسسة العسكرية بقيادة السيسي باعتباره مخلص الدولة من الإخوان ومشارف الحكم الإسلامي المرتقب. وقد كانت الكنيسة الأرثوذوكسية، ممثلة في البابا تواضروس، أحد تلك القطاعات. ومع الخطاب الدعائي والتحريضي لمجموعات الإسلام السياسي الذي أصر أن يصف الداعين إلى 30 يونية بالأقباط والعلمانيين، وجدت الكنيسة نفسها في صدارة المشهد، فأصبح المسيحيون كبش الفداء منذ الفض الدموي لاعتصام رابعة. ليست الإشارة لتماهي الكنيسة خلف المؤسسة العسكرية هنا تبريرا للحوادث الطائفية التي يتعرض لها المسيحيون كما يجادل بعض الإسلاميين، وإنما لتوضيح موقف الدولة من المسيحيين. لقد كان الهجوم على المسيحيين في حالة فض اعتصامي النهضة ورابعة متوقعا بل وواضحا للجميع. في المنيا، مثلا، استغاث أهلها مرارا من اعتصامات بعض السلفيين الغرباء عن البلد بجانب بيوت وكنائس للمسيحيين من بعد 30 يونية، بل أن البعض علَّم على منازل المسيحيين واضطرت بعض الجمعيات ودور رعايا الأيتام إلى إخلاء مقارها خوفا على الأطفال من اعتداءات هؤلاء المعتصمين. نحن إذن أمام دولة أمنية بوليسية لم تكترث أن تحمي المواطنين المسيحيين الذين استغلتهم لتحقيق مكسب سياسي، بل انهمكت فقط في تأمين سلطتها وسيطرتها.

“لو حرقوا الكنائس هنصلي مع اخواتنا المسلمين في المساجد، ولو حرقوا المساجد هنصلي مع بعض في الشارع، المهم نفضل مع بعض من أجل الوطن” كان ذلك هو تعليق البابا تواضروس على حرق الكنائس بعد فض اعتصام رابعة الدموي، وفي نفس السياق استطرد البابا قائلا “إن وطنا بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن، وأن الإنسان أهم من الحيطان”. وفي كلمته في فبراير الماضي خلال المؤتمر الدوليالحرية والمواطنة” بالأزهر الشريف قال البابا تواضروس: “قبلنا هدم الكنائس في مقابل أن  يعيش الإنسان وأن يحيا الوطن”. إن هذه الرسائل تمثل خطرا على المواطنة مثله مثل خطر داعش، وإن كان مرجعه في جوهره “تضحية جسد المسيح”. لكن ما حدث هو أنه بعد مباركة هدم الكنائس تم تفجير الإنسان، فلم يحيا الإنسان للوطن، ولم ولن يحيا وطن يموت فيه المواطنون منفجرين.

بعد تفجيرات أحد الشعانين آلمني بشدة مداعبة بعض الآباء الكهنة لشعب الكنيسة ليلة العيد قائلين: “مستعدين لملكوت الله وإكليل الشهادة ولا في الخطية مكملين؟”، كنيستنا المصرية بالطبع هي كنيسة الشهداء وبالحق إنني “مع المسيح صلبت لأحيا، لا أنا بل المسيح يحيا في”. لكن المفترض أننا في حقبة زمنية مختلفة، بشعارات الحداثة وادعاءات من الجميع أن دولتنا دولة حديثة ذات سيادة. فلماذا إذن تحاول تهدئتي ومنعي من النضال من أجل حقوقي ومواطنتي، وتجعلني أتقبل أن أموت متفجرة على يد داعش. الحديث عن كنيسة الشهداء يجب أن يكون متعقلا، وليس بهدف إجهاض محاولات المسيحيين نيل حقوقهم المدنية والسياسية.

***

من أجل أحد القيامة والعبور بنا للعهد الجديد..

في محاولة من بعضنا لصياغة بديل للوضع الحالي عن طريق تفكيك بنية التمييز والسلطوية التي تنتجه، وطرح المواطنة والمساواة في الحقوق كبديل وحيد، دعينا ممثلي الحركة الديمقراطية للنقاش حول الواقع وآليات الاشتباك معه على المحاور المختلفة. نقد الذات أصبح ضروريا، ليس لجلدها، ولكن ربما لتجديد خطابنا وتعاطينا مع ملف المواطنة.

لعقد بالفعل لقاء جمع كثير من المهتمين بملف المواطنة عامة وقضية التمييز الديني تحديدا. انقسم اللقاء لجلستين؛ جلسة تحليل ومحاولة لفهم الوضع الراهن والخطاب الطائفي السائد، ومحاولة لفهم دور كل من الدولة -المؤسسات الدينية الرسمية- قوى الإسلام السياسي في هذه العملية، وجلسة نقد ذاتي للمجتمع السياسي وقواه فيما يخص التفاعل مع قضايا التمييز والطائفية، وبحث كيفية صياغة البديل.

بعض النقاط الهامة التي تم طرحها والاشتباك معها:

* واجهتنا معضلة تعريف “الحركة الديمقراطية”، فنحن ممثلون لتيارات مختلفة وواسعة ومنا من استقل عن أي تنظيمات ومكتفي بالعمل داخل حملات بأهداف معينة. في أغلب الوقت ألجأ لمصطلح أراه أكثر أمنا وهو “المجتمع المدني” وإن كان هذا المصطلح قد تم تفريغه من مضمونه وإعادة تدويره واستخدامه لوصف منظمات المجتمع المدني فقط. المجتمع المدني لدى جرامشي هو ذلك الكيان الواسع المتعدد بأحزابه وحركاته الاجتماعية واتحاداته ونقاباته المستقلة وإعلامه المستقل وجمعياته ومنظمات المجتمع المدني؛ هو ذلك الفاعل الأساسي للحفاظ على مصالح من ينتظم داخله، ولذلك حرصنا أن ندعو ممثلين عن أطرافه المتعددة مع التأكيد على أهمية تنظيم لقاء يدور فقط حول تعريف “الحركة الديمقراطية”.

*متعددون نحن في أيديولوجياتنا وإن كان معظمنا يميل لليسار، لكن اليسار واسع وحمال أوجه، فكان مهما أن تطرح للمناقشة التفسيرات المختلفة للتمييز الديني. فمثلا، التفسير المحسوب على التصور العلماني هو اعتبار أن المشكلة في الدين الذي لا يصلح معه تنوير أو تحديث مثلما حدث مع المسيحية في الغرب، متجاهلا إن عملية التحديث الديني في الغرب سبقتها تطور اقتصادي وظهور قوى اجتماعية لديها مصلحة في العلمنة لإضعاف تأثير دعم الكنيسة للنظام الحاكم. ومن ناحية أخرى هناك تفسير يتبناه قطاع واسع من اليسار، يربط بين الطائفية وبين “دولة العلم والإيمان” والمادة الثانية للدستور، أي دولة السادات، ويمحور أسباب الطائفية حول شخص السادات، متغافلا أحداثا طائفية كثيرة حدثت قبله. ربما كان عصر السادات فرصة لظهور طائفية متراكمة، لكنها سبقت وجوده وكانت أعقد بكثير من تأثير انحيازات وممارسات فرد حتى وإن كان رئيس دولة. كان السرد التاريخي لتفسيرات ظاهرة التمييز الديني بداية مهمة لتقارب وجهات النظر ونقد تلك التفسيرات التي لا تجيب وحدها على تساؤلاتنا المشروعة.

*جزئية أم كلية تلك هي المعضلة: كما ذكرت سابقا، فإن كثيرين منا في بداية اشتباكهم مع السياسة، خاصة من المسيحيين، اعتقدوا أن الحديث عن قضايا التمييز هو نوع من الأنانية والانشغال بالمصالح الضيقة على حساب المصلحة العامة، فكان الفكر الثوري السائد يتلخص في أن الثورة هي الحل الكلي العام للقضايا “الجزئية، وأن انتصار الثورة يعني القضاء على الطائفية والطبقية والتمييز ضد النساء، وكل أشكال التمييز والقضايا التي اعتبرها الثوريون جزئية. ولكن تجربة الثورة وتطور الصراع ومراجعة الذات أثبتت أنه من الضروري الاشتباك مع كل نضال جزئي يضم قطاعات أكبر من المجتمع لصفوفنا، قطاعات لم نستطع اجتذابها حول المصلحة العامة ونحن ننحي مصلحتها الخاصة جانبا. كان لينين يشدد على أن الطريقة الوحيدة لنمو الطبقة العاملة الطليعية سياسيا وضم قطاعات أكبر من المجتمع إلى صفوف أعداء النظم الرأسمالية هي اشتباكها مع كل النضالات الديمقراطية في مواجهة كل حالات الظلم، بغض النظر عن المعرضين لهذا الظلم في كل حالة. فقوى الثورة يشتد عودها عبر تعزيز كل نضال جزئي.

لقد كشفت السنوات الماضية للجميع أن تصوراتنا عن الثورة ليست واحدة، وأن كثيرين من المحسوبين على الثورة يحملون بداخلهم أنماطا رجعية مختلفة، فهناك من يحمل أنماطا ذكورية وهناك من يحمل أنماطا طائفية الخ، تحول دون نمو وتطور هؤلاء الأشخاص مجتمعيا وسياسيا. لذلك فإن الاشتباك مع النضالات الجزئية ضروري لفرز وتطوير الثوريين لاستكمال ثورتهم.

*دولة بديلة أم فكر بديل: لقد أظهر الاشتباك مع دورنا في طرح المواطنة كبديل أن هناك خلطا في مفهوم البديل وآليات طرحه. فالحركة الديمقراطية أو المجتمع المدني الجرامشي لن يقدم نفسه كدولة بديلة مكتملة. بل دورنا في واقع الأمر هو طرح فكر بديل يحتشد عليه المواطنون للدفاع عن مصالحهم. نناضل لكسب القطاعات الأكثر عرضة للتمييز والاضطهاد حول تصوراتنا للمواطنة كحل حقيقي لمعاناتهم، ونسعى لتحرير تلك القطاعات من سيطرة البنية الحالية، ونحفزها على تنظيم ذاتها في حركة مدنية خارج أطر المؤسسات الدينية الرسمية المحتكرة تمثيلهم. نحن نسعى لبناء تيار مدني يستطيع أن يفكك تلك البنية السائدة يوما ما ويعيد بناء الدولة والمجتمع على أسس مختلفة.

انطلاقا من فهمنا لدورنا في طرح المواطنة كبديل تطرقنا لطرق وآليات نضالنا المقترحة لتفعيل العمل على ملف المواطنة سياسيا:

  1. نضال مباشر ضد الممارسات الطائفية وعلى مستوى التشريعات والخطاب السياسي.
  2. المساهمة في تشكيل الوعي عن طريق التعليم والثقافة والإعلام في مواجهة دولة تحتكر حتى مفهوم تجديد الخطاب الديني وهي لا تزال تقمع الأصوات بتهمة ازدراء الأديان.
  3. أهمية التعاطي مع مثلث الانتهاك: المجتمع التمييزي، الدولة، المؤسسات الدينية الرسمية، والاشتباك مع المحاور الثلاثة على مستويات مختلفة، مستوى الإجراءات والتحركات الآنية ومستوى التحركات متوسطة وطويلة المدى، بغرض تفكيك بنية التمييز بأشكاله المختلفة وبنية الاستبداد والسلطوية التي تنتجه وطرح المواطنة والمساواة كبديل وحيد.
  4. يتطلب السعي لتحرير القطاعات المضطهدة من سيطرة البنية الحالية بناء أدوات للتواصل مع هذه الجماهير، سواء عن طريق مجموعات عمل أو خطاب إعلامي، فلا نكتفي فقط برفض الممارسات الطائفية، بل نطرح تصورنا لتغيير المناخ الذي يسمح باستمرارية وتكرار تلك الممارسات.
  5. النضال من أجل فتح المجال العام كسبيل لمواجهة البنية الفكرية الرجعية السائدة في المجتمع.
  6. النضال من أجل حرية الرأي والتنظيم والدفاع عن الأفكار، وتشجيع المسيحيين على أن تنظيم أنفسهم للدفاع عن مصالحهم خارج إطار المؤسسة الدينية؛ إن ضمهم للحراك الديمقراطي خطوة لتحرر الجميع.
  7. عقد لقاءات دورية لمناقشة مفاهيم المواطنة والحراك الثوري ودراسة نماذج حركية للنضالات الجزئية في ظل الحراك للمصالح العامة، سعيا إلى أن تسهم هذه اللقاءات في فرز وتطوير الحركة.

على طريق الآلام محطات كثيرة للتغيير، تحديات ممزوجة بفرص للخلاص، مثل “ثائر مصلوب” نحمل صليبنا متعبين ومتهالكين، لكننا عابرون من ظلمة إلى نور.. هذا الصليب الذي يعتقدون أنه يوصمنا هو طريقنا للتحول. فبعد كل جمعة حزينة يأتي أحد النصرة والقيامة ليعبر بنا للعهد الجديد.. عهد ثورة حقيقية نتاج نضالات جزئية تراكمت، وآمنت بها جماهير رأت في آلامها وخلاصها الخلاص فانتصرت لها وبها، هكذا أرى النضال من أجل كل المضطهدين والمهمشين.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

الشريعة في دساتير ما بعد ثورة يناير… ما يعنينا هنا أن الاستجابة المحافظة للضغط الإسلامي كانت تتم عبر نفس الآليات الخطابية للإسلام المعلمن، أي إعادة تقديم الخطوط الحمراء الموروثة من التراث الإسلامي، والتي كانت تعد تعديًا على حدود الله، بوصفها تعديًا على حساسيات فردية بالأساس يتشكل من جماعها ما يسمى بالنظام العام.

عمرو عبد الرحمن

قالوا له

أحمد جمال زيادة

ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (5) شهدت الثورة المصرية اللحظة الرابعة لبزوغ مجال سياسي حي وحيوي من شأنه أن يفتح آفاقا واسعة، رحبة لتطور ديمقراطي غير مسبوق في تاريخنا الحديث كله، مجال سياسي يصنع صنعا في الشوارع والميداين، يصنعه فقراء الوطن وكادحيه في مواجهة صريحة وضارية مع البرجوازية المصرية ودولتها.

هاني شكر الله

مائدة مستديرة: “30 يونيو” بعد أربع سنوات تقدم "بالأحمر" أعمال المائدة المستديرة التي عقدتها بمناسبة حلول الذكرى الرابعة لـ30 يونيو 2013، والتي حاولنا فيها النظر من عدة زوايا للحدث الذي مثل تحولا لمجرى الأحداث في مصر. وإذ شهد اللقاء نقاشا ثريا بين مختلف وجهات النظر، فإننا نأمل أن يسهم نشرنا لأعمال المائدة المستديرة في استكمال هذا النقاش.

الاقتصاد السياسي والحركات العمالية والانتفاضات الشعبية في 2011 تميل التحليلات الغربية للانتفاضات العربية التي اندلعت سنة 2011 إلى التأكيد على دور شباب الفيسبوك ووسائل التواصل الاجتماعي أو منظمات المجتمع المدني. ولعل التركيز على الحركات الاجتماعية للعمال والعاطلين قبل اندلاع هذه الانتفاضات وأثناءها يوفر مزيدا من العمق التاريخي والفهم الأصيل.

جويل بنين