ثورة بغير منظمات ثورية، وسياسة بلا أحزاب سياسية… محاولة نحو فك اللغز المصري (1)

قضايا

10  فبراير  2017

لعنة ما تبدو وقد أصابت الأحزاب والحياة الحزبية في بلادنا. ثورة يوليو تنجح بسهولة مدهشة في القضاء على حزب الوفد، حزب الأغلبية بلا منازع منذ مولده في آتون ثورة 19، وبخاصة منذ دستور 23 وتشكيل أول وزارة وفدية عام 24. مظاهرة مدفوعة الأجر في مارس 54 تقضي على حزب “الأمة المصرية”، حزب سعد زغلول ومصطفى النحاس، وتنجح في الوقت نفسه في تصفية جملة من المنظمات الحزبية والديمقراطية كانت قد شهدت مع نهاية الحرب العالمية الثانية نهوضا عارما، متجاوزة الهيمنة الوفدية ومتحدية لها.

هزيمة يونيو 67 تشكل ضربة قاصمة للهيمنة الناصرية لتنبعث الحياة السياسية في البلاد مجددا في صورة نضالات طلابية وعمالية يهتز لها نظام السادات، وتبرز في إطارها منظمات ثورية سرية تتوسع ويزداد نفوذها وتأثيرها السياسي والجماهيري بسرعة مدهشة، ويتحول شباب المثقفين للماركسية بصورة تلقائية، إذا جاز استعارة وصف لينين لمرحلة النشأة للحركة الاشتراكية الديمقراطية في روسيا في أواخر القرن التاسع عشر، يصاحبها مبادرات وأشكال للتنظيم الديمقراطي في مجالات شديدة التنوع في الحركة الطلابية وفي النقابات المهنية والعمالية وفي الحركة الثقافية.

حرب أكتوبر ترتب تراجعا في الحركة الطلابية والثقافية وإن لم تقض على ما ارتبط بها من زخم يتواصل بعدها (انتفاضات 75 الطلابية، المسيرة على البرلمان، ثم الانتخابات البرلمانية في 76)، ولكن يترتب عليها في الوقت نفسه (وقد تراجعت حدة الأزمة الوطنية وما ارتبط بها من ابتزاز طبقي) نهوض عمالي عارم، في معركة تاريخية بكل المعاني دافعت الحركة العمالية فيها عن مكتسباتها، ومكتسبات الفقراء عموما، ضد عدوان ضارٍ على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لا للعمال فحسب ولكن الشعب عموما.

زخم حركات الطلاب والمثقفين والنهوض الكبير في الحركة العمالية يبلغ ذروة هائلة في انتفاضة 18 و19 يناير 77 (بروفة ثورة 2011)، لا لتفرض التراجع عن الإجراءات المباشرة لرفع الدعم فحسب، ولكن لتضع بصمتها على كامل استراتيجية النظام في التحلل من “العقد الاجتماعي” لمرحلة السلطوية الشعبوية طوال عقد وأكثر من الزمان، ولتشكل العنصر الأهم في “تدريجية” المباركية وهي التي طالما عرضت نظامه لانتقادات المؤسسات الدولية لمعاناته من “عقدة يناير 77”.

تحلل السلطوية الشعبوية يفرض بدوره تكيفا سياسيا على النظام، فيتم تفكيك الاتحاد الاشتراكي لثلاثة منابر بداية، ثم يُصفى لصالح تعددية حزبية مقيدة (يقتنص فيها النظام بعضا من رموز المقاومة الطلابية والعمالية، فيعتمد نشيد “بلادي” (وقد أحيته الحركة الطلابية) نشيدا وطنيا، ويطلق اسم “الحزب الوطني الديمقراطي” على الحزب الحاكم في طبعته الجديدة (في سرقة أدبية صارخة من “التجمع الوطني الديمقراطي” للحركة الطلابية). يسفر التحول عن حزبين أساسيين بجانب “الحزب الحاكم” هما حزبا التجمع والوفد الجديد، فينشأ كلاهما نشأة كبيرة نسبيا، الأول مستفيدا (في تناقض فريد) من كل من الزخم الثوري للسبعينيات ومن تراجعه في الوقت نفسه، والثاني من حنين أقسام من البرجوازية لماضي ما قبل ناصري موهوم (حيث الوفد حزب فؤاد باشا وليس حزب زغلول والنحاس)، ولوهم مؤقت حول طبيعة وآفاق التحول الساداتي.

ثم يبدأ الانهيار سحيقا ساحقا ليمتد عقودا ثلاثة.

الحزبان الشرعيان الجديران بالتسمية يعيشان سنوات من الانحدار الحاد والمتواصل: أحزاب بلا قواعد، ومقرات بلا أحزاب، وجرائد بلا قراء. الحركة العمالية تواصل مقاومة متقطعة، ولكن لا يبدو هناك تراكم يذكر، فيبقى التنظيم النقابي الرسمي أسير السيطرة الحكومية وعملائها الفسدة، وتبقى الحركة تحركات متناثرة، مفتقدة للوحدة والتنظيم، وتكاد التجارب التنظيمية الرائدة للسبعينيات، وأبرزها تجربة لجان مندوبي الأقسام تنزوي في غياهب النسيان. المنظمات الماركسية السرية تدخل بدورها في ركود ثم أفول لتكاد تختفي تماما مع نهاية القرن، ومنظمات جديدة تنشأ منبتة الصلة بما سبقها، وتعاني مثلها مثل سابقاتها من الباب الدوار، حيث الخارج يعادل الداخل أو يفوقه، والانقسامات قدر لا فكاك منه.

هو عهد محو المجال السياسي محوا تاما، عهد التحول الأوليجاركي للنظام وعهد صعود إسلامي ساحق، يعيد صياغة التشكيلة الأيديولوجية والثقافية السائدة بقدر ما يطبع بطابعه ما بقي من سياسة أو بالأحرى شبه سياسة، في ظل مباراة جنون متوحش بين الدولة البوليسية والإرهاب الديني. وهي أيضا مرحلة تمترس ما تبقى من الحركة الديمقراطية، وما نشأ في غضونها في ثنايا ما سمي بمنظمات “المجتمع المدني”. والناس متفرجون، متدروشون، وفي أحيان كثيرة مشدوهون بما يرون من مواجهات ومساومات وكر وفر بين الدولة والإرهاب، وبين الدولة ومعارضتها السياسية أو شبه السياسية، دينية أو “مدنية”.

“فاست فوروارد” لثورة يناير، ولن نتوقف عند مقدماتها، فلسنا هنا بصدد تأريخ الحياة السياسية والحزبية في مصر خلال نصف القرن الماضي ونيف، حتى وإن بدا الأمر كذلك، ولكن المقصود من هذه المقدمة هو إبراز تلك المفارقة المدهشة لحياة سياسية وحزبية تبدو مشؤومة، ما أن تنبثق حتى تخبو وتنطفئ. ولا تبدو تلك المفارقة صارخة، صادمة بقدر ما تبدو بعد ثورة يناير، فتذهب بنا إلى لغز من نوع ألغاز أبي الهول.

في غمضة عين بعثت ثورة يناير المجال السياسي بعد موت دام عقودا طويلة قاتمة كئيبة. وقتها كتبت أن المجال السياسي المصري ولد من جديد كامل النمو مكتمل التسلح والعتاد كولادة الإلهة الإغريقية أثينا من جبهة زيوس – مولد جديد في الشوارع والميادين، مولد صاخب حافل ومزلزل، مذهل في ثرائه وإبداعه، في اتساعه ورحابته، في عمق ونبل قيمه الديمقراطية، في عظمة حلمه وفي قوة إصراره على إعادة صياغة مجتمع ووطن، قوامهما الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

نعرف أن الناس يتعلمون في غضون المراحل الثورية في أيام وأسابيع ما لم يكن بوسعهم تعلمه في سنوات. فلم نكن إزاء هوجة ساخطة فاقدة الاتجاه، بل ثورة شعبية كبرى قوامها الأساسي فقراء المدن، أذهلت العالم بانضباطها وبسالتها وإبداعها التنظيمي، وبجلاء وجلال رؤيتها لأهدافها التاريخية الكبرى. ولم يكن أي من هذا ممكنا لو لم تكن هناك قيادة ميدانية لعبت دورا بارزا في إشعال شرارتها واتسعت في غضونها -كما كان محتما لها أن تتسع- لتشمل مئات وآلاف القادمين الجدد، صُنعوا في أتونها وتقدموا للمشاركة في قيادتها، لنجد أنفسنا إزاء قدرة تنظيمية فائقة احتجاجية الطابع وحافلة بالتنوع، خلاقة، بالغة التعقيد والعمق، كان من المستحيل تماما على أي قوى سياسية مهما بلغ شأنها أن تخطط لها أو أن تضطلع وحدها بصياغتها، أو حتى أن يتسع لها خيالها، بل كانت في ثورة يناير كما في كل لحظة نهوض جماهيري سبقتها -عندنا وعند غيرنا من الشعوب- حصادا لذلك النهوض نفسه وما يطلقه عند الجماهير من طاقة هائلة يتجمع فيها إبداع وموهبة وبسالة الآلاف وعشرات الآلاف ليصب في مجرى واحد جبار في تدفقه.

أين ذهب هذا كله وكيف؟ لماذا بقيت الثورة المصرية، وقد امتد فورانها وزخمها قرابة عامين ونصف، عاجزة عن بلورة أحزاب سياسية مؤهلة للتدخل المؤثر والفعال في ترتيبات السلطة السياسية ما بعد اسقاط مبارك وزمرته؟ كيف لم تنجح ثورة شعبية كبرى كهذه في بلورة ولو حزب ثوري واحد؟

لا أدعي امتلاك إجابة شافية على السؤال/اللغز، ولا يوجد في حقيقة الأمر وصفة سحرية لحل مسألة التنظيم السياسي، وهي في كل الأحوال ليست قضية تقنية تتعلق بالصيغ الأكثر ملائمة للتنظيم، بلوائحه الداخلية وبنظم العمل فيه، وكلها أمور طال النقاش والبحث فيها، وجُربت الصيغة تلو الأخرى بلا طائل. وظني ان قضية التنظيم هي في المحل الأول مسألة فكرية سياسية. وفيما يلي سأحاول طرح بعض مما أتصوره عناصر جوهرية في تفسير استدامة أزمة التنظيم السياسي الحزبي في بلادنا، ومن ثم في صياغة ولو مؤشرات أولية نحو سبل التعامل معها.

أولا: البرجوازية والديمقراطية

الرواية الشائعة عندنا، يمينا ويسارا ووسطا، هي أن الديمقراطية (وبالأحرى الديمقراطية الليبرالية) هي صناعة الطبقة الوسطى التي تشكل أساسا لا غنى عنه للديمقراطية أو التحول نحوها (وفي ترجمة فظيعة في وقعها على الأذن العربية: “المقرطة”). هذه هي العقيدة المعتمدة لدى المؤسسات الدولية وعند غالبية ساحقة من الأكاديميين والكتاب والمعلقين السياسيين، وقد وجدت طريقها بصور مختلفة لصفوف اليسار والثوار المصريين بوجه عام، وربما كان ذلك محتما في ظل نفاذ تأثيرات ليبرالية لا يستهان بها بين اليسار خلال العقدين السابقين على الثورة، وسنتعرض لها لاحقا.

في العقيدة الليبرالية المحدثة، الديمقراطية هي النظير السياسي للسوق الحرة في الاقتصاد، حيث سوبر ماركت البضائع المتنوعة المتنافسة يقابله سوبر ماركت الأفكار والأحزاب المتنافسة بدورها، والناس مستهلكون، أحرار فيما ينتقون بين هذا وذاك. وهي في ذلك أشبه ما تكون بالعقائد الدينية في منطقها الدائري، حيث كل إخفاق في تحقق نبوءتها هو برهان على قلة الإيمان، وليس على مشكلة ما في العقيدة نفسها. ولكن حتى ما إذا نحينا جانبا الطرح الليبرالي الأكثر كمالا إذا جاز القول، يبقى أن الذهنية الشائعة عندنا تربط ربطا وثيقا بين الوزن النسبي لـ”الطبقة الوسطى” وبين إمكانية الديمقراطية، ولطالما نعى مفكرون مصريون كبار “سقوط” الطبقة الوسطى أو انحدارها أو انحسارها في عهدي السادات ومبارك، وهو ما طُرح في كثير من الأحيان كسبب جوهري لغياب الديمقراطية أو لصعوبة تحقيقها.

وتبدو المفارقة في أن أطروحات انحسار أو سقوط الطبقة الوسطى في مصر اقترنت في واقع الأمر بمرحلة اتساع هائل في صفوف تلك الفئة الاجتماعية الغائمة، وهو اتساع صاحب إثمار الحراك الاجتماعي الكبير للمرحلة الناصرية وموجات الهجرة للنفط والخصخصة. وظني أن القول بسقوط الطبقة الوسطى أو انحسارها في تلك الفترة (أي الثمانينيات والتسعينيات) كان معنيا في المحل الأول بمظاهر التمايز في جهاز الدولة البيروقراطي بين برجوازية بيروقراطية اكتمل تشكلها من الناحية الأساسية، ومن ثم تقود عملية تحويل الملكية العامة للطبقة لملكية خاصة لأفرادها ومجموعاتها وتنسج شبكات مصالح وتزاوج وتوارث مع برجوازية القطاع الخاص، من جهة، وجحافل موظفين كبار وصغار خارجون من المولد بلا حمص، من جهة أخرى.

وحين جاءت الثورة المصرية في يناير 2011 أعلنها المعلقون الغربيون، بما يشبه الإجماع، ثورة للطبقة الوسطى المصرية، وهو ما لقي استجابات شتى عندنا.

دعونا هنا ننحي جانبا مصطلح الطبقة الوسطى، فهو غائم ومطاط مثله مثل مواد القانون الجنائي المصري. لربما كان يقول شيئا ذا دلالة ما في زمن انقسمت فيه المجتمعات بين ارستقراطية الأرض والفلاحين وسكان المدن، أما حين نقول بالطبقة الوسطى في عصرنا هذا، فنحن نخلط بين ظواهر اجتماعية شديدة الاختلاف تشمل البرجوازية، كما تشمل البرجوازية الصغيرة. فضلا عما يمكن أن نسميه بالطبقة العاملة الجديدة، أي تلك التي تبيع قوة عملها الذهني، كما تشمل المثقفين (بمعنى الانتلجنسيا)، وهؤلاء يتوزعون على الطبقات المختلفة وفقا لأفكارهم ورؤاهم وطابع نشاطهم الفكري والثقافي.

لم يستخدم بارينجتون مور، وهو الذي كثيرا ما يشار إليه بوصفه المرجع الأهم للقول الشائع بحيوية الطبقة الوسطى للديمقراطية، مصطلح الطبقة الوسطى في دراسته الشهيرة “الأصول الاجتماعية للديكتاتورية والديمقراطية”، وإنما انصب حديثه القديم على العلاقة بين البرجوازية (وزنها النسبي وأنماط تطورها وعلاقتها بغيرها من المالكين وبالطبقات العاملة)، والديمقراطية.

إساءة استخدام دراسة بارنجتون مور الشهيرة لم تقتصر على استبدال “البرجوازية” بالطبقة الوسطى، ولكنها اختزلت الدراسة التاريخية الحافلة بالتعقيد في قوله بأنه “بدون برجوازية لا تكون هناك ديمقراطية”، وقد حورت بدورها لـ”بدون طبقة وسطى لا تكون هناك ديمقراطية”، وذلك رغم أن الدراسة تعدد أنماطا ثلاث من نشأة وتطور البرجوازية وعلاقاتها بغيرها من الطبقات المالكة وبالطبقات المسودة، يقود نمط واحد منها فقط للديمقراطية، أطلق عليه مور “النمط الرأسمالي الديمقراطي” (انجلترا، فرنسا، الولايات المتحدة)، بينما يقود النمطان الأخريان للاستبداد، أحدهما “النمط الرأسمالي الرجعي” (ألمانيا واليابان)، والآخر “الشيوعي” (روسيا)، حسبما ذهب مور.

وبصرف النظر عن مور (وقد تناول دراسته بالنقد منذ صدورها عام 1966 العديد من المفكرين الماركسيين، بالذات من أمريكا اللاتينية حيث لم تترجم قوة البرجوازية نفسها لديمقراطية ولكن لاستبداد مروع)، فقد شهدت الدراسات الليبرالية في قضايا التحول الديمقراطي انفجارا هائلا خلال العقود الماضية، أقل القليل منها اهتم بأزمات وحدود الديمقراطية في الغرب المتقدم وأكثرها عني بشروط التحول نحو الديمقراطية في الجنوب أو في بلدان ما سمي بالعالم الاشتراكي أو الشيوعي. وجلها يربط بمادية فظة بين الطبقة الوسطى والديمقراطية، وبين النمو الاقتصادي والديمقراطية ارتباط السبب بالنتيجة. ومن الطريف أن طرفي الجدال في علاقة النمو الاقتصادي بالديمقراطية تمحورا حول أيهما يشترط الأخر: هل يقود النمو الاقتصادي للديمقراطية أم أن الديمقراطية تقود للنمو الاقتصادي؟ بل ويقر البعض منهم (عن صدق غير معهود) بأن نمو الرأسمالية قد يعرقل التحول الديمقراطي من حيث ارتباطه بنمو مصاحب له للطبقات العاملة مما قد يخيف الطبقة الوسطى، مع اصرارهم برغم ذلك على صواب الحكمة الليبرالية العامة، التي تقضي بعلاقة طردية بين النمو الاقتصادي وارتفاع مستوى المعيشة من جهة، والديمقراطية من جهة أخرى، حيث النمو شرط لاتساع الطبقة الوسطى، وحيث الأخيرة قاعدة لا غنى عنها للديمقراطية.

الفكر الليبرالي الحديث، كما سبقت الإشارة، فكر ديني في الأساس، ومن ثم فهو غير معني كثيرا بالتاريخ الفعلي والوقائع المادية، يعيد قراءة الماضي بوصفه جنينا للحاضر، يختزل ويطمس حتى يكاد يمحو كل ما يخالف استنتاجاته الرئيسية، سواء تمثل ذلك في قرون وعقود مديدة من السيرورة التاريخية للبشر والأوطان أم في حاضر معاش حافل بالتعقيد وعصي على القولبة الأيديولوجية. خذ أسطورة الجنين الإغريقي القديم للديمقراطية الغربية الحديثة، وخذ أسطورة العقلانية المتأصلة في “الحضارة الغربية” (منذ أثينا أيضا)، وأسطورة العلمانية المتأصلة في الغرب المسيحي منذ “دع ما لقيصر لقيصر…”، وصولا لأساطير الحاضر حول العقلانية الكامنة في السوق الرأسمالية الحرة، وروشتة “توافق واشنطن” كمفتاح للنمو والازدهار، والـtrickle-down effect، أو ما يترجم للعربية بفظاعة بـ”الأثر الانتشاري”، كآلية لتوزيع الثروة، لنجد أنفسنا أمام معادلة: تحرير اقتصادي + روشتة + أثر انتشاري = نمو الطبقة الوسطى = مقرطة أو تحول نحو الديمقراطية = مرحبا! لقد وصلت لنهاية التاريخ.

لا يهم أن المعادلة لم تتحقق في أي مكان وزمان، فالمنطق الديني الدائري يقضي بأن عدم تحقق الصيغة المقدسة لا ينم عن عدم صوابها ولكن عن ضعف ما في الإيمان بها.

غير أن النصوص الدينية، كما هو معروف، قابلة لتفسيرات وقراءات متعددة، وكذا التنويعات على اللحن الليبرالي المحدث، خاصة في عقود “ما بعد الحداثة” وسياسات الهوية ومشاهد سقوط ما كان يسمى بالـ”معسكر الاشتراكي”، لتصدر لليسار، لا في بلادنا فحسب ولكن في أنحاء العالم، الكثير من المسلمات الليبرالية مستبطنة، خفية، تتخذ صورة المسلمات البديهية المعصومة من المساءلة والنقد.

دعونا إذن نقترب أكثر من سؤالنا حول الغياب المزمن للأحزاب والحياة الحزبية عندنا،. فنموذج الديمقراطية التمثيلية المسيطر على الأذهان يفترض بدءا أن تختار البرجوازية (أو تُجبر جبرا) على ممارسة هيمنتها على الدولة والمجتمع من خلال مجال سياسي مفتوح لهذا الحد أو ذاك، وأن يشكل المجال السياسي بأحزابه وهيئاته التمثيلية ساحة تنافس مستوية نسبيا بين أقسامها وتوجهاتها المتباينة والمتنازعة حتما، كما يشكل أداة مهمة في إخضاعها إلى هذا الحد أو ذاك لجهاز الدولة البيروقراطي، وفي بسط هيمنتها على غيرها من الطبقات، وذلك فيما يوفر في الوقت نفسه مساحة ما للطبقات والفئات الاجتماعية المسودة للتعبير عن نفسها وتحقيق بعض من مصالحها، وفي شيوع الوهم بين صفوفها في إمكانية تغيير اجتماعي حقيقي من خلال الآليات الانتخابية للديمقراطية التمثيلية، وقد صارت تلك ستارا قاتما تختبئ خلفه الطبيعة الرأسمالية الكامنة في صميم تكوين الدولة بصرف النظر عن القوى السياسية المتربعة على قمتها السياسية.

(ملاحظة على هامش الحديث: الطبيعة الرأسمالية للدولة القومية الحديثة أبعد مدى وأكثر عمقا وتعقيدا من “جيش وبوليس وبيروقراطية” كما عند إنجلز (أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة)، ولينين (الدولة والثورة)، وتكمن في صميم موقعها من تقسيم العمل الاجتماعي، في اعتلائها المجتمع وفي هيراركيتها وفي منطق إدارتها وأوامريتها وفي مفهوم القانون الحديث وليس مجرد نصوصه وفي آليات احتكارها للمعلومات والمعرفة وليس لمجرد أدوات العنف والقسر وفي انفصالها عن المجتمع المدني كما في أنماط تشابكاتها معه، وهو ما يحيط مسألة الدولة الاشتراكية بتعقيدات كبرى ربما لم تحل نظريا بعد وبالتأكيد لم تحل عمليا في ظل تجارب “الاشتراكية في بلد واحد”، ولعل حلها وثيق الصلة بتطوير وتعميق مفهوم الثورة المستمرة، ويبقى هذا حديثا آخر).

الدولة الرأسمالية محتوى وشكل، لب وقشرة خارجية، وهو ما دعا لينين (في “الدولة والثورة”، مستندا مرة أخرى لإنجلز) للقول بإن “الجمهورية الديمقراطية هي القشرة الأمثل (the best possible shell) للرأسمالية”. ولعل السطور أعلاه تبين لماذا هي كذلك، خاصة إذا ما استبدلنا عبارة “الجمهورية الديمقراطية” بعبارة أظنها أكثر دقة وهي “الديمقراطية الليبرالية” أو “التمثيلية” (جمهورية كانت أم ملكية دستورية). لكن الأهم تماما هو إدراك أن الحديث هنا على مستوى عال جدا من التجريد (ونلاحظ بصورة عابرة أن الانتقال من مستويات مختلفة من التجريد نحو الواقعي والملموس وبالعكس، يظل من المشكلات المنهجية الكبرى في استخدام التقليد الماركسي في تحليل الواقع العيني).

البرجوازية لا تجلس في لجنة لتنتقي من بين أشكال الدولة أفضلها وأمثلها، بل وليس في الأمر اختيار في الحقيقة، وإنما صيرورة تاريخية تتداخل وتتشابك فيها عشرات المحددات الداخلية والخارجية، المتحولة والمتغيرة بدورها، وأهمها الصراع الطبقي. وإذا أردنا التبسيط المخل بالضرورة، لقلنا إن محتوى الدولة الرأسمالية يتشكل على مستوى القاعدة (أي أسلوب الإنتاج)، وذلك بما هي على حد تعبير نيكوس بولانتزاس “تكثيف مادي خاص” لعلاقات الإنتاج، بينما يتحدد شكل الدولة على مستوى صراع الطبقات في صيرورته التاريخية.

الديمقراطية التمثيلية كما نعرفها اليوم، أو بالأحرى كما تصور في المخيلة الليبرالية وقد جردتها من كل وجود تاريخي وعيني، هي في كل الأحوال (واقعية أو متخيلة، حقيقة أو وهم) نتاج تطور تاريخي حافل، لعبت الصراعات الاجتماعية قوميا وعالميا دورا حاسما في صياغته. الثورات البرجوازية ثورية بقدر ما ينخرط فيها الكادحون ويدفعون بها إلى الأمام، وهي نادرا ما انتجت ديمقراطية تمثيلية في واقع الأمر، إنما ارتدادات واستعادات وصفقات مع ممثلي العهود البائدة. الديمقراطية الأمريكية ولدت مقتصرة على الرجال البيض ملاك العبيد. والبريطانية، وهي بدورها مقتصرة على الرجال الملاك، تحصن نفسها بصفقة مع الأرستقراطية فتُملكها جهاز الدولة، والبرجوازية الألمانية تتحصن بطبقة اليونكرز البروسية، والفرنسية، وقد اكتسبت راديكاليتها من فقراء المدن والريف، ترتد عن الثورة بالبونابرتية وبالاستعادة البربونية وبالملكية المالية أوليجاركية الطابع ثم بالبونابرتية مجددا.

أكثر من قرن ونصف بين صعود البرجوازية للسلطة في الغرب وبين تشكل الديمقراطية التمثيلية المتخيلة: مواطنة وتعددية وتنوع وتداول سلمي للسلطة ومساواة أمام القانون. أكثر من قرن ونصف تتخللها ثورات تلو ثورات تقوم على أكتاف الكادحين ويُدفع ثمنها دما، ومعارك كبرى للتحرر الوطني في المستعمرات، وحربين عالميتين، وفاشية ونازية، وتحدى تاريخي للرأسمالية تمثله الثورة البلشفية في روسيا والثورة المجهضة في المانيا، ونضالات متواصلة للطبقات العاملة والمضطهدين لم يكن مجرد حق الاقتراع العام ممكنا دونها.

الحريات النقابية، التي يتغنى بها الكثيرون بيننا باعتبارها مكونا أساسيا للديمقراطية الليبرالية، لم يكن لها أن تتحقق إلا بفضل نضالات بطولية حافلة في المصانع والشوارع دفعت فيها الطبقات العاملة أنهُر من الدماء، وبقيت حتى يومنا هذا أرضا متنازع عليها، لا تُكتسب حتى تشرع الرأسماليات في الانقضاض عليها مجددا.

وماذا عن احترام التنوع والتعددية، والأمريكيون من أصل أفريقي لم يكتسبوا حق الاقتراع الفعلي إلا في ستينيات القرن العشرين، أيضا بنضالات ضارية أسيلت فيها أنهُر من الدماء، وما زالت – حتى وأوباما في البيت الأبيض – بينما واحد من كل ثلاثة رجال سود في السجون الأمريكية.

حقا، قد يكون من الأفضل للبرجوازية الحكم من خلال الأرض المستوية نسبيا التي يوفرها المجال السياسي، ولكنه ورغم تحصين الدولة والمجتمع المدني الرأسماليين بمئات الحصون المنيعة، ورغم بنية الدولة الرأسمالية وبيروقراطيتها وجيشها وشرطتها وأجهزة استخباراتها ونظمها القانونية، ورغم احتكار الرأسمالية (من خلال كل من الدولة والمجتمع المدني) للمدرسة والجامعة والإعلام وأنماط الخدمة الصحية والإسكان، ورغم فيتشية المستوى الاقتصادي الكامنة في صميم أسلوب الإنتاج الرأسمالي، والتي تضفي على النهب الرأسمالي طابع القوانين الطبيعية الخارجة عن الإرادة السياسية للمواطنين، ورغم مرحلة جديدة من العولمة الرأسمالية والاندماج المالي على الصعيد العالمي، والمؤسسات المالية الدولية وما تفرضه من قيود يبدو لا فكاك منها، لا على سيادة الدول الرأسمالية كما يذهب الإدعاء الشائع، ولكن وفي المحل الأول على قدرة شعوب تلك الدول على فرض ولو الحد الأدنى من السيادة عليها (ولكم في يونان سيريزا عبرة يا أولي الألباب)، رغم كل هذا يبقى المجال السياسي محفوفا بالمخاطر، فهو مجال تنظيم الكادحين لأنفسهم وهو المجال الأهم لتدخلهم في إدارة الدولة وفي ممارسة قدر من النفوذ عليها – ولو محدود بحدودها الرأسمالية.

تاريخ الديمقراطية التمثيلية كما نعرفها اليوم هو تاريخ توسيع نطاقها وتعميقها بنضالات الكادحين والمضطهدين من جهة، وتاريخ التآمر عليها وتقليصها وضربها من قبل الرأسماليات المحلية والرأسمالية العالمية من جهة أخرى – بالقمع السافر وبالالتفاف وبالتهميش وبتكريس الطابع الأوليجاركي لسلطة الدولة من خلال علاقات مباشرة بين كبريات التكتلات الرأسمالية وجهاز الدولة، من وراء ظهر المجال السياسي وعلى حسابه.

وثمة مفارقة بالغة الدلالة في هذا التاريخ وهي أن العصر الذهبي للديمقراطية التمثيلية في الغرب (بما هي حريات وممارسة نفوذ فعلي على الدولة) كان هو تلك الفترة بين نهاية الحرب العالمية الثانية وبين صعود الريجانية والتاتشرية في أواخر سبعينيات القرن الماضي، أي انه تحقق في المحل الأول على أيدي حكومات عمالية.

أما هذه الأيام ورغم فيض الأوهام وبدائع المدائح في نهاية التاريخ ومنتهاه، وفي موجات المقرطة الثالثة والرابعة والخامسة، فلا نشهد غير أزمة متنامية للديمقراطية التمثيلية في كل مكان، وتقليصا وتهميشا متزايدا للمجال السياسي في كافة البلدان، وصولا به في “الديمقراطية الأعظم” في العالم، أي في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى ما يشبه الكرنفال، حيث لا نفوذ للناس ولا تحقق لإرادتهم السياسية ولمصالحهم الاجتماعية، وإنما فُرجة أو spectacle تصعد ببهلوان فاشي النزعة لمقعد رئاسة الدولة.

اضافة تعليق جديد

التعليقات

  1. سعيد ابوطالب

    الفت النظر الى ان الحزب الثالث كان الأحرار الإشتراكيين ولم يكن الوفد على الأقل فى البدايات.

موضوعات ذات صلة

التاريخ قد يكتبه المنهزم عاد الحكم العسكري من جديد لينتقم من كل من له علاقة بثورة يناير، ومن كل من تجرأ على أن يهتف ضد الحكم العسكري، ومن كل من يستطيع أن يقول "لا"، فقدت رفيقي "أحمد المصري" في أغسطس 2013؛ بعدما اخترق رصاص الشرطة جسده من، ومات بعد 18 يومًا، كان لا يأكل حينها ولا يشرب.

أحمد جمال زيادة

اضطهاد الأقباط: دعوة للنقاش من أجل المواجهة في التحليل الأخير، التمحور حول الأمن هو تمحور حول هيمنة الدولة البوليسية وإن أخذت طابعا حداثيا في آليات الحكم، ولكنها تجهز على فكرة الحرية والمساواة ومن ثم فكرة المواطنة والحقوق.

علي الرجال

الفصل التاسع من كتاب (الاقتصاد المصري في القرن الحادي والعشرين) يستعرض هذا الفصل أهم الدراسات والبيانات التي تعطي صورة أفضل عن شرائح أغنى الأغنياء في مصر. كما يعرض لأهم السياسات التي تبنتها الحكومات المصرية خلال القرن الحادي والعشرين (ومن قبل ذلك أحيانا)، والتي عادة ما تؤدي من ناحية إلى تزايد تركز الدخل والثروة في يد أقلية من المواطنين، ومن ناحية أخرى إلى دفع المزيد من المواطنين إلى ما دون خط الفقر. أي زيادة حدة اللا مساواة.

سلمى حسين

الغذاء والزراعة والتغير المناخي قال ماركس إنه يمكن وجود زراعة عقلانية، لكن ذلك يعني تغييرا في نظم الإنتاج والملكية. ففي ظل الرأسمالية، "بدلا من التعامل الواعي والعقلاني مع الأرض باعتبارها ملكية جماعية دائمة وشرطا لا غنى عنه لوجود واستمرار سلاسة الجنس البشري، نجد استغلالا وإهدارا لقوى الأرض".

مارتن إمبسون

أوراق من اليسار المصري: وثيقة”طبيعة السلطة البرجوازية في مصر” لقد وجهت الطبقة الجديدة ضرباتها إلى رأس المال الكومبرادوري، والى رأس المال الاستعماري كما عملت على تصفية كبار ملاك الأرض كطبقة، وأدى ذلك إلى الخروج من قبضة السيطرة الاستعمارية الاقتصادية. ونجد أثر ذلك في الريف، فقد فتح الباب على مصارعيه لنمو العلاقات الرأسمالية فيه. وقد نمت الطبقة الرأسمالية الزراعية (من 10 - 50 فدانا) من ناحية العدد، ومن ناحية حجم الملكية، ومن ناحية نسبة ما تمتلك من أرض إلى المجموع العام.

بالأحمر