مئة عام من وعد بلفور

أفكار

02  مايو  2017

نشرت المقالة في مجلة كونتر بانش

أعلنت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، أن المملكة المتحدة سوف تحتفل بذكرى مرور مئة عام على إعلان وعد بلفور بنهاية هذا العام. خاطبت زعيمة حزب المحافظين الفئة الداعمة لإسرائيل (أصدقاء إسرائيل) في حزبها معلنةً أن إعلان وعد بلفور كان واحدا من أهم الخطابات في التاريخ، كما تعهدت أن تقوم حكومتها بالاحتفال بهذا الحدث “بكل فخر”.

ويعد إصرار رئيسة الوزراء على ذلك إيماءة واضحة إلى أن من يسيطرون على السياسات المحلية يسيطرون أيضا على التأويلات الرسمية للتاريخ. وفي الحالة الخاصة بمرور قرن على إعلان وعد بلفور، يبدو أن التحالف المستمر بين المصالح الصهيونية الخاصة مع القوى السياسية البريطانية على وشك تحويل ما كان كارثة للبريطانيين واليهود والفلسطينيين على حد سواء إلى مصدر فخر قومي.

ولقد رويت قصة إعلان وعد بلفور بتفاصيل موثقة في كتابي: “فلسطين أمريكا”. وفيما يلي ملخص موجز:

كان إعلان نوفمبر1917 حيلة أثناء الحرب العالمية الأولى قامت بها الحكومة البريطانية آنذاك لاجتذاب مساعدات اليهود بكل أنحاء العالم -والتي يعتقد خطأً أنها كانت تحت قيادة المنظمة الصهيونية العالمية الوليدة- إلى الجانب البريطاني. وفى المقابل، وعدت الحكومة البريطانية بخلق وطن قومي لليهود بفلسطين العربية عقب الحرب. وبذلك سعت إلى شراء المساعدة اليهودية بعملة شخص آخر؛ أي في مقابل أرض كانت تنتمي في ذاك الوقت إلى الإمبراطورية العثمانية.

وكان الأعضاء الرئيسيون في مجلس الوزراء الحربي بلندن، مثل وزير الخارجية آرثر بلفور، مؤمنين بأسطورة القوى اليهودية العالمية، وعلى هذا الأساس كانوا مقتنعين بأن التأثير اليهودي في واشنطن قد يساعد على دفع الولايات المتحدة إلى الحرب كحليف لبريطانيا وفي نفس الوقت المحافظة على بقاء روسيا- حليفتها بالجبهة الشرقية- في الحرب. وعلى الرغم من دخول الولايات المتحدة الحرب بعد وقت قصير، إلا أن ذلك لم يكن له علاقة بالنفوذ اليهودي، بينما شرع الروس، تحت قيادة البلاشفة، في تحقيق سلام منفصل مع الألمان.

بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، انهارت الإمبراطورية العثمانية ووجدت بريطانيا نفسها مسيطرة عسكريا على فلسطين. شرعت الحكومة في لندن في متابعة وعدها للصهاينة وذلك عن طريق السماح لليهود الأوروبيين بالهجرة بأعداد ضخمة إلى فلسطين. في هذه المرحلة كانت السياسة مدفوعة بمزيج من المعتقدات الدينية والعنصرية، جنبا إلى جنب مع الطموحات الإمبريالية. فأولا، كانت هناك حقيقة أن اليهود كان ينظر إليهم كحلفاء أوروبيين يزعم أنهم سيساعدون على تأمين جزء استراتيجي من الشرق الأوسط للإمبراطورية البريطانية. وثانيا، كان هناك اعتقاد أسطوري فاتن بأن الوطن القومي لليهود بطريقة أو بأخرى يتماشى مع تحقيق نبوءة للكتاب المقدس. وفي النهاية لم يؤد أي من هذا لنتائج جيدة لصالح البريطانيين. ففي عام 1948، تم إخراجهم من فلسطين من قبل الصهاينة العدائيين شديدي العنف والعرب القوميين، ورحلوا وهم يجرون أذيال الخيبة.

يبدو أن رئيسة الوزراء، ماي، و”أصدقاء إسرائيل” في حزبها يرفضون هذا التاريخ أو ربما لا يهتمون بالحقائق الموثقة لأن كل ما يهم الآن هو الحفاظ على الدعم المالي الذي يقدمه اللوبي الصهيوني لحزب المحافظين، وهكذا هي السياسات الديمقراطية في الغرب.

كارثة شاملة:

من المهم التأكيد على أن عواقب إعلان وعد بلفور أثبتت أنها كارثية. فلم تستمر الهيمنة البريطانية سوى ثلاثين عاما فقط وانتهت، كما ذكرنا للتو، بانسحاب مخز. وعانى الفلسطينيون عقودا من السلب والتطهير العرقي. وأصبح اليهود في دولة إسرائيل التي نتجت عن هذا الإعلان -المتدينون منهم والعلمانيون على حد سواء- والمرتبطين رسميا الآن بالروح الصهيونية، مستقطبين سياسيا ومتحولين ثقافيا لأيديولوجية عنصرية. فالصهيونية واليهودية اليوم في نظر العديد من اليهود وجهان لعملة واحدة. يمكنك إثبات هذه النقطة الأخيرة عن طريق وضع الأيديولوجية الصهيونية محل التساؤل. بالقيام بذلك، سيتم نعتك بمعاداة السامية.

لماذا جرت الأمور على هذا النحو؟ قطعا كان لتاريخ أوروبا في معاداة السامية، والذي بلغ ذروته في الهولوكوست، علاقة كبيرة بذلك. لطالما شكلت معاداة السامية تهديداً ليهود الغرب. لكن عادة ما كان هذا التهديد محلياً. وهذا يعني أنه حتى وإن تعرض يهود إحدى القرى اليهودية في جنوب روسيا مثلا للذبح، فقد يكون اليهود في مكان آخر يعيشون في ازدهار. لذلك كان الخطر دائما موجودا، لكن تم إدراكه على نحو متقطع. ثم جاء النازيون وتبدلت أبعاد التهديد بشكل جذري. ونتيجة لذلك، كان هناك انهيار كامل للحياة اليهودية الأوروبية. ولعدد لا بأس به، لم تعد التأويلات والفلسفات القديمة المعتمدة على التوراة والتي كانت تفسر العالم، كافية.

إذا ما الذي فعله اليهود الغربيون الذين استطاعوا النجاة في ظل هذه الظروف؟ فقد ذهب نظامهم الاجتماعي المعتاد، وأصبحوا على غير هدى في عالم لا يحمل سوى خطر الهلاك. وفى ظل هذه الظروف، بدت هناك فكرة وحيدة قابلة للتنفيذ، منطقية من الناحية التاريخية ويمكن أن تعمل كطوق نجاة؛ كانت هذه الفكرة هي الصهيونية.

بدت الصهيونية منطقية من الناحية التاريخية لأنها مزجت بين النجاح التاريخي للدولة القومية، والتي شكلت النظام السياسي الأكثر هيمنة في ذلك العصر، وأسطورة للكتاب المقدس خلقت منطق لوجود “دولة يهودية” على أرض فلسطين العربية. فبالنسبة للناجين من الهولوكوست ولأولئك اليهود الذين شاهدوا تدمير يهود أوروبا عن بعد (من أماكن مثل الولايات المتحدة على سبيل المثال) لابد وأن الفكرة في مجملها كانت تنطوي على منطق داخلي مريح بشكل لا يقاوم واعداً بأمان دائم في وطن قومي يهودي.

وبينما يمكن أن للمرء أن يتفهم قوة إغراء الصهيونية، إلا أنها، مثل غيرها من المذاهب العنصرية أو العرقية، لم تؤد إلا إلى كارثة متوقعة. الحقيقة أنه من المستحيل أن تقيم دولة بشكل حصري لشعب واحد (لنطلق عليهم شعب أ) في منطقة مأهولة بالفعل من قِبَل آخرين (لنطلق عليهم شعب ب) دون تبني سياسات عنصرية من الطرف الأول (أ) ودون مقاومة محتدمة من الطرف الثاني (ب). في ظل هذه الظروف، وبالنسبة للطرف الأول (أ)، لا يمكن أن يكون هناك أمن حقيقي، كما يستحيل وجود أي ثقافة وطنية صحية.

وقد أثبتت العملية برمتها وبشكل ملحوظ إفسادها الذاتي لليهود الصهاينة. ومن سخرية القدر الآن أن معظم الصهاينة هم أنفسهم معادون للسامية. وفى هذه الحالة يصبح الفلسطينيون والأعداد المتزايدة من اليهود الغربيين الذين أتوا لدعم قضيتهم، هم أهداف “السامية”.

وهكذا، فإن خطط الاحتفال بمئوية إعلان وعد بلفور تقوم على وهم أن شيئا شنيعا، هو أمر يستحق الفخر به. الطريقة الوحيدة التي يمكنك من خلالها تمرير هذه الفكرة، هي أن يكون لديك القدرة على لي عنق الحقيقة وتحريف الأحداث التاريخية لهذه الحقبة بأكملها لتصبح شيئا آخر مغاير- وهذا ما تخطط تيريزا ماي للقيام به.

اضافة تعليق جديد

موضوعات ذات صلة

أزمة قطر سيكون من الحماقة تماما أن ننظر إلى قطر أو تركيا أو إيران كممثل لنوع ما من الاصطفاف التقدمي لمجرد وقوفها -على الأقل في الوقت الراهن- على الجانب المواجه للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل. ذلك أن الصراع على السلطة الإقليمية هو ما أجج تلك التوترات وخلق كل أنواع التحالفات السياسية المتناقضة والهشة، ولكن أيا من الدول المعنية لا تمثل أي نوع من البديل السياسي يستحق دعم اليسار.

آدم هنية

بيت صهيون إذا كان تشكيل حركة فلسطينية موحدة من أجل الديمقراطية شرط قيام دولة واحدة في المستقبل، فالعقبات التي تحول دون تشكيلها واضحة، ولا يمكن التغلب عليها في الوقت الحاضر. ولا تشمل فقط المقاومة من رجال الدرك والتعذيب في رام الله، والمتعصبين في غزة، والاستثمار في القدس والعداء للغرب وإسرائيل، لأن فرص تحرر فلسطين قليلة اليوم مثلما كانت في الماضي، من دون تحول ثوري في المشهد العربي المحيط به.

بيري أندرسون

لا… إسرائيل ليست ديمقراطية ليست إسرائيل الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. إنها، في الحقيقة، ليست ديمقراطية على الإطلاق.

إيلان بابيه

مئوية سايكس بيكو.. الخرائط والتاريخ تلقي هذه المقالة نظرة نقدية تنقيحية إلى الحدث، بما هو مسار تاريخي، في إطاره من النزاع البريطاني ــ الفرنسي خلال وبُعيد الحرب العالمية الأولى لوراثة السلطنة العثمانية، نظرة تعيد الاعتبار للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية الاستعمارية، وتقيم الصلة بين اتفاقية سايكس -بيكو ووعد بلفور.

فواز طرابلسي

الاقتصاد العالمي: عودة الأزمة ربما تصبح الولايات المتحدة آخر دولة في الانزلاق إلى هوة الكساد، على عكس ما جرى خلال القرن الماضي، ذلك لأنها خرجت من أزمة 2007 - 2009 أقوى من منافسيها التقليديين. من المؤكد أن متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي، الذي يُقدَّر بـ2% سنويًا في الولايات المتحدة.

جويل جاير  ,  لي سوستار